داخل الكود.. محمد رفيع: روايتى عن «جيل Z» كوميديا سوداء!
- مزجت «العربية» بالحرف الأجنبى ليتوافق مع «الفرانكو آراب»
- أعمل على تحويل الرواية إلى عمل بصرى بإيقاع جديد يناسب الوسائط الرقمية
- هذا الجيل لا ينتمى للعالم التقليدى ولا يشعر بالأمان داخل العالم الرقمى
- الطريق لـ«جيل Z» يبدأ من الصدق واحترام تجربته وتقديم المعرفة بذكاء
- انتظر صدور كتابى «البناء الدرامى من السينما حتى الميكرودراما» عن «هيئة الكتاب»
- «جيل Z» تعرض لكم هائل من الصور والادعاءات والدعاية والوعود
- الجيل ليس لغزًا مخيفًا كما يتصور البعض وليس ملاكًا ضائعًا كما يظن آخرون
- اقتربت من «جيل Z» بدافع الأبوة وفهمت أن صمته حماية لا جفاء
- «جيل Z» لديه حساسية عالية تجاه الزيف ولا يمكن الوصول إليه بالوصاية أو الشعارات
يفتح الكاتب والسيناريست محمد رفيع نافذة على عوالم الأجيال الجديدة فى العصر الرقمى، من خلال روايته الجديدة «جيل Z»، كاشفًا عن ملامح جيل يعيش تحولات عميقة فى الهوية واللغة والجسد، من خلال قراءة تجمع بين الحس الأدبى والخبرة البصرية للسيناريو. ويتوقف «رفيع» أمام أسئلة القلق الوجودى، وتحوّل الجسد إلى لغة بديلة، وظهور «كود» خاص لهذا الجيل يصعب على الأجيال السابقة تفكيكه، كما يناقش حدود التواصل بين الأجيال، وإمكانات تحويل هذا العالم الروائى إلى عمل بصرى يعكس إيقاع العصر وتناقضاته. عن روايته «جيل Z» ورؤيته للأجيال الجديدة فى العصر الرقمى، أجرت «حرف» الحوار التالى مع محمد رفيع.

■ بداية.. لماذا اخترت عنوان روايتك «جيل Z»، رغم أنه فى مصر يوجد جيل آخر يتشارك معه فى العمر والتركيب السكانى، وهو جيل «ألفا»؟
- اخترت عنوان «جيل Z » لأننى لم أكن أبحث عن تصنيف عمرى دقيق، بقدر ما كنت أبحث عن حالة شعورية وثقافية رصدتها أثناء محاولتى التعرف على أصدقاء ابنى، بدافع الأبوة والحماية.
لكن دعنى أولًا أشرح لك آليات اختيارى عناوين أعمالى، لأنها اختلفت فى هذه الرواية تحديدًا. سابقًا، كنت أميل إلى اختيار عناوين غير مباشرة، تحمل قدرًا كبيرًا من الأخيلة الشعرية، كما كنت أفعل حين أختار عناوين قصائدى فى زمن الشعر المبكر. فجاءت عناوين مثل: «أبهة الماء»، و«عسل النون»، و«أساطير لم تحدث بعد»، و«ساحل الغواية»، وكذلك روايتى قبل الأخيرة «أنا ذئب كان».
كنت أحمّل العنوان دلالات لغوية وفلسفية كثيرة، وأبتعد كل البعد عن العناوين المباشرة، لعدة أسباب؛ أولها أننى لا أحب المباشرة، بل أميل إلى التلميح أكثر من التصريح. وثانيها أننى لا أحب أن أشبه أحدًا، حتى فى العناوين، إذ يجب أن تحمل عناوينى بصمتى الخاصة. وثالثها أننى أعتقد أن العنوان ليس فقط عتبة من عتبات النص، بل هو جزء عضوى منه؛ قد يكون على العتبة فعلًا، لكن جذوره تمتد داخل العمل. فالعمل، فى تصورى، هو الذى يبوح بعنوانه.
