الخميس 22 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

أبو التاريخ.. تلاميذ أحمد زكريا الشلق: العقل الأخير من جيل العمالقة

حرف

- نموذج نادر جمع بين هيبة العالم وتواضع العارف

- فى طلّته وعبارته وحجته أصداء من هيكل وطه حسين ولطفى السيد

- أعاد إلى كل تلاميذه تقاليد «الأستاذية» فى سيرتها الأولى

- سيرته صفحة مضيئة فى تاريخ العلم والإنسان

- شارك فى مؤسسات علمية وثقافية وتولى مسئوليات تحريرية وبحثية

- أشرف على العشرات من الرسائل العلمية بمختلف الجامعات

- عظمته كانت أيضًا فى تواضعه الجم وسعة صدره وحرصه الصادق على تلاميذه

- كتبه وتلاميذه أوفى الشواهد على أثره

لم يكن الدكتور أحمد زكريا الشلق مجرد أستاذ للتاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس، أو باحث أمضى عقودًا فى قراءة الوثائق وتحليل الوقائع واستنطاق الماضى؛ بل كان واحدًا من أولئك الذين اتخذوا من التاريخ مدخلًا لفهم المجتمع المصرى وتحولاته السياسية والفكرية، ومن البحث الأكاديمى وسيلة لطرح أسئلة النهضة والحداثة والحرية والإصلاح.

برحيله، مساء الأربعاء الماضى، عن عمر ناهز 78 عامًا، تُطوى صفحة من صفحات الحياة الأكاديمية والثقافية المصرية، لكنها تترك وراءها إرثًا علميًا يتجاوز حدود المؤلفات والدراسات إلى ما زرعه الراحل فى تلاميذه، وما تركه من أثر فى زملائه وأصدقائه، وما أسهم به فى قراءة تاريخ مصر الحديث والمعاصر، بكل ما شهده من تحولات وصراعات ومشروعات للتغيير.

من قريته كفر الحما بمحافظة الغربية، إلى مدرجات جامعة عين شمس، ومنها إلى مواقع أكاديمية وثقافية متعددة، امتدت رحلة زكريا الشلق عبر مسار طويل جمع بين التدريس والبحث والعمل المؤسسى. 

انشغل بتاريخ الحركة الوطنية المصرية، وتحولات الأحزاب السياسية، وعلاقة الفكر بالسلطة، كما أولى اهتمامًا خاصًا برواد الإصلاح والتنوير، وفى مقدمتهم محمد عبده وأحمد لطفى السيد، وما طرحته تجربتهما من أسئلة حول التعليم والحرية وبناء الدولة الحديثة.

ولم تتوقف إسهاماته عند حدود الجامعة؛ فقد شارك فى مؤسسات علمية وثقافية، وتولى مسئوليات تحريرية وبحثية، وانتُخب عضوًا بمجمع اللغة العربية، إلى جانب عضويته بالمجمع العلمى المصرى، ليجمع بين المؤرخ المتخصص والمثقف المنخرط فى الحياة العامة.

فى هذا الملف، تفتح «حرف» دفاتر الذاكرة، وتجمع شهادات عدد من أساتذة التاريخ والكتاب والمثقفين من أبناء الراحل وتلاميذه وأصدقائه وزملائه؛ لاستعادة جوانب من شخصيته ومسيرته العلمية والإنسانية، للإجابة عن سؤال يتجاوز سيرة فرد إلى قيمة المعرفة نفسها: ماذا يبقى من المؤرخ بعد رحيله؟

جمال شقرة: «قدوة مستحيلة» وأكبر داعم للشباب

جمال شقرة
جمال شقرة

هو أحد أبرز أساتذة جيل الوسط، الذى اقترب علميًا وإنسانيًا من جيل المؤسسين الكبار، أمثال أحمد عزت عبدالكريم، وأحمد عبدالرحيم مصطفى، وعبدالعزيز سليمان نوار، وجمال زكريا قاسم، وزينب عصمت راشد، وعبدالخالق لاشين.

وعندما التحقت بالدراسات العليا بكلية الآداب جامعة عين شمس، لفت زكريا الشلق الأنظار بتميزه العلمى ومداخلاته العميقة فى السيمنار، حتى بدا كأنه ينتمى إلى جيل العمالقة. وكان حريصًا على مساندة الباحثين الشباب، يقترب منهم ويعرض المساعدة، جامعًا بين الأناقة والتواضع والتعاون، بعيدًا عن الصراعات والمنافسات.

وامتلك الراحل لغة عربية رشيقة، وكتب التاريخ بأسلوب سلس، وحاور مادته العلمية بهدوء وعقلانية. وحين وصفته بأنه «قدوة مستحيلة»، رد بابتسامته المعهودة: «أنا مجرد باحث مجتهد يا جمال».

لكن هذا الباحث المجتهد ترك مكتبة تاريخية ثرية، بدأت برسالتيه عن حزب الأمة وحزب الأحرار الدستوريين، وامتدت إلى مؤلفات بارزة، منها «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، و«الحداثة والإمبريالية»، و«من النهضة إلى الاستنارة فى تاريخ الفكر المصرى»، و«عقل مستنير تحت العمامة»، إلى جانب عشرات الدراسات والمقالات.

وامتد عطاؤه إلى مؤسسات ثقافية وعلمية عديدة، بينها دار الكتب والوثائق القومية، والهيئة المصرية العامة للكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة، ومجمع اللغة العربية. ونال تقديرًا مستحقًا، من أبرز مظاهره جائزتا الدولة للتفوق والتقديرية فى العلوم الاجتماعية.

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر 

أحمد الشربينى: عاشق بلا حدود للعطاء العلمى

أحمد الشربيني
أحمد الشربيني

بدأت علاقتى بالدكتور أحمد زكريا مع مطلع ثمانينيات القرن الماضى بعد أن عينت معيدًا بكلية الآداب-جامعة القاهرة، من خلال سيمنار التاريخ الحديث بكلية الآداب جامعة عين شمس، الذى قدمنى من خلاله أستاذى أ. د رءوف عباس لرموزه ورواده ومن بينهم د. أحمد زكريا، الذى كان عندئذ مدرسًا.

