الثلاثاء 14 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

شهوة الرقص الشرقى.. الأفلام تخطف الباحثين عن المتعة

حرف

فى منتصف السبعينيات ازدحمت قاعة سينما رويال بالإسكندرية بالجمهور الذى أخذ يتابع أحداث فيلم «على من نطلق الرصاص» لكمال الشيخ باهتمام شديد، وفى وسط الأحداث روعنى أمر بالغ الأهمية، وبدا كأنه الصدمة.. أن الفيلم ليست به راقصة، ولم يذهب أبطاله إلى الملاهى، أو الكباريهات.

هذه ملحوظة فى محلها، ففيلم فى السينما المصرية، حتى تلك الفترة، وما بعدها بلا راقصة شرقية، يعنى أمرًا بالغ الاستغراب، فلا شك أن وجود الراقصة يعنى المتعة الحسية للمتفرج، الذى يدفع ثمن تذكرة من أجل مشاهدة قطعة من اللحم الأنثوى، وليس أبدًا لمشاهدة فن ممتع.

والرقص الشرقى فى مجمله عمل حسى، ملىء بالإيحاءات الجنسية، ويكفى أن نلاحظ أى رقصة فى الأفلام التى نراها، فالمطلوب أن تتوقف قصة الفيلم فجأة وتطلع الراقصة سواء مصاحبة بالفرقة الموسيقية أو بدونها «هات يا رقص». والرقص هنا ليس فقط للفرفشة، ولا للبهجة، ولكنه من أجل الباحثين عن المتعة، فهو مرتبط بوجود سكارى، وزجاجة خمر، وهز وسط، ورغبة فى ممارسة الجنس، وهو فى المقام الأول بمثابة عرض أجساد، على طريقة عرض الأزياء، تستعرض فيه الراقصة جسدها، وتبدو الكاميرا كأنها رجل ملىء بالشهوة، أو عينان تشبعهما الرغبة فى ممارسة الجنس، حيث يتم التركيز على الجزء العالى المهتز من الجسد وبتفاصيل بالغة الدقة.

وليس صحيحًا أن الرقص الشرقى فن إيقاعى، ولكنه حركات حسية تبلغ فيها الراقصة مدى إغرائها كلما تعرت، وكشفت من جسدها، ويحدث هذا على نغمات موسيقى، وإيقاع الطبول، وهى مؤثرات حسية، ترتفع وتنخفض حسب قوة الاهتزاز.

ولا شك أن الرقص الشرقى فقد حسيته فى السينما المصرية، لكثرة عدد الراقصات فيه، بمعنى أن زيادة هذا العدد من الراقصات والرقص، جعل لدى البعض مناعة من الشعور بالإثارة، إلا فى حالات بعينها، لدى راقصات يتميزن بالقدرة على الإثارة الحسية.

والرقص الشرقى حسى، ويكفى أن نشاهد امرأة تحاول إغواء رجل كى ترقص له، خاصة فى المجالس المغلقة التى تجمعها وإياه، فتقوم بالرقص أيًا كانت الملابس التى ترتديها، ثم تبدأ فى لف شريط حول جسدها، وتنطلق الموسيقى، لنرى الرجل يمسك بالكأس، وقد زاغت عيناه، وفى الكثير من هذه المشاهد يتتبع الرجل المثار المرأة الراقصة حتى غرفة النوم، وتنتهى الأمور بعملية جنسية.

ولا شك أن هذا قد أعطى الراقصات صورة هامشية فى السينما المصرية، فأغلب راقصات السينما يظهرن لبعض الوقت، ويقدمن نمرتهن، ثم يختفين، وما أكثر هذه الأسماء فى تاريخ السينما المصرية، صحيح أن بعض المخرجين أعطى لهؤلاء الراقصات أدوار بطولة فى بعض الأفلام لكن تواريخهن تبقى عند حدود الرقص، ويمكن أن نذكر من بين هذه الأسماء: نجوى فؤاد، ناهد صبرى، هدى شمس الدين، كيتى، قطقوطة، ريرى، سهير زكى، وعشرات الأسماء التى لا داعى لحصرها.

