وطنيات فنان الشعب.. وثائق تأليف سيد درويش نشيد «بلادى بلادى» والتبرع لتسليح الشعب
- اشترك عبقرى الموسيقى المصرية سيد درويش فى ثورة 1919 وكانت أمنيته أن يرى مصر مستقلة ذات عزة وكرامة
- تراث سيد درويش كان دومًا ما يتعرض لكثير من أشكال السطووالتشويه والتزوير
فى الأيام القليلة السابقة، شهدت المواقع الصحفية احتفالات محدودة بفنان الشعب العظيم الشيخ سيد درويش، وذلك بمناسبة ذكرى ميلاده فى 17 مارس 1892، وقد حفزتنى تلك الاحتفالات للتقليب فى تراث الشيخ سيد من جديد، واستعادة بعض من سيرته العطرة التى لا يمل منها أى مصرى، ولكن برز لى سؤال مباغت وبشكل مفاجئ هو: «هل ما زال هناك أقوال جديد وجادة عن سيد درويش بعد كل ما قيل وكتب وخضع للبحث منذ أكثر من قرن ونيف، وكان آخر ما كتب ونشر عنه، كتاب الصديق العزيز الكاتب الصحفى خيرى حسن «سيد درويش المؤلف الحقيقى للنشيد الوطنى»، وكان بحث خيرى حسن شديد الأهمية لإثبات ما جاء فى العنوان بعد أن زعم الشاعر محمد يونس القاضى بأنه هو المؤلف الحقيقى، ولكن الأدلة العملية التى أوردها خيرى، كانت دامغة، والقول الفصل فى ذلك الأمر، رغم مناوشات آخرين، وربما يكون خيرى لم يأت بكل الأدلة، ولكنه على الأقل أتى بما لا يمكن الشك فيه بنسبة تأليف النشيد إلى الشيخ سيد، لذلك تكمن جدوى وأهمية ذلك الكتاب الذى صدر عن دار «أخبار اليوم» فى تصحيح ما تم تزويره أو تلفيقه أو السطو عليه.

وهذه كانت آخر ما تم طرحه من معارك فى شأن القضايا المتعلقة بتراث سيد درويش، رغم أن تراث سيد درويش تعرض لأشكال كثيرة من السطو والتزوير والتشويه والاقتباس، كما أنه لم يخل من اتهامات حول مقدرته على قراءة النوتة الموسيقية، فضلًا عن التشكيك فى إمكانياته على التأليف الموسيقى، رغم أن كل الباحثين والدارسين لتاريخ الموسيقى، ولتاريخ الشيخ سيد على وجه الخصوص، يعرفون بيقين كامل، بأنه شارك فى وضع ألحان لأغانى ما يصل إلى عشرين مسرحية، فلو كانت كل مسرحية تحتوى على عشر أغنيات، سيكون مجموع ما تم تلحينه أكثر من مائتى لحن، وبعد كل ذلك الزمن ما زلنا ننشد أغانى سيد درويش لتجد صداها العفوى والعميق والتلقائى فى نفوس كل المصريين، ويكفى أن يبدأ واحد مطلع أى أغنية له مثل: الحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية، أو يعوض الله، أو دنجى دنجى، أو قوم يا مصرى، مصر أمك- هكذا فى الأصل- بتناديك، أو بلادى بلادى، أو شيعت مستقبل حياتى، وخلاف ذلك عشرات الأغانى، بمجرد أن أحدًا ينشد الكوبليه الأول، سند أن جوقة كاملة من الحاضرين يرددون وينشدون ويغنون فى طرب لا يشعر به المصريون، مثلما يشعرون به مع الشيخ سيد، وذلك لأن ألحانه التى كان يستقيها من كل الظواهر المصرية بعمق وإخلاص وعبقرية فنية، كانت تجد طريقها دون أى عوائق لأرواح المصريين فى كل المناسبات، ولو حدث أن واحدًا من المطربين حاول التلاعب فى ألحانه، لن يجد سوى الاستنكار والنفور، وهناك واقعة مشهورة حدثت فى ذكرى الاحتفال برحيله فى سبتمبر ١٩٦٤ عندما غنى المطرب الشاب عبداللطيف التلبانى، واختار أغنية «الحلوة دى قامت تعجن فى الفجرية»، وحاول التلبانى أن يجوّد بطريقته فى اللحن، وفى تنعيم صوته، وهو لا يدرك أن عبقرية سيد درويش لا تكمن فى خامة صوته، ولكنها تكمن فى أدائه، وقدرته على التعبير عن أرواح المصريين فى كل المناسبات الحزينة أو المبهجة، أو الوطنية، وكانت سقطة التلبانى عندما نطق «يا صنايعية»، «ياسنايعية»، وكتب آنذاك الناقد الفنى سليمان جميل مقالًا لاذعًا فى عدم تواصل المطربين الجدد مع تراث ذلك العبقرى، ولا أعرف ماذا كان سيقول سليمان جميل لو كان يعيش بيننا حتى الآن ويرى وعيش المرحلة التى نعيشها، ونشاهد ذلك التردى الذى حدث ويحدث للموسيقى المصرية فى ظل فوضى أغانى المهرجانات.