ومنذ ذلك الحين لم ينقطع تواصلى معه، خاصة بعد أن رشحه أستاذى رءوف عباس للتدريس بفرع جامعة القاهرة بمدينة الخرطوم بجمهورية السودان، وفى هذه الفترة تابعت مساعى أستاذى د. رءوف عباس لإقناعه بالانتقال إلى قسم التاريخ بجامعة القاهرة.

ثم زاملت د. أحمد زكريا بمجلس إدارة الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، التى أعطاها الكثير من وقته لسنوات طوال، وحاولت الجمعية رد جزء من جميله عليها بترشيحه المستحق لجائزة النيل فى العلوم الاجتماعية، كذلك زاملت د. أحمد زكريا المشاركة فى عدة مؤتمرات علمية داخل مصر وخارجها، كما عملت تحت رئاسته بأكثر من لجنة علمية بدار الكتب والوثائق القومية المصرية. كما كان لى شرف مشاركته الإشراف على عدة رسائل علمية بجامعة عين شمس ومعهد الدراسات العربية بالقاهرة، وكذلك مناقشة عشرات الرسائل العلمية بهما وبجامعة القاهرة. 

ووجدت فى د. أحمد طوال عملى معه عشقه للعطاء العلمى بلا حدود لتلاميذه وزملائه ولمؤسسات مصر التى عمل بها تدريسًا وبحثًا وتوجيهًا، وكان التزامه وتواضعه ودماثة خلقه، وعشقه للبحث العلمى وراء إفادة قطاع كبير من الباحثين من فيض علمه. رحم الله أ.د أحمد زكريا الشلق وجزاه عن علمه وإنسانيته وعطائه لتلاميذه خير الجزاء. 

العميد السابق لكلية الآداب جامعة القاهرة

على متولى:  عاملنا معاملة الوالد لولده

على متولى
على متولى

شخصية يشهد لها الجميع بحسن الخلق وتواضعه الجم، ولغته العذبة، وعلمه الغزير، فكانت حياته حافلة بالبحث والتأليف، وترك للمكتبة المصرية والعربية مجموعة من المؤلفات العلمية الرصينة أبرزها على سبيل المثال لا الحصر «حزب الأمة ودوره فى السياسة المصرية»، و«حزب الأحرار الدستوريين ١٩٢٢-١٩٥٣»، بالإضافة إلى إصدارات عدَّة فى تاريخ الفكر المصرى الحديث، إلى جانب تحريره لعدد من السلاسل التاريخية المهمة أبرزها: سلسلة «مصر النهضة» الصادرة عن مركز تاريخ مصر المعاصر، دار الكتب والوثائق القومية، وسلسلة «تاريخ المصريين» الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب.

على المستوى الشخصى، حظيت بشرف العمل معه عن قرب أثناء عملى كباحث بمركز تاريخ مصر المعاصر خلال الفترة «٢٠٠٨-٢٠٢٠»، حيث كان الراحل يرأس اللجنة العلمية لمركز تاريخ مصر المعاصر، فكان يعاملنا ليس معاملة الأستاذ والتلميذ، بل معاملة الوالد لولده، ويحق الحق بأدب جم لا يجرح أحدًا. لذا عندما علمت أن المؤرخ القدير الراحل أحد أعضاء لجنة التحاقى بالسلك الأكاديمى، أطمأننت لنزاهته التى يشهد بها الجميع.

كما كان من أوائل المهنئين لى فى كل خطوة أنجزتها فى حياتى العلمية، وآخرها عندما كُلفت بتولى وكالة كلية الآداب جامعة السويس منذ أقل من شهر تقريبًا، فكانت رسالته لى: «ألف مبروك لابننا العزيز دكتور على ويارب مزيدًا من التوفيق والرفعة».

أستاذ التاريخ الحديث 

مروة الشريف: قارئ نهم مشغول بالمعرفة

كانت علاقتى بالدكتور أحمد زكريا الشلق، تتجاوز حدود العمل والزمالة إلى مودة صادقة، كان يعاملنى فيها بمحبة الأب واهتمامه، وينادينى دائمًا «ابنتى الغالية»، ولا يبخل عليّ بنصيحة أو دعاء، كما كان حريصًا على الدعاء لوالدى الذى جمعته به علاقة علمية أعتز بها.

عرفته شديد الإخلاص لعمله، حريصًا على حضور لجان النشر بدار الكتب والوثائق القومية التى يرأسها، حتى حين كان المرض يثقل عليه. وكان يقول إذا اضطر إلى الاعتذار: «ينفع نأجل لبكرة، لحد ما أسترد بعض صحتى؟ أنا عاوز أحضر»، فى كلمات تكشف عن مدى ارتباطه بعمله وحرصه على أداء مسئوليته.

وفى آخر لجنة نشر، عقدت فى الأول من أكتوبر الجارى، تابع بنفسه تحديد موعد الاجتماع، لكننا حين اتصلنا به لم نتلقَّ ردًا، ثم علمنا أنه بالمستشفى، ولم نكن نتصور أن يغيب عنا إلى الأبد.

ومن آخر عطاياه العلمية تقديمه لكتاب «الإدارة فى مصر فى العصر العثمانى»، الذى نعدّه للطبع ضمن سلسلة «نوادر المطبوعات». وظل حتى أيامه الأخيرة قارئًا نهمًا، مشغولًا بالمعرفة، وطلب نسخة من كتاب «كريت تحت الحكم المصرى «١٨٣٠–١٨٤٠» ليكتب عنه مقالًا علميًا.

كما وعدنى بإعداد قائمة بكتب مهمة فى التاريخ لاختيار ما يستحق النشر خلال العام الجديد؛ وعدٌ بقى فى ذاكرتى شاهدًا على عالم لم يتوقف عن التفكير فى مشروعاته العلمية.

مدير النشر العام بدار الكتب 

حاتم رضوان:  فند أكذوبة «التنوير المصرى مصدره الحملة الفرنسية»

حاتم رضوان
حاتم رضوان

قدم الدكتور أحمد زكريا الشلق، فى كتابه «من النهضة إلى الاستنارة»، قراءة توثيقية وتحليلية عميقة لتاريخ الفكر المصرى الحديث على مدار قرنين، مستندًا إلى الوثائق والأوراق الخاصة والمطبوعات الأولى، للكشف عن جذور النهضة والحداثة فى مصر.

