الخميس 09 أبريل 2026
المحرر العام
محمد الباز

«10 أبريل»

حرف

فى العاشر من أبريل الجارى لا يجىء الموعد كرقم عبر تاريخ يومًا ما فرضته قوانين أو لوائح، بل كنبضة فى قلب الكلمة حين تستدعى أبناءها ليكونوا على قدر ما حملوه من معنى وما كتبوه من ضوء.

فى هذا اليوم يقف اتحاد كتاب مصر فى حضرة ذاته يتأمل صورته التى صاغتها سنوات من الإبداع، ويصغى إلى صوته الداخلى وهو يهمس لأعضائه بأن الكلمة التى رفعتهم لا تقبل إلا ما يشبهها من رقى، وأن البيت الذى احتواهم لا يليق به إلا صفاء النفوس ونبل المقاصد.

الجمعية العمومية وهى تتقدم لاختيار ثلاثين اسمًا من بين خمسة وثمانين لا تمارس حقًا عاديًا، بل تنسج خيطًا جديدًا فى نسيج تاريخ طويل، وتمنح المستقبل وجهًا يليق بما مضى، وكل يد تمتد بصوتها إنما تضع زهرة فى بستان الاتحاد أو شوكة لا تليق بجماله، لذلك يصبح الهدوء فضيلة والإنصات حكمة والتجرد طريقًا يفضى إلى اختيار يليق بسمعة هذا الكيان الذى لم يكن يومًا مجرد مؤسسة، بل روحًا تجمع المختلفين تحت سقف واحد، وتعلمهم أن الاختلاف يمكن أن يكون ثراء لا شقاقًا، ولمَ لا والكون يسير بسحر الاختلاف.

هنا يصبح الرقى لغة لا تحتاج إلى إعلان، ويصير الاحترام جسرًا تعبر عليه كل الآراء دون أن تتصادم، لأن ما يجمع أبناء الاتحاد أكبر من كل خلاف عابر، وأبقى من كل تلميح لا يضيف إلا ثقلًا على لحظة يفترض أن تكون خفيفة كنسمة أبريل، دافئة كقلب شاعر يعرف أن الكلمة حين تنحاز للصفاء تفتح أبوابًا من نور، وأنها حين تنحرف إلى الضيق تفقد شيئًا من معناها.

وفى الأفق عيون كثيرة تتابع لا من داخل مصر وحدها، بل من فضاء عربى واسع يرى فى نقابة اتحاد كتاب مصر رمزًا عريقًا وصوتًا ظل عبر العقود حاملًا لهموم الثقافة، ورافعًا لرايتها، لذلك فإن كل تفصيلة فى هذا اليوم تكتسب معنى يتجاوز حدود المكان، وكل سلوك يصبح رسالة، وكل موقف يكتب سطرًا فى كتاب الصورة التى نقدمها عن أنفسنا للآخرين، صورة المثقف الذى يعرف أن مكانته تبدأ من سلوكه قبل قلمه، ومن حضوره قبل رأيه.

ولهذا تأتى الدعوة رقيقة وصادقة أن يحضر الجميع لا كأفراد متباعدين، بل كجسد واحد ينبض بإرادة المشاركة أن تمتلئ القاعة بحضور يليق بالاسم، وأن تتحول العملية الانتخابية إلى مشهد من النظام الهادئ والتقدير المتبادل، وأن يشعر كل من يدخل هذا الفضاء بأنه بين أهله، وأن المنافسة هنا لا تنزع الود بل تضيئه، وأن التقدير للقامات والرموز ليس مجاملة، بل وفاء لتاريخ صنعوه بعرق الكلمة وصدق التجربة.

إن تغليب المصلحة العامة فى هذا اليوم ليس خيارًا بل وفاء لمعنى الانتماء ذاته، هو اللحظة التى ينتصر فيها الاتحاد لفكرته الكبرى حين يكون أكبر من أفراده وأبقى من تفاصيلهم، هو اللحظة التى نعيد فيها ترتيب قلوبنا قبل أوراقنا، ونمنح هذا الكيان ما يستحقه من صفاء يليق باسمه ومن استقرار يضمن له أن يظل بيتًا آمنًا للكلمة الحرة ومأوى لكل من آمن بها.

هكذا يغدو العاشر من أبريل يومًا دافئًا كقصيدة لا تبحث عن تصفيق بل عن معنى، يومًا يخرج منه الجميع وقد تركوا فيه أثرًا طيبًا يشبههم ويليق بهم، يومًا لا يتذكر فيه أحد من فاز ومن لم يفز بقدر ما يتذكر كيف كان اللقاء وكيف انتصرت القيم وكيف ظلت نقابة اتحاد كتاب مصر كما ينبغى لها أن تكون، بيتًا للنبل حين يختار أبناؤه صورته الأجمل دائمًا.