شهوة القبلات.. تاريخ «البوس» فى أفلام السينما المصرية
الكاتب البريطانى د.هـ. لورانس كان محقًا فى قوله بأن: كل ما عدا العلاقة بين الرجل والمرأة، يعتبر ثانويًا، وذلك بما فيها العلاقات بين الأبناء والآباء، ذلك بالطبع لأن لغة الجنس هى الفيصل والأساس بين الرجل والمرأة، وذلك بجميع أشكالها.
وتندرج لغة الجنس بين النظرات بالعيون والتلامس، والقبلات أيضًا بتدرجاتها، وحتى الجنس الكامل بجميع أوضاعه. هذه الأمور لا تحدث سوى بين رجل وامرأة سواء جمعتهما قصة حب، أو تم ذلك على قارعة الطريق بين شخصين يلتقيان لأول مرة. ومثل هذه الأمور لا تحدث بنفس الدرجة بين أى طرفين مهما كانت صلتهما. وإلا سمى هذا بالشذوذ وهو كثيرًا ما يعاقب عليه فى الأديان، والكثير من المجتمعات خاصة الشرقية.
إذن العلاقة المألوفة هى التى تقوم بين رجل وامرأة، يسمونه حب، يسمونه جنس، لكنها علاقة تكتمل دائرتها بالاتصال الملموس بين جسدى الطرفين، وتظل ناقصة دومًا إذا لم يتم هذا الاتصال. لكن علاقاته تتدرج، ويبدو عاجزًا إذا كان من طرف واحد. مثل مشهد الرجل الذى أحب امرأة ريفية فى فيلم «بعيدًا عن الحشد المجنون» لجون شيلزنجر عام ١٩٦٨، وتزوجت غيره، وفى ليلة الزفاف، وقف أسفل منزلها يبثها لواعجه، فراحت تسخر منه وإلى جوارها زوجها، ثم أغلقت النافذة، فانطلق هائمًا فى الغابة الممطرة الشديدة العواصف، متألمًا من أجلها.. أما هى فكانت فى قمة الإمتاع الجنسى فى سرير زوجها، وتعمد المخرج أن يحدث قطعًا بين المشاهد لينقل لنا حالة ذلك المعذب، ثم درجات متعة الزوجين.

على أكثر تقدير، فكل منا يود أن يكون مثل الرجل الثانى، الذى يتمتع بالمرأة، بكامله أو ليتوج حبه، لأن الرجل الذى أحب من طرف واحد، كان إذا قدر له أن يدلل حبيبته لفعل معها مثلما فعل الزوج، فوق الفراش.
إذن، فالحب يقوم على أساس أن دائرته تكتمل فوق الفراش، ويكون فى أعلى حالاته حين يتم الاتصال التام بين الجسدين وليس التلامس، ونظرات العيون، والقبلات الأولى ليست سوى الخطوات التمهيدية من أجل اتمام الدائرة.
ولا شك أن القبلة هى حلقة الوصل الأساسية فى الحب بين النظرات، وبعض اللمسات الرقيقة خاصة الأنامل. وبين اكتمال الدائرة، من تلامس حسى لأجزاء الجسم، والحب الكامل. وللقبلة مكانتها فى قصص الحب. ولا شك أن طعم هذه القبلة، بين الشفتين، يختلف عن جميع أنواعها التى يتبادلها الأشخاص فى أى مكان. سواء بين أفراد الأسرة الواحدة. أو بين الأصدقاء والزملاء، وما إلى ذلك.
ولطعم قبلة الشفاه، تأثير غريب، قد لا ينساه المرء قط، خاصة عند المرة الأولى، فمن منا لا يتذكر طعم القبلة الأولى، ولذتها، وكيف تم ذلك، مهما قام بتقبيل النساء ومهما تعددت علاقاته الحسية، لا شك أن هذا الطعم قد ظل ملتصقًا بشفاهنا، وذاكرتنا حتى هذه اللحظة، وسوف يستمر إلى أن يفارق المرء الحياة.
ومن المعروف أن شفاه البشر كالبصمات، بل إن الشرطة تتعامل مع الشفاه كبصمات، لكل إنسان بصماته الشفاهية الخاصة. لذا فإن لكل منها طعمًا يختلف عن الأخرى، والذى جرب أكثر من امرأة، يعرف أن لكل منهن مذاقها وأسلوبها، ولمعًا، ومن هنا تجىء جاذبية القبلة فى أحداث الجنس والاتصال الجسدى بين الطرفين، وتؤكد هذا أيضًا خصوصية العلاقة بين رجل وامرأة.