تتبع زكريا الشلق إسهامات نخبة من رواد الفكر والإصلاح، بدءًا من الشيخ حسن العطار، بوصفه مبشرًا بالتفكير الحر، ورفاعة الطهطاوى، ودوره فى الترجمة والانفتاح على الحضارة الغربية وترسيخ مفهومى الوطن والمواطنة، مرورًا بحسين المرصفى والإمام محمد عبده، وجهودهما فى تطوير الوعى الفكرى والإصلاح، وصولًا إلى قاسم أمين وأحمد لطفى السيد وأحمد فتحى زغلول، وإسهاماتهم فى تحديث المجتمع وترسيخ الفكر الليبرالى ونقل المعارف الحديثة.

ويفند الكتاب التصور القائل إن التنوير المصرى كان مجرد صدى للحملة الفرنسية، مؤكدًا عمق جذوره وامتداد إرهاصاته عبر مسيرة طويلة من الاجتهاد الفكرى والتفاعل الحضارى. ويمثل العمل إضافة مهمة لفهم تطور الثقافة المصرية وتشكّل عقلها الجمعى، كما يبرز أن أسئلة التنوير والحداثة والإصلاح التى تشغلنا اليوم تمتد جذورها إلى نقاشات رواد النهضة الأوائل.

طبيب وروائى وقاص

 

عبدالحميد شلبى: شخصية استثنائية جمعت بين العلم والإنسانية

عبد الحميد شلبى
عبد الحميد شلبى

حينما نتحدث عن الصديق العزيز الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق، فنحن نتحدث عن عالِم جليل وإنسان نبيل، وحينما يجتمع العلم مع الإنسانية، نكون أمام شخصية استثنائية.

على الجانب العلمى، كان له مشروعه الوطنى الذى ما انفك يصول ويجول فى ميادينه، فهو عاشق لتاريخ مصر والوطن العربى، وصاحب مشروع فكرى وثقافى، اهتم فيه بالإنتاج العلمى لكبار المفكرين والأدباء والمثقفين، وعلى رأسهم عميد الأدب العربى طه حسين.

هو العالِم الموسوعى، وأحد أبناء جيل كبار المؤرخين والمثقفين. وعلى الرغم من ثقافته الواسعة وعلمه الغزير، لم يستنكف أن يستفسر عن معلومة فى موضوع ما من بعض تلامذته وأصدقائه.

قبل شهرين، كان يُحكِّم بحثًا لإحدى المجلات العلمية، ورأى أن البحث لا يرقى إلى مستوى النشر. وقبل أن يقول كلمته الأخيرة، ولعلمه بأن موضوع البحث الذى يحكِّمه يدخل ضمن اهتماماتى البحثية، اتصل بى ليأخذ رأيى فيه، حتى يطمئن قلبه إلى النتيجة، دون أن يُطلعنى على رأيه. قلت له إنه لا يصلح للنشر، فقال: «هذا هو رأيى». ومن شدة حرصه على الأمانة العلمية، قال إنه سيرد مكافأة التحكيم، فقلت له: «لا تفعل، فهذا حقك، فقد قمت بعمل تستحق عليه أجرًا، بغض النظر عن إجازة البحث من عدمها».

أما الدكتور أحمد زكريا الإنسان، فحدِّث ولا حرج! ويكفى أنه إذا ذُكر اسمه فى مجلس، أثنى الجميع عليه خيرًا، فقد أجمع المؤرخون، على اختلاف اتجاهاتهم ومدارسهم، على تقدير علمه وخلقه الرفيع. كان مترفعًا عن سفاسف الأمور، ولم أسمعه قط، على كثرة لقاءاتنا، يذكر أحدًا بسوء. وإذا أراد أحدهم أن يستدرجه إلى حديث عن شخص ما، كان يبتسم ابتسامته المعهودة التى لا تفارقه، دون أن ينبس ببنت شفة.

كان جابرًا للخواطر، لا يرد لأحد طلبًا ولا رجاءً. أتذكر يوم مناقشة ابنتى رسالة الماجستير بقسم الاجتماع فى كلية الآداب، وكنت قد دعوته لحضور المناقشة، وكان مشغولًا باجتماع فى مجمع اللغة العربية، لكنه أبى إلا أن يحضر جانبًا من المناقشة ليشد من أزرها، ثم استأذن للحاق بمهمته العلمية.

كان محبًّا لأصدقائه وزملائه وطلابه جميعًا. أتذكر أنه حين نشرت خبر وفاة الصديق معالى الوزير صابر عرب، فى ديسمبر ٢٠٢٥، اتصل بى على الفور، وأخذ يبكى قائلًا: «كنت أظنه هو الذى سيرثنى بعد وفاتى، ولكننى أنا الذى سأتحمل هذا العبء». وحين عقدنا، فى معرض الكتاب المنصرم، جلسة لتأبين الدكتور صابر عرب، لم يتمالك نفسه وهو يتحدث عنه. وها هو ذا، لم يمضِ عام حتى لحق برفيقه الذى أحبه.

يطول الحديث عن العالِم والإنسان أحمد زكريا الشلق، الذى ستظل ذكراه باقية بما قدَّمه فى خدمة تاريخ بلده وأمته. رحم الله العالِم الجليل، وجزاه خير الجزاء على ما قدَّم، ونفع بعلمه إلى يوم الدين.

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة الأزهر

أبو الحسن الجمال: مكتشف وثائق حزب «الأمة»

عرفت الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق من خلال كتبه، وكانت البداية بكتابيه عن «حزب الأمة» و«حزب الأحرار الدستوريين»، وهما رسالتاه للماجستير والدكتوراه.

ينتمى زكريا الشلق إلى مدرسة جامعة عين شمس العريقة فى التاريخ الحديث والمعاصر، التى أنجبت أعلامًا كبارًا، من بينهم أحمد عزت عبدالكريم، وأحمد عبدالرحيم مصطفى، وعبدالعزيز سليمان نوار، ويونان لبيب رزق، وجاد طه، وجمال زكريا قاسم. وقد نهل من هذه المدرسة، فجاء إنتاجه العلمى رصينًا، وأسهم فى سد ثغرات بالمكتبة العربية.

وتواصلت قراءاتى لأعماله، ومنها «الحزب الديمقراطى المصرى»، و«ثورة يوليو والحياة الحزبية»، و«طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، و«الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسى وإشكالية نهضة مصر»، فضلًا عن مقدماته لعدد من الكتب التراثية التى أعاد نشرها، مثل «حوليات مصر السياسية» لأحمد شفيق باشا، و«الأيام الحمراء»، مذكرات الشيخ عبدالوهاب النجار عن ثورة ١٩١٩، وأوراق طه حسين ومراسلاته.

