الثلاثاء 03 نوفمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الأرشيف السري لـ«صفحة الوفيات».. من لم ينشر نعيه في «الأهرام» لم يمت!

حرف

-وصفت جنازة جدة بطرس غالى بـ«مشى فيها العظماء اعتبارا لمقام سعادة الباشا»!

-خبر الوفاة يقع تحت تصنيف «النعي» ويتداخل مع «الرثاء» و«التأبين»

-النعي لا يكتفي بالإخبار عن الوفاة بل يتجاوز إلى التعريف بصفات المتوفى ومكانته الاجتماعية والأخلاقية

-المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي جمع المادة العلمية لمؤلفاته من خلال زيارات القرافات وقراءة النقوش على القبور

كيف يمكن قراءة تاريخ مصر من خلال أسماء الموتى وأوصافهم ومهنهم وعائلاتهم، والجهات التي تنعاهم؟

الإجابة من خلال صفحات الوفيات، التي تتجاوز حدود الإعلان عن الرحيل، لتصبح نافذة يمكن من خلالها الاقتراب إلى الذاكرة العائلية، والمشاعر المؤجلة، والحكايات التي يعيد الموت إظهارها بعد سنوات طويلة.

ومن خلال صفحات الوفيات، تعبر أسماء إلى المجال العام، محمولةً على ألقابها ومناصبها وإنجازاتها. فيما تحضر أسماء أخرى عبر روابط العائلة والمؤسسة، ولا تترك أسماء غيرها في السجل الصحفي سوى إعلان مقتضب.

وبين هذه الصور، تتشكل خريطة غير مكتملة للمكانة الاجتماعية، وللأشخاص الذين رأى ذووهم أو المؤسسات التي ينتمون إليها أن رحيلهم يستحق الإعلان والتوثيق.

 

 

من هنا، تنطلق هذه الدراسة، حيث يكشف الإعلان عن الوفيات، من خلال تفاصيل تحديد موعد الجنازة أو العزاء، عن موقع المتوفى داخل شبكة العلاقات العائلية والمهنية والسياسية، كما قد تكشف لغته عن القيم التي أحاطت به، وعن الصورة التي أراد الناعون تثبيتها له بعد رحيله.

ولا تفترض الدراسة أن هذه الصفحات تقدم صورة كاملة للمجتمع المصري، أو أن الأسماء التي ظهرت فيها تمثل جميع فئاته؛ بل تتخذ من هذا التفاوت نفسه موضوعًا للبحث، من خلال طرح أسئلة أساسية: مَن ظهر؟ وبأي صورة؟ ومَن غاب؟ وما العوامل التي أسهمت في تحديد حدود الحضور والغياب؟

ولكن قبل أن نروى قصة «الأهرام» والموت في زمن الخديو إسماعيل.. ماذا حكى النعي الأول؟ يجب التفرقة بين إعلان الوفاة والذي يركز على خبر الرحيل وتفاصيل الجنازة والعزاء، والنعي والذي يضيف عادةً التعريف بالمتوفى وأسرته ومكانته، والرثاء أو التأبين والذي يركز على تقييم حياته وإنجازاته وأثره في الآخرين، وأنه قد تتداخل الأنواع الثلاثة في الإعلان الواحد، لكن فصلها تحليليًا يساعد على فهم اختلاف وظائفها الاجتماعية.

الخديوي إسماعيل

مع شروق شمس الخامس من أغسطس 1876، صدر العدد الأول من صحيفة الأهرام بمدينة الإسكندرية، على يد الأخوين بشارة وسليم تقلا، حيث كانت في بدايتها صحيفة أسبوعية قبل أن تتحول لاحقًا إلى صحيفة يومية أصبحت الأكثر انتشارًا؛ وهو ما يتسق مع إيمان الخديو إسماعيل (31 ديسمبر 1830 – 2 مارس 1895) خامس حكام مصر من الأسرة العلوية أن الصحافة وسيلة مهمة في الدعاية لأعماله ومساندته فى تحقيق قدر من الاستقلال عن الدولة العثمانية واقامة الدولة العصرية التي يبغيها فى مصر.