ولأن تراث سيد درويش كان دومًا ما يتعرض لكثير من أشكال السطو والتشويه والتزوير، تكونت فى عام ١٩٤٨ «جمعية أصدقاء موسيقى سيد درويش لجمع تراثه وتسجيله والمحافظة عليه لتسليمه إلى الأجيال القادمة»، هكذا جاء فى متن التأسيس، وفى احتفال الإذاعة المصرية بالذكرى السادسة والعشرين فى ١٥ سبتمبر، أصدر الدكتور حسين فوزى أحد محبى وأصدقاء سيد درويش كراسة صغيرة قال فيها: «.. بين أوراقى القديمة صفحات مصفرة خططت عليها ما يبدو وكأنه (نغابيش الفراخ)، ولكنها فى الحق بضعة ألحان من موسيقى شهر زاد، كنت حفظتها لكثرة ترددى على مسرح برنتانيا، حيث كانت فرقة سيد درويش تقوم بتمثيل هذه الرواية، وحاولت تسجيلها بالنوتة الموسيقية، وكنت حينذاك أقرأ الموسيقى فى يسر، ولكنى لم أكن تعلمت أو مارست كتابتها، وفى مخيلتى صورة واضحة للشيخ سيد درويش على المسرح يمثل البطل زعبلة يغنى للملكة شهرزاد لحن (أنا المصرى كريم العنصرين)، ثم يتأهب للذهاب إلى الوغى واثقًا من العودة ظافرًا، وفى ختام هذا الفصل قام سيد درويش بمحاولته الفريدة، وهى تأليف لحنين مختلفين معنى ومبنى وكلامًا، ينشدان فى وقت واحد، ويهزج زعبلة فى أحدهما بشجاعته وثقته الجريئة فى التأليف الكونترا بونتى، دون أن يكون سيد درويش قد درس حرفًا واحدًا فى هذا الباب العويص من أبواب الموسيقى..».
ذلك الكلام الذى قاله دكتور حسين فوزى أحد شهود سيد درويش، وأحد الدارسين الكبار فى مجال الموسيقى، يدل بقوة على عبقرية سيد درويش، ويصرّح فوزى فى الكتيب بأن ذهولًا ما كان يلاحقه كلما سمع سيد درويش البسيط الذى لم يدرس طويلًا فن الموسيقى، وهو- أى حسين فوزى- الدارس والباحث فى كل مجالات الموسيقى المصرية والعالمية، والقديمة والحديثة، لكنه يكاد يقفز من مكانه طربًا وذهولًا كلما سمع ألحان سيد درويش.

وليس حسين فوزى فقط الذى شاهد سيد رويش، ولكن هناك شهود غيره، ومن أقرب أقرباء سيد درويش، وأكثرهم ملازمة له فى كل مراحل حياته وهو «نقولا الملا»، وكان صائغًا فى الإسكندرية قرب ميدان المنشية، وحكى مجموعة حكايات دالة وشاهدة على عبقرية سيد درويش، سأورد حكاية واحدة فقط بخصوص نشيد بلادى بلادى، فيقول نقولا لمحدثه:
«لعلك استمعت إلى نشيده المشهور «بلادى بلادى»، إن لهذا النشيد قصة يعرفها كثيرون، فحينما بدأ نجم سيد درويش يلمع، أجرت له مسرح «الكونكورديا»، ومكانه الآن سينما تحمل نفس الاسم، لمدة ثلاث ليال، وفى الليلة الأخيرة علمت أن الأستاذ حسن حسنى كامل، شقيق الزعيم الوطنى مصطفى كامل، موجود بالإسكندرية، فدعوته لحضور الحفل والاستماع لسيد درويش، وقبل موعد رفع الستار بنحو ساعتين، أخبرت سيد درويش بذلك، وكان مصطفى كامل قد توفى منذ فترة قصيرة، وذكرى كفاحه وجهاده لا تزال حية فى الأذهان، وسرّ سيد لهذا الخبر سرورًا كبيرًا، وحينما رفع الستار فوجئت به ينشد وسط حماسة الجماهير نشيد بلادى بلادى، لأول مرة، كيف ألفه؟، ومتى لحنه؟، وكيف استطاع أن يحفظه بهذه السرعة، وظلت الجماهير تستعيد النشيد وتردده معه أكثر من خمس عشرة مرة، فقد كانت الجماهير تحب سيد درويش وتحس بتجاوبه معها، وتعبيره عن كل ما فى صدورهم، وكان هو يبادلهم هذا الحب بصورة لم أشهدها عند فنان آخر سواه، وأذكر أنه حينما أسس فرقته المسرحية، فتح أبواب المسرح للجمهور مجانًا فى ليلة الافتتاح، وكان حريصًا على أن يؤلف لحنًا لكل طائفة من طوائف الشعب حتى أنه قال لى ذات يوم: «الجماعة المكوجية دول أنا معملتلهمش لحن، لازم أعمل لهم لحن يخصهم»، ولا تنضب جعبة نقولا الملا من حكايات سيد درويش التى تدل على محبة سيد درويش للناس، ومحبتهم له، وكذلك عبقريته التى تتفجر إبداعًا وسط جماهير الشعب.
