الخيال الصينى.. ملحق خاص
من «أدب التنين».. صغيرى الحبيب لـ «مو يان»
فى قديم الزمان، كانت عجوز تسكن قرية جبلية صغيرة، وتعيش وحيدة.
وذات يوم، بينما هى فى مطبخها تقطع الخضروات، جرحت إصبعها الوسطى من غير قصد، فنزف دمًا كثيرًا.
مسحت العجوز الدم بحركة عابرة على كتلة صغيرة بالية من مكنسة قشٍّ تآكلت أطرافها، ثم ألقتها بجوار حظيرة الدجاج فى فناء البيت. وبعد عدة أيام، فى ليلة اكتمل فيها القمر، استيقظت العجوز مذعورة على صرخات الدجاج.
عرفت أن ابن عرس يسرق الدجاج، فخطفت من جوار سرير الكانغ، مكنسةً تُستخدم لتنظيفه، وتقدمت إلى الفناء وهى ترتجف. رأت ابن عرس سمينًا يتسلل عبر شقٍّ فى باب الحظيرة، فيما كانت الدجاجات بالداخل تطلق صرخات متتابعة من الفزع.. صوَّبت المكنسة نحوه ورمته بها، وهى تصرخ غاضبة: أيها المتشدِّق الوقح، اغرب عن وجهى!
ولكن، لِمَ سبَّت العجوزُ ابن عرس بهذا الوصف «المتشدِّق الوقح»؟
لأنَّ هذه الزمرة من الحيوانات، طالما عاشت خلف مائدة القرابين فى معبدٍ متهدِّم قريب، فالتقطت كلامَ البشر من أفواه المتشرِّدين الذين يأوون إليه. ولم تكتفِ بإجادة لغة البشر، بل أصبحت ثرثارةً، تميل إلى اللغو والمزاح الثقيل، بارعة فى التكلُّف والتصنُّع، مولعة باستعمال الألفاظ الضخمة وكأنها تخطب فى جمعٍ غفير.

كانت العجوز قد رأت ذات مرَّة، أحد أولئك المتشدِّقين الوقحين يقف على سور بيتها منتصبًا على قائمتيه الخلفيتين كالبشر، وهو يضع إحدى قائمتيه الأماميتين فى خاصرته، ويُلوِّح بالأخرى فى الهواء، وفمه كالبوق الصغير يصيح:
«النهرُ العظيمُ يجرى شرقًا لا يتوقّف،
وأمواجُه تمحو الأبطال..
أحوالُ الدنيا: إذا طال الفراقُ آل إلى اجتماع،
وإذا طال الاجتماعُ آل إلى افتراق..
لكماتٌ عشوائية قد تُسقط الأستاذ الماهر،
وأشدُّ ما يخشاه المحتالُ أهلُ بلدته..
المرءُ بزِيِّه، والفَرسُ بسرجه،
وأسرعُ الجياد يحتاج إلى ثلاث ضرباتٍ بالسوط..
عند لقاء الصديق الأليف، لا تكفى ألفُ كأس،
وإذا لم تتوافق القلوب، فكلمةٌ واحدةٌ كثير..
وهنا… لا بدَّ من التصفيق!».
التقطت العجوز حجرًا ورمته نحوه وهى تسبُّه قائلة: تبًّا لك!
قفز المتشدِّق الوقح من فوق السور هاربًا. ومنذ ذلك اليوم، عقد المتشدِّقون الوقحون عداوة مع العجوز، وصاروا يترددون على بيتها لسرقة الدجاج.
أصابت المكنسة ظهرَ أحدهم، فأخرج رأسه من الحظيرة، واعتدل قائمًا، واضعًا إحدى قائمتيه على خاصرته، ومشيرًا بالأخرى نحو العجوز وهو يصرخ: أيتها العجوز اللعينة! لن أتركك وشأنك! ثم انطلق يعدو واختفى.
التقطت العجوز المكنسة، وبحثت عن حجر آخر سدَّت به شقَّ الحظيرة بإحكام. وفى تلك اللحظة، وتحت ضوء القمر، لمحت شيئًا صغيرًا يقفز عند أسفل الجدار. تقدَّمت خطوةً، وانحنت تتأمله عن كثب، فإذا به تلك الكتلة الصغيرة من المكنسة البالية التى مسحت بها دم إصبعها.