ولأننا بصدد الحديث عن القبلة فى السينما المصرية، فقد بلغت مكانتها ما تستحقه، وما نعرفه فى حياتنا عنها باعتبار أن السينما هى الحياة. وانعكاس لها. وصارت القبلة هى رمز الحب، والسعادة فى أغلب أفلام السينما، فلا نكاد نرى فيلمًا يخلو منها، ولعلنا نذكر أن السينما المصرية ظلت طوال سنوات عديدة تنتهى حكايتها بالقبلة الشهيرة، حيث تمثل آخر الطريق لشاب وفتاة عانيا الكثير من أجل أن يجتمعا، بعد أن تعرض كل منهما للمتاعب، وصار اللقاء صعبًا، لذا، فإن هذه القبلة تأتى لتعبر عن معانٍ عديدة، منها الانتصار، والزواج، لذا فإن هذه القبلة بداية الحلال، وهى أيضًا قبلات محللة، حتى وإن تمت قبل الزواج، لأنه بعدها مباشرة، أو قبلها يكون «القران قد تم بين الطرفين».
والقبلة التى رأيناها فى أغلب أفلام السينما المصرية، تتم عادة بين حبيبين فى سن الشباب، عاشا قصصًا رومانسية تعرضت للمتاعب، كما أنهما يمثلان جانب الخير، وفى الغالب فإنها تتم بين شخصية لم يسبق لهما الزواج، فتكون فى الكثير من الأحايين بمثابة القبلة الأولى، أو تتويجًا لقبلات أخرى سابقة، وفى بعض الأحيان نرى قبلات جماعية فى نهاية أحد الأفلام، باعتبار أن هناك انتصارًا لأكثر من قصة حب، فيتزوج أشخاص من أعمار مختلفة، وطبقات عديدة، فى نفس اللحظة وقد أعطت السينما المصرية للشباب فقط حق هذا النوع من القبلات، أما كبار السن، فقد ابتعدت الكاميرا وهى تصورهم، أو جعلتهم يفعلون ذلك دون تفاصيل، وفى أحيان كثيرة من خلال قبلات على الخدود، كأنهم كالأشقاء والأصدقاء، ولعل ذلك يرجع إلى الوقار الذى يتسم به كبار السن من ناحية. وكأن القبلات تذهب بوقار الأشخاص، خاصة الكبار، وهناك تفسير آخر اجتهادى يتعلق بما نكتبه هنا، هو أن هذه القبلات بالتأكيد ليست الأولى فى حياة هؤلاء الشيوخ أو الكبار.
وتفرد السينما دائمًا مساحة لهذه القبلات، ويمكن أن نتحدث عنها بأكثر من منظور، سواء مكانتها فى قصة الحب التى نشاهدها على الشاشة، أو أنواعها، أو عددها، أو ظروف القبلات الأولى، وأيضًا درجة الحسية التى تتمتع بها. وبالطبع النجوم الذين يستطيعون أن يطبعونها بحرارة دون غيرهم.
ومن المهم أن نبدأ بما يسمى ظروف القبلة الأولى، سواء تمت فى نهاية الفيلم، أو فى أجزائه الأخرى، ويتباين هذا الأمر من قصة أخرى. فهذه القبلة فى بعض الأحيان هى تتويج للمشاعر التى تولدت بين شاب وفتاة وفى أحيان كثيرة هى بداية لعلاقات حسية أو إنسانية. ويمكن أن نقول إنها بمثابة جسر لقصص أخرى. ويبدو هذا واضحًا فى الأفلام غير الرومانسية أو أفلام الحركة، وما إليها.
والقبلة الأولى لا شك أنها تمت بين كل عاشقين استمرت العلاقة فيما بينهما بعد ذلك، وقد حدث ذلك منذ أول فيلم روائى قدمته السينما المصرية عام ١٩٢٧، وهو «ليلى»، أما الفيلم الثانى مباشرة فقد عكس عنوانه مكانة القبلة فى السينما، حيث إنه يحملها فى صدارته وهو «قبلة فى الصحراء» لإبراهيم لاما. وقد تمت هذه القبلة فى أحداث الفيلم الأولى، وكانت تتويجًا للعلاقة بين الشاب الإعرابى شفيق، والفتاة الأمريكية هيلدا. ولعل وجود امرأة غير عربية قد سارع بإحداث القبلة فى بداية الفيلم، فمن أجلها قام الفارس العربى بمحاولة إثبات براءته بأنه لم يقتل عمه، وذلك من أجل أن يظل حرًا، ليقتطف قبلة ثانية، ثم هو يقوم بمطاردة الأشخاص الثلاثة الذين اختطفوا حبيبته، ويتمكن من إنقاذها من أجل أن ينتهى الفيلم، بقبلة تلتصق فيها الشفتان أمام الشاشة العريضة.