وواجهت ألحان سيد درويش لأشكال من السطو والتشويه وخلافه كما أسلفنا القول، ولذلك تأسست الجمعية عام ١٩٤٧، وكان نجلاه محمد وحسن قد خاضا معارك كثيرة لحماية تراث أبيهما، وتم إصدار حكم قضائى بجعل محمد البحر حارسًا قضائيًا على تراث والده، وكتب شقيقه الآخر حسن كتابًا كبيرًا يحمل الكثير والكثير من الحكايات التى تجاهها الكثيرون، بل عملوا على طمسها وتغييبها، وعنوان الكتاب «من أجل أبى سيد درويش»، وصدر الكتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ١٩٩٠، وسرد فيه حسن البحر كثيرًا من الوقائع التى مرّ بها هو وتراث والده، ورغم أن ثورة ٢٣ يوليو احتفت بالشيخ سيد بشكل لافت، فإن هناك كثيرًا من الحكايات لم يعرفها كثيرون، ومن المعروف أن سيد درويش كان له خصوم وأعداء من العهد الماضى، وجدير بالذكر أن الفنان العظيم كان قد وضع ألحانًا لأغنيات تهاجم الملك فؤاد، كان قد كتبها الشاعر بيرم التونسى، وأنشدها فى محافل عامة، وكان أول ما فعله الملك فؤاد هو تغيير معهد المسيقى الشرقية، أن جعل اسمه «معهد فؤاد الأول»، ومنع منعًا باتًا تدريس موسيقى سيد درويش، وللأسف تم تعميم ذلك فى عهود لاحقة، وصلت لعهد ثورة يوليو، وكان هناك مديرو الإذاعة يمنعون أو يتلكأون فى الاحتفال بذكرى سيد درويش فى مناسبات ميلاده أو رحيله، لذلك كتب محمد البحر رسالة إلى رئيس المجلس الأعلى للإذاعة المصرية فى ٢٠ سبتمبر ١٩٥٣ جاء فيها: «أرجو التفضل بعرض كتابى على المجلس الموقر ليتخذ بشأنه ما يراه، وبذلك أكون قد أبرأت ذمتى أمام الله والوطن والتاريخ حيال تراث قومى خلّف لوطنه عظيم من عظماء مصر هو خالد الذكر سيد درويش، فقد وفقنى الله العلى القدير إلى جمع معظم مخلفاته الفنية والمحافظة عليها خلال ربع القرن الماضى، إلى أن وثقته فى المحاكم الوطنية، وأقامت له حارسًا قضائيًا، وحتى تكونت جمعية أصدقاء موسيقى سيد درويش من كبار رجال الدولة عام ١٩٤٧ التى جمعت تبرعات باسمه مودعة حاليًا فى بنك مصر، وعلى الرغم من الجهود التى بذلتها لديها للعمل على نشر وتسجيل هذا التراث الخالد، فإنه يؤسفنى أن أعترف بأن اليأس قد بدأ يتملكنى لما نال سيد درويش من إغفال لدى محطة الإذاعة، فقد منعت الإذاعة ألحانه من شهر يونيو الماضى لغير سبب معروف، كما أغفلت الاحتفال بإحياء ذكراه الثلاثين فى ١٥ سبتمبر ١٩٥٣، هذا فى الوقت الذى يسمح فيه بإذاعة أغانى المرحومين عبده الحامولى ومحمد عثمان وعبدالحى حلمى...»، فى رسالة أخرى يشكو البحر من تشويه الإذاعة لتراث والده عندما أسندت للورد كاش أن تغنى وتؤدى إحدى أغنيات الشيخ سيد، وصارت مطالبات ومعارك ابن سيد درويش وحكاية للفنانين.