خافت قليلًا فى البداية، لكن سرعان ما رأت كتلة المكنسة تلمع بضوء أزرق خافت، ثم دققت النظر أكثر، فإذا بها على هيئة طفل صغير له ذراعان، وساقان وأنف وعينان. ظل يقفز قفزات منتظمة، ويُصدر صوتًا رقيقًا يشبه غناءً كطنين جناح نحلة.

نسيت العجوز ما سبَّبه لها المتشدِّق من ضجر، ونادت الكتلة الصغيرة بصوت عالٍ: ارفع صوتك بالغناء، ألا تعرف أنَّ سمعى ضعيف؟
رفع الصغير صوته قليلًا، لكنَّ العجوز لم تسمع بوضوح، فقالت: أعلى قليلًا!
عندها سمعته بوضوح. كان واضحًا أنه يبذل أقصى ما يستطيع وهو يصيح:
مرحبًا، أيتها العجوز!
قالت: لا تنادنى بالعجوز. أنا جدتك!
قال: أنتِ لستِ جدتى.
قالت: لقد صرتَ روحًا لأنك تلطخت بدم إصبعى، ولذلك فأنا جدتك.
حسنًا… قالها الصغير، وكأنه غير راضٍ تمامًا، جدتى.
تعيش العجوز وحدها منذ سنين طويلة، ولطالما تمنَّت فى أحلامها أن يرافقها طفل.
حين نطق الكتلة الصغيرة بكلمة «جدتى» ملأ قلبها حلاوة. وضعت العجوز المكنسة التى بيدها تحت إبطها، ثم انحنت ومدَّت يديها قائلةً:
أيها الصغير، اقفز إلى راحتى، دعنى أرى هيئتك الصغيرة.
فقفز إلى راحة يدها، وناداها مرة أخرى بصوت عذب: «جدتى».
أجابته بسرور، وضيقت عينيها، وأخذت تتفحصه، فإذا به أقل من نصف قدم طولًا، له رأس مستدير بحجم حبة الجوز، تعلوه خصلة من شعر منفوش مبعثر، وأذنان كبيرتان بارزتان، وعينان صغيرتان نصف مغمضتين، وأنف فى حجم حبة الفول السودانى، وفم بحجم حبة فاصولياء، وذراعان نحيلتان كبُرعمَى فاصولياء، وساقان قصيرتان دقيقتان كعودى قش رفيعين.
رفعته العجوز بكلتا يديها وقالت فى فرح: يا صغيرى العزيز، الآن صار لى من يؤنس وحدتى.
حملته معها إلى سرير الكانغ، وأحضرت له جوربًا ليكون كيسًا للنوم، وعلبة كبريت ليجعلها وسادة.
قال: أنا أنام فى النهار، وأغنى فى الليل.
قالت العجوز: حسنًا، غنِّ.
أخذ يقفز فوق السرير وهو يغنى:
أنا كتلة المكنسة الصغيرة، أنا كتلة المكنسة الصغيرة
الغناء والرقص يبهجاننى، الغناء والرقص يبهجاننى.
فرحت العجوز فرحًا شديدًا، ودون أن تشعر راحت تردد معه.
ثم قال بشقاوة: يا جدتى، أنا الكتلة الصغيرة، وأنت الكتلة الكبيرة.
ضحكت العجوز حتى دمعت عيناها فرحًا.
فى الليلة التالية ارتفع صياح الدجاج فى الحظيرة مرة أخرى، فراحت العجوز تقرع قضبان النافذة بذراع المكنسة وتصيح بأعلى صوتها، تريد أن تُفزع المتشدِّق الوقح، لكنه لم يلتفت. وازداد عويل الدجاج، كأنَّ أنيابه قد انغرست فى أجنحته.
قال الصغير: جدتى، دعينى أُبعده.
تأملته العجوز وتنهَّدت: يا صغيرى الحبيب، كيف تصارعه بهذا الجسد الصغير؟ سأخرج أنا.
وأخذت المكنسة تريد النزول عن سرير الكانغ، فأنشد الصغير:
سنجة الميزان صغيرة لكنها تميل بالكفة
وحبة الفلفل صغيرة لكنها تحرق الشفة
لا تنظرى إلى صغرى، ففى جسدى حيلة مخفية.