ولسنا بصدد الحديث عن الرقص الشرقى، ولكننا نتحدث عن المعانى الحسية التى رمز لها هذا الرقص فى قصص الأفلام. فقد دخلت الراقصات السينما مع بدايات صناعاتها، واحتوت الأفلام على مشاهد راقصة منذ الأفلام الأولى، ثم بدأت نجمات الرقص فى التسلل إلى الشاشة، وأصبحت بعضهن بطلات أفلام مثل بديعة مصابنى، وببا عزالدين، وتحية كاريوكا، وسامية جمال، ثم اقتنع أبناء الجيل الأول من المخرجين بأهمية الراقصات فى السينما، فازدحمت أجسادهن على الشاشة بشكل جماعى، وساعد ذلك على إيجاد ظاهرة سينمائية ناجحة تجاريًا، وفنيًا أحيانًا، يمكن تسميتها بالكوميديا الموسيقية، والأفلام الاستعراضية.

وفى بداية الأربعينيات تنافس المخرجون لتقديم نجمات الرقص، وتم استجلابهن من الملاهى، وصالات الرقص، ليؤدين نمرهن على الشاشة، وبرزت سامية جمال وتحية كاريوكا. كأهم بنات هذا الجيل ومثلت الأولى فى أفلامها دور الفتاة التى تهز جسدها ويمكنها أن تدمر البيوت، مثلما حدث فى فيلم «أحمر شفايف» أمام نجيب الريحانى.

ولم يكن لدى الراقصات فى الأربعينيات القدرة نفسها من الإثارة التى عرفناها فيما بعد، لكن قيمة العرى الجماعى الذى نراه فى أفلام الكوميديا الاستعراضية يعكس ما قامت به الراقصات من إغراء على الشاشة، فى فترة لم يكن الجنس قد وصل إلى حد مبتذل مثلما حدث فى سنوات السبعينيات، على سبيل المثال، حيث صار الشاغل الأهم فى قصص الأفلام.

وقد تنبهت الراقصات إلى أن التمثيل أبقى من الرقص، فقل عدد الأفلام التى رقصت فيها تحية كاريوكا فى بداية حياتها، وعملت فى الأفلام كممثلة من الطراز الأول، ثم تتبعتها سامية جمال التى استطاعت برقصها أن تعطى لما تفعله إيقاعًا أبعدها عن الحسية، خاصة أنها ارتبطت بفريد الأطرش وقدما معًا مجموعة من الأفلام الكوميدية، وذلك باعتبار أن الضحك لا يتناسب مع الجنس، حيث إنه يغلبه فى التأثير، وبالتالى نجحت سامية جمال، مثلما نجحت كاريوكا، فى أن تبتعد برقصها عن الحس والإثارة الجنسية.

وقد بدت أجساد الراقصات فى هذه الفترة أكثر نحافة، ولذا كن أكثر إثارة من الراقصات اللاتى برزن فى الخمسينيات، وكما هو معروف فإن المشاهد الشرقى لا تثيره كثيرًا مثل هذه الأجساد التى تمثلها كيتى، ولكن الراقصات اللاتى ظهرن فى الخمسينيات كن أكثر امتلاء، إلى حد ما، ويناسبن ذوق الشرقى، خاصة نجوى فؤاد، وقطقوطة، وريرى.

ولا شك أن هناك مقاييس للإثارة، فبينما ظلت نجوى ترقص فى الصالات، وأمام الكاميرا قرابة أربعين عامًا، فإن أعمار هؤلاء الراقصات كانت قصيرة فى الحلبة، حيث سرعان ما امتلأت أجسادهن وتوقفن عن الرقص ولعل المثال البارز هو حالة فيفى عبده.

ولا نعنى النحافة هنا بأنهن بالغات الضمور، ولا نعنى الامتلاء هنا بأنهن بدينات، ولكن هناك مقياسًا خاصًا للراقصات يمكن أن نعتبر أن جسد كل من سامية جمال، ونجوى فؤاد هو الأنسب. فضلًا عن أسلوب الثانية فى الرقص.

ومن المهم الإشارة إلى العين التى رأت بها الكاميرا المصرية جسد ممثلة راقصة مثل سامية جمال، وعين السينما الفرنسية، فعندما ترقص سامية فى أى من الأفلام التى رأيناها بها، فإن الكاميرا تقترب كالعادة من منطقتى الصدر والبطن، وتركز على اهتزاز الجسم، ولكن اللقطات الراقصة التى شاهدناها لنفس الراقصة فى الفيلم الفرنسى «على بابا والأربعين حرامى» لجاك بيكر ١٩٥٤، بينت كيف أن الكاميرا الفرنسية أتاحت للمرأة أن ترقص بشكل إيقاعى أبعد ما يكون عن إثارة الغريزة، وكانت اللقطات بعيدة، وبدت المرأة كأنها تقدم لوحة راقصة، وليس مشهدًا حسيًا الهدف منه هو الإغراء.