لذلك أختار العنوان بدقة، وأحتار كثيرًا، وأستشير الأصدقاء، وقد أستغرق شهرًا أو أكثر فى اختيار العنوان المناسب. لكننى استشعرت فى الفترة الأخيرة بأن هذا الجيل الحديث يريد العناوين الدالة، السريعة الهضم؛ ولهذا سميت مجموعتى القصصية «المسافة صفر»، وسميت هذه الرواية «جيل Z». وقد كتبتها بهذا الشكل، بالاتفاق مع الناشر، لتكون الكلمة الأولى بالعربية، بينما تأتى الكلمة الثانية بالحرف اللاتينى؛ فيصبح اسم الرواية فى النهاية مزيجًا بين اللغة العربية والحرف الأجنبى. وهذا يوافق تمامًا لغة «الفرانكو آراب» التى يستخدمها هذا الجيل، وما سبقه من أجيال.
«جيل Z» فى الرواية ليس مجرد شريحة عمرية، بل علامة على قلق كامل: قلق الهوية، وقلق الجسد، وقلق اللغة، وقبل ذلك كله قلق الوجود داخل عالم سريع، قاسٍ، شديد المراقبة، وشديد الهشاشة فى الوقت نفسه.
جيل «ألفا» موجود بالطبع، وربما يطل من خلف المشهد، لكن «Z» بالنسبة لى كان أقرب إلى الرمز؛ فهو آخر حرف فى الأبجدية اللاتينية، كأنه جيل جاء فى نهاية زمن قديم وبداية زمن لم تتضح ملامحه بعد. إنه جيل يقف على الحافة: لا ينتمى تمامًا إلى العالم التقليدى، ولا يشعر بالأمان الكامل داخل العالم الرقمى.
لذلك كان العنوان بالنسبة لى بابًا إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث حين يشعر جيل كامل بأنه وُلد بعد انتهاء الحكاية القديمة، وقبل أن تبدأ حكاية جديدة؟

■ ورد فى روايتك: «مَن الذى قال إن الجسد كتاب مفتوح للشارع؟»، وتطرح الرواية ملامح جيل جديد يعيش تحولات اجتماعية ونفسية فى عالم تتراجع فيه اللغة التقليدية، حيث يتحول الجسد إلى وسيلة للتعبير.. نود أن نتعرف منك على أبرز هذه التحولات؟
- هذه الجملة: «مَن الذى قال إن الجسد كتاب مفتوح للشارع؟» كانت بالنسبة لى مفتاحًا مهمًا لفهم هذا الجيل. والحقيقة أن اقترابى من عالم «جيل Z» بدأ بدافع شخصى جدًا؛ بدافع الأبوة والحماية أولًا، فأنا رجل فى الخمسين، لكننى أب لولد فى السادسة عشرة من عمره. ومن هنا بدأ فضولى تجاه أصدقائه وعالمهم وطريقة تفكيرهم وملابسهم ولغتهم وموسيقاهم.
فى البداية، كنت أنظر إلى كثير من هذه المظاهر بعدم رضا، وربما بقلق أبوى طبيعى. كنت أقرأ الأمر من زاوية صراع الأجيال: جيل أكبر يرى أن العالم تغيّر أكثر مما ينبغى، وجيل أصغر يشعر بأن الكبار لا يفهمونه ولا يسمعونه.
لكن مع الوقت انتقلت من الرفض إلى محاولة الفهم، ثم إلى التحليل، ثم إلى درجة من التعاطف. وحين كتبت الرواية حاولت أن أكون محايدًا قدر الإمكان؛ لا أدين هذا الجيل، ولا أحتفى به احتفاءً ساذجًا، بل أحاول أن أفهم ما الذى يحدث له، وما الذى يدفعه إلى هذه الأشكال الجديدة من التعبير.
أبرز ما لفتنى أن الجسد عند هذا الجيل لم يعد مجرد جسد، بل صار لغة. هو يعبّر بالملابس، باللون الأسود، بقصة الشعر، بطريقة المشى، بالصمت، وبالانسحاب أحيانًا. كأن اللغة التقليدية لم تعد تكفى، أو لم تعد مقنعة، فتحمّل الجسد عبء التعبير بدلًا منها.