الغريب، ورغم مكانة القبلة فى السينما المصرية، وقصصها، فإن الأفلام التى حملت أسماء القبلات كانت قليلة العدد، خاصة تلك التى تبدأ بها الأسماء، مثل «القبلة الأخيرة» لمحمود ذو الفقار ١٩٦٧، و«قبلة فى لبنان» لأحمد بدرخان ١٩٤٥. فضلًا عن أسماء من طراز «قبلنى يا أبى» لبدرخان عام ١٩٤٧، «قبلة فى الظلام» لمحمد عبدالجواد ١٩٥٩ و«قبلات مسروقة» ٢٠٠٨.
وطوال قصص الأفلام راح العشاق يسعون لالتماس القبلات، كانوا فى بعض الأحيان يقبلونها، سواء بالإشارة، وبالكلام، ولكنها فى الكثير من الأحيان كانت تأتى عفوية، وفى الأفلام الصامتة كانت تتم بطريقتين معًا سواء بالإشارة أو بشكل تلقائى. ثم صارت تأتى فى القصص حسب نوع العلاقات، والأشخاص. ونحن لن نتحدث عن تاريخ القبلات فى السينما المصرية، بقدر الوقوف عند نماذج بعينها، خاصة تلك التى تبادلها اثنان من النجوم اللذين كانا متزوجين بالفعل. أو كانت القبلة سببًا لزواجهما. حيث أحس الناس أن هذه القبلة وراءها قصة حب صادقة، ويتردد فيما بينهم أنها كانت سبب الحب والزواج بين الطرفين، لذا أحس الناس بأن ما يرونه على الشاشة ملىء بالصدق.

وقبل التوقف عند هذا الأمر، يجدر الإشارة أن شكل القبلة، وحسيتها قد تغير مع مرور الزمن، فهى من قبلات بريئة، تلتصق فيها الشفاه من الخارج، إلى قبلات تتداخل الشفاه مع الأخرى مليئة بالحسية، ورغم هذا التطور، فإن القبلات الأولى بشكلها الرومانسى الساذج لا تزال موجودة، طالما أن هناك عشاقًا أبرياء. أو ما يسمى فى العقد الأول من هذا القرن بالأفلام النظيفة.
يجدر الإشارة أن أجرأ قبلة تمت فى الربع قرن الأول من عمر السينما المصرية كانت بين كاميليا ويحيى شاهين فى فيلم «فتنة» عام ١٩٤٨، حيث تداخلت الشفاه بشكل بالغ الجرأة، لم يسبق لأحد أن شاهده بنفس المنظور، وقد ظهرت هذه القبلة على غلاف مجلة «ستوديو» بشكلها الجرىء، دون أن يتمكن أحد من منعها أو الاعتراض عليها.
وبالعودة إلى النجوم الذين قبلوا زوجاتهم على الشاشة، فإن النماذج التى أمامنا كثيرة، لعل أبرزها فى البداية أنور وجدى الذى أخرج لليلى مراد فيلمه الأول «ليلى بنت الفقراء» عام ١٩٤٥، وقيل يومها إن مشهد الزفاف الذى شاهدناه فى الفيلم كان حقيقة وأنه توج علاقة حب بين الشابين فى تلك الآونة. فراح الناس يشاهدون القبلة التى توجت هذا الحب. والغريب أن أنور وجدى ظل يجسد أدوار الشاب الشرير الذى يوقع الشخصية التى تجسدها ليلى فى الشر، ويحاول غوايتها فى أغلب الأفلام التى جمعتهما قبل ذلك مثل «ليلى بنت الريف»، و«ليلى فى الظلام»، ولكنه ما إن وقع فى غرامها حتى قام بتقبيلها علنًا فى مشهد زفاف حقيقى. كى يقوم بتقبيلها بعد ذلك كما يشاء. وبالطريقة التى تتراءى له. وقد عكست هذه القبلات حالة الصدق التى تربط بين الممثلين، وباعتبار أن الناس ترى أن القبلات التى على الشاشة هى تمثيل فى تمثيل، ومن أجل أن يعطى المخرج، والممثل أنور وجدى الصدق الحقيقى لأفلامه التى جسدها أمام زوجته، فإنهما فى بعض الأفلام قد جسدا دور الزوجين، مثل «حبيب الروح». وفى أفلام أخرى كانا يؤديان دور العاشقين اللذين لا يلبثا أن يتزوجا بعد العديد من المتاعب مثل «عنبر»، «قلبى دليلى»، «ليلى بنت الأغنياء»، «غزل البنات» وغيرها..