وقد عكست أفلام الخمسينيات أن الراقصة فى الغالب امرأة ساقطة، قد تكون ابنة ليل وقليلًا ما تكون فاتنة، لذا فهى أداة إغراء، وأداة سقوط، وتظهر الراقصة فى أفلام هذه الفترة بشكل مكثف كرفيقة للمجرم، يسرق المال من أجلها ويأتى إليها كى يقضى وقتًا ممتعًا، تغلفه اللذة الحسية، وهذه الراقصة تعيش فى بيوت الليل، والملاهى، وغالبًا ما تبدو شبه عارية ببدلة الرقص التى بدأت تكشف المزيد من مفاتنها.

وإذا كانت بدلة الراقصات الشهيرات فى الثلاثينيات والأربعينيات قد كست منطقة البطن، فإن مشاهد الرقص الجماعى فى أفلام مثل «مصنع الزوجات» و«عنبر» و«قلبى دليلى» تكشف عن أجساد الراقصات الجماعيات وكأنهن شبه عرايا، فإن راقصات الخمسينيات القرويات، أى اللاتى يرقصن أمام الكاميرا بشكل فردى قد تخلين عن الغطاء الذى يستر منطقة البطن، وقد فعلت ذلك تحية كاريوكا فى فيلم «غرام راقصة».

وقد يتبادر إلى الذهن أن حسن الإمام هو المخرج الأكثر استعانة بالراقصات، ولكن هذا يحتاج إلى إضافة، ففى الوقت الذى انشغل فيه الإمام بالأفلام الميلودراما، كان عباس كامل على رأس المخرجين الأكثر تواجدًا على الساحة، والأكثر استعانة بالراقصات فى أفلامه. وقد صار الإمام فى منحنى آخر، حيث قام بتمجيد الراقصات المصريات فى أفلام عديدة، وحول أفلامه إلى كباريه كبير يحتشد بهن بغية الإثارة الحسية منذ منتصف الخمسينيات، وحتى منتصف السبعينيات.

وإذا توقفنا عند أفلام عباس كامل، فسوف نرى كمًا هائلًا من الراقصات، سواء فى خلفية الأحداث، أو فى الوقائع الرئيسية فى أفلامه، ولو توقفنا عند فيلمه «حضرة المحترم» ١٩٥٢ الذى ألفه وأخرجه مثل كل أفلامه تقريبًا، فإننا نختاره لأن بطلته غير راقصة وهى زهرة العلا، ولكن الفيلم ملىء بعدد من الراقصات مثل كيتى، وليزا، ولين، كل ما بقى منهن هو صور تكشف فيها كل منها عن مشاهد فاتنة، حيث يرقصن حول كل من كارم محمود، وشكوكو، وفى الخلفية رأينا راقصات يلبسن زيًا فرعونيًا من أسفل، ومن أعلى يضعن مشد صدر يكشف أغلب ما تحته.

ويقدم المخرج فيلم «دستة مناديل» تحت تصنيف كوميديا غنائية راقصة، واستعان فيه براقصة مثل سيلفانا، ولكنه قام بتدبير بدلة رقص للممثلة سميحة توفيق، المعروفة أنها ممثلة، ولم تكن راقصة فى أى من الأفلام وجسدت أكثر من رقصة. وليس رقصة واحدة فقط. وفى فيلم «لسانك حصانك» ١٩٥٣، غنت شادية وعمر الجيزاوى أكثر من مرة على رقصات كيتى، وفى «خد الجميل» نافست زمردة سامية جمال فى ارتداء المايوه البكينى، أما فى «عروس المولد» ١٩٥٥، فقد شاركت تحية كاريوكا فى الرقص الشرقى، بينما قدمت نيللى مظلوم الرقص الإيقاعى.

والراقصة فى هذه الأفلام، هى بالطبع أداة للمتعة الحسية، ولا قيمة لوجودها كديكور خارجى، إلى جوار المطرب، وسرعان ما تختفى من الأحداث.