هناك تحوّل واضح من الكلام إلى العلامة. الجيل القديم كان يشرح نفسه بالكلمات الطويلة، بالمواقف المعلنة، وبالجمل الكبيرة. أما هذا الجيل فيميل إلى الاختصار: «صورة، ستورى، قميص أسود، خط موس على الصدغ، إيموجى، أو حتى صمت متعمد». وهذا لا يعنى أنه جيل بلا لغة، بل يعنى أن له لغة مختلفة، وسرعة مختلفة، وكودًا مختلفًا.
كما أن الجسد عنده أصبح وسيلة احتجاج وحماية فى الوقت نفسه. حين يختار الشاب أو الفتاة مظهرًا بعينه، فهو لا يختار موضة فقط، بل ربما يبنى درعًا نفسية أمام عالم يشعر بأنه يراقبه ويحاكمه طول الوقت. لذلك كان الشارع فى الرواية عينًا كبيرة؛ يراقب الجسد، ويفسره، ويصنفه، ويحاكمه. ومن هنا جاء السؤال: مَن قال إن الجسد متاح للجميع كى يقرأوه ويحكموا عليه؟
ما حاولت قوله فى الرواية إن هذا الجيل ليس لغزًا مخيفًا كما يتصور البعض، وليس ملاكًا ضائعًا كما قد يتصور البعض الآخر. هو جيل قلق، هش، غاضب، ذكى، سريع الالتقاط، لكنه فى الوقت نفسه يبحث عن جماعة تحميه، وعن معنى يطمئنه، وعن طريقة يقول بها: أنا موجود.
لذلك حين يعجز هذا الجيل عن قول: «أنا خائف»، أو «أنا وحيد»، أو «أنا غاضب»، يبدأ الجسد فى قول ذلك نيابة عنه. ومن هنا لا يصبح السؤال الحقيقى: لماذا يلبسون هكذا؟ أو لماذا يمشون هكذا؟ بل: ما الذى حدث فى العالم حتى صار الجسد مضطرًا إلى أن يتكلم بدلًا من الروح؟

■ يفضل هذا الجيل اللون الأسود، وهو ما برز فى أكثر من موضع بالرواية.. هل لما رصدته بصفتك سيناريست من حضور قوى لهذا اللون واتصاله بهذا الجيل دلالة معينة؟
- استخدمت هنا حضور السواد فى الرواية بوصفه موتيفًا بصريًا ونفسيًا، خاصة فى «السواد يمشى»، و«جيل تربّى على الظل»، و«الأبيض والأسود»، مع الاستفادة من دلالة اللون دراميًا لا وصفيًا فقط. ولذلك الأسود دلالة كبيرة فى الرواية، وربما كان من أوضح العلامات البصرية التى قادتنى إلى فهم هذا الجيل. فأنا لا أرى اللون باعتباره وصفًا خارجيًا فقط، بل أراه جزءًا من بناء المشهد. اللون فى الدراما قد يقول ما لا تقوله الشخصية، وقد يكشف ما تحاول إخفاءه.
فى البداية، حين اقتربت من هذا العالم، كنت أرى الأسود بعين الأب القلق والرجل الخمسينى الذى ينتمى إلى جيل آخر. كنت أراه لونًا زائدًا فى حضوره، كأن هناك إصرارًا غير مفهوم على العتمة. لكن مع المراقبة والاقتراب بدأت أفهم أن الأسود عند هذا الجيل ليس مجرد موضة، ولا مجرد رغبة فى الصدمة أو التمرد. هو أحيانًا درع، وأحيانًا إعلان، وأحيانًا مساحة ظل يحتمى بها الشاب أو الفتاة من عالم شديد الإضاءة والمراقبة.
فى ثقافتنا القديمة ارتبط الأسود كثيرًا بالعزاء والحزن والوقار، لكنه فى رواية «جيل Z» يتحول إلى شىء آخر. لم يعد الأسود لون الفقد فقط، بل صار لون الهوية. صار طريقة فى الوقوف، والمشى، والنظر، والصمت. كأن هذا الجيل يقول من خلاله: نحن لسنا على وفاق كامل مع العالم، لكننا لا نريد أن نشرح ذلك كل يوم.
