مشوار حياتى.. كريمة الحفناوى تروى يوميات صيدلانية فى الأرياف
- يومياتى مستلهمة من لحظات حياتية حقيقية.. وكتبت الحكايات بلغة أصحابها وروح اللحظة نفسها
- قالوا عنى فى القرية «الدكتورة الشيوعية».. وشيوعية عند البسطاء تعنى التسيب والإلحاد والفساد
- كان أهالى القرية يعتمدون على «شيخ» فى العلاج وكتابة الدواء!
- كان أهالى القرية والقرى المجاورة يأتون لشراء التراكيب البيطرية.. لأن الست الدكتورة فى إيدها الشفا
سيرة الدكتورة كريمة الحفناوى ليست مجرد مسار مهنى، بل رحلة إنسانية وثقافية وسياسية اتخذت من مهنة الصيدلة بوابة للانخراط فى قضايا المجتمع، ومن الريف المصرى فضاءً حيًا لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على مدار أكثر من ثلاثة عقود.
على امتداد 34 عامًا «1978 - 2012»، عملت كريمة الحفناوى صيدلانية فى عدد من القرى المصرية، متجاوزة حدود التخصص المهنى، لتصبح شاهدة وفاعلة فى تفاصيل الحياة اليومية للناس، وهو ما حرصت على توثيقه فى مؤلفاتها: «يوميات صيدلانية» «2008»، و«وجع البلاد والعباد» «2023»، وكتابها الأحدث «مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية» «2025».
إلى جانب الصيدلة، لعب المسرح دورًا مركزيًا فى هذه السيرة، حيث شاركت فى عروض فرقة بنى سويف المسرحية بالثقافة الجماهيرية، من إخراج زوجها الراحل محمد سمير حسنى، وقدّمت أعمالًا لمجدى الجلاد، ومحفوظ عبدالرحمن، والدكتور عبدالعزيز حمودة، مؤمنة بأن الفن فعل تنوير ومقاومة، لا ترفًا عابرًا.
عن كتابها الجديد، وعلاقتها الممتدة بالريف المصرى، ومسيرتها بين الصيدلة والفن والسياسة والحياة، أجرت «حرف» مع كريمة الحفناوى الحوار التالى.

■ صدر لكِ مؤخرًا كتاب «مشوار الحياة.. يوميات صيدلانية»، ويرصد لقطات يومية من تجربتكِ الممتدة على مدار ٣٤ عامًا، من ١٩٧٨ إلى ٢٠١٢، فى عدد من القرى المصرية خلال عملكِ صيدلانية.. هل يُمكن اعتبار هذا الكتاب امتدادًا لكتابكِ «يوميات صيدلانية» الصادر عام ٢٠٠٨ وكتابك «وجع البلاد والعباد» الصادر عام ٢٠٢٣، أم أنه يفتح مسارًا سرديًا مختلفًا؟
- بدأت كتابة اليوميات منذ أوائل التسعينيات، وهى مستلهمة من لحظات حياتية حقيقية، وحاولت أن تُكتب بلغة أصحابها وروح اللحظة نفسها. كنت أسجل كل لقطة صغيرة أراها مهمة: أى موقف من المرضى، نقاش فى القرية، أو حتى موقف طريف يعكس طبيعة الحياة الريفية. مع مرور الوقت، أصبح لدىّ أرشيف يوميات قرأها أصدقائى، وشجعونى على نشرها. كان للباحث عبدالخالق فاروق دور مهم فى تحويل اليوميات إلى نسخة مكتوبة على الكمبيوتر، ثم أُرسلت للنشر فى دار العين.
اليوميات الأولى كانت صغيرة الحجم، تضم ١٨ لقطة قصيرة، لكنها لاقت ترحيبًا واسعًا. نوقشت لاحقًا فى ورشة الزيتون الأدبية برئاسة شعبان يوسف، حيث اعتبر المشاركون أن العمل ليس مجرد سيرة ذاتية، بل توثيق لحالة مجتمع كامل، ووصفه البعض بـ«سيرة مكان».
هذا التشجيع دفعنى لكتابة كتابى الثانى «وجع البلاد والعباد.. مشوار الحياة فى الفن والسياسة»، وقررت أن أبدأ السرد منذ ميلادى، لأوثّق الفن والسياسة والحياة اليومية بشكل متكامل.
الكتاب الجديد «مشوار الحياة» يوثق ٣٤ عامًا فى الصيدلة داخل الريف، ويجمع بين اليوميات السياسية والثقافية، ويبدأ من اختيارى كلية الصيدلة، مرورًا بالحركة الطلابية، واعتقالى فى يناير ١٩٧٢، وانخراطى السياسى والاجتماعى، وصولًا إلى الانخراط الكامل فى الحياة المهنية والريفية.
■ التحقتِ بكلية الصيدلة جامعة القاهرة عام ١٩٧١، وكنتِ من أبرز قيادات الحركة الطلابية الوطنية الديمقراطية فى سبعينيات القرن الماضى.. ما أبرز التحولات السياسية والمجتمعية التى شهدتِها داخل الجامعة خلال تلك الفترة؟
- حين التحقت بالجامعة، كان هناك شباب وشابات يحملون مطالب كبيرة وواضحة، وكانت صحافة الجامعة من أقوى منابر التعبير. شاركت فى أنشطة جمعية أنصار الثورة الفلسطينية وحضرت مناقشات القضايا العامة فى «ممر الصحافة»، وهو فضاء مفتوح للنقاش حول كل شىء: والسياسة، والقضايا الاجتماعية، والاقتصاد.
كانت المطالب الطلابية تدور حول استعادة الكرامة الوطنية بعد هزيمة ١٩٦٧، وخوض حرب ضد العدو الصهيونى، والدفاع عن القضية الفلسطينية، إلى جانب تعزيز المطالب الديمقراطية والاجتماعية. مع الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وصل الأمر إلى انتفاضة يناير ١٩٧٧، التى أدت إلى تراجع الرئيس أنور السادات عن قراراته خلال أقل من ٤٨ ساعة.
الحركة الطلابية كانت نبض المجتمع وأصدق معبر عن همومه، ورافقت انتفاضات العمال، التى أظهرت حجم المعاناة الاقتصادية والاجتماعية للطبقات المهمشة. كانت كل حركة، أو هتاف فى الجامعة، يحمل رسالة واضحة: «كل التفانى للوطن، وكل الديمقراطية للشعب».