الخديوي إسماعيل
الخديوي إسماعيل

وقتها كانت مصر والسودان (1867–1914) تقع تحت وطأة الديون الخانقة بسبب السياسات التي انتهجها الخديو إسماعيل، وهو ما تجلي في اضطرار الحكومة إلى بيع حصة البلاد في شركة قناة السويس للحكومة البريطانية.

 وقد شكل هذا الحدث نقطة تحوّل خطيرة، عجّلت بتدخل مباشر من القوى الأوروبية في الشأن المصري؛ وهو ما دفع بخلعه بعد ثلاث سنوات عن العرش السلطان العثماني تحت ضغط كل من إنجلترا وفرنسا في 26 يونيو 1879؛ وهو ما جعل القاهرة عندما نشرت الأهرام أول نعي في عددها الأول تتحول إلي أكبر سرادق للموتى، وإن كان أهلها أحياء، وذلك تحت وطأة حكم الخديو إسماعيل الذي أغرق مصر في أزمات متتالية، حتى رحيله عن الحكم؛ مما دفع فئات مختلفة فى المجتمع المصري إلى حافة الهاوية. 

وبالنظر إلى التركيب الاجتماعي للمجتمع المصري آنذاك، نجد ان كبار ملاك الأراضي كانوا على رأس قمة الهرم الاجتماعي، خاصة بعد ان منح إسماعيل آلاف الأفدنة من أجود الأراضي لأسرته واتباعه وكبار موظفيه، مما أدى إلى انهيار ملكية الفلاحين.

واعتمد اسماعيل على كبار ملاك الأراضي من المصريين في مجلسه الاستشاري وحاول من خلال تقوية هذه الطبقة أن يواجه بهم الأجانب. وتملك عدد من الأوربيين ايضاً الأراضي الزراعية فقد حصلوا على كثير من الابعديات مما مثل مظهراً من مظاهر السيادة الأجنبية على مصر.

فى الوقت نفسه، ورغم ما أتسم به التركيب الاجتماعي للمجتمع المصري فى عهد الخديو إسماعيل إلا أن طبقة وسطى من المهنيين والموظفين بدأت في الظهور في ذلك الوقت نتيجة لانتشار التعليم المدني الحديث إلا أنها لم تستقل بذاتها وتعاونت مع طبقة كبار الملاك.

أما علماء الأزهر ومشايخه فقد تعرضوا للظروف السيئة التى مر بها الشعب المصري اثناء حكم إسماعيل، فقد أجبروا على دفع الضرائب وسُبوا وأهينوا وانتشر السخط وعدم الرضا بينهم وقامت حركة داخل الأزهر مطالبه بعزل إسماعيل وسحب بيتعهم له نتيجة لسلوكه المخالف للشريعة بالاستبداد والاعتداء على الناس.

وفى سفح الهرم الاجتماعى تاتى طبقة العمال والفلاحين، والذين عانوا من أعمال السخرة واستخدام القسوة والعنف في اجبارهم على دفع الضرائب الكبيرة، مما أدى إلى سوء حالتهم المعيشية إلى أقصى درجة.

و«الأهرام» ليست اول صحيفة تنشر نعياً لمتوفي؛ حيث سبقتها «الوقائع المصرية» التي صدرت عام 1828، عندما نشرت في أحد أعدادها الأولى إعلانًا جاء فيه: «ارتحال بنت أفندينا ولي النعم من دار الفنا إلى دار البقا والكرم».

وقبل نعي «الوقائع المصرية» بنحو أربعين عامًا، شرع المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في جمع المادة العلمية لمؤلفاته، مستعينًا بزيارات القرافات لقراءة النقوش على القبور، والاتصال بأقارب المتوفين للاطلاع على أوراقهم إن كانت لديهم أوراق محفوظة. كما اهتم بتدوين تراجم أعيان عصره وعلمائه الذين رحلوا في السنوات التي أرّخ لها.

