الخيال الصينى.. ملحق خاص
أحمد السعيد: حضارة الصين مُتجلّية حتى فى آداب شرب الشاى!
- ما يميز الصين أن الثقافة والإرث الحضارى ينظمان حياة الناس
- «بيت الحكمة» لم يبدأ كمشروع للنشر بل رغبة فى ممارسة ما أحب
- إجمالى إصداراتنا تجاوز 1300 عنوان بعد 15 عامًا من العمل
لم تعد الترجمة بين العربية والصينية مجرد عملية لنقل الكتب من لغة إلى أخرى، بقدر ما أصبحت أحد أهم الجسور التى تتيح لكل مجتمع أن يكتشف الآخر ويفهم ثقافته وطريقة تفكيره ورؤيته للعالم، فالكلمة قد تعبر الحدود بسهولة، لكن المعنى والسياق والإيحاءات الثقافية لا تنتقل بالسهولة نفسها، وهو ما يجعل مهمة المترجم أكثر تعقيدًا من مجرد البحث عن المقابل اللغوى.
من هذه الزاوية، يتحدث أحمد السعيد، الرئيس التنفيذى لبيت الحكمة للثقافة، عن تجربة امتدت لأكثر من 15 عامًا فى الترجمة والنشر بين العربية والصينية، أنتج خلالها «بيت الحكمة» مئات العناوين الصينية المترجمة إلى العربية، إلى جانب محاولات لنقل الأدب والفكر العربى إلى القارئ الصينى.
ويرى «السعيد» أن الترجمة الحرفية قد تحافظ على الكلمات لكنها تقتل أحيانًا روح النص، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالسخرية والإيحاءات والأمثال والمرجعيات الثقافية التى قد تكون مفهومة للقارئ الصينى، لكنها تحتاج إلى معالجة خاصة حتى تصل إلى القارئ العربى بالمعنى نفسه.

■ بداية، ما الدافع وراء تأسيس مجموعة بيت الحكمة للثقافة، التى تأسست عام ٢٠١١؟ وما أجندة المجموعة وأولوياتها فى مجال الترجمة، خاصة أن إصداراتها وصلت إلى نحو ١٠٠٠ كتاب مترجم من الصينية إلى العربية خلال ١٥ عامًا؟
- الحقيقة أن «بيت الحكمة» لم يبدأ كمشروع للنشر، وإنما بدأ برغبة شخصية فى ممارسة ما أحب. وعندما ذهبت إلى الصين اكتشفت أن معرفة اللغة شىء، ومعرفة الصين شىء آخر، وأن المسافة بين العرب والصينيين كانت مسافة فى المعرفة. كانت التجارة تتوسع سريعًا، لكن الكتب لم تكن تعبر بالسرعة نفسها.
بدأنا بمكتب صغير فى ينتشوان، وكان هدفنا أن ننجز الكتاب الأول بطريقة تجعل الناشر الصينى يثق بنا، والقارئ العربى لا يشعر بأنه يقرأ نصًا كُتب فى لغة أخرى.
وبعد ١٥ عامًا تجاوز إجمالى إصداراتنا ١٣٠٠ عنوان، بينها أكثر من ٨٠٠ كتاب نقلناه من الصينية إلى العربية، إلى جانب الكتب العربية التى نشرناها أو نقلناها إلى الصينية، وتوسع العمل إلى ٦ دول. كما أعطينا الفرصة لأكثر من ١٢٠ مترجمًا مصريًا عن الصينية للعمل معنا.
لكن السؤال الذى يهمنى ليس عدد الكتب التى ترجمناها، وإنما الصورة التى صنعتها هذه الكتب عن الصين، وما الذى بقى خارجها. لذلك أصبحت أولويتنا اليوم توسيع الاختيار، ونقل الكلاسيكيات مباشرة عن الصينية، وفتح الطريق المعاكس أمام الكتاب العربى فى الصين.