■ فى فصل «بين الفن والسياسة والدراسة» يبرز تعدد المسارات فى حياتك.. هل شعرتِ فى مرحلة ما أن الصيدلة وحدها لم تكن كافية للتعبير عن ذاتكِ؟
- الحقيقة أننى أحببت الفن والسياسة والدراسة، ومنحت كل منها جهدى وعطائى المتواصل. كان الفن بالنسبة لى رسالة تنويرية قبل أن يكون مجرد هواية، والمسرح أداة لفهم الواقع ومقاومته، ومن خلاله تعلمت كيف يمكن للكلمة والصورة أن تغيّر وعى الناس وتفتح أمامهم آفاقًا جديدة.
أما الصيدلة، فقد أحببتها منذ المرحلة الثانوية بتأثير أستاذ الكيمياء الذى ألهمنى حب العلم والدقة، لتصبح بالنسبة لى مجالًا يوازن بين العقل والمنهجية. ومع استمرار الفن والمسرح فى الجامعة، بدأت تتشكل لدىّ رؤية شاملة للحياة، رؤية ترى الإنسان جزءًا لا يتجزأ من مجتمعه، يحتاج إلى الفهم والعمل والتحرك، ويظل دائمًا فى حالة بحث عن معنى أعمق للوجود وعن دور أكثر فاعلية فى خدمة الآخرين.
حبى للفن والسياسة والصيدلة لم يكن يومًا متناقضًا، بل مسارات متكاملة. مهنة الصيدلة كانت انسجامًا مع الانحياز للفقراء والمهمشين، تمامًا كما الفن والسياسة.
■ كيف استحضرتِ تجربة حرب أكتوبر ١٩٧٣ داخل سرد ذاتى شخصى، دون أن تتحول إلى خطاب تاريخى أو توثيقى مباشر؟
- كنت أختار لقطة تمثل أبعادًا سياسية وثقافية واجتماعية واقتصادية معًا، بحيث تكون قريبة من القارئ بأسلوب يشبه القصة القصيرة، لا مجرد تسجيل تاريخى. كنت أسترجع مشهدًا، موقفًا، أو حديثًا بسيطًا يعكس شعور الناس وأحداث الحرب، دون أن أغرق فى التفاصيل العسكرية أو التاريخية.
مقدمتا كتابى عن حرب أكتوبر كتبهما أحمد بهاء شعبان ومحمد إبراهيم طه، مؤكدين أن ما كتبته أقرب إلى «سيرة وطن»، لأنه يوثق الناس والزمان والمكان، وليس الذات فقط.
■ بدأ نشاطكِ الفنى فى التمثيل والغناء منذ عام ١٩٦٤ عبر برامج الأطفال فى الإذاعة والتلفزيون ومسرح الطفل، ثم واصلتِ التجربة على مسرح الجامعة، ولاحقًا فى مسرح الثقافة الجماهيرية بمختلف أقاليم مصر بين عامى ١٩٧٥ و٢٠٠٢.. ماذا تعنى لكِ فكرة «مسرح الثقافة الجماهيرية»؟ وهل كان الفن بالنسبة لكِ ملاذًا أم أداة مقاومة؟
- كنت أؤمن بأن المقاومة بالسلاح على حدود الوطن يجب أن يقابلها مقاومة بالكلمة والفن. أطلقت على مجموعتنا فى المسرح اسم «كتيبة المقاتلين فى مسرح الثقافة الجماهيرية»، مؤمنة بأن الفن رسالة تنويرية وجماعية، يشمل الكاتب والممثل والراقص والنقاد، معظمهم عملوا بدافع الإيمان بالرسالة لا المكسب المادى.
المسرح الجماهيرى كان نافذة للتنوير، وسيلة لفهم المجتمع ومواجهة التطرف، والأداء الفنى كان رسالة أخلاقية ووطنية، أكثر من كونه مجرد عمل فنى.
■ خصصتِ ثمانية وعشرين عامًا من حياتكِ للعمل فى قرية برنشت.. ماذا تعلّمتِ عن المجتمع الريفى المصرى من خلال هذه التجربة، بعيدًا عن المعرفة النظرية والكتب؟
- بدأت عملى عام ١٩٧٨ فى قرية زيدين، ثم مزغونة، ثم برنشت «١٩٨٤- ٢٠١٢». تعلمت علاقة الناس بالحياة اليومية، وعشت معهم، فصرت جزءًا من مجتمعهم. كنت أقدّم الدواء، وأستمع لهم، وأشاركهم أفراحهم وأحزانهم، وأصبحوا بمثابة أهلى.
أحبّونى وأحببتهم، فصرتُ واحدة منهم كنت إخصائية اجتماعية وطبيبة نفسية وصديقة قريبة من الناس. رصدت التغيرات الاقتصادية، هجرة الشباب للخارج، وتحمل المرأة أعباء الأسرة بمفردها، مع الحفاظ على القيم الأصيلة للريف.