وقد تبادل الإثنان القبلات فى هذه الأفلام، خاصة فى مشاهد النهاية، وكان الرجل لا يكتفى بلصق شفتيه بالمرأة، بل أن يرتشف منها أمام الكاميرا مؤكدًا حبه العميق، وينظر المشاهد إلى هذه القبلات على أساس أنها من حق الرجل، وأنها قبلات صادقة تسودها الشرعية.
أما القبلات الأشهر التى جاءت بعد هذا الثنائى، فهى التى تمت بين عمر الشريف وفاتن حمامة، فى «صراع فى الوادى» ليوسف شاهين ١٩٥٤. والتى كانت سببًا فى تتويج قصة حب تولدت بينهما. ونظر الناس إلى القبلة التى تمت بينهما باعتبارها ولدت جذوة حب حقيقى، وقد تكررت هذه القبلات فى أفلام عديدة بينهما، ونظر الناس إليها على أنها قبلات حلال، وتعامل المشاهدون مع قصص الحب التى يشاهدونها باعتبارها فى الأساس حب صادق بين النجمين فى «نهر الحب»، و«سيدة القصر» و«أيامنا الحلوة»، واندهش الناس وهم يرون عمر الشريف يقوم بدور العم الشاب لفاتن حمامة، وهو فى الواقع زوجها.

وتكرر الأمر بالنسبة لشادية وصلاح ذو الفقار بعد إعلان زواجهما وهما يعملان فى فيلم «أغلى من حياتى» ١٩٦٥، وإذا كان المتفرجون فى قاعة سينما ريتس بالإسكندرية، يختلفون فى أى من القبلات المتبادلة بين الإثنين كانت هى السبب فى الحب الذى توهج من خلال قبلة، فالبعض يرشح تلك، والآخر يختار واحدة بعينها، وكان الإثنان قد تبادلا القبلات مرارًا سواء قبل أن يفترقا، أو بعد أن عاودا اللقاء.. وفى الأفلام التالية جسد الإثنان أدوار المتزوجين اللذين تبادلا كثيرًا من القبلات، وبالطبع مارسا الحق الجنسى، فى أفلام من طراز «مراتى مدير عام»، و«كرامة زوجتى» و«عفريت مراتى»، ولعلنا نلاحظ من عناوين هذه الأفلام ما يؤكد ما نسوقه.
تكرر هذا الأمر بين كل من رشدى أباظة وصباح، وأيضًا سامية جمال، ثم بين فاروق الفيشاوى وسهير رمزى، ونور الشريف وبوسى، وحسين فهمى وميرفت أمين. وهانى سلامة مع غادة عبدالرازق وسمية الخشاب.
وما يهمنا هنا هو الإشارة أنه سواء القبلات، أو ما يشير إلى الجنس فى هذه الأفلام، كان المتزوج ينظر إليه باعتباره أمرًا طبيعيًا، ويدفع ذلك إن زيادة التصديق من ناحية، أو الامتزاج مع وقائع القصة.