■ ألّفت عددًا من الكتب عن الصين من الداخل وسياساتها الثقافية والخارجية، وجهت إلى الجمهور المصرى والعربى، من أبرزها «الصين من الداخل: ثقافة العقل السياسى الصينى- من كونفوشيوس إلى شى جين بينغ»، وأحدثها «ما بعد الهيمنة». ما أبرز ما يميز الصين ثقافيًا على المستوى الدولى عن غيرها من الدول؟
- ما يميز الصين هو أن الثقافة والإرث الحضارى لعبا دورًا كبيرًا فى تنظيم المجال العام والعلاقة بين الأسرة والتعليم والسلطة. رأيت ذلك حتى فى تفاصيل الحياة اليومية، مثل آداب تقديم الشاى وترتيب المقاعد على المائدة، وهى أمور رأيت فيها أثرًا للتراث الكونفوشيوسى.
عشت سنوات بين مسلمى قومية هوى فى نينغشيا، ورأيت مساجدهم، لذلك فالصين ليست بلدًا بلا دين، لكن الثقافة والإرث الحضارى كان لهما تأثير كبير فى تنظيم المجتمع.
هدفى من التأليف هو أن أروى قصة الصين بعين عربية، وكما يمكن أن يفهمها العرب، وليس كما ترويها الصين عن نفسها؛ لأن هذا شأن تقوم به الترجمة. لذلك حرصت أن تكون مؤلفاتى عن الصين من العرب للعرب، بعقل عربى يرى الصين ويشرحها، والهدف هو الفهم، لأن حسن الفهم يعطى علاقات أفضل وتطورًا أكبر على المستويات كافة.

■ عندما بدأت دراسة اللغة الصينية قبل ٢٥ عامًا، ثم سافرت إلى الصين قبل ١٥ عامًا، لاحظت أن معظم الاهتمام كان منصبًا على العلاقات السياسية والتجارية والاقتصادية. هل ما زال الأمر كذلك على مستوى حركة الترجمة، بحيث تحظى الموضوعات السياسية والتجارية والاقتصادية بالاهتمام الأكبر على حساب الأعمال الثقافية والأدبية والإبداعية؟
- فى السنوات الأولى ترجمنا ما كان يمول، وكانت كتب الفكر السياسى والاقتصاد هى الأكثر طلبًا. لكن ما غيّر نظرتى هو أننى ترجمت مقاطع من أعمال الأديب الصينى وانج شياوبو ونشرتها على «فيسبوك»، فانتشرت بطريقة لم تحدث لأى كتاب سياسى ترجمناه.
فهمت وقتها أن القارئ العربى قرأ عن الصين كتبًا تشرح الخطط الخمسية والتنمية، لكنه لم يلتق فيها بصينى يضحك أو يخاف أو يسخر من نفسه. الأدب قدم له هذا الإنسان.
اليوم يوجد قارئ عربى يشترى الرواية الصينية بماله، وهذا مؤشر مهم على التغير، ومع ذلك ما زال نصيب السياسة والاقتصاد أكبر. وفى رأيى يحتاج الطريقان إلى بعضهما؛ فالوثيقة تقول كيف ترى الدولة نفسها، بينما الرواية تقول ماذا فعلت التحولات بحياة الناس، ومن قرأ إحداهما دون الأخرى عرف نصف الصين.

■ تعد مصر من أكثر الدول العربية والإفريقية من حيث عدد دارسى اللغة الصينية. كيف يمكن استثمار هذه القاعدة الكبيرة من الدارسين فى تعزيز العلاقات الثقافية بين مصر والصين خلال الفترة المقبلة؟
- الاستثمار الحقيقى فى هذه القاعدة هو نقلها من مرحلة «من يتحدث الصينية» إلى مرحلة «من يفهم الصين». وهذا يحتاج إلى إقامات دراسية طويلة فى الصين، ومسارات تتيح لدارس اللغة أن يتخصص فى الاقتصاد أو القانون أو الأدب، ومراكز مصرية تقرأ الصين من مصادرها الأصلية.
لدينا فى مصر اليوم ٣٦ قسمًا للغة الصينية، لكن هذا العدد لا يظهر بالقدر نفسه من الباحثين والمترجمين الأدبيين، لأن كثيرًا من البرامج يعلم اللغة أكثر مما يعلم الصين. خريج الصينية المصرى، إذا أحسن إعداده، يمكن أن يصبح وسيط المعرفة بين الصين والعالم العربى كله. نحتاج إلى باحث مصرى يقرأ الخطة الصينية وعقد الشركة وسلوك السوق من غير وسيط، وهذا الباحث لن يخرج من قسم اللغة وحده.