ضحكت العجوز قائلة: يا صغيرى الحبيب، حتى الأناشيد الشعبية تجيدها! حسنًا، لنذهب معًا.
قال: أعطنى إبرةً يا جدتى.
فتشت فى صندوق الخياطة وأخرجت إبرة غليظة تخاط بها النعال، ووضعتها فى يده قائلة: انتبه لنفسك.
أجاب بينما يقلب الإبرة بين أصابعه: اطمئنى.
ثم وثب وثبة واحدة، وانحدر من فوق السرير.
قالت العجوز فى قلق: احذر يا صغيرى، ثم تبعته مسرعة إلى الفناء.
فى تلك الليلة كان ضوء القمر أشد سطوعًا من الليلة السابقة، حتى عيدان العشب بدت واضحة للعين.
أزاح المتشدِّق الوقح الحجر الذى يسد باب الحظيرة وفتح شقًا واسعًا ودسَّ معظم جسده للداخل بينما ظل ذيله الكبير يتأرجح يمينًا ويسارًا.
صاح الصغير: قف أيها المتشدِّق الوقح، لقد جاء سيدك الكتلة!
رأت العجوز الصغير يلوِّح بإبرة فولاذية ويثب والإبرة تلمع فى يده نحو المتشدِّق الوقح.
تراجع المتشدِّق الوقح من الحظيرة واعتدل قائمًا يتفحصه، ثم أطلق ضحكة باردة قائلًا: ظننت أنه جاءنى بطلًا، فإذا به قطعة مكنسة بالية!
ثم رفع ريشة عالقة بمخلبه إلى فمه ونفخ فيها، فطارت فى ضوء القمر متمايلة حتى اختفت، وانحرف المتشدِّق الوقح بجسده قليلًا وجرَّ ذيله خلفه وأخذ يطرق الأرض بإحدى قدميه بإيقاع منتظم وقائمتيه الأماميتين على خصره وهو يطلق صفيرًا بلحن مرح.

أثار غروره غضب الصغير فقفز عاليًا فى الهواء ثم اندفع نحوه صارخًا، لكنَّ المتشدِّق الوقح تنحَّى بخفة، فاندفع الصغير فى الفراغ واصطدم بالحظيرة بقوة جعلته يترنح، ثم وقف يهتز كمن أصابه دوار.
صرخت العجوز مفزوعة: انتبه يا صغيرى!
أمسك المتشدِّق الوقح بالخصلة المنتصبة فوق رأس الصغير، وراح يديره فى الهواء كأنه يرمى قرصًا. دار به دورة، ودورتين، وثلاثًا ونصف دورة، ثم أفلته، فانطلق الصغير فى الفضاء وهو يصرخ. ولولا أنَّ العجوز تلقته بصدرها، لطار أبعد من ذلك بكثير.
دفعتها الصدمة بقوة حتى تراجعت خطوات، ثم وقعت جالسة على الأرض. مدَّت يدها تتحسسه فى قلق وقالت: يا بنى، هل أنت بخير؟
هزَّ الصغير رأسه وقال: بخير، اطمئنى يا جدتى.
انتفض المتشدِّق الوقح واقفًا على ساقيه الخلفيتين وقال فى زهو: أيها الصغير! هل سترضخ أم نعيدها؟
وثب الصغير مقتربًا من المتشدِّق. ولكنه تذكَّر ما حدث قبل قليل، فلم يندفع بتهوُّر كما فعل أول مرَّة، بل دار حوله وهو يقفز. أحيانًا يتخذ هيئة الهجوم ثم يندفع فجأة، فيشد المتشدِّق الوقح جسده استعدادًا للصد، لكنه ما يلبث أن يرتد إلى الخلف. يدور يسارًا ويمينًا، دورة بعد دورة، ويلوِّح بالإبرة الفولاذية اللامعة. يقترب حينًا حتى يكاد يلامس جسده، ثم يتراجع، حتى أربك المتشدِّق الوقح وجعله يدوخ فى مكانه.
قال المتشدِّق الوقح فى غضب: يا صغير، ماذا تفعل؟ لن ألعب معك!