واقتربت منه عبر الاتصالات واللقاءات، فوجدته عالمًا كريمًا يشجع الباحثين ويساعدهم على تجاوز العقبات. والتقيته فى هيئة الكتاب والجمعية التاريخية وكلية الآداب بجامعة المنيا، وكان آخر لقاء بيننا فى احتفالية مئوية «روز اليوسف» بدار الكتب المصرية، حيث تحدث عن الصحافة بوصفها مصدرًا للتاريخ المعاصر، وكشف عن جهده فى العثور على وثائق حزب الأمة، التى نسخها بخط يده بعدما عثر عليها فى جريدة «الجريدة» لصاحبها أحمد لطفى السيد.

كاتب ومؤرخ مصرى

مصطفى غنايم: يتابع بنفسه التحرير والإخراج حتى الطباعة

مصطفى غنايم
مصطفى غنايم

لم يكن رحيل الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق مجرد فقدان لمؤرخ بارز، بل خسارة لعالم ومثقف جمع بين الثراء الفكرى والعمل الثقافى الدءوب، والتواضع الإنسانى وحنو الآباء. فقد امتلك قدرة نادرة على المزج بين عمق المؤرخ وسلاسة الأديب وتأملات الفيلسوف، دون أن يفصل بين ما يكتبه وما يمارسه فى حياته.

تشرفت بالعمل معه فى لجان النشر بوزارة الثقافة، واللجنة العليا لمعرض القاهرة الدولى للكتاب، ومجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب. وتوطدت علاقتى به عام ٢٠١٤، حين كلفنى الدكتور أحمد مجاهد، رئيس الهيئة آنذاك، بالعمل مديرًا لتحرير سلسلة «تراث النهضة»، تحت رئاسة زكريا الشلق لتحريرها.

تعلمت منه كيف نستخرج من التراث العربى كنوزه الفكرية، ونعيد تقديمها للأجيال الجديدة بما يسهم فى بناء نهضة ثقافية وحضارية. وقد قدمت السلسلة أعمالًا مهمة، منها «تاريخ الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده» لمحمد رشيد رضا، و«عجائب الآثار» للجبرتى، و«رسالة الكلم الثمان» للشيخ حسين المرصفى، و«مستقبل الثقافة فى مصر» لطه حسين، إلى جانب «حوليات مصر السياسية» لأحمد شفيق باشا فى عشرة أجزاء. لم يقتصر عطاؤه على اختيار الكتب وإعدادها، بل كان يتابع المقدمات والتحرير والإخراج الفنى والطباعة، مؤمنًا بأن الكتاب الجيد يستحق أقصى درجات العناية. ومنه تعلمت الجدية والانضباط والتواضع، كما وجدت فيه الأستاذ الذى يشجع تلاميذه، ويتابع إبداعاتهم، ويدعم مشروعاتهم العلمية.

ناقد أدبى

صبرى العدل: أستاذ جليل وباحث مخلص وفارس نبيل

صبري العدل
صبري العدل

لم تكن علاقتى بالأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق مجرد علاقة علمية ‏جمعت بين أستاذ وتلميذه، بل كانت علاقة إنسانية وثيقة تداخل فيها العلم مع الصداقة، وامتزج التوجيه ‏الأبوى بالمودة الصادقة، فظل بالنسبة إلى أستاذًا أعتز به، وأخًا وصديقًا ألجأ إليه طلبًا للنصح والمشورة.

بدأت رحلتى العلمية معه بمناقشته رسالتى للماجستير والدكتوراه، ثم امتدت إلى ميادين البحث ‏والعمل المشترك بدار الوثائق القومية والجامعة. وكان لى شرف المشاركة معه فى إعداد كتاب من جزءين ‏يضم أوراق طه حسين ومراسلاته، بإشرافه وإشراف الدكتور محمد صابر عرب. كما جمعتنا جهود علمية فى ‏إعادة نشر كتاب نعوم شقير عن تاريخ سيناء.

لم تكن هذه الأعمال مجرد محطات فى مسيرتى الأكاديمية، بل كانت فرصًا ثمينة للتعلم من ‏عالِم امتلك المعرفة، وآمن بقيمة البحث، وأخلص لخدمة التاريخ والثقافة. كما أتاحت لى هذه التجارب ‏المشتركة أن أتعرف عن قرب إلى جانب أصيل من شخصية الدكتور أحمد زكريا، فقد رأيته إنسانًا كريمًا ‏بعلمه ووقته، لا يبخل بالنصيحة، ولا يتردد فى تقديم التوجيه، ويمنح من حوله خبرته بسخاء وإخلاص. كان بالنسبة لى نعم الأب والأخ والصديق، أجد لديه دائمًا الكلمة الطيبة، والرأى السديد، والمساندة ‏الصادقة.‏

اليوم، وأنا أستعيد هذه الذكريات، أشعر بأن الحديث عنه ليس مجرد استرجاع لمحطات من ‏مسيرتى العلمية، بل شهادة وفاء لرجل ترك أثرًا عميقًا فى نفسى، وفى نفوس كل من عرفوه وتتلمذوا ‏على يديه وعملوا معه. فبعض الأساتذة لا تنتهى صلتنا بهم بانتهاء مرحلة دراسية أو مشروع بحثى، بل ‏يظل أثرهم ممتدًا فى حياتنا، حاضرًا فى أفكارنا وذكرياتنا، وفى كل ما تعلمناه منهم من علم وخلق ‏وإنسانية.‏

رحم الله أستاذى الدكتور أحمد زكريا الشلق، وجزاه عن تلاميذه ومحبيه خير الجزاء، وجعل ما قدمه ‏من علم وجهد فى ميزان حسناته. سيبقى فى الذاكرة أستاذًا جليلًا، وباحثًا مخلصًا، وفارسًا نبيلًا، وستظل ‏ذكراه مقرونة بالعلم والوفاء والمحبة الصادقة.‏

أستاذ مساعد التاريخ الحديث بجامعة مصر الدولية

إيهاب الملاح:  عميد المدرسة المصرية فى الكتابة التاريخية

أستاذ جليل، ومؤرخ وطنى من طراز فريد ونبيل، ومثقف واسع الاطلاع، أديب بالفطرة، رفيع المقام والإنسانية وعميد المدرسة المصرية الوطنية فى الكتابة التاريخية الحديثة والمعاصرة.