■ يحمل عنوان كتابك الجديد كلمة «مشوار».. هل ترين حياتكِ مسارًا مخططًا له منذ البداية، أم سلسلة من المصادفات التى قادتكِ إلى ما أنتِ عليه اليوم؟
- حياتى نتاج تفاعل دائم بين البيئة والظروف والقدرات الشخصية. لم يكن كل شىء مخططًا، بل هو مزيج من الظروف التى ساعدت، والموهبة والجهد الشخصى، فصنعت هويتى ومسارى.
■ لمن كُتب هذا الكتاب فى الأساس: للقارئ العام، أم للأبناء، أم بوصفه حوارًا داخليًا مع الذات؟ وهل يمكن اعتباره شهادة اجتماعية عن مصر بقدر ما هو سيرة ذاتية؟
- الكتاب مزيج بين السيرة الذاتية وسيرة الوطن. لغة الكتاب سلسة وبسيطة، موجهة للجميع، من الأبناء إلى الأحفاد، بهدف توثيق ما جرى فى مجالى الفن والسياسة، بما يجعله شهادة اجتماعية وسياسية وثقافية عن مصر وشعبها.
■ أخيرًا، ما مشاريعكِ أو مؤلفاتكِ الجديدة؟ وهل تفكرين فى استكمال هذه السيرة بجزء جديد من تجربتكِ الحياتية والإنسانية؟
- شاركت فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، حيث التقيت القراء من كل الفئات. أسعدنى فوز دار النسيم للنشر بجائزة أفضل ناشر مصرى، ما شجعنى على استكمال السرد فى الجزء الثالث من «مشوار الحياة»، المقرر صدوره يناير ٢٠٢٧.
التجربة المستمرة مع القراء والفعاليات الثقافية تمنحنى طاقة وحافزًا للاستمرار فى الكتابة، وتأكيدًا على قيمة توثيق التجربة الإنسانية والاجتماعية والفنية فى مصر.

السيارة الـ«داتسون» القديمة
بيقولوا فى الأمثال: «حمارتك العرجة ولا سؤال اللئيم».
عندما استأجرت صيدلية الأمل الجديدة بمزغونة فى صيف ١٩٧٩، كنت وقتها أسكن فى بولاق الدكرور على بُعد٣٥ كيلو تقريبًا من الصيدلية، وكان علينا أنا وسمير أن نركب الأتوبيس من بولاق الدكرور إلى موقف عربيات وجه قبلى بميدان المحطة بالجيزة. ومن الموقف نركب العربية البيجو الـ٧ راكب إلى مزغونة، وكانت وقتها الأجرة للفرد «النَّفر» على ما أنا فاكرة ٢٥ قرشًا.. أى ربع جنيه.
وطبعًا فى أول المشوار وقبل تسجيلى على أحد الفروع الرئيسية للأدوية بمحافظة الجيزة. كنت أذهب إلى «فرع الشركة المصرية للأدوية بالقصر العينى» فى جاردن سيتى أطلب طلبية صغيرة من الأدوية «كرتونة أو كرتونتين» وأحملها فى تاكسى إلى موقف ومن الموقف أركب البيجو إلى مزغونة.
والحقيقة كان كل سائقى الخط يتعاملون بمنتتهى اللطف والكرم معى، عندما نصل إلى مزغونة يوصلوننى إلى الصيدلية غرب الجسر، ثم يرجعون إلى الموقف شرق الجسر.
استمررنا على هذا المنوال ما يقرب من سنة، حتى انتقلنا إلى شقة بالبدرشين فى مارس ١٩٨٠، فكنت أركب من البدرشين إلى الجيزة، ثم إلى فرع الأدوية فى جاردن سيتى، وأحمل كراتين الدواء إلى موقف الجيزة، ومنه إلى مزغونة.
وفى يوم من أيام شهر الربيع عام ١٩٨١، جاء إلى الصيدلية دكتور سعيد الطاهر «صديقنا الذى تعرفنا عليه، والذى كانت له عيادة فى مزغونة شرق البلد». وقال لسمير:
- فيه مزاد للعربيات «المستعملة والمصادرة فى الجُمرك»، الجمعة الجاية إيه رأيك نروح سوا يمكن نلاقى عربية ليكم بدل البهدلة اللى انتوا فيها.
تحمّس سمير ووافق، وأخذ معه دكتور سعيد، وأسطى ميكانيكى سيارات من مزغونة تعرفنا عليه، وابنتنا نسرين التى تبلغ من العمر سنة واحدة وقال سمير وقتها إنه يستبشر بوجه نسرين وإن شاء لله يرجعوا مجبورين الخاطر.
وبالفعل كان وجه نسرين وجه خير علينا، واشترينا العربة الـ«داستون ١٠٠» اليابانى بألف وخمسمائة جنيه مصرى فقط لا غير، ورجعوا كلهم فرحانين ومجبورين، لأن أول ما أدخلوا المفتاح فى المارش تحركت العربة وكان الموتور ١٠٠٪، وطبعًا كان هذا من حظى بدلًا من شيل الكراتين وحط الكراتين. والمشى بيها فى عز الحر والبرد والمطر.
تعلم سمير بسرعة قيادة السيارات على يد دكتور سعيد الطاهر، وشجعنى بعد ذلك على القيادة، وكنت أتعلم السواقة على عربة دكتور سعيد فى الطريق الغربى الهادئ وقتها، وعلى فكرة كنت حاملًا وقتها فى ابنتى الثانية رشا، المهم بقى معايا رخصة سواقة فى أوائل عام ١٩٨٢، وألف ألف مبروك.. وسمّعونا زغروتة حلوة يا حبايب.
اسمك إيه بالكامل؟
من المعتاد أن يُكتب على الورق الذى نلف به الدواء اسم المدير المسئول، وطبعًا كان اسمى مكتوبًا على الورق باختصار.. «كريمة الحفناوى».
وهذا الاسم غير الكامل، لا يدل على ديانة صاحبته «مسلمة كانت أو مسيحية»، وكان زوجى سمير يقف فى الأجزاخانة ليساعدنى واسمه أيضًا لا يدل على دينه.
ويبدو أن هذه الحكاية كانت تهم وتشغل بال الأهالى فى القرية، فمن المعتاد أن تشجع كل جماعة دينية من هُم فى ديانتها.
واجهت هذا الواقع المرير فى أواخر السبعينيات، ففى هذه الفترة تأججت فيها موضوعات المسلم والمسيحى بسبب انتشار الجماعات الإسلامية، والجماعات الجهادية، والإخوان المسلمين وجماعة السلفيين وجماعة التكفير والهجرة وغيرها.
بدأ المترددون على الأجزخانة تدريجيًا الثقة فى شخصى، وفى تعاملات الأجزخانة والتزامها بتسعيرة الدواء، وفى تراكيب الأدوية التى تراعى سعر التكلفة، ولا تغالى فى الربح، ونتيجتها مضمونة، وبدأت الأجزاخانة فى جذب أهالى القرية على اختلاف دياناتهم، واعتبرت هذا نجاحًا كبيرًا.
بعد ستة أشهر من افتتاح الأجزخانة . وكنت قد اجتزت مرحلة الاختيار وحُزت الثقة.. بدأ يُشاع فى القرية إن الست الدكتورة شيوعية..!!
كان الدكتور فصيح «من قرية مزغونة» زميلًا لى فى الكلية، ومن المنتمين إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان رئيسًا لاتحاد طلاب الكلية، وكان كل منا يحترم رأى الآخر، رغم ضراوة الصراعات المستمرة بين التيارات اليسارية والإسلامية فى ذلك الوقت، ورغم استخدام الرئيس السادات أصحاب التيار الإسلامى فى مواجهة وضرب وخنق التيار اليسارى النشط خلال فترة السبعينيات. قال الدكتور فصيح قولته:
- الدكتورة شيوعية.
وكلمة شيوعية بالطبع كانت معروفة لدى بسطاء الناس بأنها التسيب والإلحاد والفساد.
قال أحد أفراد القرية فى رده على الدكتور فصيح:
- طب دى ست محترمة، وكويسة، ولبسها محترم، ومعاها جوزها، وعمرنا ما سمعنا منها العيبة وعندها ضمير.
بعد أيام دخل الحاج توفيق «صاحب دكان بقالة قبلى الأجزخانة » وبادرنى بسؤال غريب:
- هو إنتى اسمك إيه بالكامل يا دكتورة؟
- انتابتنى دهشة من السؤال وأجبت:
- اسمى كريمة محمد على حفناوى.
خرج الرجل مسرعًا من الأجزخانة ، وهو يضرب كفًا بكف قائلًا بصوت منخفض، لكنه مسموع:
- أمال بيقولوا عليها شيوعية ليه؟!، لا إله إلا الله دى مسلمة وموحدة بالله، واسمها كريمة محمد!!
ديسمبر ١٩٧٩

