من «أدب الصين».. أجنحة جبل التنين لـ تشيه تز يه جيان
- كانت الرموز المنقوشة عليه مفعمة بالقوة والفخامة وتبدو كأنها تطير
- اكتشفت أن اللحاف الذى تلقى قبلات من أشعة الشمس يحمل بالإضافة إلى رائحة الشمس الجميلة بعض التجاعيد
- عاش لاو يانغ لسنتين أخريين. ورأى حفيده كما كان يتمنى.. وغادر عالمنا راضى القلب حاملًا سعادة كونه جدًا
وعندما تخرجت أن شويه أر من الإعدادية كان طولها ٩٢ سم، ومن وقتها توقفت عن النمو وثبتت عند هذا الطول.
أما مهارتها فى نقش الشواهد الحجرية فلم تتعلمها على يد معلم، بل كانت هبة طبيعية من السماء. ففى عامها الخامس عشر، شخصت مستشفى الشعب بمنطقة سونغشان إصابة لاو يانغ، صاحب محل الأحذية بالقرية بسرطان الرئة فى المرحلة المتأخرة، وقال الطبيب إنه لم يبق له أكثر من ثلاثة أشهر. وهكذا عاد لاو يانغ إلى القرية مثل ورقة الشجر الجافة وظل مكتئبًا فى انتظار الموت، ولقد خشى أهله ألا يتحمل كثيرًا، وألا يصل حتى لثلاثة أشهر، لذا سارعوا بصنع تابوت له وتفصيل الكفن واختيار المقبرة، بل وحتى تعاويذ جلب الأرواح التى تستخدم عند خروج الجنازة جهزوها أيضًا. وكانت أمنية لاو يانغ الوحيدة هى أن تقوم أن شويه أر بنحت شاهد قبره، قائلًا إنها ملاك هبط إلى عالم البشر، فلو نصب على قبره شاهد من صنعها فستتجنب روحه العذاب وستطير إلى عنان السماء.

وهكذا توكأ لاو يانغ على عصاه، وعندما ظهر على باب منزل أسرة أن بوجه أصفر شاحب، كانت الجدة المطرزة مشغولة بصنع ملابس الفرح لعروسين جدد، فدعته للدخول وجلبت له كرسيًا ذا ذراعين ومسندًا وقدمت له الشاى الساخن. وعندما أخبرها لاو يانغ بأمنيته قالت الجدة إن أن شويه أر تجيد الخط، وخطها جيد، لكن ليس لديها القدرة على نحت تلك الرموز على شاهد القبر، وحتى لو كان لديها تلك الموهبة، فأنى لها بالقوة للنحت وهى ضئيلة الجسد؟ وبينما هما يتحدثان كانت أن شويه أر تجلس على حافة النافذة تتأمل السحب فى السماء، وما إن انتهت جدتها من كلماتها حتى أدارت أن شويه أر رأسها ناحية لاو يانغ وقالت له «جهز الحجر والإزميل، سأذهب لمنزلك لأصنع لك الشاهد» فتسمرت الجدة، ثم قالت: «طالما لا تملكين القدرة فلا تتحدثى بما لا طاقة لك به، لا تضيعى وقته.» لكن أن شويه أر لم تعرها اهتمامًا، بل عادت ببصرها لتراقب السحب المتراقصة فى السماء. وفى اللحظة التى التفتت فيها دبت الحيوية فى تلك السحابة الداكنة التى كانت تتخذ شكل حصان مريض يفرد ساقيه الأماميتين، كانت تأمل أن يقف بالكامل ليصبح حصانًا راكضًا، إلا أن السحابة تبددت فى النهاية، فأطلقت تنهيدة ثم أدارت رأسها ناحية لاو يانغ وسألته إن كان من مواليد برج الحصان، فهز رأسه أن نعم، فقالت له: «لن تموت هذا العام، فهل ما زلت ترغب فى نحت ذلك الشاهد؟» فقال لاو يانغ، مستحيل، لقد قال أمهر الأطباء إن السرطان انتشر، ولن أعيش سوى ثلاثة أشهر على أقصى تقدير، فلننحته.