■ حصل العديد من المترجمين المصريين على أعلى وسام ثقافى فى الصين، وهو جائزة الدولة الصينية للإسهام المتميز فى مجال الكتاب. من هم هؤلاء المترجمون؟ وكيف يمكن الاستفادة من خبراتهم فى تعزيز الشراكة الثقافية المصرية الصينية؟
- الجائزة تمنحها الحكومة الصينية منذ عام ٢٠٠٥ للأجانب الذين يسهمون فى ترجمة الكتاب الصينى ونشره، وهى أرفع جائزة صينية موجهة إلى الأجانب فى مجال الكتاب تحديدًا.
وأحصى من المصريين الحاصلين عليها سبعة، هم: الدكتور محسن فرجانى عام ٢٠١٣، ثم أنا عام ٢٠١٥، والدكتور حسانين فهمى حسين عام ٢٠١٦، والمترجمة يارا المصرى عام ٢٠١٩، والدكتور عبدالعزيز حمدى عام ٢٠٢٤، والدكتور يحيى مختار عام ٢٠٢٥، والأستاذ حسين إسماعيل، نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم».
هذه الأسماء تكشف عن وجود جيلين أو ثلاثة من المترجمين المصريين عن الصينية، لكنها تكشف أيضًا أنه لا توجد مدرسة مصرية للترجمة عن الصينية رغم هذا الحضور.
نحتاج إلى شبكة تجمع هذه الخبرات، وتضع دليلًا موحدًا للأسماء والمصطلحات، وتدرب المترجمين الجدد، وتقترح أولويات مصرية للترجمة. وقد بدأنا من جانبنا جائزة باسم الدكتور وحيد السعيد، أستاذ الأدب الصينى الراحل، لشباب المترجمين عن الصينية.

■ ما أبرز التحديات التى تواجه المترجم من الصينية إلى العربية عند ترجمة الأعمال الأدبية والإبداعية؟ وما الذى يختلف عند ترجمة الأعمال المصرية إلى الصينية؟
- أصعب ما فى الترجمة من الصينية أن الكلمات تعبر الحدود أسرع من معانيها. ومن الأمثلة على ذلك رواية ليو جين يون التى ترجمناها بعنوان «طلاق على الطريقة الصينية»، بينما اسمها الأصلى «أنا لست بان جين ليان»، وهى شخصية من رواية كلاسيكية صينية ترمز فى الذاكرة الشعبية إلى الخيانة.
القارئ العربى لا يعرف هذه الشخصية، ولذلك كان علينا اختيار عنوان يقرب موضوع الرواية إليه، لكن ذلك يعنى خسارة الإحالة الثقافية التى يحملها الاسم.
كما أن السخرية الصينية تحتاج إلى إعادة صياغة دقيقة؛ فإذا نقلتها حرفيًا فقدت روحها، وإذا صغتها بروح النكتة المصرية ابتعدت عن الكاتب. لذلك لا أؤمن بالترجمة الحرفية، وإنما بإعادة نسج الجملة الصينية فى جملة عربية تتنفس وتحافظ على حركة الحوار ونبرته.
أما فى الاتجاه المعاكس، فيواجه المترجم الصينى مشكلات تتعلق بالعامية المصرية والمرجعيات الدينية والثقافية.
لكن العقبة الأكبر تسبق الترجمة، وهى اختيار الكتاب وتمويل نقله؛ فإذا ظل هذا القرار انتقائيًا ستظل صورة الأدب العربى فى الصين انتقائية مهما كانت جودة الترجمة.