الشيخ .. والبرفان البخَّاخة
منذ أن افتتحت الأجزخانة فى يونيو من عام ١٩٧٩، وأنا أقوم بصرف روشتات الأدوية التى تعرفت من خلالها على عدد كبير من أطباء المنطقة والمناطق المجاورة، منهم الدكتور عمر توفيق.. الذى تخرج حديثًا فى كلية الطب، وفتح عيادة صغيرة فى بيت أبيه الحاج توفيق «صاحب محل بقالة بجوار الصيدلية» ولكن كان علىّ يوميًا أن أصرف عددًا من الروشتات، عبارة عن قصاصات من الورق الأبيض الصغير، مكتوب فيها عدد من الأدوية باللغة العربية، تكاد تتشابه تلك الأوراق فى أنها تحمل ثلاثة أدوية، دواء للمقويات، ودواء لمغص الأطفال. ودواء مُسكن لعلاج أمراض المعدة، وفد استرعى انتباهى تكرار هذه القصاصات، وكان علىّ أن أسأل، وجاءتنى الإجابة:
- ده الشيخ عبدالرحمن، راجل كله بركة، بيفتح الكتاب ويكتب منه اسم الدوا.
حاولت مرارًا أن أشرح لهم، أن هذه الأدوية قد لا تضر، ولكنها قد لا تعالج ما يعانى منه المريض، ما قد يؤدى إلى استفحال المرض، وأن هذا الشيخ لا يكتب غير ثلاثة أدوية لجميع الأمراض، ولكن كانوا يرددون: إحنا لفينا على كل المستشفيات، والدكاترة، والأساتذة الكبار فى باب اللوق ولكن مفيش فايدة.
ويستطردون فى شرح بركات الشيخ:
- دى مرات «إبراهيم» ما كانتش بتخلف، وخلّفت على إيديه.
- دا الواد مكانش بيتكلم وعنده أربع سنين. ولما راح للشيخ نطق.
- دا العريس كان «مربوط» ليلة الزفاف- أى لا يستطيع الانتصاب وممارسة الجنس- والشيخ عبدالرحمن حل الرّبط، وبقى زى الفل.
وضاع صوتى هباءً، فالشيخ له أمارات ومعجزات، وقد حذرنى بعض زبائنى من أن اللعنة قد تصيبنى، إذا ما استمررت فى الاعتراض على الشيخ..!!
وطبعًا عند سماع الشيخ باعتراضاتى، طلب من زبائنه ألا يأتوا للشراء من أجزخانتى، وعليهم أن يصرفوا دواءهم من أجزخانة الدكتور إدوارد فى البر الشرقى من القرية.
بعد عدة أشهر فوجئت بأوراق مكتوب بداخلها زجاجة كولونيا بخاخة بسعر «٣٩٥ قرشًا» وصرفت هذه الأوراق دون أن يسترعى انتباهى شىء، ولكن مع التكرار ساورتنى الشكوك والظنون، بأن هذه الأوراق من قبل أحد الشيوخ، وعندما نفذ مخزون الكولونيا، وقمت بصرف زجاجة من نوع آخر جاءتنى زبونتى لتقول لى غاضبة:
- من فضلك يا دكتورة، عم الشيخ بيقولك اصرفى لنا المكتوب، مش بديل.
- ضحكت، لأن من قالت هذه هى إحدى جاراتى الشابة التى تسكن بجوار الأجزخانة ، وكانت متعلمة، وإذ بها تحت ضغط كلام أمها تذهب إلى الشيخ. لأن سن الزواج فاتها «كان عمرها ثلاثة وعشرين عامًا»، وأمها تؤكد لها أن هناك عملًا معمولًا لها، والشيخ هو الوحيد القادر على فك هذ العمل!!
لم يمر على هذا الكلام سوى ثمانية وأربعين ساعة، ووجدت أمامى «عم الشيخ» بلحمه وشحمه ودمه، رجل لا يتجاوز الأربعين عامًا من عمره، خفيف الظل، يجيد الكلام «مدردح» لا تشبع من كلامه وقال:
- بصراحة كده هو سيادتك مفيش عندك الكولونيا؟
رددت وقد اعتلتنى الدهشة:
- هو أنت الشيخ عبدالرحمن؟
- أيوه هو أنا.
استكملت كلامى معه وأنا ضاحكة.
- يا خبر. مش تقوللى علشان أوفر لك الكولونيا، ثم إن سعرها بقى أربعة جنيهات وخمسة وعشرين قرشًا، وليس ثلاثة جنيهات وخمسة وتسعين قرشًا، عمومًا ح أوفرها.
واستطردت:
- إنما أنا عاوزة أعرف.. هو العفريت يا سيدنا الشيخ ما بيحب غير الكولونيا دى. ده عفريت نزيه قوي.
- رد علىّ قائلًا:
- بصراحة أهى حاجة غالية ونضيفة، وأعرف أبيعها فى دكان القماش بتاعى، أصل عملت فترينة فيها شوية كريمات عى كولونيات، أهو أكل عيش.
وأكمل حديثه:
- بُصى بقى بصراحة كده يا ست الدكتورة، الناس معتقدة وبتدفع، ده أنا كل يوم قصاد بيتى رصيف طويل مرصوص عربيات لكُبارات البلد، والنساوين، إشى فنانين، وإشى نساوين ضباط، كله بيبوس إيد الشيخ، وفكرك إيه يا دكتورة، كل الحكاية أوضة ضلمة وشوية بخور، هى يعنى كده تقدرى تقولى باحط الراجل أو الست فى جو مغيْم وأخليه فى حالة نفسية، يعنى كده بالإيحاء، وأقرأ شوية قرآن.
أخذتنى الدهشة من صراحته غير المعهودة، فوجدتنى أسأل:
- يا سلام هيه.. وبعدين؟
- لا بقى. دا سر الصنعة.
وضحك ولم يكمل.
بقى أن تعرفوا أن بلدة هذا الشيخ معروفة، وما عليكم سوى أن تأتوا إلى موقف السيارات بالجيزة وتسألوا عن «الشيخ عبدالرحمن» وستجدون السيارات التى ستقلكم إلى بيته، وتصلون إليه آمنين مُكرمين.
على فكرة.. البرفان البخَّاخة الذى طلبه الشيخ، كان برفان رجالى أخذت شركة الشبراويشى حق تصنيعه وكان اسمه «باكوس إسبراى».
ربيع ١٩٨٠

