الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الرواية للشاعر أحمد منصور

قطار فوق السحاب.. فصل من رواية «من أجل عينيكِ عشقت الهوى»

حرف

- دخل القطار فى كتلة كثيفة من السحاب وصار كل شىء حوله أبيض للحظة فلم يرَ سوى انعكاس وجهه فى الزجاج

- المعرفة عندما توضع فى امتحان حقيقى تبدو أضعف بكثير من الخيال

- هبط الاسم على قلبه بهدوء غريب كأنه اسم كان يعرفه منذ زمن ثم نسيه

لم أكن أعرف أننى، حين أبحث عن باب الخروج، سأجدها.

أردت أن ألحق بالقطار وأعود إلى حياتى كما تركتها، لكنّ بابًا واحدًا ألقى بى فى مدينة تشبه القاهرة ولا تعرف زمنى، هناك رأيتها.. ومنذ تلك اللحظة صار لدىّ ما أخشى فقدانه أكثر من طريق العودة.

كانت فى عينيها أسئلة تخفيها، وفى صوتها جرأة تجعلنى أنسى غربتى، كلما اقتربت منها شعرت بأن خلف صمتها كلامًا يخصنى، وأن يدها لو امتدت إلىّ ستأخذنى إلى مكان لا أجرؤ على دخوله وحدى.

فى القصر عيون تراقب، وأبواب ينبغى أن تظل مغلقة، اسمها يكفى ليبدّل الوجوه، ولحظة أسرقها معها قادرة على إشعال ما لا نستطيع إخماده.

وحين كشفت الكتب ما تخفيه، أدركت أن وصولى لم يكن عابرًا، وأن هناك من ينتظر خطوتى التالية.

كيف أعدها بالبقاء وأنا لا أعرف متى ينتزعنى زمنها؟ وكيف ألمس يدها دون أن أفكر فى لحظة قد أُجبر فيها على إفلاتها؟

سمعت صفارة القطار من جديد، الصوت الذى انتظرته طويلًا، فلماذا تمنيت ألّا تسمعه؟ كانت عيناها تنتظران إجابتى، وكان علىّ أن أعرف أىّ حياة أستطيع احتمالها دونها.

كان الفجر قد ولد على استحياء، كطفلٍ فتح عينيه أول مرة على الدنيا فخاف من صمتها.

كانت محطة القطار شبه خالية، إلا من بعض العمال النائمين على مقاعد خشبية قديمة، ورجل يبيع الشاى فى أكواب ورقية، وقططٍ تتهادى بين القضبان كأنها أصحاب المكان الحقيقيون.

كانت مصابيح المحطة الصفراء تلمع وترتعش فوق الرصيف، بينما يتسلل الهواء البارد من كل ناحية، حاملًا رائحة الحديد والرطوبة وقهوة بعيدة.

عند آخر مقعد قريب من اللوحة الإلكترونية، وقف شاب أنيق، طويل القامة، هادئ الملامح، يرتدى معطفًا رماديًا خفيفًا فوق قميص أبيض، وفى يده كتاب قديم بغلاف بنى، تآكلت أطرافه من كثرة القراءة.. كان اسمه أحمد.

لم يكن أحمد من النوع الذى يستعجل الأشياء، حتى وهو ينتظر القطار، كان واقفًا كأن الزمن توقف معه، كانت عيناه ثابتتين على السطور، وأصابعه تقلب الصفحات برفق، كأنه يخشى أن يوقظ الكلمات من نومها، لم يكن يقرأ لمجرد قتل الوقت، بل كأنه يبحث عن شىءٍ بين السطور.. شىء لا يفهمه هو نفسه.

فجأة، خرجت من سماعات المحطة القديمة خشخشة خفيفة، ثم انساب بعدها صوت موسيقى مألوفة، دافئة، عتيقة، صوت يجعل حتى الجدران تنصت.

كانت أغنية أم كلثوم «أنت عمرى».

رفع أحمد عينيه عن الكتاب ببطء.

كان فى اللحن شىء جذب روحه من بين الصفحات.. أغلق الكتاب، ووضع إصبعًا مكان الصفحة حتى لا تضيع، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة؛ ابتسامة من تذكر شيئًا لم يعشه، أو حن إلى زمن لم يكن موجودًا فيه.

بدأ يدندن مع الموسيقى بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا، سار على الرصيف بهدوء، والكتاب فى يده، بينما تملأ السماعات المحطة بصوت الست، كأن الفجر كله افترش مقامًا موسيقيًا واحدًا.

خطوة وراء خطوة، أخذ يبتعد عن مكان الانتظار، كانت عيناه تنتقلان بين لافتات المحطة القديمة، والسلالم، والنوافذ المغلقة، والضباب الخفيف الواقف عند نهاية الرصيف، إلى أن رآه.