منذ كنت طالبًا بالجامعة أدرس اللغة والأدب والنقد، قبل ما يزيد على ربع القرن، كنتُ أتابع كتابات الدكتور أحمد زكريا الشلق التاريخية، وأعماله الرائعة بكثيرٍ من الشغف والفضول.

وكنتُ وما زلتُ شديدَ الإعجاب والتقدير لكل ما خطّ ويخطّ بيمينه من كتبٍ ومؤلفات، أو بحوثٍ ودراسات، يقدِّم بها لكتبٍ أو لطبعاتٍ جديدة من كتبٍ ذات قيمة خاصة أو مراجعات لترجمات أو مساهمات فى ندوات ومؤتمرات تاريخية.. إلخ. 

وأدركت أننى فى حضرة مؤرخ كبير وأكاديمى رصين وأديب بالفطرة، وكذلك أدركت قيمة ومرجعية كتاباته التى تغطى تاريخ مصر الحديثة والمعاصرة منذ مطالع القرن التاسع عشر وحتى نهاية القرن العشرين، وفى القلب منها كتاباته الممتازة عن التاريخ الثقافى والفكرى لمصر طوال هذين القرنين.

كل ذلك فضلًا على أدواره التنويرية المهمة من خلال عضويته، أو رئاسته للجان التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافى، أو المركز القومى للترجمة أو مكتبة الأسرة؛ أو رئاسته أو إدارته لتحرير سلاسل تاريخية ممتازة لعبت دورًا تنويريًا غير مسبوق؛ مثل سلسلة «مصر النهضة»، وسلسلة «الثورة والحرية» عن دار الكتب والوثائق القومية المصرية، أو سلسلة «تراث النهضة» عن الهيئة العامة للكتاب، أو «ذاكرة الكتابة» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

المشرف على النشر بدار المعارف

عبدالعزيز رمضان: أستاذ رأى التدريس رسالة لبناء العقل

عبد العزيز رمضان
عبد العزيز رمضان

تتصل مسيرة الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق العلمية بمدرسة عين شمس فى الدراسات التاريخية، التى أرسى دعائمها الأستاذ الدكتور أحمد عزت عبدالكريم، أحد رواد دراسة التاريخ الحديث مؤسس مدرسته بجامعة عين شمس. 

مثّل «الشلق» امتدادًا لجيل ذهبى من أساتذة التاريخ فى الجامعة، ضم أعلامًا بارزين، مثل الدكتورة زينب عصمت راشد، والدكتور عبدالحميد البطريق، والدكتور عبدالعزيز نوار. كما عاصر وصادق جيلًا من الرواد اللاحقين، منهم الدكتور رأفت عبدالحميد، والدكتور أبواليسر فرح، والدكتور محمد عبدالوهاب، والدكتور عبدالخالق لاشين.

وفى قاعات المحاضرات، تجلت ملامح الأستاذ الذى يرى فى التدريس رسالة تتجاوز نقل المعرفة إلى بناء العقل وتحرير الفكر. فقد درس لأجيال من طلاب قسم التاريخ مقررات متعددة، كان من بينها «التاريخ الاقتصادى» الذى درسه لكاتب هذه السطور وقتما كان أحد طلاب الفرقة الرابعة عام ١٩٩٤. كان يقدس موعد المحاضرة، ويقف طوال ساعتين كاملتين، محولًا الدرس إلى حوار علمى حى، يحترم فيه آراء طلابه ويشجعهم على المشاركة، غارسًا فيهم أن العلم لا ينمو بالتلقين، وإنما بالنقاش وحرية التفكير. ولم تكن مكانته العلمية لتنفصل عن رقيه الإنسانى، فقد تجلت كفاءته فى العمل الجامعى خلال رئاسته قسم «التاريخ» ووكالته للكلية لشئون خدمة المجتمع والبيئة.

كان مكتبه مفتوحًا للجميع، عنوانًا لدماثة الخلق وحسن الاستماع، ونموذجًا للمسئول الذى يجمع بين الكفاءة الإدارية والتواضع الإنسانى. عالم فذ وإنسان راقٍ، هادئ الطبع، رفيع الخلق، لم يُعرف عنه انفعال قط. وفى شخصيته تجسدت أخلاقيات النبلاء والفرسان.

رحم الله عالمًا لم تكن عظمته فيما أنجزه من علم فحسب، بل فيما جسده من قيم، وما تركه فى طلابه وزملائه من أثر طيب. فبعض الرجال يرحلون، لكن سيرتهم تظل صفحات مضيئة فى تاريخ العلم والإنسان، وشواهد حية على أن أرفع ما يتركه المرء، بعد رحيله، هو علم ينتفع به، وخلق كريم، وذكرى لا تطويها الأيام.

أستاذ التاريخ بجامعتىّ عين شمس والملك خالد

أحمد جلال بسيونى:  حريص على اكتشاف المواهب الشابة

رحل تاركا إرثًا علميًا عظيمًا من المؤلفات الرصينة والإسهامات المتنوعة فى مجال التاريخ وأصول البحث العلمى. فقد تجاوز دور المؤرخ المنظّر إلى المشاركة الفاعلة فى مجالات البحث والنشر والتحقيق، مسترشدًا بالجدية والمنهجية والأمانة العلمية، ومؤمنًا بأهمية نشر العلم النافع ومساندة الباحثين الجادين.

وقد أُعرت قبل عشر سنوات إلى قسم العلوم الإنسانية بكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر، وهو القسم نفسه الذى عمل به الراحل خلال تسعينيات القرن الماضى. وخلال السنوات الخمس التى قضيتها هناك، لمست أثره الطيب ومكانته المرموقة، إذ ظل كثيرون من العاملين بالجامعة يتذكرون مواقفه وإسهاماته باعتزاز، تقديرًا لما قدمه من جهد وإخلاص فى دعم العمل الأكاديمى.

وفى مصر، كان زكريا الشلق حاضرًا بفاعلية فى المؤتمرات والندوات والمحاضرات، وتولى مهام متعددة فى النشر العلمى وتحكيم الأبحاث والكتب ومراجعة المخطوطات.