وهنا تظهر المفارقة التى جذبتنى: الأسود لون الاختفاء، لكنه عندهم صار لون الظهور.
هو يخفى التفاصيل، لكنه يصنع حضورًا قويًا. حين يرتدى مجموعة من الشباب اللون نفسه، ويتحركون بالإيقاع نفسه، لا يعود الأسود قطعة ملابس، بل يتحول إلى كتلة بصرية، إلى مشهد، إلى طقس جماعى. وهذا ما لفت عينى كسيناريست؛ إن اللون وحده قادر على تحويل مجموعة أفراد إلى صورة واحدة لها رهبة ومعنى.

■ لماذا ينجذب تحديدًا إلى هذا اللون؟
- أظن أن هذا الجيل ينجذب إلى الأسود لأنه لون لا يثرثر، لا يقدم نفسه بسهولة، ولا يعتذر، ولا يطلب رضا أحد. الأسود يقول: هناك شىء داخلى لا أريد أن أشرحه، لكننى أريدك أن تراه. لذلك هو لون مناسب لجيل لا يثق كثيرًا فى الكلام الطويل، ويميل إلى العلامة السريعة، والصورة المكثفة، والإشارة التى تفهم داخل الجماعة أكثر مما تفهم خارجها.
لكننى لم أرد فى الرواية أن أتعامل مع الأسود باعتباره تهمة. لم أرد أن أقول إن من يلبس الأسود غاضب بالضرورة، أو مكتئب بالضرورة، أو خطير بالضرورة. حاولت أن أكون محايدًا قدر الإمكان. الأسود عندهم قد يكون حزنًا، وقد يكون أناقة، وقد يكون خوفًا، وقد يكون احتجاجًا، وقد يكون فقط محاولة لترتيب الفوضى الداخلية.
من تجربتى الشخصية أيضًا، وأنا أكتب عن الجمال والثقافة البصرية وأعمل فى السيناريو، أعرف أن الألوان ليست بريئة تمامًا. كل لون يحمل ذاكرة ومعنى وطاقة. والأسود تحديدًا لون شديد الثراء دراميًا؛ يمكن أن يكون موتًا، ويمكن أن يكون نضجًا، ويمكن أن يكون سلطة، ويمكن أن يكون حماية. وفى «جيل Z» حاولت أن أتركه بكل هذه التناقضات، لا أن أحصره فى معنى واحد.
لذلك، نعم، تفضيل هذا الجيل للأسود له دلالة، لكنها ليست دلالة بسيطة. إنه لون جيل يشعر بأن الضوء أحيانًا جارح، وأن العالم يراقبه أكثر مما يفهمه، فيختار لونًا يستطيع أن يختبئ داخله، وفى الوقت نفسه يعلن من خلاله أنه موجود. الأسود هنا ليس نهاية الضوء، بل طريقة أخرى للقول: نحن هنا، لكن بطريقتنا.

■ هل للغة «جيل Z» كود خاص؟ وهل لهذا الكود قوانين لا يفهمها كبار السن، حسبما جاء على لسان أحد شخصيات روايتك: «نفث الستينى دخان الشيشة فى الهواء وقال لرفاقه: إحنا قاعدين بس مش حاضرين.. بنتكلم بس محدش مستنى»؟
- نعم، لهذا الجيل كود خاص، لكنه ليس كودًا لغويًا فقط. هو كود فى السرعة، فى الاختصار، فى «الإيموجى»، فى السخرية، فى الصمت، فى طريقة إنهاء الحوار، وفى طريقة إعلان الرفض دون مواجهة مباشرة. أحيانًا تكون الكلمة أقل أهمية من توقيت إرسالها، أو من عدم الرد أصلًا.
فى الرواية يظهر النص صراحة أن «النقش يصبح كودًا»، وأن «الكود يتحول لغة»، ثم يتحول إلى قانون: لا تتكلم كثيرًا، اختصر، وابتلع ضحكتك فى الوقت الخطأ. كما تظهر جملة الستينى عن الحضور الغائب: «إحنا قاعدين، بس مش حاضرين».