أحمد طوسون باشا

تنوعت الخريطة الصحفية فى عهد «إسماعيل»؛ بين صحف رسمية، وأخرى أهلية، الأولى توقفت بسبب استفحال الأزمة الاقتصادية في هذا العهد باستثناء «الوقائع المصرية».

كما انتشرت الصحافة الأهلية خلال الفترة من 1867 إلى 1876 ومنها «وادي النيل» أول الصحف، والتي أوعز الخديو إسماعيل إلى عبد الله بن أبي السعود تلميذ رفاعة الطهطاوي بإصدارها بعد إنشاء مجلس شورى النواب فى يوليو 1867.

وتوالت الصحف الأهلية فى الصدور؛ ومنها: «نزهة الأفكار» 1869، و«الكوكب الشرقي» 1873، و«روضة الأخبار» 1874، و«الأهرام» 1875 التى تأسست في عام 1875 بالإسكندرية، وصدر عددها الأول فى 5 أغسطس 1876، واستمرت فى الصدور فى الإسكندرية حتى عام 1899 ثم انتقلت إلى القاهرة وصدر عددها الأول فيها فى 3 نوفمبر من العام نفسه، وكذلك «صدى الأهرام» 1876.

وصدرت الصحف الأهلية السياسية المعارضة؛ ومنها «جريدة مصر» التى أصدرها أديب إسحق أـحد تلاميذ جمال الدين الأفغاني فى عام 1877، و«جريدة الوطن» عام 1877، وجريدة «أبو نظارة» عام 1877، و«جريدة التجارة» عام 1878، و«جريدة الاسكندرية» عام1878 ، و«جريدة مرآه الشرق» عام 1879 حيث حملت لواء المعارضة ضد الحكومة مما أدى إلى قلة توزيع وانتشار الصحف الرسمية، حيث لم يعد الرأى العام يستسيغ وجودها وخضوعها للاتجاهات الرسمية فى الوقت الذى كانت البلاد تموج فيه بالحركات السياسية، فضلا عن الطابع التعليمي والتثقيفي لمعظم هذه الصحف، بالاضافة الى إنشاء مجلس شورى النواب عام 1866 واستناده إليه فى محاربة التدخل الأجنبي، وكان المجلس فى حاجة إلى صحيفة أهلية تساير الفكرة فى وجوده أكثر من حاجته إلى صحيفة رسمية.

 ولكن يتبقى أن صحيفة الأهرام هي الوثيقة التاريخية الوحيدة في هذا الشان؛ باعتبارها رسخت لمفهوم أن الصحف لا تكتب تاريخ الأحياء وحدهم؛ ففي إعلانات النعي والرثاء والتأبين التي اشتهرت بنشرها كأول وآخر صحيفة عربية تأكد لنا أن الصحيفة قادرة على أن لا تترك المجتمعات، من حيث تدري أو لا تدري، بل تعطي صورة عن نفسها.

ومنذ أن نشر فى منتصف الصفحة الرابعة من عددها الأول نعيها الأول؛ وكان نعياً لأحد الباشوات وهو عرفان باشا ناظر دائرة المرحوم الأمير أحمد طوسون باشا - الابن الثاني لوالي مصر محمد علي باشا، وشقيق الأمير إبراهيم باشا- وهو ما يكشف عن أهمية النعي المنشور فى الصحف لتعزيز مكانة طبقة الباشوات التى كانت تمثل القوى الفاعلة فى المجتمع المصري آئنذاك.