وما إن بدأ يهبط على قوائمه الأربع ليغادر، حتى رأت العجوزُ الصغيرَ يقفز كالبرق على ظهره. لمعت الإبرة فى يده لمعة خاطفة، وإذا بسائل أخضر يندفع من العين اليمنى للمتشدِّق الوقح، وسمعت صراخ ألم شديد.
رأت العجوزُ الصغيرَ يتشابك مع المتشدِّق الوقح ويتدحرجان على الأرض. ضاق صدرها، وضربت بقدميها فى قلق، وهى عاجزة عن المساعدة. وفجأة خرج من مؤخرة المتشدِّق الوقح صوت مكتوم، وتصاعد دخان أصفر.
صاحت العجوز للصغير: انتبه!
لكنَّ الرائحة سبقت صوتها، فامتلأ الهواء بريح نتن خانق. داهمها الدوار، فرفعت طرف ثوبها إلى فمها وأنفها. سقط الصغير على الأرض، واستلقى ممدودًا. أما المتشدِّق الوقح، فانحرف بجسده ومضى مترنحًا. كتمت العجوز أنفاسها، اقتربت، وانحنت، حملت الصغير، ووضعته على حجر الطحن.
ظنَّت العجوز أنَّ الصغير قد مات، فانفجر بكاؤها. كانت تبكى وتُردِّد فى حسرة:
يا صغيرى الحبيب، يا طفلى، لم يمضِ على تعارفنا سوى يومين، ولم أتخيل أن تموت بسبب ريح نتنة من متشدِّق وقح. كل ذلك بسببى، كان ينبغى أن أحذرك.
تحرَّك الصغير ببطء فوق حجر الطحن، ثم اعتدل بصعوبة. تمايلت قدماه وكاد يسقط من الحافة. غطى فمه بيده، وتجشأ عدة مرات، ولوَّح بكفه أمام أنفه ليبدد الهواء، وقال وهو يلهث:
يا إلهى هذه الرائحة نتنة جدًّا!
قالت العجوز: جدتك تعلم أنَّ هؤلاء المتشدِّقين الوقحين يطلقون ريحًا كريهة، لكننى لم أتوقع أن تكون بهذه الشدة.
قال الصغير: لقد فقأتُ إحدى عينيه، وأخشى أن يعود غدًا للانتقام. ماذا نفعل؟
قالت العجوز بحزن: نعم ماذا نفعل؟
فى اليوم التالى، تركت العجوزُ الصغيرَ ينام على سرير الكانغ.
أما هى، فدعمت حظيرة الدجاج بالطوب والحجارة، ثم ذهبت إلى بيت صياد فى القرية المجاورة واستعارت منه مصائد حديدية لاصطياد الحيوانات. بحلول الليل، وبعدما دخلت الدجاجات الحظيرة، نصبت المصائد وثبتتها حولها.
ارتفع القمر فى السماء، وتسرَّب ضوؤه عبر قضبان النافذة، فأضاء الغرفة كلها. وجلست العجوز على سرير الكانغ، وبين حين وآخر تميل برأسها نحو النافذة، تنظر من ثقب فى ورق يغطى النافذة إلى الخارج.
أما الصغير، فحمل الإبرة على كتفه وظل يثب فوق السرير، وهو يردد:
لا أخاف شيئًا، إلا أن يطلق المتشدِّق الوقح ريحه الكريهة.
لا أهاب أحدًا، إلا أن ينفث المتشدِّق الوقح دخانه الأصفر.
قالت العجوز بقلق شديد: نعم ماذا سنفعل؟
فجأة توقف الصغير عن القفز، وأسند الإبرة بيد، وضرب صدره باليد الأخرى وهو يقول: جدتى، خطر لى حل.
قالت بلهفة وقلق: يا صغيرى الحبيب، أسرع، ما الحل؟
قال: يا جدتى، هل تستطيعين أن تجدى قطعًا من قماش الناموسية، تطوينها طبقات، وتخيطين على جانبيها أربطة نعلقها على الأذنين؟ هكذا يغطى القماش الفم والأنف، فلا نخشى دخانهم الأصفر ولا ريحهم الكريهة.