باب صغير فى آخر الرصيف، يكاد يكون مستحيلًا أن يُرى إلا لمن اقترب منه، كان الباب من خشب داكن، بالغ القدم، كأنه لا ينتمى إلى المحطة ولا إلى هذا الزمن كله، وفوقه مصباح صغير مطفأ، وعلى الباب لافتة نحاسية محفور عليها كلمة واحدة: «مكتبة».

توقف أحمد أمامه.

ضحك فى سره، ثم قال بصوت منخفض

«مكتبة؟ فى محطة قطر؟».

نظر خلفه، كان الرصيف خاليًا، لا يزال موعد القطار بعيدًا، والموسيقى ما زالت تعمل، كأنها تشجعه على الدخول.

وضع يده على المقبض، كان باردًا بصورة غريبة؛ برودة لا تشبه برودة المعدن، بل برودة الحجر فى مقبرة قديمة، ومع ذلك، كان فضوله أقوى.

فتح الباب ودخل.

ما إن عبر العتبة حتى اختفى صوت المحطة.

لا أغنية، لا سماعات، لا صفارات قطارات، ولا خطوات عمال.

فقط هدوء.

هدوء واسع، عميق، كأن المكان لم يدخله صوت منذ سنوات.

كانت المكتبة أوسع بكثير مما يوحى به الباب، رفوف طويلة تمتد من الأرض إلى السقف، وكتب بكل الألوان والأحجام، وسلالم خشبية متحركة، وغبار خفيف فوق الطاولات، ونوافذ عالية يدخل منها ضوء أزرق ناعم، رغم أن أحمد كان متأكدًا أن الخارج لا يزال فى الفجر.

سار بين الرفوف مبهورًا.

كان على كل رف لافتة صغيرة مكتوبة بخط جميل

تاريخ الملوك

رسائل لم تصل

قصص لم تكتمل

أحلام ضائعة

مدن لم تولد بعد

حب عبر الأزمنة

توقف أحمد عند الرف الأخير.

«حب عبر الأزمنة؟».

سحب كتابًا من الرف، كان غلافه أخضر داكنًا، وعليه زخرفة ذهبية على هيئة بوابة، فتحه، فوجد فى الصفحة الأولى عبارة مكتوبة بخط واضح «أحيانًا لا يختار الإنسان الرحلة.. بل تختاره الرحلة، لأنها تأخرت كثيرًا فى الوصول إليه».

ابتسم أحمد.

«كلام كبير على الصبح».

جلس على كرسى قريب، وبدأ يقلب الكتب، كتاب عن مدينة القاهرة قبل الزحام، وآخر عن نساء حكمن من الظل، وثالث عن قطارات لم تكن تسير على القضبان، وكتاب صغير بعنوان «حين تقع الأميرة فى حب الغريب».

ما إن لمح العنوان حتى ضحك.

«واضح إن المكتبة دى بتحب الدراما».

لكنه لم يكن يعرف أنه هو نفسه على وشك الدخول فى دراما من النوع الذى لا يصدقه عقل.

مر الوقت دون أن يشعر، دقيقة صارت عشرًا، وعشر دقائق صارت أكثر، حتى قطع الصمت صوت بعيد، كأنه قادم من عالم آخر.

صفارة قطار.

انتفض أحمد.

«القطر!».

أغلق الكتاب بسرعة ووضعه مكانه، لكنه عندما نظر حوله وجد الرفوف كلها متشابهة، اختفى الممر الذى دخل منه بين عشرات الممرات، بدأ يمشى بسرعة، ثم ركض.

«أنا دخلت منين؟ الباب كان هنا.. لأ، هنا؟».

كانت الأبواب كلها متشابهة. وكل رف بدا كأنه يتحرك عندما يشيح عنه بنظره.

تكررت الصفارة، أقرب وأعلى.

لمح أحمد بابًا أمامه فى نهاية ممر ضيق، كان له اللون نفسه، والخشب الداكن نفسه، ركض نحوه، فتحه بعجلة، وخرج.

لكنه لم ينتبه إلى اللافتة الصغيرة المثبتة بجانب الباب.

كان مكتوبًا عليها

«بوابة لزمانٍ آخر».

خرج أحمد راكضًا.

وجد نفسه من جديد على الرصيف، كان القطار واقفًا، وأبوابه تغلق.. من غير تفكير، ركض وصعد إلى آخر عربة قبل أن ينغلق الباب بثانية واحدة.

وقف يلهث، مستندًا إلى الباب.

«الحمد لله.. لحقت».

بدأ القطار يتحرك.

عدل أحمد نظارته، ومسح بخار أنفاسه عن العدسة، ثم نظر من النافذة.

فى البداية ظن أن الضباب يغطى القضبان، لكن بعد ثوانٍ، توقف قلبه.

لم تكن هناك قضبان.

ولا أرض.

كان القطار يسير فوق السحاب.

تحتهم بحر أبيض واسع من الغيوم، وفوقهم سماء مفتوحة بلون الفجر، كانت الشمس تخرج من بعيد، والقطار يشق السحاب كأنه مركب فى بحر سماوى.