وإذا نظرنا إلى الراقصات فى الخمسينيات، فبينما بدأت راقصات الفترة السابقة يعتزلن الرقص، فإن نجم نجوى فؤاد قد بزغ، وقد بدت بالغة المهارة فى حركاتها، لافتة للمنظر بجمالها، والخفة التى تتسم بها. وفى البداية شاهدناها مجرد راقصة، تؤدى النمرة المطلوبة، ثم بذكاء شديد راحت تدخل إلى قصص الأفلام مثل «غرام فى السيرك» و«ملاك وشيطان».

وقد ظلت نجوى فؤاد وفية لرقصها، ففى كل الأفلام التى رأيناها فيها، كانت هى الراقصة التى يأتى إليها الرجال فى الكباريهات، وبعكس ذلك أن السيناريوهات المكتوبة كانت تستلزم وجود مثل هذه المرأة بدرجات مختلفة، وتعتبر نجوى فؤاد هى المرأة التى ظهرت فى أكبر عدد من الأفلام فى السينما المصرية طوال أربعين عامًا، ما يعكس مكانة الراقصة بشكل عام، فى قصص الأفلام، وقد حاولت أن تمزج بين الرقص والتمثيل، لكنها فى كل الحالات كانت ترقص، وسوف نقتبس هنا ما كتبه عبدالفتاح الفيشاوى عن واحد من الأفلام التى قامت ببطولتها فى الستينيات، وهو «المشاغبون»، حيث يقول فى مجلة الكواكب «إن ظاهرة جديدة يجب أن نشير إليها.. تتلخص فى أن أفلام القطاع الخاص اتجهت كلها تقريبًا إلى الإثارة، عن طريق الضحك والخناقات والجنس». ويقول أيضًا إن هذه الظاهرة تفسر لنا النجاح المادى الذى صاحب فيلم «المغامرون الثلاثة» وهذا التفسير ينسحب أيضًا على فيلم «المشاغبون».

«القصة لا تخضع لمنطق التسلسل الروائى، ولكنها تكاد تكون حدوتة مسلية، محشوة بكل الألوان، فيها النكتة والمونولوج والديالوج، والرقصة، والخناقة، وطلقات المسدسات والمطاردات، وهى أقرب إلى اللون المسرحى الذى يطلقون عليه (الفارس) أى الهزلى».

وقد أكد وجود نجوى فى كل هذا العدد الضخم من الأفلام مكانة الرقص، والراقصات باعتبارهم أدوات حسية فى السينما المصرية، حيث نظر المخرجون إلى الراقصة هنا كأنها ديكور يعكس المتعة، وبدت النساء اللاتى يمارسن الرقص ذوات قدرات حسية، ويأتى إليهن الباحثون عن ليالٍ حمراء، وليست بين أيدينا أدوار بارزة جسدتها الراقصة، وعندما قامت بإنتاج بعض الأفلام، سعت بدورها إلى تمجيد بنات مهنتها، وأعطت الكثير منهن بعدًا إنسانيًا، وعكست أفلام مثل «ألف بوسة وبوسة» و«العايقة والدريسة» و«حد السيف» الجانب الآخر من حياة بنات الملاهى الليلية، ورغم هذا البعد الإنسانى، فإن هذا لم يبعد هذه الأفلام عن الحسية الجنسية، فالرقص لا يتوقف ويحس المتفرج أن الفيلم الذى يشاهده مصنوع من أجل إثارته مهما كانت نوايا صانعيه.

ففى «ألف بوسة وبوسة» لمحمد عبدالعزيز ١٩٧٧، رأينا جمالات وأختها مايسة اللتين تعملان بالرقص فى ملهى بعد وفاة والدها الفنان المسرحى، وتكون مايسة فرقة مسرحية مع عصام الذى تحبه، ورغم معارضة والد الحبيب على عمل الفتاة بهذه المهنة، فإن الأختين تنجحان فى تكوين الفرقة المسرحية.

وفى فيلم «حد السيف» لعاطف سالم فنحن أمام الراقصة سوسو التى تعمل فى الأفراح، وتتعرف على رجل يعزف على آلة القانون، دون أن يخبرها أنه فى الحقيقة وكيل وزارة، حيث يخفى أمره عن الجميع بمن فيهم أسرته، وسوسو هنا امرأة لها قلب، فهى تحب طلعت، وترقص على أنغامه، وفى النهاية تكتشف أمره، وتتركه من أجل أن يلم شمل أسرته.. أى أنها قامت بالتضحية من أجله.