فكرت لحظة، ثم قالت: هذه فكرة جيدة جدًّا! فى الصندوق قطعة قماش بقيت من ناموسية العام الماضى، سأخيطها الآن.
كانت العجوز فى شبابها بارعة فى أعمال الإبرة والخيط، وعلى الرغم من تقدمها فى السن، فإنها لم تفقد مهارتها.
تمدَّد الصغير أمامها، وأسند ذقنه إلى كفيه، يراقب قصها وخياطتها، ويُطلق بين حين وآخر عبارات إعجاب.
صنعت أولًا قناعًا صغيرًا، وألبسته الصغير ليجرِّبه.
قال: الأربطة أطول قليلًا.
عدلتها، وأعاد ارتداءه. فقال فى سرور: الآن صار مناسبًا. لن أخشى دخانهم ولا ريحهم بعد اليوم.
ثم بدأت تخيط لنفسها قناعًا.
ارتفعت جلبة فى الفناء. نظرت العجوز والصغير من ثقب ورق النافذة، فرأيا عشرات من المتشدِّقين الوقحين قد تجمَّعوا بالفناء، يتقدمهم ذاك الذى ظهر فى الليلة الماضية. كان يضع عصابة سوداء على عينه، منتصبًا كإنسان، يلوِّح براية سوداء صغيرة، ويصيح نحو النافذة:
يا قطعة المكنسة البالية، يا عجوز الشؤم، اخرجا! اليوم سيكون القتال بيننا حتى الموت!
كانت العجوز تمرر الإبرة فى القماش بسرعة، وتخيط القناع. وفى الفناء ارتفعت ضوضاء المتشدِّقين الوقحين. لوَّح ذو العصابة السوداء بالراية الصغيرة وهتف: يا أولاد، استعدوا!
اصطفوا فى صف واحد، وردوا بصوت واحد: تم!
قال: إلى حظيرة الدجاج، هجوم!
فصاحوا: هجوم!
انطلقوا يتسابقون نحو الحظيرة، لكن ما إن اقتربوا حتى دوَّت أصوات المصائد الحديدية وهى تنطبق عليهم، وتبعها عويلهم وقد أمسكت بهم المصائد.
أمرهم ذو العصابة السوداء بالانسحاب فورًا. ووقف من بعيد ينظر إلى اثنين من المتشدِّقين الوقحين سحقتهما المصائد، وكان هناك اثنان آخران انطبقت المصائد على أرجلهما، وظلا يصرخان.
اشتد غضبه وصاح: أيتها العجوز الفظة الخبيثة! لن أتركك! إن كان فيك شجاعة فاخرجى! ما لكِ تختبئين فى البيت؟
وأنت يا قطعة المكنسة البالية، طعنت عينى فأعميتها. الليلة نصفِّى كل الحساب، القديم والجديد معًا!
وتحت قيادة الأعور، شنُّوا جميعًا هجومًا قويًّا على النافذة. جمعوا الحصى والتراب بمخالبهم، وقذفوه بقوة على النافذة. كان الورق الذى يغطى النافذة يُضرب فيُصدر صوتًا متتابعًا، واخترقت حصوتان صغيرتان الورق وسقطتا على سرير الكانغ. بل إنَّ أحدهم، وكان أكثرهم جرأة، قفز إلى حافة النافذة من الخارج، وأمسك بقضبانها واعتدل واقفًا.
رأت العجوز والصغير ظِل المتشدِّق الوقح بوضوح. ثم قفز آخر، وأدخل أنفه الحاد من ثقب الورق، كأنه يتشمَّم رائحة. وجَّه الصغير إبرته إلى ذلك الأنف الأسود وطعنه بقوة، فصرخ المتشدِّق الوقح فى الخارج:
يا أمى ما أشد هذا الألم!
ثم سُمع صوت مكتوم، وكأنَّ سائلًا رُمى على ورق النافذة، وبدأت الرائحة الكريهة تتسلل من الثقب. لكن لأنَّ الصغير يرتدى القناع، لم يشم شيئًا. أما العجوز فارتدت القناع الذى انتهت من حياكته لتوِّها.
وسمعا بالخارج القائد الأعور يوبِّخ الصغير الذى طُعن أنفه قائلًا: أيها الأحمق، مَن أمرك أن تطلق الريح؟
قال الصغير باكيًا: لقد طعن أنفى!