ولم يكن يؤدى هذه المسئوليات باعتبارها واجبًا وظيفيًا فحسب، بل بشغف وإخلاص، حريصًا على اكتشاف المواهب الشابة وتشجيع أصحاب الأعمال الجادة، والتواصل معهم لتهنئتهم ودعمهم.

أستاذ التاريخ الحديث

أحمد محروس: منهجه يتلخص فى عبارته «الوثيقة مقدسة لكن الرأى حر»

لا تكمن أهمية المؤرخ الراحل أحمد زكريا الشلق فى إنتاجه العلمى فحسب، بل تمتد إلى إسهامه فى توضيح تطور الكتابة التاريخية فى مصر، وهو ما تناوله فى كتابه «نهضة الكتابة التاريخية فى مصر.. من الحوليات إلى التاريخ العلمى»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام ٢٠٢٣.

قسّم زكريا الشلق تطور الكتابة التاريخية إلى ثلاث مراحل؛ بدأت بمرحلة الحوليات، التى اعتمدت على تسجيل الأحداث سنةً بعد أخرى، ومن أبرز ممثليها عبدالرحمن الجبرتى. ثم جاءت مرحلة القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، التى استعان خلالها بعض المؤرخين، مثل على باشا مبارك وأمين باشا سامى، بالوثائق التى أتاحتها لهم وظائفهم، دون إخضاعها للتحليل والتفسير المنهجيين.

أما المرحلة الثالثة، فهى مرحلة البحث الأكاديمى التاريخى، التى ارتبطت بنشأة الجامعة المصرية وعودة البعثات العلمية من أوروبا، حيث أصبح البحث التاريخى قائمًا على جمع الوثائق ونقدها وتحليلها وتفسيرها، واستخلاص النتائج فى ضوء المنهج العلمى. وانعكس هذا المنهج على مؤلفات زكريا الشلق المتنوعة، التى تناولت التاريخ السياسى والاجتماعى المصرى، وتطور الأحزاب والحياة السياسية، وقضايا النهضة والحداثة، والعلاقة بين الفكر والسياسة. ومن أبرز كتبه «طه حسين: جدل الفكر والسياسة»، و«تطور مصر الحديثة: فصول فى التاريخ السياسى والاجتماعى»، و«الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسى وإشكالية نهضة مصر»، و«حزب الأحرار الدستوريين ١٩٢٢–١٩٥٣».

كما امتدت إسهاماته إلى تحقيق المصادر التاريخية والمذكرات والمراسلات، والمشاركة فى تحرير سلاسل علمية متخصصة، فضلًا عن أدواره فى المؤسسات الأكاديمية والثقافية، ومنها مجمع اللغة العربية والمجلس الأعلى للثقافة.

وتظل عبارته المأثورة «الوثيقة مقدسة ولكن الرأى حر» خلاصةً لمنهجه؛ فالوثيقة أساس البحث التاريخى، لكن تحليلها وتفسيرها ونقدها تظل مجالات مفتوحة للنقاش العلمى الموضوعى. وهكذا ترك إرثًا علميًا يؤكد أن كتابة التاريخ ليست مجرد سرد للأحداث، بل بحث منهجى يسعى إلى فهمها وتفسيرها.

ناقد وأديب 

محمد نصر:  حركة علمية تمشى على الأرض

ليس سهلًا أن تكتب عن أستاذ كان قدوة، لأن الكلمات حينها تصبح أصغر من قامته، وأضيق من أثره. فقدنا أستاذنا الغالى، لكننا لم نفقد ما غرسه فينا. فقد كان- رحمه الله- نموذجًا نادرًا يجمع بين علوّ العلم وخفض الجناح، بين هيبة العالم وتواضع العارف.

ما رأيته يومًا يترفع بعلمه على أحد. كان يجلس مع طلابه كأحدهم، يستمع للطالب الصغير، كما يستمع للزميل الكبير، يبتسم للجميع، ويفتح بابه ومكتبه وقلبه للجميع. 

كان تواضعه ليس تصنعًا، بل خُلق أصيل. يعتذر إذا أخطأ، ويشكر إذا تعلم، ويقول «لا أعلم» بكل ثقة، وهى الكلمة التى لا يقولها إلا الكبار. كنا نتعلم منه كيف نكون بشرًا قبل أن نتعلم كيف نكون باحثين.

كان منضبطًا فى مواعيده، صادقًا فى وعده، نزيهًا فى قلمه، لا يغتاب أحدًا، ولا يبخس أحدًا حقه. إذا اختلفنا معه فى رأى علمى، ناقشنا بالحجة والابتسامة، لا بالحدة والتعالى. كان يربى بسلوكه قبل كلامه، ولهذا أحبه الجميع، طلابًا وزملاءً وعاملين. لم يكن أستاذًا يلقى محاضرته وينصرف. كان حركة علمية تمشى على الأرض. فى قاعات الدرس، وفى لجان المناقشة، وفى المؤتمرات، وفى المكتبات، وفى منتديات الثقافة، تجده أول الحاضرين وآخر المغادرين. يقرأ كل جديد، ويناقش كل فكرة، ويشجع كل باحث ناشئ، ويفرح بنجاح طلابه كأنه نجاحه هو.

كان يؤمن بأن رسالة الأستاذ ليست وظيفة، بل رسالة عمر. اليوم نودعه جسدًا، لكن سيرته ستبقى منهجًا لنا. سيبقى فى كل بحث أشرف عليه، وفى كل طالب أخذ بيده، وفى كل مجلس علم كان يضيئه بابتسامته وفكره.

القائم بأعمال رئيس قسم التاريخ بكلية آداب عين شمس

محمد غزيل:  من أعلام المدرسة التاريخية المصرية

يُعَدُّ الأستاذ الدكتور أحمد زكريا الشلق أحد أبرز أعلام المدرسة التاريخية المصرية، الذين تركوا بصمات واضحة فى الحياة الأكاديمية والثقافية فى مصر، وهو ما تشهد عليه إسهاماته العلمية الرصينة والمتنوعة.

اتخذ إنتاجه العلمى أشكالًا متعددة، شملت تأليف عدد من الدراسات فى مجال التاريخ السياسى، اتسمت بالجِدّة والوضوح المنهجى والدقة العلمية، وأسهمت فى إثراء حقل الدراسات التاريخية، وأفادت أجيالًا من الباحثين. كما امتدت إسهاماته إلى تحقيق المصادر التاريخية وتحريرها، فضلًا عن الاشتغال بكتب التراث التاريخى، بما أضاف إلى رصيد المكتبة المصرية والعربية من الأعمال العلمية المتميزة.