ولسنا بصدد تحليل الدافع الإنسانى فى قصص هذه الأفلام، لكن من المهم أن نشير إلى أن ظهور الراقصة فى طى هذه القصص أن أمرًا حسيًا ملحوظًا، ويبدو ذلك من خلال ما تسجله الكاميرا من حركات الراقصة سواء أمام الجمهور، أو أمام رجل تحبه، ومن الواضح أنها فى كل هذه الأفلام ترقص للمشاهدين، وإذا كانت الراقصة فى فيلم «البدوية العاشقة» قد رقصت لرجل بغلالة رقيقة كشفت المزيد من مفاتنها وهى ترقص، وأثارت مشاهدى الصالات فى عام ١٩٦٣، جاحظى العيون، فإنها لم تكن تفعل ذلك للممثل نصير قرطباوى، بل هى تفعل ذلك فى المقام الأول من أجل المتفرجين على الفيلم داخل صالات العرض.

وإذا كنا قد توقفنا عند عباس كامل كنموذج لمخرج لم تخل أفلامه من الراقصات العاريات، فإن حسن الإمام قد قام بتمجيد هؤلاء الراقصات ليس فقط من خلال إظهارهن فى أغلب أفلامه طوال ثلاثة عقود من الزمن، بل لأنه قام بتأريخ حيواتهن فى أفلام عديدة مثل «شفيقة القبطية» و«امتثال» و«بديعة مصابنى» و«بمبة كشر»، وذلك بالإضافة إلى عشرات الراقصات والممثلات اللاتى رقصن فقط فى أفلامه، فهو أول من جعل هند رستم ترقص فى فيلم «الملاك الظالم» ثم «الجسد» و«بنات الليل» وهى لم تكن راقصة بالمرة.

وقد عكس الرقص فى أفلام حسن الإمام معناه الحسى، فهو فى الكثير من أفلامه يدور فى شارع محمد على مثل «خلى بالك من زوزو» و«دلال المصرية» و«بنت بديعة»... وغيرها. ولسنا هنا أمام قديسات بالطبع، ولكن أمام نساء الكثير منهن ساقطات، ويمارسن الجنس بمقابل مادى من ناحية، أو يعتمدن على هز أجسادهن من أجل إثارة الرجال البصاصة.

واستطاع حسن الإمام أن يجعل الدنيا ترقص فى أفلامه، وبدا ذلك واضحًا فى ثلاثية نجيب محفوظ التى أخرجها تباعًا: «بين القصرين»، «قصر الشوق»، «السكرية»، وقد أثار الفيلم الثانى الكثير من المشاكل مع الرقابة تحدث عنها الإمام فى مذكراته كما تحدثت عنها اعتدال ممتاز فى «مذكرات رقيبة سينمائية»، حيث أفردت قسمين للحديث عن الفيلم، وهو أمر لم يحدث بالنسبة لكل الأفلام التى تحدثت عنها فى كتابها.

فيلم دستة مناديل

وسوف نورد هنا بعض ما قالته الرقيبة الراحلة، ثم نعرض رأى الإمام كما أورده فى مذكراته. ومن بين ما قالته اعتدال ممتاز إنه «قد دارت سلسلة طويلة من الاشتباكات بين الرقابة والمؤسسة العامة للسينما حول فيلم (قصر الشوق) ولعل استخدام كلمة الاشتباكات، لأنها أخف كلمة ينبغى استخدامها فيما حدث من خلاف شديد حاد بين الرقابة على المصنفات والقطاع العام المنتج لأفلام السنيما».

وتقول: «إنى أكتب الآن عن هذا الفيلم بعد سنوات من انتهاء العاصفة التى أثيرت حوله، لكنى لم أزل أشعر بمرارة التجربة التى خضتها أنا وزملائى أعضاء الرقابة لكى نقول كلمة حق من أجل صناعة السينما الوطنية ومن أجل مصر ولكى تنتصر هذه الكلمة حتى لا يضيع شىء مما بقى مجيدًا من حياة مصر وفنها».