وفى تلك الفترة كانت مصر فى ظل ثورة يوليو وقيادتها تواجه تحديات كبيرة على مستوى العالم، للدرجة التى كانت دول الغرب تتآمر بأشكال واضحة وعملية، بداية من الموقف من رغبة مصر فى التسليح المستقل، ثم تأميم قناة السويس، وغير ذلك من قرارات للدولة الوطنية الوليدة، ما جلب عليها ما تم تسميته بالعدوان الثلاثى الغاشم بعد الإنذار الغادر الذى وجهته الحكومة البريطانية لمصر فى ٢٩ أكتوبر عام ١٩٥٦، وعندما لم تذعن مصر وتنحنى لذلك الإنذار، بدأ العدوان الظالم الذى قامت به فرنسا وإنجلترا وإسرائيل، وأبرز المصريون مقاومة باسلة فى ذلك الوقت، حتى تدخلت دول كبرى لإنهاء ذلك العدوان، آنذاك توحّد المثقفون المصريون الوطنيون على كلمة واحدة فى مواجهة ذلك العدوان، ما عدا جماعة الإخوان المسلمين الذين لا يعترفون بما يسمى «الوطن»، وبعض فلول حزب الوفد كما كتب ذلك نجيب محفوظ فى رائعته «اللص والكلاب» عندما تمنى أحد الوفديين العجائز أن تهزم مصر فى تلك المعركة، وأصدر المثقفون بيانت كثيرة فى تلك المرحلة للتضامن مع الدولة الوطنية ورئيسها وممثلها الأول جمال عبدالناصر، وفى أحد تلك البيانات تقول:
«الرئيس جمال عبدالناصر:
باسم الكتاب المصريين، من مختلف الاتجاهات، والآراء، والمذاهب الأدبية.. نعلن إجماعنا على تأييد بيان الرئيس جمال عبدالناصر، الذى أكد فيه رفض مصر التدخل الأجنبى فى شئوننا الداخلية، وحرصها على سياستها الاستقلالية، وحريتها فى التبادل التجارى، وعلى المشاركة فى حماية السلام...»، ووردت أسماء: نجيب محفوظ، وطه حسين، وحسن فؤاد، ويوسف السباعى، وغيرهم فى التوقيعات للكتاب المصريين الذين وضعوا خلافاتهم مع الدولة المصرية جانبًا، ووضعوا أنفسهم لخدمة الوطن، ومن ثم لم أندهش أن نجل سيد درويش الذى يدرك البعد الوطنى العظيم الذى يمثله أبوه بالنسبة لمصر والمصريين، تبرع بمبلغ ألف جنيه مصريًا فى عام ١٩٥٥ عندما كانت أزمة تسليح الجيش المصرى ماثلة.

وعثرت على الخطاب الذى كتبه بخط يده ابن سيد درويش للرئيس جمال عبدالناصر، وهذا نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم
السيد الرئيس جمال عبدالناصر
رئيس مجلس الوزراء والإرشاد القومى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
اشترك عبقرى الموسيقى المصرية سيد درويش فى ثورة ١٩١٩، وكانت أمنيته أن يرى مصر مستقلة ذات عزة وكرامة، ولكن القدر لم يمهله ليسعد بثورتنا المباركة للاشتراك فيها بألحانه وموسيقاه.
ولما كان فى بنك مصر حوالى مبلغ ١٠٠٠ جنيه ألف جنيه مصرى أودع باسم جماعة أصدقاء موسيقى سيد درويش، وقد جمع هذا المبلغ من الشعب لتسجيل هذا التراث الموسيقى.

ولما كانت هذه الجماعة لم تقم منذ إنشائها عام ١٩٤٧ بأى عمل لتسجيل ذلك التراث الخالد، وكما كنت أعتقد أن تسجيل هذا التراث القومى من اختصاص الإذاعة المصرية.

لذلك أرجو إصدار الأمر باتخاذ الإجراءات بتحويل هذا المبلغ لجيشنا التليد، مساهمة من سيد درويش فى تسليح جيش مصر العظيم، حتى يسعده فى مثواه باشتركه فى هذا العمل الوطنى الجليل
أعز الله مصر بكم وبجيشها العظيم
١٨-١٠-١٩٥٥
نجل سيد درويش
هكذا يعطينا سيد درويش دروسًا فى الوطنية حتى فى رحيله، سيد درويش الذى لم يترك عقلًا مصريًا إلا وترك فيه فكرة، ولم يترك مساحة وجدانية لمصرى، إلا ووضع فيها شعورًا انسانيًا عظيمًا وخالدًا.