ويهمنا أن نتوقف عند شكل القبلات التى تم تبادلها بين الرجال والنساء، فهى عبارة عن التصاق شفاه من الأمام، مثلما نراها فى أغلب النهايات مثل «أشكى لمين»، ومثل القبلات التى تم تبادلها بين عبدالحليم حافظ ومريم فخر الدين فى «حكاية حب» وهناك قبلات تأتى من الخلف، حيث قام عمر الشرف بتقبيل لبنى عبدالعزيز فى فيلم «غرام الأسياد» وقد وقف وراءها ووضع يده حول خصرها وقام بطبع شفتيه على رقبتها، وخدها، وعلى كتفها، وهذا النوع من القبلات ملىء بالشهوة والرغبة، ويهمنا هنا أن نعطى الأمثلة من خلال ما لدينا من صور بعض الأفلام، ففى «سوزى بائعة الحب» لسيمون صالح ١٩٧٨، هناك قبلة بين نور الشريف، وناهد شريف يقوم فيها بتقبيل كافة أجزاء وجهها، ورقبتها، قبل أن يصل إلى الشفتين، باعتبارها الهدف المنشود لقمة اللذة، وهناك فى فيلم «ساعة الصفر» لحسين حلمى المهندس ١٩٧٢، مشهد فراش مثير بين رشدى أباظة وسامية جمال يقبل فيه أيضًا أجزاء وجهها، كأن ما يفعله أبعد من التقبيل العادى، فيعض رقبتها، وخدها الأيسر، وهناك مشهد آخر يجمع بين رشدى أباظة، وناهد شريف، حيث يعانقها من الخلف فى فيلم «الأشرار» وقد قام بتقبيلها فوق خديها، وأغمض كل منهما عينيه، وهذا النوع من القبلات يعنى الحس فى المقام الأول، وهو لا يعبر عن حالة شفاهية. وهناك قبلة بالغة السذاجة، حيث يقبل فيها عبدالمنعم إبراهيم الفاتنة فى فيلم «سر طاقية الإخفاء» لنيازى مصطفى فى منطقة أعلى الصدر، وهو يزوم بشفتيه، دليلًا على ما يتسم به من سذاجة وقلة خبرة. وهناك مشهد يرتدى فيه كمال الشناوى المايوه. فى فيلم «عش الحب» ١٩٥٩، وهو يقبل حبيبته وقد ارتدت أيضًا مايوهًا ومدت يدها اليسرى إلى شعره، مثلما مد يده إلى شعرها، وبدت الرغبة الملتهبة فى العيون والشفاه.
وفى فيلم «أوهام الحب» لممدوح شكرى ١٩٧٠ تمددت نجلاء فتحى فوق رمال البحر بالمايوه، أيضًا، وقد رقد فوقها يوسف شعبان وراح يقبلها، وأظرف ما فى هذا المنظر أن هناك العديد من الصبية يسبحون فى المياه كأنهم لم يشاهدوا هذا المنظر، ولا يلفت أنظارهم بالمرة.
ولا يمكن للذاكرة أن تحتفظ بجميع التفاصيل الخاصة بمثل هذه المشاهد، لكن دعنا نتصفح الصور الخاصة بأفلام لإثنين من المخرجين، وثلاثة من الممثلين الذين اشتهروا بأن أفلامهم اعتمدت على قبلات، المخرجان هما حسن الإمام، وحسين كمال. حيث إنهما ينتميان إلى جيلين مختلفين، لكن أفلامهما امتلأت بموضوعات الجنس بدرجات متعددة. وسيكون ذلك من خلال تصفح كراسات لبعض الأفلام دون ترتيب تاريخى، ففى نهاية فيلم «لست مستهترة» ١٩٧٢ قبلة بين حسن يوسف وزيزى البدراوى تصل إلى حد أبعد من القبلة البريئة. ولكن هناك قبلة بريئة بين مديحة حمدى، وحسين الإمام فى «السكرية» ١٩٧٤ مقابل قبلة مليئة بالشهوة فى نفس الفيلم، بين نور الشريف وفتاة ليل تحب كمال عبدالجواد.
أما فى فيلم «امرأة على الهامش» ١٩٦٤، فهناك مشهد حب بين هند رستم وعمرو الترجمان، من خلال قبلة تكاد تلتصق فيها الشفة بين اثنين تزوجا عرفيًا. أما القبلة الملتهبة فهى التى بين حسن يوسف وزيزى البدراوى، باعتبار أنهما سيقعان فى الخطيئة، وسيقوم الابن بنفس الخطأ الذى سبق لأبيه أن ارتكبه، وتبدو الفتاة هنا وقد تعرت، كأنها ستذوب فى أجنحة الخطيئة.
وتعبر القبلات المنشورة لفيلم «حب وكبرياء» ١٩٧٢، عن حدود العلاقة التى تربط بين زيزى «نجلاء فتحى» وكل من الرجلين اللذين يحومان حولها، الأول هو عادل «حسين فهمى»، الذى تحبه منذ الطفولة. ولأنها تحبه، فهى تقبله على رمال شاطئ المنتزه، وقد ارتدت المايوه، بينا بدا هو ببنطلون جينز وقد أحاطت بخصره العارى وتركته يقبل شفتيها، أما زوجها حسين فإنه فى حفل العرس يكتفى بأن يقبلها فوق جبينها بكل براءة، بينما بدت بالغة الجمود كأنها لا تحمل نحوه أى مشاعر. وفى لقطة تصور ليلة الزفاف الأولى يخلع الزوج ملابسه، ويقبلها بكل حب فوق خدها، بينما ترقد إلى جانبه جامدة المشاعر، كأنها تمثال خالٍ من الحياة.