وتقول الكاتبة إنه عندما اجتمعت لجنة التصدير مرة أخرى قررت رفض تصدير الفيلم وأوردت اللجنة عدة أسباب نذكر منها:

• الفيلم ملىء بالمشاهد الجنسية المحشورة بقصد الإثارة القذرة والمقززة.

• الفيلم فى صورته الحالية زاخر بالألفاظ والعبارات الرخيصة المبتذلة الهادمة للقيم المتعارف عليها والمثل الطيبة.

وتقول الكاتبة فى مكان آخر «قرر مجلس الرقابة بالإجماع منع تصدير الفيلم، ورأت عضوة المجلس أن فى خروج هذا الفيلم للعالم العربى جريمة فى حق مصر لا تغتفر، لأن الفيلم لم يظهر إلا الجانب الجنسى رغم أن الفترة الزمنية التى تناولها الفيلم كانت فترة وطنية، والفيلم استبعد كل ما هو وطنى وحشر بالمناظر الجنسية المبتذلة وعليه فلا تسمح بتصديره».

أما الإمام فيقول فى الحلقة ٢٤ من مذكراته كما نشرتها مجلة الشبكة فى عام ١٩٨٠ إنه دخل إلى مكتب الوزير عندما استدعاه لمناقشة الفيلم، فقال له: أنت أمرت بكل الذى حدث لى، ولا بد أن أقول لك إنك أهنتنى، وإننى أرفض هذه الإهانة، وكل ما تستطيع أن تفعله الآن أن تدوس جرسًا وتقول اقبضوا على هذا الرجل، فأصبح بطلًا، وأبقى دائمًا حسن الإمام.

فقال بهدوء:

«اتفضل اقعد».

«قلت»:

«لا مكان لى هنا. مكانى فى الاستديو لأنهى فيلمى حسبما أريد».

«وانصرفت وهو ينظر على أنى مجنون».

وبهذا المنطق «العاقل المجنون» أعطى المخرج للراقصات بعدًا إنسانيًا فى أفلامه، وبدا هذا واضحًا فى «خلى بالك من زوزو»، حيث تخلع الفتاة الجامعية ملابسها التقليدية كى ترقص ببدلة رقص فاتنة من أجل إنقاذ كرامة أمها، وقد حاول المخرج فى فيلمه أن يصم من يقفون ضد هؤلاء اللاتى يفرحن الناس بأجسادهن كأنهم أقوام متخلفون، فالابنة التى راحت تدافع عن أمها، فعلت ذلك بالرقص، وكشف الجسد، وهز الأرداف.

وكأننا بهذا أمام تأصيل وتعميق كل ما قدمته السينما من راقصات، ليست أبدًا فنًا ولكنها حس فى المقام الأول حتى وإن تم تغليفها بكلام براق تردده الفتاة بمدرج الجامعة.

ولسنا بصدد محاكمة مثل هذه الأفلام، التى قامت بتأريخ مصر من خلال راقصاتها، ولكننا ما زلنا نتحدث عن الجنس بهدف أساسى من هذا الكم الهائل من الراقصات المهتزات فى الأفلام المصرية، فلاشك أن هذه الظاهرة التى جعلت الإقبال الجماهيرى كبيرًا على هذه الأفلام قد عكست عشق المتفرج لرؤية الراقصات، حيث يبدو العرى شرعيًا فى هذه الأفلام. دفع فى هذه السنوات بالعديد من ممثلات السينما اللاتى نعرفهن كممثلات إلى أن يقمن بالرقص الشرقى على الشاشة ابتداء من سعاد حسنى فى الفيلم السابق الإشارة إليه، ونادية لطفى فى «بديعة مصابنى»، وماجدة الخطيب فى «امتثال»، وهدى سلطان فى «دلال المصرية»، ثم نادية الجندى فى «بمبة كشر» التى سوف تستعذب مثل هذا الدور فلم تتوقف عن الرقص بدرجات متباينة فى أغلب أفلامها اللاحقة. بل إنها ارتدت بدلة رقص شرقى فى أفلام مثل «وداد الغازية» و«أنا المجنون».