بعد أن وافقت أن شويه أر أرسل لاو يانغ على الفور ابنه للمدينة واشترى شاهدًا حجريًا وطقم معدات نقش الرموز ومختلف الأنواع من الأزاميل الحادة والمسطحة. وهكذا بدأت أن شويه أر فى صنع أول شاهد حجرى فى منزل أسرة يانغ. لم تكن تستخدم مسطرة للقياس، إلا أن المسافة بين كل رمز والثانى كانت مضبوطة تمامًا، وكانت تتعامل مع الإزميل بمهارة كتعاملها مع عيدان الطعام التى استخدمتها لسنوات عديدة، ولم يدر أحد منذ متى أخفى جسدها الضئيل هذا كل هذه القوة، فالإزميل فى يدها كان أشبه بالقلم، خفيف ورشيق، وكانت تضع على رأسها قماش شاش أبيض كالثلج كيلا يؤذى الغبار المتطاير مثل الفراشات جراء نقش الرموز عينيها، لقد كانت حين تجثو أمام الشاهد الحجرى لنقش الرموز أشبه بالطائر الليلى الذى يهبط ليغنى ويستريح على ظهر سفينة.
انتهى العمل بذلك الشاهد فى أسبوع واحد، فكانت الرموز المنقوشة عليه مفعمة بالقوة والفخامة وتبدو كأنها تطير، لا تشبه بأى حال من الأحوال خط فتاة صغيرة، وكان لاو يانغ راضيًا عنه تمام الرضا. أما ما أسعده أكثر فهو أن العمر الذى نقشته أن شويه أر على الشاهد كان أكبر من عمره المتوقع بسنتين.
وبالفعل عاش لاو يانغ لسنتين أخريين. ورأى حفيده كما كان يتمنى، وغادر عالمنا راضى القلب حاملًا سعادة كونه جدًا. ومن وقتها انتشرت الأقاويل حول معجزات أن شويه أر فى صنع الشواهد الحجرية. ومن بعدها صار أهل قرية لونغ تشان يدعونها المبروكة أن. وصار كل من تجاوز السبعين فى القرية لا ينسى أثناء تحضير الكفن والتابوت ومستلزمات الجنازة أن يختار شاهد القبر ويوصى أبناءه وأحفاده أن يطلبوا من أن شويه أر نحته له بمجرد أن يغادر عالمنا.
كانت الجدة المطرزة تتمتع بشهرة فائقة فى مجال حياكة ملابس الزفاف، ولكن بسبب شهرة أن شويه أر المتزايدة يومًا بعد يوم فى نحت شواهد القبور صار كل من عنده جنازة فى القرى المجاورة يأتيها بشاهد حجرى لتنقشه، فتحول فناء منزل أسرة أن إلى حديقة من شواهد القبور تنتصب فيها الشواهد الحجرية جنبًا إلى جنب، لذلك عزف العرسان الجدد عن القدوم للمكان بسبب جو سوء الطالع السائد فيه. وهكذا تركت أن شويه أر منزل جدتها، وقامت بتعديل منزل صغير مهجور مبنى من الطين وألواح الخشب يطل على نهر جيلوا عند المدخل الشمالى للقرية وحولته لورشة لصناعة الشواهد الحجرية.
رغم أن أن شويه أر صارت بالغة، إلا أن أسرتها كانت تنظر لها كطفلة، ربما بسبب قصر قامتها. لم يكن لديهم مانع أن تعمل، لكن كان لديهم تحفظات على عملها فى نقش شواهد القبور قائلين إن ملازمة فتاة لشواهد القبور طوال اليوم يعادل المكوث أمام بوابة الجحيم، مما يجعل الحياة مليئة بالكآبة والإحباط، لكن أن شويه أر قالت إن نحتها للشواهد كى تعيل نفسها هو أمر جميل ليس به أى محظورات. ولقد أشفق أن بينغ على ابنته، وفكر أن يجلب لها مساعدًا، لكنها رفضت قائلة إن باستطاعتها معالجة الأمر وحدها. أما الجدة فطلبت من الحفيدة أن تقضى نهارها فى الورشة، وتعود لتقضى الليل فى المنزل، وإن لم تفعل فستذهب هى لتبقى معها وترافقها. وهنا ضحكت أن شويه أر وقالت:» لا تقلقى أيتها المطرزة، شويه أر لديها رفقة بالفعل.»