قال الأعور بحدة: أكرِّر مرَّة أخرى، الريح سلاح نجاتنا، ولا تُطلَق إلا عند الضرورة القصوى.
قال الصغير: جدتى، لقد فهمت الآن.
قالت العجوز: ماذا فهمت؟
قال: إنهم يحتاجون أيامًا طويلة ليجمعوا ريحًا واحدة، فإذا أطلقوها انتهى ما لديهم.
قالت: الآن لدينا أقنعة، لا نخشاهم.
قال: هل نخرج لنقاتلهم؟
قالت: لا تتعجَّل. دعهم يعبثون قليلًا أولًا، ثم نخرج.
أما المتشدِّقون الوقحون، فحاولوا استدراج العجوز والكتلة الصغير إلى خارج البيت. مرَّة يصطفون فى صفوف ويشتمون بأقذر الألفاظ، ومرَّة أخرى يتعاونون على حمل عصا خشبية، وبتوجيه قائدهم يندفعون بها نحو جرَّة الماء الكبيرة الموضوعة تحت شجرة الكمثرى.
كانوا يتراجعون عشر خطوات، ثم يندفعون بقوة، ثم يتراجعون، ثم يندفعون من جديد، والعصا تصطدم بجدار الجرَّة فتُصدر صوتًا مجلجلًا. وأخيرًا انكسرت الجرَّة تحت ضرباتهم، فانفجر منها سيل مندفع، وارتفعت صيحات المتشدِّقين الوقحين الصغار من شدة الحماس. جرف التيار أحدهم فأوقعه أرضًا، ودفعه مسافة بعيدة قبل أن ينهض. كان جسده مبتلًا، وقد التصق شعر ذيله بعظمه، فصار ذيله كحيَّة ميتة.
قالت العجوز بألم: هذه الجرَّة استعملتها خمسين عامًا، وها هى اليوم تتحطم على يد هؤلاء المتشدِّقين الوقحين.
قال الصغير: جدتى، لنندفع إلى الخارج ونثأر للجرَّة!
قالت: تمالك غضبك، أريد أن أرى ماذا سيفعلون بعد ذلك.
جفَّت مياه الجرَّة، وابتلَّ نصف الفناء. بدا المكان لامعًا تحت ضوء القمر.
تجمَّع المتشدِّقون الوقحون حول حجر الطحن، وقائدهم الأعور يرفع مقصًّا صدئًا، ألقاه فى ثقب حجر الطحن وهو يقول: يا أولاد، لقد حطمنا جرَّتها، ولن يبقى لها ماء، والآن نحطم حجر الطحين، ولن يبقى لها دقيق. دعوها تموت عطشًا وجوعًا!
صرخوا جميعًا: لتمُت عطشًا! لتمُت جوعًا!
ثم صاح: يا أولاد.. هجوم!
قفزوا واحدًا بعد آخر إلى اللوح الدائرى أسفل حجر الطحن. بعضهم يدفع عصا الطحن، وبعضهم يدفع الحجر نفسه. دار حجر الطحن. لم يدُر فقط، بل أخذ يسرع شيئًا فشيئًا. جلس الزعيم الأعور عند فتحة الحجر، وضغط بقوة بالمقص المكسور إلى الداخل. ارتفع من جوف الحجر صوت حاد مزعج، ومعه تناثرت شرارات لامعة تطايرت من الفتحة.
فى الحقيقة، لم يكن المتشدِّقون الوقحون الصغار سوى حيوانات تحب اللعب والعبث، أشبه بأطفال مشاكسين. وحين رأوا الشرارات تتطاير من حجر الطحن، تعالت صيحاتهم من شدة الحماس. ولكى تتناثر شرارات أكثر، بذلوا كل قوتهم. دار حجر الطحن بسرعة هائلة، وانفجرت الشرارات دفعة بعد دفعة، حتى خفت ضوء القمر أمام بريقها.
وأخيرًا تعبوا جميعًا، فصاروا يتمايلون، يئنُّون ويضحكون، هذا يدفع ذاك، وذاك يلكز هذا، حتى تدحرجوا فى كتلة واحدة، وكأنهم نسوا سبب مجيئهم.
