الخميس 24 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

قطع الطريق على معرض الكتاب.. هوامش على الحدث الثقافى الأهم فى مصر

حرف

- نحتاج إلى أن تكون شخصية المعرض من بين الشخصيات التى لا تزال على قيد الحياة

قبل أيام قليلة من إعلان الدكتور عبدالعزيز قنصوة، وزير التعليم العالى والبحث العلمى والقائم بأعمال وزير الثقافة، عن أسماء اللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، كتبتُ ما يشبه الخبر على صفحتى العامة بأن معرض الكتاب فى موعده، ولا صحة لأى كلام عن تأجيل أو إلغاء، وسيتم الإعلان عن اللجنة العليا خلال أيام، وفتح الباب أمام الاشتراك قبل نهاية هذا الشهر، وسيتم حسم موضوع أسعار الإيجارات للأجنحة بشكل يرضى كل الأطراف. 

بعد دقائق من إعلانى ذلك وجدت من يسألنى عن أسباب ما كتبت، وهل هناك بالفعل ما يدعو إليه؟ 

والحقيقة أننى أرصد منذ فترة أن هناك ما يشبه حالة القلق العام واللا يقين فى كل وأى شىء، وطالت هذه الحالة معرض الكتاب، الذى هو الحدث الثقافى الأهم فى مصر، فهو ليس مجرد سوق للكتاب بقدر ما هو احتفالية ثقافية متكاملة تعكس دور وتأثير وقوة مصر الناعمة. 

أدت حالة القلق هذه إلى التشكيك فيما يمكننا اعتباره ثوابت تتعلق بالمعرض من حيث موعده وإجراءاته، ووجدت من يطرح سؤالًا: هل يتم إلغاء المعرض هذا العام؟ 

ورغم علمى بأنه لا يوجد ما يبرر هذا السؤال، لكن يبدو أن هناك من قرأ الصورة بشكل خاطئ، فقفز إلى ذهنه هذا السؤال الافتراضى الذى لم يكن يستند إلى وقائع تدعمه. 

لن أكون سيئ النية بالطبع وأفترض أن من طرحوا السؤال كانوا يريدون هدم المعبد على رءوس مَن فيه، فقد يكون لديهم ما دفعهم إلى طرحه، مثل أن هيئة الكتاب القائمة على تنظيم المعرض ليس لها رئيس بل قائم بالأعمال، ومثل تأخر الإعلان عن تشكيل اللجنة العليا، مما ترتب عليه تأخير الإعلان عن شخصية المعرض ومحاوره وندواته والضيوف المدعوين إليه، وأن الوقت أصبح يداهمنا بسرعة الصاروخ، ولن يتمكن القائمون على المعرض من إنهاء كل ما يحتاجه فى فترة قصيرة لا تتجاوز المائة يوم. 

لكن من فعلوا ذلك فى الغالب تجاهلوا حقيقتين واضحتين وماثلتين أمامنا: 

الأولى: إن معرض الكتاب ليس مهمة أشخاص، ولكنه مهمة دولة بمؤسساتها المختلفة، ولن تتهاون الدولة- حتى لو كان الوقت ضيقًا وهو كذلك بالفعل- فى شأن معرض هو واحد من أدواتها التى تعكس صورتها، فنجاح المعرض أو إخفاقه لا يتوقف على شخص بعينه يرأس الهيئة، ولكنه شأن تتشارك فيه الدولة جميعها. 

الثانية: إننا تعودنا فى مصر- وهذا مؤسف بالطبع- على أن نعمل فى اللحظة الأخيرة، والغريب أننا نستطيع إنجاز المطلوب منّا، ورغم قناعتى بذلك فإننى أتمنى أن نغير هذا الأداء، فمن المفروض فى حدث كبير مثل المعرض لا بد أن تعمل اللجنة العليا من اليوم التالى مباشرة لانتهاء دورة فى الإعداد للدورة الجديدة. 

حالة الجدل حول معرض القاهرة الدولى للكتاب كشفت لى مأساة حقيقية نعيشها فى مصر الآن. 