وفى فيلم «خلى بالك من زوزو» عام ١٩٧٣، قام حسين فهمى بطبع قبلة على شفتى «زوزو» سعاد حسنى، وقد أغلقت عينيها فى هيام شديد. نفس القبلة طبعها حسين فهمى على الشفاه نفسها بعد عامين فى فيلم «أميرة حبى أنا» ومن يقارن بين القبلتين لن يجد اختلافًا كبيرًا، فأميرة أغلقت عينيها، مثلما يفعل الشاب الذى يبادلها التقبيل لأول مرة.
وتبدو القبلات متباينة بين الشخصية التى يجسدها صلاح ذو الفقار، وبين كل من زيزى البدراوى، وزبيدة ثروت فى فيلم «إنى أتهم» عام ١٩٦٠، فهناك تلاحم بين الشفاه، مملوء بالشهوة عندما يقبل زيزى، وهناك نقطة لنفس الفتاة وهى تهم بتقبيل صلاح نظمى، أما مشاهد الحب التى تجمع بين صلاح وزبيدة، «رمز البراءة» فإنه يكتفى بطبع قبلة على خدها، رغم أنه زوجها.
وفى فيلم «إغراء» لحسن الإمام ١٩٥٧ هناك لقطات لقبلات جمعت كلًا من صباح وشكرى سرحان، فى اللقطة الأولى، وباعتباره حبيبها فقد سمحت أن يطبع شفتيه على ظهر كتفها العارى، أما الأخ «ذكى رستم» فهو يكتفى بإمساك نفس الكتف العارى بكلتا يديه وقد غرسهما فى الكتف. وإن كانت هناك مشاهد أخرى حسية تبدو فيها العلاقة أعمق وأكثر اتساعًا بين الطرفين.
وفى أفلام حسن الإمام القديمة تبدو القبلات بمثابة تلامس شفاه، مثل فيلم «ساعة لقلبك» ١٩٥٢، ومثل قبلة متبادلة بين محسن سرحان وفاتن حمامة فى «كأس العذاب» ١٩٥٢، وهناك قبلة طريفة بين حسين رياض وزينات صدقى وهى تلبس رداء البهلوانات فى فيلم «الشيطانة الصغيرة» بينما يخلو الكراس من صور القبلات بين أحمد رمزى ورجاء يوسف. وفى فيلم «دلال المصرية» ١٩٦٩ هناك قبلة فوق القش تعبر عن الخطيئة التى ستسقط فيها الفتاة مع الطالب الشاب، والتى تبادلها كل من حسين فهمى، وماجدة الخطيب.
أما حسين كمال فإن القبلات فى أغلب أفلامه اتخذت معنى حسيًا، وكان أبطال هذه الأفلام ذوى حس عالٍ فى أفلام عديدة مثل: «أرجوك أعطنى هذا الدواء»، و«أنف وثلاثة عيون»، و«دمى ودموعى وابتسامتى»، ففى الفيلم الثانى، قام الدكتور هاشم بتقبيل النساء الثلاثة اللاتى ارتبطن بهن بدرجات مختلفة، وأمامى الآن لقطات حب جمعت بينه وبين ماجدة تبدو بريئة، أما اللقطة التى تجمع بينه وبين المريضة التى جسدتها ميرفت أمين، فتبدو مختلفة، وغير مألوفة عن صور القبلات فى السينما، حيث تقوم المريضة بالرقاد فوق الطبيب، وقد ارتدت قميص نوم خفيف، وهى تهم بتقبيله، بينما تماسكت الأيادى، وراح يضمها إليه فى نشوة. وسوف نتوقف عند فيلم «أبى فوق الشجرة» باعتبار أن مجموع القبلات الحسية الملتهبة بين الطالب عادل، وإحدى بنات الليل كانت أكثر من اللازم، ومثلما فعل المشاهدون، وهم يقومون بإحصاء عدد القبلات بين الرجل والمرأة فى «حكاية حب» قاموا بحصر القبلات فى «أبى فوق الشجرة» ولا يمكن حصر هذا العدد من القبلات هنا سلسلة لا تنتهى عند تلامس الشفاه، والأجساد، حيث يتبادلها الإثنان فى كل مكان، سواء فى الفراش، أو فى منتزهات، أو النوادى الليلية، فوق ربوع لبنان، والقبلات هنا بين شاب برىء صدم فى حبه مع زميلته الطالبة فتعرف على العاهرة التى علمته كيف يكون لهيب الجسد، وحسب المسموح به رقابيًا فى السينما، فإن المخرج اكتفى بالقبلات بين الطرفين دليلًا على ما يتم بينهما.