عايز العلبة الزرقا دى
بعد عناء يوم طويل، أجلس على الأريكة فى بيتى أمام التليفزيون علّنى أجد سهرة ممتعة، ولكن لشدة تعبى وإرهاقى كنت أشاهد دائمًا الإعلانات.. وأثنائها يغلبنى النعاس.
لم أكن أتصور مدى سحر هذه الإعلانات وتأثيرها الخطير على أهل بلدتنا وما حولها من قرى، لقد أصبح جهاز التليفزيون فى متناول معظم الأسر، وذلك لإمكانية شرائه بالتقسيط، سواء عن طريق النقابات فى المصانع والهيئات والبنوك، أو عن طريق المحلات التى تقوم ببيع الأجهزة بالتقسيط ومن ليس عنده تليفزيون فهو يشاهده عند الجيران أو فى المقهى.
إذن الجميع سيرى ويسمع الإعلانات، ونظرًا للظروف الاقتصادية الطاحنة التى يعيشها معظم أبناء القرية، ولأن الوسيلة الوحيدة لتثقيف ومتعة المشاهد وصياغة ذوقه الفنى هى التليفزيون، فقد أصبحت الإعلانات متربعة على عرش الثقافة والترفيه وتُشكّل ذوق المشاهد، وكانت أمنية الشباب أن يشتروا سلعة من هذه السلع المُعلن عنها بواسطة نجم الكرة أو الفن، مثل معجون الحلاقة الذى يستخدمه نجم الكرة، أو الشاب «ابن الناس» الذى يقوم بدهان شعره بالكريم، أو يلبس هذه البدلة الأنيقة أو هذا البنطلون، وأمنية الشابات أن تشترى سلعة من السلع التى تعلن عنها نجمة السينما العالمية التى تستخدم هذا الصابون، أو الفتاة الجميلة ذات الشعر الناعم كالحرير التى تغسل شعرها بالشامبو.
وكان «كريم العائلة السعيدة» «كريم يحمى ويعتنى»، كريم «نيفيا» هو الأكثر شهرة، ولأن الكثيرين من أبناء وبنات القرية لا يعرفون القراءة أو نطق اسمه فكان عليهم أن يأتوا إلى الأجزخانة ويشاوروا على العلبة قائلين:
- عايزين العلبة الزرقا دى!!
ديسمبر ١٩٨٠

اشمعنى ده اللى صورته فى الجُرنان

- مات فى يومه الأول.. مات فى يومه الرابع.. مات فى يومه السابع. مات بعد خمسة عشر يومًا من ولادته.
كلمة عادية تتردد كل يوم داخل الصيدلية، ويسبقها بيوم مجىء أهل المولود للشكوى من أن حرارته مرتفعة، وتصيبه نوبات تشنج، بعدها ذهبون به لأقرب طبيب، ثم رحلة البحث عن مصل التيتانوس، وقد يجدونه أو لا يجدونه، ويموت الطفل فى أغلب الحالات.
(أقرأ فى جريد الصباح عن زواج الأميرة ديانا والأمير تشارلز ولى عهد بريطانيا).

- شوفى لى التحليل ده يا ست الدكتورة بيقول إيه.. بقى لى عشر سنين متجوزة، وكل ما أحبل أسقّط العيل، وبينزل علىّ دم..ساعات فى الشهر الرابع.. أو فى الشهر الخامس أو السادس. وحتى السابع، والمهم السقط عبارة عن دم أو زى ما بيقول الدكاترة جنين مشوّه على حسب ما سمعت، ودكاترة تانية قالوا ده الحَبَل خطر علشان عندى هبوط فى القلب، وياما نصحت جوزى يتجوز علىّ علشان يجيب له حتة عيل، وهوه اللى مش راضى.
(أتتبع فى جريدة الصباح نبأ حمل الأميرة ديانا الذى نقلته جميع وكالات الأنباء).