صحيح أن الحوار مطلوب، كما أن الاختلاف أمر طبيعى، وليس كل ما يحدث يجب أن يتفق عليه الجميع، لكننى رصدت حالة من الرفض لأسماء اللجنة العليا، ورغم تحفظى شخصيًا على بعض الأسماء بها، إلا أن هذا لا يمنح أحدًا مبررًا للاعتراض عليها، فقد كشف خطاب الرفض عن معنى سلبى للغاية، وهو أننا نمنح موافقتنا ومباركتنا لما يتوافق مع مصالحنا، فليس معنى أن فلان خارج اللجنة أن يهاجمها ويشوهها ويشكك فيها. 

هناك من كتب بموضوعية بالطبع، لكننى رصدت كتابات كشفت نفسها ومَن كتبها، حيث صادروا نجاح المعرض وبدأوا ينسجون حكايات عن المجتمعين فى اللجنة، وشككوا فى قدراتهم فى إنجاح الدورة المقبلة، دون أن يمنحوا أنفسهم فرصة لمتابعة ما سيقومون به وما سيقدمونه من أفكار يكون من شأنها الخروج بدورة تتناسب مع اسم وقيمة مصر. 

لقد جمعتنى جلسة سريعة مع المهندس هيثم يونس، القائم بأعمال رئيس هيئة الكتاب، والذى تم تعيينه مديرًا تنفيذيًا للمعرض، وكنت أعرف دوره وعمله فى الدورات السابقة فى معرض الكتاب، وسمعت منه ما يؤكد قدرته وخبرته ورغبته فى العمل الجاد والمحترف فيما يخص المعرض، ولا يوجد أى مبرر للاعتراض عليه أو التشكيك فيه، فمن حقه أن يخوض التجربة، فمصر تستمر بتوالى وتعاقب الأجيال القادرة على العمل، وليس منطقيًا أن ندور فى دائرة تضم أربعة أو خمسة أسماء، نحصر أنفسنا فيهم، ولا نكون قادرين على النظر خارجهم باعتبار أنهم وحدهم القادرون على العمل والإنجاز. 

لقد انتظرت الاجتماع الأول للجنة العليا لمعرض الكتاب، وعندما صدر عنها بيانها الأول قرأته بعناية، لم أكن أنتظر منه أن يقول كل شىء، لكنه كان كافيًا للإشارة إلى الخطوط العريضة والأساسية لعمل اللجنة وملامح الدورة المقبلة، وهى الدورة الـ٥٨ من دورات معرض الكتاب. 

وقد توقفت فى هذا البيان عند نقطتين فى غاية الأهمية: 

النقطة الأولى كانت فى تصريح الدكتور قنصوة بأن وزارة الثقافة هى الجهة المنظمة للمعرض، وهو ملك للدولة المصرية بكل مكوناتها، وفى مقدمتها الناشرون بوصفهم الشريك الأساسى والركيزة المحورية فى هذه المنظومة. 

ورغم أن الوزير يؤكد المؤكد ويفسر المفسر، إلا أن هذا التصريح فى غاية الأهمية، وتحديدًا لمن يعرفون الكواليس التى تدور فى الغرف المغلقة ومحاولات البعض فى فرض سيطرة من نوع ما على المعرض، والرغبة فى أن يكونوا هم المنظمون والمتحكمون فيه. 

لن أحدد هنا جهة بعينها، لكن خلال السنوات الماضية، وبفعل السيولة التى نعانى منها فى تحديد المسميات والمسئوليات والأدوار، هناك من أراد التدخل فى إدارة المعرض وفرض وجهة نظر معينة على القائمين عليه، وكانت هناك مقاومة شديدة لهذه الرغبة، لكن لم يكن يعلن عن ذلك صراحة، لكن هذه المرة حسم «قنصوة» الأمر، فوزارة الثقافة هى المسئولة عن تنظيم المعرض، وأما الناشرون فهم يتلقون الخدمة، ولا يجب الخلط بين الأدوار أو التداخل بينها، وذلك حتى يستقيم الأمر، وحتى لا نجد مسئولية المعرض مقسّمة ومهدورًا دمها بين القبائل، حتى إذا ما حدث فشل- لا قدر الله- تبادلت الجهات المختلفة المسئولية عن الفشل بعد أن يكون حدث بالفعل.. وساعتها لن يقدر أحد على تدارك ما جرى. 