وقد كرر حسين كمال المشهد نفسه الذى يربط بين الدكتور هاشم وبين المريضة «ميرفت أمين» فى فيلم آخر هو «الحب تحت المطر»، حيث رقدت الفتاة منى فوق عبدالمنعم كامل، عارى الصدر، وراحت تعانقه وتقبله.
والنماذج عديدة فى أفلام حسين كمال، بدت فى أشد حالاتها فى فيلم «أرجوك أعطنى هذا الدواء» ١٩٨٦، حيث كشف هذا الفيلم عن براعة محمود عبدالعزيز فى التقبيل، هذا البراعة التى رأيناها بارزة فى فيلم، «ولا يزال التحقيق مستمر» لأشرف فهمى ١٩٧٩، حيث راح يمتص من شفتى عشيقته، وتلتصق الشفتان بشكل بالغ الإثارة. ولعلها القبلات الأكثر سخونة فى السينما المصرية، ويدعونا هذا التوقف عند نوع القبلات التى كان يقبلها الممثل فوق شفاه الممثلات اللاتى عمل معهن. مثل قبلاته التى طبعها على شفتى يسرا فى فيلمى «سكة الندامة» و«الجوع» والقبلات التى تذوقتها المرأة فى الأفلام السابقة الذكر ثم فى «أبناء وقتلة» حيث قامت العلاقة بين شيخون والعاهرة على أساس أنه استطاع إمتاعها جنسيًا رغم أنها ابنة ليل سبق أن رقدت مع العديد من الرجال، لكن زوجها يتمكن من إقناعها بخلع حليها ليلة زفافها من أجل التمتع باللقاء الجنسى بينهما، وقد كرر الممثل الأسلوب نفسه الذى سبق أن رأيناه يمارسه فى أفلامه السابقة.
وفى أفلامه مثل محمود عبدالعزيز دور الفحل الذى لا يجيد فقط ممارسة الحب، لكنه يبرع فى تقبيل النساء، وقد حاول فى هذا أن يطال «رشدى أباظة» الذى قبل بشواربه الثقيلة جميع البنات الجميلات، واستطاع أن يرمز إلى الفحولة، خاصة بالنسبة للنساء الخائنات، أو المحترفات، مثلما فعل مع كل من سميحة توفيق فى «بحر الغرام» ١٩٥٥، ومع هند رستم فى «نساء فى حياتى»، «لا أنام»، «رجال فى العاصفة»، و«صراع فى النيل»، ومع هدى سلطان فى «قاطع طريق» و«نهاية طريق»، و«امرأة فى الطريق» وأيضًا مع شادية فى «الطريق» ومع سعاد حسنى فى أفلام عديدة منها قبلته الشهيرة لها فى «صغيرة على الحب» و«الساحرة الصغيرة» و«مبكى العشاق» و«غروب وشروق» وغيرها.
وقد ظلت الشخصية التى جسدها رشدى أباظة تمثل الفحولة طوال عمره، وقد بدا لك من خلال فيلمه الأخير الذى لم يكتمل «الأقوياء» لأشرف فهمى ١٩٨٢، حيث تعددت علاقاته مع نساء، خاصة بنات الليل وراقصات خائنات.

ويعتبر عبدالحليم حافظ نموذجًا مغايرًا للشخصية التى جسدها أباظة، فهو عاشق رومانسى فى أغلب الأفلام، وهو لا يمتلك الطول الفارع، أو الجسد الممشوق، أو الفحولة الحسية فى فيلم «أبى فوق الشجرة»، لكنه رغم ذلك عاشق متيم، وممارس جنسى قوى حسب قصة الفيلم، بدليل أن عاهرة محترفة قد رأته أفضل من غيره فاحتفظت به، وفضلته فى فراشها عن كل الرجال الآخرين، لكن بدايات عبدالحليم حافظ خلت من القبلات حتى فى نهايات الأفلام مثل «أيام وليالى» و«لحن الوفاء» و«دليلة» و«أيامنا الحلوة» و«موعد غرام» و«بنات اليوم»، وبدت القبلات بريئة فى «الوسادة الخالية» ولم تتعد حدود لمس الشفاه، بل إنه لم يتمكن من الحصول على قبلة من حبيبته زيزى البدراوى فى «البنات والصيف» وإن كان من استطاع أن ينال قبلات عضدت حبه العاطفى لحبيبته فى أفلام مثل «يوم من عمرى» و«الخطايا»، ولكنه لم يفعل ذلك فى «معبودة الجماهير».