■ أشرت فى أحاديث صحفية سابقة إلى أن أعمال نجيب محفوظ منتشرة على نطاق واسع فى الصين، وتجرى حولها دراسات للحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه. من هم أبرز الأدباء المصريين الآخرين الذين تحظى أعمالهم بحضور لافت فى الصين؟
- طه حسين وصل إلى القارئ الصينى أكثر مما وصل كثير ممن ترجموا بعده، لأن «الأيام» تروى قصة يفهمها القارئ الصينى جيدًا: طفل كفيف يخرج من قرية فقيرة ويصعد بالتعليم إلى الأزهر ثم الجامعة، والأسرة الصينية تدرك معنى أن يكون التعليم طريقًا لتغيير المصير.
أما نجيب محفوظ فقد فتحت له «نوبل» باب الجامعات منذ الثمانينيات، وترجمت «الثلاثية» و«أولاد حارتنا» و«زقاق المدق»، لكنه، فى تقديرى، أقوى حضورًا داخل الجامعة منه فى سوق القراءة العامة.
ويحضر أكاديميًا توفيق الحكيم ويوسف إدريس وجمال الغيطانى، كما وصلت «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسوانى إلى قراء خارج الدوائر الأكاديمية، وإن ظل حضورها محدودًا.
المشكلة أن الرواية المصرية الجديدة لا يصل منها إلا القليل، ولذلك نحتاج إلى تقديم مصر التى تتغير الآن، وليس مصر الأهرامات والأزهر و«محفوظ» فقط.

■ هل أثرت تقنيات الذكاء الاصطناعى فى صناعة الترجمة من الصينية إلى العربية، خاصة فى ظل انخفاض تكلفتها مقارنة بالاستعانة بالمترجم البشرى؟ وهل يمكن أن تحل هذه التقنيات محل المترجم المتخصص، أم أنها ستظل أداة مساعدة له؟
- أثرت بالفعل، وبدأت تضيق أمام كثير من الخريجين فرص فى الترجمة التجارية التى كانت متاحة قبل سنوات قليلة. أما فى الكتاب، فقد جربتها على نصوص أعمل عليها، وما يخرج منها هو ما أسميه «الترجمة الميتة»: جمل صحيحة نحويًا، لكنها متساوية الطول، وتترك الحوار بلا حركة أو نبرة.
لا أرى المسألة سباقًا بين الإنسان والآلة. المترجم الذى لا يقدم أكثر من مقابل لغوى مباشر ستتراجع فرصه، أما معرفة السياق وفهم ما يتركه الكاتب مضمرًا فما زالا يحافظان على قيمة المترجم المتخصص.
لا أمانع فى الاستعانة بالأداة فى البحث أو المسودة الأولى، ما دام المترجم هو من يعيد كتابة كل جملة. ما أخشاه هو قبول ترجمة آلية خام لأنها أرخص، فيقرأ الناس كتابًا بلا روح وينسبون العيب إلى الكاتب الصينى.
■ ما رؤيتك لمستقبل حركة الترجمة من العربية إلى الصينية خلال السنوات القليلة المقبلة؟
- التجارة بين العرب والصين سبقت المعرفة بعقود، والصين حين قررت أن تعرف العالم بنفسها موّلت صورتها ببرامج ترجمة منتظمة، بينما لم يحدد العرب بعد بالقدر الكافى ما يريدون أن يعرفه الصينى عنهم.
نحتاج إلى مشروع عربى ممول للترجمة إلى الصينية تقوده مصر مع دول الخليج والمؤسسات القادرة على الاستمرار. ويبدأ هذا المشروع بالرواية العربية المعاصرة، ثم الفكر العربى الحديث، ثم الدراسات الإسلامية التى تحتاج إليها الجامعات الصينية.
كما نحتاج إلى مراكز معرفة عربية مستقلة تقرأ الصين من مصادرها، ومترجمين متخصصين فى الاقتصاد والقانون والتقنية، وبرامج إقامة طويلة تنتج جيلًا يعرف الصين لا جيلًا يتحدث الصينية فقط. أسمى هذا «التنمية التفاهمية». فالفهم المتبادل ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل جزء من التفاوض والتنمية. والثقافة، كما قلت فى بداية الحوار، تأتى قبل السياسة، وهى التى تبقى حين تتغير السياسة.