النقطة الثانية، والتى أراها فى غاية الأهمية، كانت فى تطرق اجتماع اللجنة العليا إلى ضرورة تحديث الخطط التسويقية عبر إدخال أفكار ابتكارية تسهم فى تعظيم العوائد الاستثمارية والخدمية للمعرض، واستثمار الكثافة الجماهيرية الغفيرة التى تتجاوز ٦ ملايين زائر، حيث اتفق الحضور على تشكيل لجنة عمل متخصصة لوضع استراتيجية تسويقية متكاملة، تركز على جلب الرعاة وبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والبنوك والمؤسسات الكبرى عبر برامج المسئولية المجتمعية. 

كل ما أتمناه أن تتحول هذه الفكرة إلى واقع، أعرف أنها ليست أول مرة تُطرح، ففى كل دورة من دورات المعرض يخرج الحديث عن ضرورة وجود رعايات كبرى من رجال الأعمال فى القطاع الخاص والبنوك والمؤسسات الاقتصادية الكبرى، فمن شأن ذلك إنجاح المعرض وتوفير تمويل يسهّل العمل، ويدعم الناشرين، ويعزز رسالة المعرض، فتمويل كافٍ بالطبع يضمن دورة ناجحة بكل المقاييس، فالأفكار مهمة، لكنها تظل عاجزة مع غياب تمويل مناسب. 

فى العام الماضى اقتربت خسائر هيئة الكتاب فى المعرض من ٤٠ بالمائة، وهى تفعل ذلك راضية تمامًا، ولا تعتبر ذلك خسارة، ولكنه ثمن الدور الذى تقوم به، لكن لماذا تكون هناك خسارة من الأساس، إذا كان يمكننا أن نعوضها من أموال الرعايات التى يجب أن تكون على قدر الحدث من حيث حجمه وتأثيره؟. 

قبل سنوات كنت أجلس مع واحد من خبراء الدعاية والإعلان والعلاقات العامة فى مصر، وتطرق الحديث إلى معرض الكتاب، وسألنى عن عدد زواره المتوقعين، فقلت له: ما لا يقل عن ٦ ملايين زائر، فقال: هذا حدث مهول.. فأين تجد المؤسسات الاقتصادية مثله للترويج لنفسها؟ 

يمكن تسويق المعرض إذن بطريقة جاذبة تمكنه من جلب رعايات مهولة تصب فى النهاية فى مصلحته ومصلحة الناشرين الذين يعانون بالفعل من ارتفاع أسعار الإيجارات. 

لكن ما الذى جعل هذه الفكرة خلال السنوات الماضية مجرد فكرة نظرية يتم طرحها ومناقشتها، ثم لا يحدث شىء، ولا نخطو خطوة حقيقية فى اتجاه تنفيذها؟ وما الذى يمكن أن يجعل هذه الدورة قابلة للتحقق؟ 

ببساطة شديدة لا بد من التخلى عن الأداء البيروقراطى فى تسويق المعرض، فاللوائح جامدة متجمدة، والعقلية التى تدير إلى حد كبير وظيفية خائفة ومرتعشة، وهو ما يجب أن يتم نسفه تمامًا، بالانفتاح الشديد على كل الأفكار التى تجعلنا قادرين على عمل شراكات واضحة مع رجال الأعمال والبنوك والمؤسسات الاقتصادية الكبرى. 

الروتين عائق كبير.. فهل نتخلى عنه؟ 

والخوف عامل يعوق أى تقدم.. فهل نخلع أنفسنا من الخوف لننطلق؟ 

هناك شىء مهم أيضًا، وهو تصور المثقفين عما يجب أن يكون عليه المعرض، إنهم يعتقدون أن وجود رعاة للمعرض من رجال الأعمال يمكن أن يؤثر على استقلالية المعرض ويفرض عليه أجندات معينة، ويجعله يخدم أهدافًا قد تكون مخالفة لأهداف الدولة. 