لكن هناك قبلة بالغة العنفوان، تمت بين عبدالمنعم صبرى، وحبيبته على حافة الشرفتين فى فيلم «شارع الحب» ١٩٥٨ بدأت بحالة من الأرق، والقلق أصابت كلا الحبيبين، كل منهما فى غرفته، التى يفصلها جدار، يتحركان أمامنا، ثم يقومان بالعتاب، واللوم، وينتهى الأمر بقبلة أصلحت ما بينهما، وجعلت الفتاة تهيم به حبًا.. إذن فالقبلة هنا لازمة لاتصال ما كان منقطعًا. أما القبلات التى تبادلها مع حبيته فى «حكاية حب» فهى الأولى من نوعها بهذا العدد، رغم أنها لم تكن ذات طابع حسى مثلما حدث بعد ذلك مثل «أبى فوق الشجرة» فقد أحست الفتاة أنها سوف تفقد حبيبها المريض، فلذا أكثرت من قبلاتها، كتعويض عما لن يتم فى المستقبل، وهذا الفيلم يعد بمثابة الأول فى السينما الذى قام فيه المشاهدون بإحصاء عدد القبلات، وفى داخل الصالة بشكل علنى، وقد تكرر نفس الأمر فى «أبى فوق الشجرة» وهى ظاهرة لم تتكرر بعد ذلك قط فى السينما المصرية لسنوات طويلة حتى عرض «قبلات مسروقة» ٢٠٠٨.
وقد بدت القبلة فى العقد الأول من القرن العشرين كأنها تفقد جميع المحرمات التى تحوطها، فالقبلة التى تمت بين إثنين من قاع المجتمع فى فيلم «جنة الشياطين» لأسامة فوزى، كانت الأقوى، والأكثر جرأة فى السينما المصرية، وذلك بين بوسى وواحد من المتشردين، فى السيارة، حيث التحمت الشفاه بشهوة واضحة، وطالت المدة الزمنية للقبلة، بكل اشتهاء أثارت المشاهدين بأنها متفردة، وأنها الأكثر شهوة، وقد حدثت هذه القبلة الساخنة، فى بداية فترة ما يسمى بالسينما النظيفة التى تعنى أنه لا قبلات، وقد أدت هذه القبلة لبلبة، من الجيل الأسبق، وهى غير معروفة بأداء مثل هذه الأدوار، وإن كانت قد جسدتها فيما بعد عام ٢٠٠٦ فى فيلم «فرحان ملازم آدم»، وقد جاء جيل جديد أعطى الإحساس بالذكورة، والجاذبية، وعلى رأسهم هانى سلامة الذى قام بتقبيل غادة عبدالرازق فى فيلم «الريس عمر حرب» عام ٢٠٠٨ قبلة تعد الأكثر شهوة فى هذا العقد، حيث تعمدت الكاميرا أن تنقل تفاصيل قبلة يجيد أداءها كل من الممثلين، وقد لوحظ أنها مليئة بالشهوة، والحسية، وفى العام نفسه شاهد الناس أكثر من قبلة من هذا النوع فى فيلم «قبلات مسروقة» لخالد الحجر الذى تم فيه أكبر عدد من القبل المليئة بالحسية، منذ فيلم «أبى فوق الشجرة» عام ١٩٦٩، وقد أثارت هذه المشاهد من تابعوها قبل تعرضها طفيفًا لمقص الرقيب، حيث عرض الفيلم فى مهرجان الإسكندرية، فهى قبلات متواصلة، متلاحمة الشفاه، وكانت يسرا اللوزى هى بطلة هذه القبلات، وهى التى صورت مشهد عرى واضح فى فيلم «إسكندرية نيويورك» ليوسف شاهين ٢٠٠٤.
والنماذج التى ذكرناها عن قبلات السينما المصرية لا تكاد تمثل نقطة فى محيط شاسع وهو موضوع يحتاج إلى التوسع فى كتابته، ولكننا أثرنا أن نتناوله من خلال حدود ضيقة الأطر كما نلاحظ.