نعم، أعتقد أن لهذا الجيل كودًا خاصًا، لكننى لا أقصد بالكود اللغة المنطوقة فقط. الكود هنا أوسع من الكلمات. هو طريقة فى الكلام، وطريقة فى السكوت، وطريقة فى النظر، وطريقة فى اللبس، وطريقة فى اختيار الصورة، وحتى طريقة فى عدم الرد.
اقتربت من هذا الكود أولًا بدافع الأبوة. فأنا رجل فى الخمسين، وأنتمى إلى جيل تربّى على أن الكلام شرح، وأن الحوار تفصيل، وأن الكبير يملك خبرة ينبغى أن يسمعها الأصغر. لكننى، كأب لولد فى السادسة عشرة وجدت نفسى أمام جيل لا يتعامل مع اللغة بهذه الطريقة. جيل لا يحب الشرح الطويل، ولا يثق كثيرًا فى النصائح المباشرة، ولا ينتظر خطبة من أحد.
فى البداية، كان هذا يربكنى وربما يضايقنى. كنت أرى اختصارهم نوعًا من الجفاء، وصمتهم نوعًا من اللا مبالاة، وسخريتهم نوعًا من التمرد المجانى. لكن مع الوقت بدأت أفهم أن المسألة ليست فقرًا فى اللغة، بل اختلاف فى نظام الإرسال والاستقبال. نحن كنا نتكلم لنشرح، وهم أحيانًا يختصرون كى لا ينكشفوا. نحن كنا نعتبر الكلام حضورًا، وهم أحيانًا يعتبرون الصمت حماية.
لغة هذا الجيل ليست فقط فى الكلمات الجديدة أو المصطلحات الأجنبية أو «الفرانكو آراب» أو «الإيموجى»، رغم أن كل ذلك جزء منها. اللغة الحقيقية أعمق: فى توقيت الرد، فى حذف الرسالة، فى «الاستورى» التى تختفى، فى النظرة، فى قميص أسود، فى خط موس على الصدغ، فى سماعة الأذن، فى الضحكة المبتورة، وفى جملة قصيرة قد تحمل ما كان جيلنا يحتاج إلى صفحة كاملة ليقوله.
لذلك نعم، لهذا الكود قوانين لا يفهمها كبار السن بسهولة. ليس لأن الكبار أقل ذكاءً، ولكن لأنهم ينتمون إلى زمن آخر. الكبار يريدون المعنى واضحًا ومباشرًا ومفسرًا. أما هذا الجيل فيعيش داخل عالم سريع ومكثف، عالم الصورة و«الريلز» والرسائل المختصرة، لذلك صار المعنى عنده أقرب إلى اللمحة منه إلى الخطبة.

■ كيف وظّفت هذه الأفكار فى الرواية؟
- فى الرواية حاولت أن أجعل هذا الصراع حاضرًا من خلال نظرة الكبار إلى الصغار، ونظرة الصغار إلى الكبار. فالكبير يشعر بأنه يتكلم ولا أحد ينتظره، والصغير يشعر بأنه مسموع طوال الوقت لكنه غير مفهوم أبدًا. هذه مفارقة مؤلمة؛ لأننا أمام أجيال تتجاور فى البيت والشارع، لكنها لا تستخدم اللغة نفسها بالمعنى العميق للغة.
وأظن أن المشكلة ليست فى أن «جيل Z» لا يريد الحوار، بل فى أنه لا يريد الحوار بالطريقة القديمة. لا يريد أن يُحاكم قبل أن يُفهم، ولا أن يُشرح له العالم من أعلى، ولا أن يسمع الإجابات الجاهزة نفسها. هو يريد أن يشعر بأن أحدًا يحاول أن يفك شفرته دون أن يكسرها.
ككاتب وسيناريست، كان يهمنى أن أتعامل مع هذا الكود دراميًا. فكل جيل يخلق لغته حين يشعر بأن لغة الآباء لم تعد صالحة للتعبير عنه. «جيل Z» لا يتكلم أقل بالضرورة، لكنه يتكلم بطريقة أخرى. أحيانًا يتكلم بالجسد، وأحيانًا بالصورة، وأحيانًا بالصمت. وربما يكون واجبنا، بدل أن نسخر من هذا الكود أو نخاف منه، أن نتعلم كيف نقرأه بقدر أكبر من الرحمة والانتباه.