وهو تصور مقصور تمامًا، فيمكن أن نصل إلى حد أدنى من الاتفاق، فأصحاب الرعايات سيضمنون انتشارًا هائلًا من خلال تعرض ملايين الزائرين لهم ومعرفتهم بهم، وهذا يكفى جدًا، فليس معنى أن يقوم أحدهم برعاية المعرض أن يقوم بمصادرته لصالحه، فالرعاية هنا مهمة وطنية. 

إن هناك رفضًا مبطنًا لجلب رعايات من رجال الأعمال وأصحاب المؤسسات الاقتصادية الخاصة، ويميل القائمون على المعرض إلى جلب رعايات من مؤسسات الدولة وبنوكها فقط، وهذه فلسفة لا بد من التخلى عنها، لأن من بين رجال الأعمال وطنيين لا يرقى إليهم الشك، ثم إن المؤسسات الاقتصادية الخاصة مؤسسات عاملة فى مصر، ولا ينبغى التعامل معها وكأنها مؤسسات أجنبية يجب الحذر منها. 

الأمر يحتاج إلى إرادة واضحة، ويحتاج إلى قرار حاسم. 

وأتمنى أن نرى آثارًا لهذا كله فى الدورة المقبلة من معرض الكتاب، وإلا فإننا سنقف محلك سر، وستظل فكرة الشراكة مع القطاع الخاص فكرة نظرية بحتة لن تعود علينا بشىء إيجابى. 

لقد أشار القائم بأعمال وزير الثقافة إلى أن معرض القاهرة للكتاب ملك للدولة وتديره وزارة الثقافة، وهو محق فى ذلك من ناحية الملكية والإدارة، لكن الواقع يقول إن المعرض ملك للمصريين جميعًا، صغيرهم قبل كبيرهم، وعلينا جميعًا أن نعمل على إنجاحه بصرف النظر عن وجودنا داخل دائرته أو خارجها، وأعتقد أن هذا كلام طبيعى لا يمكن أن يختلف عليه أحد. 

ومن باب المشاركة فى الاقتراحات التى يمكن أن تُصلح الحال فى المعرض، فإننى أقدم اقتراحًا محددًا عن شخصية المعرض هذا العام. 

لقد اعتدنا خلال الدورات الماضية على اختيار شخصية المعرض من بين الراحلين، ورغم احترامنا وتقديرنا لهم جميعًا، والتفافنا حولهم، إلا أننا نحتاج إلى أن تكون شخصية المعرض من بين الشخصيات التى لا تزال على قيد الحياة، ولدينا بالفعل شخصيات تستحق ذلك. 

عندنا مثلًا الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى- أمد الله فى عمره- لماذا لا يكون شخصية المعرض هذا العام؟ 

يمكننا ألا نحصر شخصية المعرض فى الأدباء والشعراء والروائيين، فلدينا ويعيش بيننا الآن الدكتور مجدى يعقوب، لماذا لا يكون شخصية المعرض؟ 

بل إننى لا أجد مانعًا أبدًا أن يكون فاروق حسنى، وزير الثقافة المرموق السابق، شخصية للمعرض هذا العام، أعتقد أنه سيمنحنا ثراءً كبيرًا، ويمنح المعرض زخمًا يحتاج إليه بالفعل. 

إننى أدعو كل من لديه اقتراح يمكن أن يسهم فى تطوير المعرض وإنجاحه أن يتقدم به إلى اللجنة العليا التى أعتقد أنها لن تغلق بابها أمام أحد.. وليس مهمًا أن نكون أعضاء فيها أو بعيدًا عنها، فالمعرض هو الغاية، ولا بد أن نعمل جميعًا للوصول إلى هذه الغاية بكل الطرق التى تؤدى إلى النجاح بما يليق باسم مصر ومكانها ومكانتها وقيمتها.