وتقديرًا لإسهاماته العلمية المتميزة ومكانته الأكاديمية الرفيعة، حظى الدكتور «الشلق» بعدد من الجوائز والتكريمات المرموقة، كان من أبرزها جائزة الدولة للتفوق فى العلوم الاجتماعية عام ٢٠٠٥، وجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية عام ٢٠١٠. قوبل خبر رحيل هذا العالم الجليل بحالة من الحزن العميق، لما كان يحظى به من مكانة رفيعة فى نفوس تلاميذه ومريديه، وفى أوساط الباحثين والمثقفين ممن تأثروا بمنهجه العلمى واستفادوا من إسهاماته الفكرية.

تجلّت مظاهر هذا الحزن فى مختلف منصات التواصل الاجتماعى، التى شهدت سيلًا من كلمات النعى والتأبين التى عبّر من خلالها الأساتذة والباحثون والطلاب والمثقفون، إلى جانب المؤسسات العلمية والثقافية، عن بالغ أسفهم لرحيله، مستذكرين إسهاماته العلمية ومآثره الأكاديمية والإنسانية.

تكشف هذه المكانة التى احتلها الراحل فى نفوس محبيه وتلاميذه عن حقيقة جوهرية، مفادها أن القيمة الحقيقية للعلماء لا تُقاس بالمناصب التى يتولونها وحدها، وإنما بما يخلّفونه من علم نافع.

مدرس التاريخ بكلية الآداب جامعة القاهرة

سحر حسن: ممن يبقون فى القلب قبل الذاكرة

سحر حسن
سحر حسن

ليس كل من نلتقيهم فى دروب الحياة يتركون أثرًا عابرًا، فثمة أشخاص يمنحوننا من العلم ما ينير عقولنا، ومن الإنسانية ما يضىء أرواحنا، ويصبح حضورهم فى حياتنا أكبر من أن تختصره الألقاب أو تحيط به الكلمات. والدكتور أحمد زكريا الشلق، المؤرخ الجليل والأستاذ القدير، واحدًا من هؤلاء الذين جمعوا بين عظمة العلم ونبل الإنسان.

لم يكن بالنسبة إلىّ مجرد أستاذ أتعلم على يديه، بل كان أبًا أجد فى حضوره الطمأنينة، وفى كلماته التشجيع، وفى مواقفه الداعمة سندًا حقيقيًا. لقد أدركت معه أن الأستاذية ليست مكانة علمية فحسب، وإنما مسئولية إنسانية، وأن الأستاذ العظيم هو من يفتح لتلاميذه أبواب المعرفة، ويمنحهم الثقة فى أنفسهم، ويقف إلى جوارهم حين يحتاجون إلى كلمة تنصفهم أو يد تمتد لتساندهم.

كان الدكتور أحمد زكريا الشلق يتعامل مع من حوله بروح الأب، لا يضيق بتلميذ، ولا يبخل بنصيحة، ولا يجعل من مكانته العلمية حاجزًا بينه وبين الآخرين. كان يرى فيمن يتعامل معهم أبناءً وبناتًا، يستحقون الرعاية والتشجيع، ويمنحهم من اهتمامه ما يجعلهم يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم فى رحلة العلم والعمل.

أما أنا، فقد كان لمواقفه الداعمة أثر لا تمحوه الأيام، مواقف لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل رسائل ثقة تركت فى نفسى تقديرًا عميقًا وامتنانًا صادقًا.

قيمة المؤرخ لا تكمن فقط فيما يكتبه عن الماضى، بل فيما يتركه من أثر فى الحاضر، وفى الأجيال التى تتلمذ على علمه وخلقه. وسيظل الدكتور أحمد زكريا الشلق فى ذاكرتى أكثر من مؤرخ وأستاذ، سيظل نموذجًا للأبوة النبيلة، والعطاء الصادق، والإنسان الذى يترك فى حياة الآخرين أثرًا لا يبهت مهما ابتعدت السنوات.

بعض الأساتذة نقرأ كتبهم، وبعضهم نقرأ فى مواقفهم معنى الحياة، وهو من أولئك الذين سيبقون فى القلب قبل الذاكرة.

باحثة بمركز تاريخ مصر المعاصر

أحمد الجعلى:  علمه مصدر إلهام وأخلاقه قدوة

تظل هناك شخصيات علمية وإنسانية تترك فى حياة تلاميذها أثرًا لا تمحوه الأيام، ويأتى الدكتور أحمد زكريا الشلق فى مقدمة هذه الشخصيات التى أكنّ لها بالغ التقدير وعظيم الامتنان.

تشرفت بأن يكون أستاذى الجليل مشرفًا على رسالتى للماجستير وأطروحتى للدكتوراه، فكان لى نعم الأستاذ والموجّه، بما قدمه لى من علم غزير، وتوجيه سديد، ودعم صادق، ومساندة مخلصة كان لها بالغ الأثر فى مسيرتى العلمية، وفى بلوغى هاتين الدرجتين العلميتين.

لم تكن عظمة هذا الرجل فى مكانته العلمية الرفيعة وكفاءته البحثية المتميزة فحسب، وإنما تجلت أيضًا فى تواضعه الجم، وسعة صدره، وحرصه الصادق على تلاميذه، وإيمانه برسالة الأستاذ الجامعى فى بناء العقول وصناعة الباحثين. لقد جمع بين عمق العالم وأصالة الباحث ونبل الإنسان، فكان علمه مصدر إلهام، وأخلاقه قدوة، وتوجيهاته علامة فارقة فى رحلتى الأكاديمية. وإنى أدرك أن فضل الأستاذ لا يُقاس بما يمنحه من معرفة لتلاميذه فحسب، بل بما يغرسه فيهم من قيم علمية وإنسانية نبيلة.

أستاذى الجليل، ستظل مواقفكم وأفضالكم حاضرة فى وجدانى، وسيبقى لكم فى نفسى مقام الأستاذ الذى لا يُنسى فضله، ولا ينقطع الوفاء له. 