■ لم يعد أحد يثق فى الشعارات ولا فى الخطب ولا فى الأسماء الكبيرة.. هل ترى أن «جيل Z» لا يثق فى كل ذلك؟ وكيف يمكن الوصول إليه ثقافيًا ومعرفيًا؟
- أعتقد أن هذا الجيل لديه حساسية عالية تجاه الزيف. ربما لأنه تعرض لكم هائل من الصور والادعاءات والدعاية والوعود. هو جيل رأى الشعارات وهى تتحول إلى محتوى، والمواقف وهى تتحول إلى «ترند»، والأسماء الكبيرة وهى تسقط أمام اختبار الصدق.
لذلك لا يمكن الوصول إليه بالوصاية. لا يمكن أن نقول له: «اسمع لأننى أكبر منك»، أو «صدّق لأن الاسم مهم»، أو «اتبع لأن المؤسسة عريقة». هذا لم يعد يعمل.
الطريق إليه يبدأ من الصدق، من الاعتراف بأننا لا نملك كل الإجابات، ومن احترام تجربته حتى لو بدت لنا مرتبكة أو حادة أو غامضة.
ثقافيًا ومعرفيًا، هذا الجيل يحتاج إلى خطاب لا يتنازل عن العمق، لكنه يغير طريقة الوصول. لا بد أن نذهب إليه فى وسائطه دون أن نفرغ الثقافة من معناها. يمكن تقديم المعرفة فى صورة قصيرة، بصرية، تفاعلية، لكن بشرط ألا تتحول إلى قشرة براقة بلا مضمون. المطلوب ليس تبسيطًا مهينًا، بل ذكاء فى الوسيط، واحترام لعقل المتلقى.
■ بصفتك كاتب سيناريو، وتجلّت تقنياتك فى كتابة الرواية، هل تتجه إلى تحويلها إلى عمل بصرى قريبًا، خاصة أن لهذا الجيل وسائطه الرقمية الأقرب إلى السرد البصرى القصير مثل مقاطع «الريلز»؟
- الرواية بالفعل مكتوبة بعين سينمائية إلى حد كبير، وهذا طبيعى بحكم عملى فى السيناريو. أنا أرى المشهد، أسمع إيقاع الحوار، وأفكر فى القطع والمونتاج حتى أثناء الكتابة الروائية. لكننى فى الوقت نفسه كنت حريصًا على ألا تتحول الرواية إلى سيناريو مُقنّع. الرواية لها حقها فى التأمل، وفى الدخول إلى مناطق لا تستطيع الكاميرا وحدها أن تلتقطها.
أما تحويلها إلى عمل بصرى، فهو احتمال وارد جدًا. بل أعتقد أن عالم «جيل Z» يصلح لأكثر من شكل: فيلم، مسلسل قصير، أو حتى صيغة رقمية أقرب إلى الحلقات القصيرة التى تناسب وسائط هذا الجيل. لكن المهم عندى ألا يكون التحويل مجرد استثمار فى عنوان معاصر، بل إعادة بناء فنية تحترم روح الرواية.
هذا الجيل لا يشاهد بالطريقة القديمة. عينه مدربة على السرعة، لكنها ليست عينًا سطحية بالضرورة. هو يلتقط الإشارة بسرعة، ويكره الإطالة المجانية. لذلك لو تحولت الرواية إلى عمل بصرى، فسأفكر فى إيقاع جديد: مشاهد قصيرة، كثافة عالية، صورة حادة، ومفارقة دائمة بين ما يقال وما يُكتم.