- والنبى يا ست الدكتورة الواد ده اتحسد، كان زى الفل إمبارح، ومن الفجر لدلوقى راح أصفر زى الليمونة وعمال يطرُش (يتقيأ) وسخن، أعمل إيه عين وصابته، منها لله بنت الحاج (عبده) متجوزين مع بعض يوم بيوم، وبنولد مع بعض يوم بيوم، بس ربنا بيرزقنى بصبيان وهى كل خلفتها بنات، شافته إمبارح على إيدى قالت دا الواد بيسنن، وأنا البنت اللى من سنة دبلانة وما طلعتش ولا سِنّة.
(أتتبع فى جريدة الصباح حمل الأميرة ديانا فى الشهر الثالث.. والأمور مطمئنة).

- مات عنده ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر أو خمسة أشهر أو سنة أو أكثر، أصل يا دكتور كان بيسهل، وحماتى قالت لى هى وجيرانى يمكن بيسنن، والإسهال كويس بينضّف بطن العيل، لكن الإسهال ما بطلَّش، وما فيش ولا سِنَّة واحدة ظهرت، وبطنه اتنفخت، أعمل إيه بالليل والأخزخانة قفلت، جريت على دكان الحاج توفيق جربت له برشامتين خد قزازة دوا إسهال من عندك ما نفعش، رحت للدكتور عمر العصر قاللى ده إنتى جيتى متأخرة، إلحقى روحى به مستشفى أبوالريش يعلَّقوا له محاليل).
وهو على إيدها فى الطريق للمستشفى.. مات:
(أتتبع فى جريدة الصباح أنباء حمل الأميرة ديانا فى الشهر الرابع.. الجنين يتحرك.. نصائح الأطباء للأميرة بخصوص المأكولات).

- يا ست الدكتورة.. بأرمى فى الشهر الرابع (أى يتم إجهاض الجنين فى الشهر الرابع)، أعمل إيه؟ قالوا لى الرحم مفتوح وعاوز يتربط، روحت للدكتور، بس يا دكتورة غالى علينا قوى ده كشفه بالشىء الفلانى، وعلشان أروح له بأصرف شىء وشويّات، قالى لى أتابع معاه، طب أنا إن قدرت الشهر ده أروح له يمكن ما ألاقيش الشهر اللى بعده، ما إنتى عارفة يا ست الدكتورة المعيشة غالية، والمصاريف كثيرة، وإحنا على أبواب المدارس والأعياد، اللى يحصل يحصل وربنا يعمل ما فيه الخير.
(جنين الأميرة ديانا يتحرك ويتنفس جيدًا، ويمكننا رؤيته بأحدث الأجهزة على شاشة تليفزيونية كل يوم).

- علبتين لبن يا دكتورة، أصل صدرى مش مكفى، أصلهم اتنين توأم، قلت أساعد بلبن برَّانى.. الله.. هو بقى غالى كده ليه؟، دا العيل الأولانى إتربى على نفس النوع وكانت العلبة بـ٣٨ قرشًا (عام ١٩٧٩)، ودلوقت العلبة بـ٩٠ قرش، نعمل إيه يعنى نسيبهم يجوعوا؟!
(حَمل الأميرة ديانا فى الشهر السابع.. الأمور مطمئنة، صحة الأمير بخير وتزور الهيئات والمستشفيات ومعها الهدايا والورود).

- الحقى يا دكتور.. الواد سخن، يا ترى الله لا يقدر حاجة وحشة، أصل اليومين دول دايرة ما تتسمى المبروكة (الحصبة)، وده الواد اللى حيلتى من الدنيا على خمس بنات، وجوزى فى ليبيا، ويا لهوى لو الواد جرى له حاجة، ده كان يطلّقنى.
(حَمل الأميرة ديانا فى الشهر الثامن.. الأميرة بصحة جيدة.. نصحها الأطباء بالراحة، مُصمم أزياء الأميرة يُصمم لها فستانًا للحمل، أصبح موضة الحوامل هذا العام).