قالت العجوز: يا صغيرى الحبيب، حان الوقت، يجب أن نخرج.
قبضت على المكنسة، وأمسك الصغير إبرته، وتقدَّما بهدوء إلى الباب.
رفعت المزلاج برفق، ثم فتحت الباب دفعة واحدة. اندفع ضوء القمر إلى الداخل كالماء. خرجا إلى الفناء، واتجها نحو حجر الطحن.
أسقطت العجوز اثنين كانا ممدَّدين فوق الرحى. أما الصغير، فدخل فى قتال منفرد مع القائد الأعور.
وبفضل القناع، لم يعُد يخاف الريح الكريهة، فأخذ يلوِّح بالإبرة كأنها عجلة تلمع، لا ينفذ خلالها شىء.
ولأنَّ الأعور فقد عينًا، كان مجال رؤيته محدودًا، وعلى الرغم من أنه أكبر حجمًا بكثير، فإنه بدا واضحًا أنه يتراجع أمامه.
تلقى الأعور طعنة أخرى فى أذنه من إبرة الصغير. صرخ، ورفع مؤخرته ليُطلق ريحًا، لكنَّ صوتًا مهيبًا جاء من فوق سور البيت: اثبت مكانك، اكتمها!
رفع الجميع رءوسهم نحو أعلى السور. هناك وقف متشدِّقان وقحان صغيران، أحدهما يرفع فأسًا، والآخر يمسك حربة ذات نصل عريض، يحرسـان متشدِّقًا وقحًا ضخمًا يلف جسده برداء أحمر. جسده ضعف حجم جسد الأعور، وشعره بدا فخمًا، يلمع ببريق ذهبى. ارتمى المتشدِّقون الوقحون جميعًا على الأرض، وهتفوا بصوت واحد: عاش الملك! عاش الملك!
هزَّ الملك عباءته إلى الخلف، فتلقَّاها الحارس من ورائه بمهارة. ثم قفز من فوق السور، وقال بحدة:
أيتها العجوز الخبيثة، نصبتِ المصائد فى الخفاء وأصبتِ أبنائى، فما عقابك؟
ابتسمت العجوز بسخرية وقالت: حتى لو وضع المتشدِّق الوقح تاجًا ذهبيًّا على رأسه، سيظل ابن عرس!
نظر الملك بتعالٍ إلى الكتلة الصغير وقال:
أيها الكتلة البالية، لقد جرحت رجالى، فما عقابك؟
رفع الملك يده، فأعطاه أحد أتباعه الحربة ذات النصل العريض. لوَّح الملك بالحربة، وبدا واضحًا أنه يجيد استعمالها. وثب الصغير نحوه، غير أنَّ الحربة كانت تدفعه فى كل مرَّة إلى الجانب، وكاد أن يُصاب بها أكثر من مرَّة.
خافت العجوز أن يُصاب الصغير، فاندفعت نحوه وهى تلوِّح بالمكنسة، لكنَّ قدمها انزلقت فى الطين، فسقطت. سمعت صوت عظمها، فعرفت أنها أصيبت. ومع ذلك، صوَّبت المكنسة نحو الملك ورمتها عليه.
حرَّك الملك رمحه برفق، فسقطت المكنسة على الأرض. ثم ركلها نحو أتباعه، فانقضُّوا عليها، يعضُّونها ويخدشونها بمخالبهم، حتى مزَّقوها تمامًا وصارت خيوطًا متفرقة.
أمسك الملك بالحربة واندفع بها، يقود المتشدِّقين الوقحين، خطوة بعد خطوة، نحو العجوز الجالسة على الأرض. اندفع الكتلة الصغير نحوه دون اهتمام بشىء، فاصطدم ببطنه، وغرز إبرته فى بطن الملك بسرعة.
أطلق الملك صرخة غريبة، وألقى رمحه، ثم أمسك الصغير بمخلبَيه، وعضَّ رأسه بقوة.
صرخت العجوز صرخة حزن حادة، وأُغمى عليها.
فى صباح اليوم التالى، ومع شروق الشمس، أفاقت العجوز.