كانت أن شويه أر بالغة الأدب مع الكبار فى عائلتها فكانت تنادى كل منهم باللقب الواجب عليها استخدامه. أما الجدة فكانت تناديها «المطرزة» كما يفعل الجميع، فكانت الجدة دائمًا ما تقول إن حفيدتها تقلل من شأنها جيلًا حين تناديها بهذا اللقب. وحين قالت أن شويه أر إن لديها رفقة بالفعل، جفلت المطرزة، وبادرت بالسؤال على عجل عمن يأتى ليرافقها، فقالت أن شويه أر الليل به قمر ونجوم، ولديهم أرجل طويلة، يمكن أن يقفزوا عبر نافذتها ليستلقوا على الوسادة بجوارها ويصحبوها فى نومها، أما لو صادفت ليلة بلا قمر ولا نجوم، فعلى الأقل سيكون هناك بعض الرياح، وعندما تهب يصدح صوت النوافذ فتتحدث معى. فقالت المطرزة ماذا لو لم يكن هناك رياح؟ فقالت أن شويه أر» قلبى ملىء برياح كثيرة، يمكن أن أبصقها فأحدث نفسى. وهنا لم تجد المطرزة ما تقوله.
وبعد افتتاح الورشة زاد إيمان الناس بأن أن شويه أر قادمة من عالم آخر. فالمدخل الشمالى للقرية يندر فيه وجود البشر، بالإضافة لكونه مجاورًا لنهر جيلوا، لذا فالرياح هناك قوية، والأمطار والثلوج غزيرة. وهناك تكثر أشجار البلوط، تلك الأشجار هى ضيف دائم على غابات الشجيرات القصيرة، وهى سوداء قاسية اللحاء ممتلئة بالتعرجات والخطوط، ورغم أنها لا ترتفع كثيرًا إلا أن فروعها كثيفة، لذا فهى مظلة جيدة تقى من الحر. وعندما تمر الرياح عبر الغابات تصدر أصواتًا حادة، لذا لا يجرؤ الأطفال محدودو الشجاعة على الاقتراب من المدخل الشمالى ليلًا. لكن أن شويه أر سكنت هنا، ولم يؤثر عليها ذلك الجو الغريب، بل ظلت عيناها لامعتين، وصارت بشرتها نضرة أكثر من ذى قبل.
ومع انتشار سمعتها كمبروكة، صارت ورشتها مشهورة، وجاءها تجار الأحجار من محافظة تشانغتشينغ. فبدأت أن شويه أر فى شراء شواهد حجرية مختلفة الألوان باستخدام النقود التى تكسبها، ليختار زبائنها من بينها، كما اشترت أيضًا ماكينة نقش على الحجر، مما وفر عليها الكثير من الجهد، ومن وقتها كبرت تجارتها.
أما نبوءاتها بشأن موعد وفاة الأشخاص فكانت كلها تأتى فجأة بلا ميعاد.
ففى العام الذى افتتحت فيه ورشتها، وذات يوم كانت تنقش فيه شاهد قبر فى الفناء، وحين رأت الشمس ساطعة حملت لحافها المصنوع من الحرير الأخضر ونشرته على شجرة بلوط، وفى المساء حين همت بجمعه اكتشفت أن اللحاف الذى تلقى قبلات من أشعة الشمس يحمل بالإضافة إلى رائحة الشمس الجميلة بعض التجاعيد، ووسط تلك التجاعيد تشكل رمزان هما «جين تشوان»، كأن الشمس جعلت من اللحاف الحرير لوحًا لكتابة الرموز.
وكان هناك بالفعل فى قرية لونغ تشان رجل يدعى جين تشوان، وكان مدير المكتب الحكومى بالقرية، ومشغول طوال اليوم فى أعمال الاستقبال، ومصاحبة الضيوف للأكل والشرب، كان شابًا له بطن بارز ووجه دهنى لامع. ولقد علمت أن شويه أر أن طريق حياته قد وصل لنهايته، فسألت عن سنة ميلاده، وعندما سمع جين تشوان أنها سألت عن سنة ميلاده أصابه الرعب حتى وقف شعر جسده، وعلى الفور تقدم بطلب إجازة مرضية وأغلق عليه بابه وعزف عن الخروج أملًا فى تجنب المصير المحتوم. إلا أنه بعد ثلاثة أيام أصابته نوبة قلبية مفاجئة أودت بحياته، وفى اللحظات التى كان ينازع فيها أنفاسه الأخيرة كانت أن شويه أر قد انتهت من نقش شاهد قبره، ولقد أحاطته بشريط مذهب نظرًا لأنه كان دائمًا ما يرتدى سلسلة ذهبية حول رقبته.
لقد أزاح موت لاو يانغ وجين تشوان الستار عن موهبة أن شويه أر فى التنبؤ بميعاد الموت.