- والنبى يا ست الدكتورة ما تعرفيش حد فى صحة المركز علشان نطلّع للواد شهادة ميلاد، قالوا ما دام ما تقيدش يبقى لازم نروح نطلّعها له من المركز، شهادة ساقط قيد، أصل أبوه مات وهو عنده سنتين، وأمه ربنا يكرمها.. سابتهولنا وراحت اتجوزت فى بلد ثانية، ما هى كانت لسه صغيرة.. الله يسامحها، لو كان بنت مكانش مهم، إنما ده ولد وعنده دلوقت حوالى حداشر سنة وحيحتاج شهادة للجيش والسفر.
(الأميرة ديانا فى الشهر التاسع على وشك الولادة.. دخلت الأميرة المستشفى.. قام الأطباء بإجراء الفحوصات اللازمة والتحاليل والأمور مطمئنة).
- ادعى لى يا ست الدكتورة أقوم بالسلامة، أنا تعبانة قوى، أصل الدكتور فى قصر العينى قال لى ما تخلّفيش لأنه خطر، أصل عندى صمام مسدود فى قلبى ولازم أعمل عملية، بس إنتى عارفة سلفتى وحماتى من يوم ما اتجوزت من أربع سنين وهما مطينين عيشتى، أنا وجوزى سمن على عسل، ده لو بيسمع كلامهم كان زمانه طلقنى من زمان، بس هو بيحبنى، ولازم أجيب له عيل حتى لو مت.
(الأميرة ديانا فى حجرة الولادة.. الأطباء فلان وفلان وفلان. الشعب مُلتف حول شاشات التليفزيون. وأخيرًا تمت إذاعة الخبر السعيد، ونقلته الأقمار الصناعية ليشاهده المئات من قريتنا).
نظرت إحدى زبائنى فى الجريدة التى فى يدى وقالت:
- بسم الله ما شاء الله.. باين عليه ابن أمراء بصحيح.. يا ختى ما كل يوم النساوين بتولد، إشمعنى ده يعنى اللى جايبين صورته فى الجُرنال!!
١٩٨٢
صيدلية الأمل بقرية برنشت
بعد أربع سنوات من استئجارى لصيدلية الأمل الجديدة بمزغونة، ألحّ علىّ أهالى قرية برنشت الكرام بمركز العياط، محافظة الجيزة (والتى تبعد عن مزغونة بأكثر من عشرة كيلومترات) وأصروا (وزنّوا على ودانى) كى أفتح عندهم صيدلية.. وقالوا:
- إحنا بنبعد عن مزغونة ١٠ كيلو، و عن مركز العياط ١٠ كيلو أو أكتر وبنخبط مشوار، وندفع أجرة شى وشويّات عشان نيجى نجيب الدواء، وبنحبك وبنحب نجيب الدوا من عندك.
- ده أنا باخبط مشوار كل يوم اثنين يوم السوق، والبت الصغيرة تعيط علشان تيجى معايا تتفرج على الدكتورة الحلوة أم نضارة.
- إن كانت مزغونة على الطريق السريع إحنا جوه على المريوطية، ونحمد ربنا بدأوا يرصفوا الطريق، يعنى على ما تفتحى الأجزخانة هيكون الطريق اترصف.
قلت أجرب حظى، وأخذت ابنتى نسرين على يدى وذهبت إلى برنشت.. وكان عمرها سنتين ونصف، وكنت أنا وسمير (دايمًا بنستبشر بنسرين وبيبقى وشها حلو علينا) ونزلت فى أول البلدة وعديت الجسر للبر الشرقى فى قلب البلد، وذهبت إلى أحد الأماكن لأراه، لأن للصيدلية مواصفات فى المساحة (لا تقل عن ٢٦ مترًا) وأن يكون لها بالداخل مكان للمعمل، غير مكان عرض الأدوية، غير وصلة مياه نظيفة خاصة بها من ماسورة المياه الرئيسية، وأيضًا وصلة صرف صحى خاصة بها، والباب لا تقل مساحته عن سُدس المساحة الكلية وشبّاك للتهوية.
ولكن صاحب المكان طلب إيجارًا عاليًا جدًا، تركته ورجعت إلى مكان آخر يصلح لأن يكون صيدلية، فى بيت الحاج عيد. الراجل الطيب، عندما سألته عن الإيجار قال (علشان خاطر البنت الصغيرة اللى على إيدك هاديهولك باللى تقولى عيه. إنت هتقدمى خدمة للبلد، وكفاية يقولوا الأجزخانة فى بيت الحاج عيد).
وافقت فورًا.. وبدأت فى تجهيز الصيدلية التى تم فتحها فى فبراير ١٩٨٤، وكانت سببًا فى عِشرة عُمر مع أهالى برنشت امتدت ٢٨ عامًا، حتى بِيعت الصيدلية فى أوائل ٢٠١٢، عندما زاد انشغالى فى العمل العام بعد ثورة يناير ٢٠١١، وخاصة أن أهالى برنشت الذين عشت بينهم، وتأثرت بهم وتأثروا بى وأحببتهم وأحبونى مرتبطون بشخصى ويرفضون أن يأخذوا الدواء.. أو أن يتلقوا المشورة من أحد غيرى، وأيضًا بسبب زواجى من دكتور محمد وسكنى معه فى مصر الجديدة، فأصبح المشوار بعيدًا جدًا، من الصعب علىّ أن أقود السيارة يوميًا هذه المسافة.
بدأت فى تجهيز المكان وفقًا لشروط الترخيص، وساعدنى الحاج عيد فى إحضار صنايعية ونقّاشين وسبّاكين للصرف الصحى وحرفيين لتركيب الأبواب ونجار لعمل الرفوف الخشبية لوضع الأدوية، واستطعت فى أقل من ستة أشهر تجهيز المكان، وتمت بعد ذلك معاينة الصيدلية مرتين من قِبل إدارة الشئون الصيدلية بمجمع الجيزة، حتى تم اعتماد جميع الأوراق وتم استخراج الترخيص.
بعد استخراج الترخيص .. بدأت فى عمل طلبيات الأدوية.. والمستلزمات الطبية.. ومستلزمات التجميل، وأيضًا مستلزمات التركيب من المواد الخام الدوائية، وطبعًا فى القرية وحدة بيطرية ذهبت إلى دكتور إبراهيم فى الوحدة البيطرية وعرفت منه طلباته من الأدوية والمستحضرات والتراكيب.
وكانت التراكيب أساسها نوعان: مرهم يود لعلاج الأمراض الجلدية، وأيضًا مرهم كبريت من أجل معالجة جَرب الحيوانات.. وبالأساس الجمال، و«المس الأزرق»، بعبوات كبيرة لعلاج الفطريات التى تصيب فم المواشى.
أما المضادات الحيوية البيطرية كانت تنتجها شركة فايزر للأدوية، وكنت أذهب إلى فرعها البيطرى فى شارع رمسيس مرتين أو أكثر فى الشهر، لشراء الأدوية المطلوبة، كما أقوم بتجهيز المراهم فى عبوات بلاستيك كبيرة الحجم، وأصبح أهالى القرية والقرى المجاورة يأتون لشراء التراكيب البيطرية.. لأن الست الدكتورة فى إيدها الشفا.