نظرت إلى الفناء بعينين يملؤهما الحزن والغضب: جرَّة الماء محطمة، حجر الطحن مقلوب، حظيرة الدجاج مهدَّمة، الدجاج مقتول، والصغير الحبيب والمكنسة كالأشلاء. زحفت على الأرض، وجمعت شظايا الكتلة الصغير والمكنسة، وضمَّتها فى طرف ثوبها.
بلغت الجدار، وأسندت يدها إليه ونهضت، ثم عادت متكئة على الجدار حتى دخلت البيت وصعدت إلى سرير الكانغ. فرزت القطع المبعثرة، ثم وخزت إصبعها الوسطى من يدها اليسرى، وتركت قطرات الدم تسقط فوقها. أخرجت من صندوق الخياطة خيوطًا حمراء وزرقاء وصفراء، وربطت بها الكتلة الصغير وكتلة المكنسة.
ثم وخزت إصبعها الوسطى من يدها اليمنى، وتركت قطرات الدم تنزل عليهما مرَّة أخرى.
أحسَّت بتعب شديد. وضعت الصغيرين على صدرها، وضمَّتهما إليها، وغلبها النوم.
وفى نومها، أو كأنها تراهما بعينيها، عادا إلى الحياة. كانا فى راحتيها، يقفزان ويغنيان:
أنا الكتلة الصغيرة
وأنا كتلة المكنسة
نغنى، ونرقص
نغنى، ونرقص
ما أسعد حياتنا.

الكاتب: مو يان
كاتب صينى معاصر بارز، يشغل حاليًا منصب أستاذ فى جامعة بكين للمعلمين، ومدير المركز الدولى للكتابة بالجامعة. منح فى عام ٢٠١٢ جائزة نوبل فى الأدب؛ ليصبح أول كاتب صينى يفوز بالجائزة.
كان صدور روايته «الذرة الرفيعة الحمراء» عام ١٩٨٧ نقطة تحول مهمة فى مسيرته؛ إذ جعلته اسمًا معروفًا على مستوى الصين. ولا تقتصر أعماله على الرواية فحسب، بل تمتد إلى المسرح أيضًا، ومن أبرز أعماله الروائية: «أغانى الثوم» ١٩٨٨، و«جمهورية الخمر» ١٩٩٣، و«صدور ممتلئة وأرداف عريضة» ١٩٩٥، و«عقوبة خشب الصندل» ٢٠٠١، و«إحدى وأربعون طلقة» ٢٠٠٣، و«لعبة الحياة والموت» ٢٠٠٦، و«الضفدع» ٢٠٠٩، و«إنسان متأخر النضج» ٢٠٢٠. ومن أعماله المسرحية: «وداعًا يا محظيتى» ١٩٩٦ و«جينغ كه الخاص بنا» ٢٠١٠.
ترجمت أعماله، إلى جانب صدورها باللغة الصينية، إلى أكثر من خمسين لغة، ونشرت فى أكثر من مائتى طبعة. حصل على جوائز عدة؛ من بينها وسام الفنون والآداب الفرنسى بدرجة فارس، وجائزة نونينو الإيطالية، وجائزة فوكوكا للثقافة الآسيوية فى اليابان، وجائزة نيومان للأدب الصينى فى الولايات المتحدة، وجائزة ماودون الأدبية الصينية، وجائزة مانهاى الأدبية فى كوريا، ووسام الشرف الوطنى الجزائرى. وهو عضو شرف فى كلية ريجنت بارك بجامعة أكسفورد، وعضو مراسل فى أكاديمية بافاريا للفنون فى ألمانيا، وعضو شرف فى رابطة اللغة الحديثة فى الولايات المتحدة، كما منُح درجات دكتوراه فخرية من عدة جامعات؛ منها الجامعة المفتوحة فى هونغ كونغ، وجامعة فوغوانغ فى تايوان، وجامعة إيكس مرسيليا فى فرنسا، وجامعة صوفيا فى بلغاريا، وجامعة مدينة نيويورك، والجامعة الصينية فى هونغ كونغ، وجامعة ماكاو، وجامعة هونغ كونغ المعمدانية، والجامعة الكاثوليكية فى بيرو، وجامعة دييغو بورتاليس فى تشيلى، وجامعة هونغ كونغ، وغيرها من الجامعات.