■ تتلمذت على يد المخرج الراحل رأفت الميهى الذى عُرفت أعماله بالكوميديا الساخرة و«الفانتاز يا».. هل ترى أن روايتك «جيل Z» يمكن تصنيفها ككوميديا سوداء؟
- تجربتى مع الأستاذ رأفت الميهى تركت فى داخلى أثرًا كبيرًا، خصوصًا فى فهم أن الخيال ليس هروبًا من الواقع، بل طريقة أكثر شراسة لكشفه. الكوميديا عنده لم تكن نكتة، بل مشرطًا. و«الفانتازيا» لم تكن زينة، بل وسيلة لفضح العبث الكامن فى الحياة اليومية.
بهذا المعنى، نعم، يمكن النظر إلى رواية «جيل Z» باعتبارها قريبة من الكوميديا السوداء، لكنها ليست كوميديا بالمعنى الخفيف. هى تضحك أحيانًا لأن الواقع نفسه صار غير قابل للتصديق. هناك مواقف فى حياة هذا الجيل تبلغ من القسوة حد السخرية، ومن العبث حد الضحك المؤلم.
الكوميديا السوداء فى الرواية تنبع من التناقض: جيل يملك أدوات اتصال لا نهائية لكنه يشعر بالوحدة، يملك حرية الظهور لكنه يخاف من ذاته، يضحك طوال الوقت لكنه ليس سعيدًا بالضرورة. هذه المفارقات هى جوهر الضحك الأسود فى العمل.
■ ما أعمالك الجديدة على مستوى الرواية أو السيناريو؟
- أنتظر حاليًا صدور كتابى الجديد عن الهيئة العامة للكتاب بعنوان «البناء الدرامى من السينما حتى الميكرودراما»، وهو امتداد لاشتغالى على فنون السيناريو وتحولات السرد البصرى، من السينما إلى المنصات والدراما القصيرة جدًا.
وعلى مستوى الكتابة الأدبية، أعمل على تنقيح رواية جديدة بعنوان «أحبك فى أجساد الآخرين». كما أبحث عن ناشر يتبنى عددًا من الكتب الفكرية والإبداعية التى انتهيت من إعدادها أو أوشكت على مراجعتها. وبالطبع، أدرك أن صناعة النشر تمر بتحديات كبيرة، لكننى أؤمن بأن الكاتب لا يستطيع أن يتخلى عن أحلامه بسهولة؛ فالكتابة فى النهاية فعل أمل، حتى فى الأوقات الصعبة.
كما أننى مستمر فى استكمال سلسلة كتب السيناريو؛ فقد انتهيت من كتاب عن «كتابة المسلسلات والكتابة للمنصات»، وكتاب آخر عن تحويل الأدب إلى سيناريو، أو ما يمكن تسميته «المعالجة السينمائية للأدب»، وهما الآن فى مرحلة المراجعة تمهيدًا لعرضهما على الناشرين.
أما فى السيناريو، فلدى أكثر من مشروع قيد التقديم والتسجيل، منها مسلسل «نقطة رجوع»، وهو عمل من ١٥ حلقة يدور حول مشكلات الحياة الزوجية ومحاولة إنقاذ العلاقات قبل أن تصل إلى الانفصال أو الطلاق.
كما لدىّ مشروع فيلم بعنوان «عيون بهية»، وهو عمل أعتز به كثيرًا، لأنه يتناول عاطفة الأبوة فى إطار وطنى وإنسانى أوسع. فالفيلم ينطلق من فكرة أن جسد الوطن لا ينفصل عن جسد مواطنيه، وأن حماية الإنسان والآثار والذاكرة وأدوات الإنتاج هى فى النهاية حماية لمشروع حضارى كامل. وقد حرصت فى هذا الفيلم على وجود مشاهد تحمل بعدًا جماليًا وسياحيًا، إيمانًا بأن الدراما يمكن أن تسهم فى تقديم مصر بوصفها بلدًا للحكاية والجمال والحضارة.
الفيلم معروض حاليًا على مخرج كبير، وأنتظر قراره بشأن إمكانية تبنيه أو إنتاجه. وبشكل عام، أستطيع أن أقول إننى أعيش مرحلة مزدحمة بالمشروعات، بين الرواية والسيناريو والكتب النقدية والفكرية، وأتمنى أن تجد هذه الأعمال طريقها إلى النور قريبًا.