فتحية.. بائعة الخضار
دخل الأخزخانة، وكان يسعل سعالًا شديدًا يُنبئ عما به من مرض صدرى «سُل» وطلب منى «برشام وحُقن» لهذا الداء اللعين، كان يمشى منحنى الظهر وعلى ظهره عِدة مسح الأحذية وقال:
- يصبَّحك بالخير يا ست الدكتورة، بجرى على رزقى طول النهار، وأهو القرش اللى بيطلع لى يدوب على قد السجاير والدواء.
زوجته بائعة الخضار (فتحية) تقول:
- من ساعة ما اتجوزته وأنا بأشتغل عند الناس الطيببين اللى زيك، وأهو القرشين اللى بييجوا يا دوب على قد اللقمة، وأهى مستورة لقمة من هنا وهِدمه «ملابس» من هناك وأهى ماشية.
«بالمناسبة.. الاثنين مخلفين أورطة عيال».
وتستكمل فتحية
- هنعمل إيه يا ست الدكتورة، أهو كل عيل ورزقه، ربك بيرزق، هو إحنا اللى بنربى، الشارع اللى بيربى، أهو الواد ولا البت يترموا جنبى طول النهار ويكبروا، «أربعة أولاد وبنتان، أكبرهم فى العاشرة من عمرها».
- ربا فتح علىّ وناس طيبين عرّفونى بتجار خُضار فى الفيوم وأخذت منهم شُكك، ولما أبيع أسدد، ما إنتى عارفة جوزى ما يقدرش على أى شغلانة.
كانت «فتحية» حاملًا فى الشهر التاسع وهى تحدثنى عن أحوالها، وكل يوم تمر علىّ فى الأجزخانة وتقولى:
- ادعى لى ربنا يقومنى بالسلامة.
فى المغرب تركب فتحية القطار «القشّاش» من محطة مزغونة، وتذهب إلى سوق الخضار والفاكهة فى الفيوم، وترجع من الفيوم حاملة على رأسها البضاعة فى عز البرد قل منتصف الليل، يقابلها زوجها على المحطة «علشان يشيل عنها» وفى الصباح الباكر تجلس فتحية تحت شجرة وارفة تظلل عليها وتحميها هى وأولادها من قيظ شمس الصيف، على شط الترعة المقابلة للصيدلية تبيع الخُضار وتسترزق، وتكرر هذا المشوار كل يومين.
وذات صباح لم أجد فتحية بائعة الخُضار أمامى فى مكانها المعتاد، فسألت عنها ابنتها الكبرى «اسمها أوهام» فقالت:
- أمى ولدت إمبارح فى الفجر.. جابت بت.
قلت بينى وبين نفسى «أكيد هتغيب لها على الأقل أسبوعين، بلاش أربعين يوم زى سيدات البندر»، ولكن فى صباح اليوم الرابع، كانت فتحية جالسة أمامى على شط الترعة تبيع الخُضار، وعندما قلت لها بدهشة:
- إيه اللى جابك مش تشمَّى نفسك وترتاحى. دا إنت لسه والدة.
ردت ببساطة:
- دى فلوس ناس يا ست الدكتورة، لازم أبيع وأسدد، محدش بيرحم حد، أنا ورايا كوم لحم.
وأمسكت بالمولودة وقالت:
- بصى شوفى.. والنبى لتشيليها وتسمّى عليها.
كانت المولودة الجديدة ملفوفة بقطعة من القماش جنبها على الأرض. تحت الشجرة بجوار الترعة.
خريف ١٩٨١
عم عثمان
فلاح من مصر سُمرة بشرته من شمسنا ونيلنا وأرضنا، طويل نحيف الجسد دقيق الملامح، فى الأربعين من عمره، فلاح مصرى أصيل شقيان، قضى عُمره يزرع أرضه، ما خرجش من داره فى قرية برنشت للمركز (البندر) إلا للضرورة القصوى، يستخرج ورقه من السجل المدنى، أو يسجّل مولودًا فى الصحة، أو يستخرج شهادة ميلاد أو وفاة، كل حياته فى الأرض يزرع ويحصد (الست قراريط اللى حيلته) بينه وبينها عشق ومحبة، من أول ما يحرث الأرض ويُبدر البذرة ويرويها ويسمّدها ويراعيها، ويرشها بالمبيدات ويخلع الحشائش الضارة بالزرع ويبقى بجوارها يحرسها ويتأملها ويراقبها وهى بتكبر وتزهر وتثمر، وتبقى جاهزة على جمع الثمار وحصاد المحصول.
أول مرة اتعرفت على عم عثمان فى شهر (برمهات) عام ١٩٨٠ فى الربيع، لما دخل أجزخانة مزغونة وفى ايده (بؤجة) أى قطعة من القماش الأبيض النظيف كان بداخلها بضع ثمرات من خُضار قدَّمها لى وقال:
- صباح الخير يا ست الدكتورة، النهارده الصبح لقيت فى الغيط خمس حبات قرع (كوسة) ودى البشاير، قلت أجيبهملك علشان أنا متباشر بيكى، متكسفيش إيدى وخديهم.
مددت يدى وأخدتهم وشكرته وسألته:
- إنت بتيجى منين يا عم، هو اسم حضرته إيه؟
- محسوبك عثمان، بـ آجى من برنشت، أنا طالع من الغيط من الصبحية وجيتلك بالحمارة وإحنا دلوقت الضحى.
- ياه.. تعبت نفسك وجيت مخصوص المشوار ده كله.
- ما يغلاش عليكى حاجة يا ست الدكتورة، إنتى نوَّارتنا والبلد كلها بتحبك.
وصارت عادة. كل ما الزرع يطرح ثماره عم عثمان يجيبلى البشاير، كوسة -بامية -خيار - ملوخية، طوال فترة وجودى من أول عام ١٩٧٩ وحتى عام ٢٠١٢، ولما اتوفى قبل ما أبيع الصيدلية بعدة سنوات، كانت زوجته تحضر لى البشاير وتقول لى (عادة ما تتقطعش) الحاج عثمان كان موصينى.
لم يكتفِ عم عثمان بالبشاير، فعندما عرف أن والدى توفى، وكان ذلك فى شهر نوفمبر ١٩٨٢، سأل ناس كتير عن عنوانى وجاء لى فى البدرشين فى اليوم التالى للوفاة، حاملًا (سبتين) منهم واحد فيه مأكولات مطبوخة جاهزة على الأكل (لحمة مسلوقة وأرز ومكرونة وصينية بطاطس) والآخر ملىء بسلع غذائية (سمن وزيت وأرز وسكر وشاى وبطاطس وطماطم وخيار وبصل).
شكرًا يا عم عثمان، ما زلت أتذكرك.. وأتذكر كرمك كل ما تهل مواسم زراعة الخضروات.
على فكرة.. أهالينا فى الريف المصرى يعرفون الشهور القبطية جيدًا، ولكل شهر سِمة وصِفة خاصة به، ويقولون على شهر برمهات (روح الغيط وهات) لأنه يجىء مع فصل الربيع ومعه بشائر الفاكهة والخضروات.