طارق سليم:  امتلك ذاكرة مؤرخ وقلب أستاذ

كان أ. د. أحمد زكريا الشلق، أستاذًا فريدًا فى علمه وخلقه، مؤرخًا قديرًا، يمتلك رؤية ثاقبة ونظرة فاحصة قادرة على سبر أغوار الحوادث التاريخية وفهمها فهمًا دقيقًا عميقًا، قادرًا على فلسفة أحداث التاريخ على نحو لا يستطيعه كثير من كُتّاب التاريخ، وكان، رحمه الله، غزير الإنتاج، متنوع المجالات التى يعالجها بالبحث والدرس، متواضعًا مع الجميع، يتعامل مع تلاميذه- وأتشرف أن أكون واحدًا منهم- بأدب جم وكأنهم زملاؤه. 

لقيته لأول مرة فى عام ٢٠١٠م، حينها كنت قد فرغت من بحث حول المؤرخ البريطانى «هربرت فشر» ومعالجته لأحداث الحملة الفرنسية على مصر، وذهبت بالبحث إلى أستاذنا العظيم الراحل د. عادل حسن غنيم فى الجمعية التاريخية؛ حيث كان رئيسًا لها حينذاك- لكى يُحَكِّمه ويراجعه، فاعتذر د. عادل؛ لظروفه الصحية وانشغاله، ولكنه قال لى: اذهب به إلى د. أحمد زكريا وقل له أرسلنى إليك د. عادل، وسوف يقوم بمراجعته لك؛ فذهبت إليه فى مكتبه فى قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة عين شمس؛ فهش لى وبش، ورحب بى وأحسن استقبالى، وأزال عن نفسى بعض ما كان يساورنى من قلق، ووعدنى بأنه سيراجعه فى أقرب وقت، وبعد حينٍ تواصلت معه؛ فأخبرنى بأنه انتهى من مراجعة بحثى؛ فذهبت للقائه؛ وأعطانيه، وأمدنى بنصائح علمية غالية أفادتنى كثيرًا فى صقل البحث والارتقاء به إلى مستوى أفضل.

وحين قرأت ملاحظاته سعدت بها كثيرًا جدًا؛ حيث وجدته- رحمه الله- قد دقق فى كل كلمة بدليل ما خطه بيده مبديًا ملاحظاته على أشياء كثيرة تارة فى المتن، وأخرى فى الهامش، وثالثة فى المراجع! وكلها ملاحظات قيمة وفى الصميم، تشهد بإخلاصه فى العمل وصدقه فى النصح والإرشاد والتوجيه، كما تشهد له بالعلم الغزير والفهم الدقيق. وكان آخر لقاء جمعنى به فى مؤتمر اتحاد المؤرخين العرب فى القاهرة «نوفمبر ٢٠٢٥م»؛ فلقينى- رحمه الله- مرحبًا، وقال لى: أرسل كتابك عن «نفيسة المرادية» لكى ننشره لك فى الهيئة «العامة للكتاب»، فسرنى كثيرًا بذلك، فعلى الرغم من انشغاله وظروفه الصحية، إلا أنه لا يتوانى عن خدمة تلاميذه ومتابعتهم ودعمهم دون تردد أو إبطاء، وتشاء الأقدار أن أنشغل قبل أن أرسله له؛ فيلقى ربه قبل حدوث ما كنت أرجو وهو كتابته تقديمًا لكتابى؛ ففاتنى شرف عظيم؛ فالحمد لله على كل حال. رحم الله أستاذنا الجليل وأسكنه فسيح جناته.

أستاذ مساعد التاريخ بآداب المنوفية 

شريف إمام: قادم من زمن المثقفين الكبار

منذ قرابة ٢٠ عامًا، أطلّ علينا فى «قاعة ٢٢٠» أستاذٌ ببدلته الزيتية، بدا لى كأنه قادم من زمن مثقفى مصر الكبار فى أوائل القرن الـ٢٠. فى طلّته شىءٌ من الدكتور محمد حسين هيكل، وفى عبارته أصداءٌ من طه حسين، وفى حجته منطق لطفى السيد. كأنما اقتطع قرنًا من تاريخ الجامعة، وأعاد إلينا تقاليد الأستاذية فى سيرتها الأولى. كان ذلك أستاذى، الدكتور أحمد زكريا الشلق.

وفى السنة التمهيدية للماجستير، كانت محاضراته الأكثر دفئًا، عندما يتجاوز حدود المنهج ليحكى شيئًا من لقاءاته بأعلام الأدب والتاريخ، أو يستعيد مواقف من رحلته العلمية، فنشعر أننا أمام ذاكرة حية لزمن ثقافى عريق.

حظيت بشرف إشرافه على رسالتىّ الماجستير والدكتوراه، إلى جانب العالم الجليل عبدالخالق لاشين. وهناك لمست مقدار حرصه على تلميذه، فقد جعل من مكتبه مرفأً نأوى إليه، وننهل من علمه وخبرته، وكان كلما صدر كتاب من إحدى السلاسل العلمية التى أشرف عليها، جعل لى منه نصيبًا.

كان ممن أَلَانَ اللهُ لَهُ القُلُوبَ، فما اقترب منه أحد إلا وجد ما يدعوه إلى محبته. وكان إذا أقبل عليه إنسان، أقبل عليه بوجهه وحديثه كله، حتى ليظن جليسه أنه أحب الناس إليه.

كان أvvستاذى صادقًا فى رسالته، وفيًّا لعلمه، مخلصًا للتاريخ الذى أفنى عمره فى خدمته. ولم يسلك بابًا من أبواب المعرفة التاريخية إلا كان علمًا فيه. فمن تاريخ الأحزاب المصرية، إلى كتاباته المتصلة عن الحياة الفكرية، وتتبع تطور الكتابة التاريخية، وصولًا إلى دراساته فى تاريخ العرب والخليج، ظل باحثًا موسوعيًا تتعدد مجالات اهتمامه، ويجمع بينها عمق المعرفة ودقة البحث وشغف المؤرخ.

رحل الأستاذ، وبقيت كتبه وتلاميذه أوفى الشواهد على أثره. أما أنا، فسيظل حاضرًا فى ذاكرتى ذلك الصباح البعيد، حين أطلّ علينا فى «قاعة ٢٢٠» ببدلته الزيتية، أستاذًا لم ينتهِ حضوره برحيله، ولن تنطفئ ذكراه فى قلوب من عرفوه وتعلّموا منه.

أستاذ التاريخ بآداب عين شمس