 وهو النعي الذي وورد فيه التالى: «لقد فجعنا بوفاة سعادة عرفان باشا ناظر دائرة المرحوم الأمير أحمد طوسون باشا، وذلك فى يوم الخميس من هذا الأسبوع، حينما دفن فى النهار نفسه ولا ريب أن الجميع يدركون ما كان لسعادته من الأخلاق الرضية والسجايا الحميدة والأمانة والثقة التامة، فضلا عما كان عليه من الحذق والدراية وطيبة المعاملة المبنية على أساس الأنس والوداعة، ودليلنا اكتسابُه المديح باللسان العام وقد أسف لفقده كل من عرفه وسمع باهى صفاته، ونسأل الحى الباقى أن يعزى قلوب عائلته ويودع فى أفئدتهم سر الصبر الجميل».

حفلة المآتم

يرى المؤرخ د. يونان لبيب رزق في مقاله الشهير «وفيات الأعيان» كيف اتخذت وفيات الأعيان شكلا مختلفا تبعا لموقع المتوفى وطبقته، حيث على قمة الطبقة كان هناك أبناء الأسرة الحاكمة، أسرة محمد على، إذ قدمت الأهرام وصفا دقيقا لجنازتهم ولتركيبة طبقة الأعيان فى مصر وقتذاك الذين يسيرون وراء الجنازات الملكية، أما كبار رجال الدولة فقد شكلوا الشريحة الثانية من أبناء الأعيان.

ويلاحظ أن الأهرام كانت تعلق على الجنازات بذكر تفاصيل شخصية عن المتوفى مثل كونه خلف ثروة واسعة، ومن الطريف بالنسبة لأبناء هذه الشريحة كان هناك احتفاء مبالغ فيها بمناسبة وفاة أحد أقاربهم، وقد حدث فى ذلك العام أن توفيت حماة رياض باشا رئيس الوزراء السابق وجدة بطرس غالى الذى كان قد أخذ وقتذاك فى تبوؤ المناصب الكبيرة. فوصفت الأهرام «حفلة المآتم» بأنها كانت حافلة مشى فى جنازتها الكبراء والعظماء من ذوات العاصمة اعتبارا لمقام سعادة الباشا»!

وهنا نود الإشارة إلي أن مواصفات خبر الوفاة التي أتبعتها صحيفة الأهرام فى عددها الأول يقع تحت تصنيف النعي، مع تداخل واضح مع الرثاء أو التأبين.

 يُعد النص نعيًا؛ لأنه لا يكتفي بالإخبار عن الوفاة، بل يتجاوز ذلك إلى التعريف بصفات المتوفى ومكانته الاجتماعية والأخلاقية، والإشادة بسمعته بين معارفه. ويتضح ذلك في عبارات مثل: "ما كان لسعادته من الأخلاق الرضية والسجايا الحميدة، والأمانة والثقة التامة، والحذق والدراية وطيبة المعاملة، ووقد أسف لفقده كل من عرفه وسمع بأهى صفاته"؛ فهذه العبارات تؤدي وظيفة النعي في تقديم صورة إيجابية عن المتوفى، وتأكيد مكانته في محيطه الاجتماعي والمهني.

كما يتضمن النص عناصر رثائية واضحة، تتمثل في التعبير عن الحزن على فقد المتوفى، والإشادة بخصاله، وتأكيد أثره في الآخرين. ويظهر ذلك في قوله: «وقد أسف لفقده كل من عرفه»، وفي الدعاء بأن يعزّي الله قلوب عائلته ويمنحهم الصبر.

ومع ذلك، فإن النص لا يتوسع في استعراض إنجازات المتوفى أو مسيرته الحياتية، ولذلك لا يُعد تأبينًا مكتملًا بالمعنى التحليلي الدقيق، بل نعيًا ذا نزعة رثائية، وهو ما يتسق مع التركيب الاجتماعي للمجتمع المصري آئنذاك، حيث أن سعادة عرفان باشا ناظر دائرة المرحوم الأمير أحمد طوسون باشا هو أحد كبار ملاك الأراضي الذين كانوا على رأس قمة الهرم الاجتماعي، خاصة بعد ان منح إسماعيل آلاف الأفدنة من أجود الأراضي لأسرته واتباعه وكبار موظفيه، مما أدى إلى انهيار ملكية الفلاحين.