وقد أدى هذا إلى ظهور جيل من الممثلات الراقصات، حيث رقصت فيما بعد كل من نبيلة عبيد فى «الراقصة والسياسى» و«الراقصة والطبال» وميرفت أمين فى «عودة أخطر رجل فى العالم» وأيضًا نيللى وأخريات، فى هذه الفترة لم تظهر راقصة لها نفس قوة نجوى فؤاد، والتى استمرت بدورها تعمل فى الأفلام كمصدر للإغراء، حيث ظلت محتفظة بلياقتها الجسدية، وتحولت راقصات إلى التمثيل.. وفى السبعينيات، فإن كمية العرى التى صارت فى قصص الأفلام ساعدت فى تقليص مساحات الرقص، حيث لم يكن هناك أى داع لوجود راقصات طالما أن المسموح به قد تم. ويمكن أن نقول إن أغلب الممثلات اللاتى عملن فى السينما طوال هذه الفترة كشفن عن مساحات لا بأس بها من أجسادهن، سواء عن طريق ارتداء الجونلة القصيرة، أو الشورت الساخن، أو المايوهات البكينى، التى سارت فى النصف الأول من السبعينيات بمثابة الزى القاسم المشترك لنجمات السينما البارزات فى تلك الآونة.

وفى السبعينيات برزت أسماء راقصات لأجسادهن مقاييس مختلفة، مثل هياتم التى لم يكن يستر جسدها سوى قطع صغيرة من الملابس فى أفلام عديدة، وأيضًا الراقصة زيزى مصطفى التى سارت على درب نجوى فؤاد ولكنها كشفت عن مفاتنها أكثر مما فعلت سابقتها. وقد بدت الراقصتان وكأنهما تمزجان الإثارة بالرقص، فجسدن نفس أدوار الشريرات اللاتى يقمن بإغواء الرجال من أجل سلب أموالهم، أو هن راقصات فى ملاه ليلية يهب إليها الرجال من أجل المتعة، وأسوة بأغلب راقصات السينما فى مصر، فإن مساحة التمثيل بدأت تتسع فى حياة كل منهما، ومثلتا أدوار الإغراء فى أفلام عديدة، حتى تغيرت معالم الجسد مع تقدم السن فاختفت زيزى مصطفى، بينما تفرغت هياتم للمسرح، ولبعض الأدوار السينمائية.

وفى الثماينينيات، كانت أعمار الراقصات فنيًا قصيرة للغاية، فما إن لمع اسم سحر حمدى، حتى قررت الاعتزال، بعد أن كشفت كثيرًا من مفاتنها كراقصة، ونجم إغراء، وقامت ببطولة بعض أفلام المقاولات مثل «بائعة الشاى»، وفى التسعينيات لمع اسم دينا التى جسدت أيضًا أدوار فتاة الإغراء فى أفلام عديدة مثل «المنسى» و«استاكوزا»، وأيضًا صفوة التى كشفت عن جسدها بقوة فى «هى فوضى» ٢٠٠٧.

ووجدت راقصات أن عليهن عند العمل بالسينما ألا يرقصن أبدًا مثلما فعلت لوسى، بينما اشتهرت فيفى عبده كظاهرة فى عالم الإغراء، والرقص، وبدت أكثر بنات جيلها حظًا.

مرة أخرى، نعود لنؤكد أن الرقص الشرقى، لم يكن فى الأفلام المصرية فنًا مجردًا، وأن المخرجين قد تعاملوا معه مثل أنواع الرقص الأخرى، ففى عمر هذه السينما، هناك أنواع عديدة من الرقص ومنها الرقصات الشبابية الغربية، والتى ذاعت فى كل العقود، وفيه يتشارك الشباب من الجنسين فى الرقص على إيقاع الموسيقى، وهو فى غالبه يعتمد على مهارات بعينها، مثلما رأينا فى أحد مشاهد فيلم «لا تطفئ الشمس» لصلاح أبوسيف. أى أن كل ألوان الرقص غير الشرقى على الشاشة المصرية كان غير حسى، بل هو مقترن بالبهجة، وأسباب الفرحة لدى الشباب، لكن هز البطن فى أفلامنا هو فى المقام الأول حسى، وقد أكدت ذلك صورة الراقصات فى الأفلام وأيضًا الراقصات أنفسهن.

ونحن لسنا مغالين فى آرائنا، ولا نعتقد أننا رجعيون فيما نكتب، ومن يريد أن يتأكد مما نقوله، عليه مشاهدة أقل عدد من الأفلام التى لم نذكرها فى حديثنا، أو حتى التى ذكرنا أسماءها بشكل عابر، وسوف يتأكد من ذلك إلا إذا كانت له وجهة نظر معاكسة تمامًا.