تراجع أحمد خطوة إلى الخلف.

«إيه ده؟».

نظر داخل العربة، كانت المقاعد خالية.. لا ركاب، لا كمسرى، لا أحد غيره وصوت العجلات، رغم أن العجلات نفسها لا تسير على شىء.

تسارعت دقات قلبه.

«أنا نايم؟ أكيد نايم، أو يمكن ركبت القطر الغلط.. بس قطر غلط إيه اللى ماشى فوق السحاب؟».

ركض إلى العربة التالية، كانت فارغة، والتى بعدها فارغة أيضًا، كان القطار كله خاليًا، نظيفًا، قديم الطراز، بستائر مخملية ومقاعد من خشب مصقول، كأنه خرج من فيلم قديم.

فجأة، جاء صوت من مكبر صغير فوق الباب، كان صوت رجلٍ كبيرٍ، هادئ، كأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن.

«الرحلة بتبدأ من هنا يا فندم».

توقف أحمد مكانه.

«رحلة إيه؟ ومين بيتكلم؟».

أكمل الصوت

«برجاء عدم محاولة النزول قبل الوصول، الزمن بينسى اللى بينزل فى النص».

بلع أحمد ريقه.

«ينسى؟ يعنى إيه الزمن ينسى؟».

لم يجبه أحد.

دخل القطار فى كتلة كثيفة من السحاب، صار كل شىء حوله أبيض، للحظة، لم يرَ سوى انعكاس وجهه فى الزجاج.. شاب أنيق، هادئ، لكن عينيه ممتلئتان بالخوف والحيرة.

ثم خرج القطار فجأة من السحاب.

لكن العالم الذى ظهر أمامه لم يكن العالم الذى يعرفه.

كانت القاهرة.. لكنها ليست القاهرة.

أحمد منصور
أحمد منصور

مآذن عالية، وقباب ذهبية، وشوارع مرصوفة بالحجر، وعربات تجرها الخيول، وناس بملابس قديمة؛ رجال بعمائم وجلابيب فاخرة، ونساء بفساتين طويلة وأغطية رأس مطرزة، وباعة ينادون على بضائعهم، وروائح عطور وتوابل وخبز ساخن تتصاعد من السوق.

دخل القطار رصيفًا آخر، لكنه كان رصيفًا غريبًا، مبنيًا من حجر أبيض، تحيط به أعمدة مزخرفة، وفوقه قناديل نحاسية مشتعلة رغم نور الصباح.

انفتح الباب.

وقف أحمد مترددًا.

عاد الصوت من جديد

«وصلنا يا فندم».

نزل أحمد ببطء، وكل خطوة كان يشعر أنها تبعده عن حياته القديمة أكثر.

نظر حوله وهمس

«أنا فين هنا؟».

لم يرد أحد.

بدأ يمشى، وعيناه عاجزتان عن الثبات على شىء من كثرة الجمال، كانت المدينة أمامه حية، صاخبة، لكنها ساحرة فى الوقت نفسه، القاهرة كأنها ترتدى تاجًا، كان النيل ظاهرًا من بعيد، فضيًا لامعًا، تسير عليه مراكب صغيرة بهدوء، فوق الأسطح يطير الحمام، وفى الأزقة يركض الأطفال خلف بعضهم، وضحكاتهم تصعد كأنها موسيقى خفيفة.

كان أحمد قد قرأ كثيرًا عن مصر القديمة، وعن العصور الملكية، والقصور، والجوارى، والحراس، والوزراء، لكنه لم يتخيل أبدًا أن للحكايات رائحة، وصوتًا، وحرارة شمس، ونظرات أناسٍ يحدقون فى ملابسه باستغراب.

حتى قطع الصمت صوت فتاة.

كان صوتًا رقيقًا واضحًا، لكن فيه أمرًا ونفاد صبر.

«يلا يا سندس، بوابات القاهرة مش بتحب البنات اللى بتتأخر عن مواعيدها، والملك لو عرف إننا اتأخرنا كده فى رحلتنا للعراق، هيعمل مشكلة كبيرة».

تجمد أحمد مكانه.

أدار رأسه ناحية الصوت.

كانت واقفة على بعد خطوات منه.

فتاة فى أوائل العشرينيات، ترتدى فستانًا حريريًا بلون العاج، عليه تطريز ذهبى ناعم، كان شعرها مغطى بطرحة خفيفة شفافة تتحرك مع الهواء، ملامحها هادئة بطريقة تسلب الكلام من اللسان، عيناها واسعتان قويتان، لكن فيهما حزن صغير مختبئ خلف كبرياء واضح.

إلى جوارها فتاة أخرى أصغر قليلًا، ترتدى ملابس خادمة راقية، وتمسك طرف فستانها وهى تنظر حولها بقلق.

رفع أحمد نظارته قليلًا، كأنه يحتاج أن يتأكد أن المشهد حقيقى.

كان يظن أن القاهرة التى رآها منذ لحظات أجمل ما يمكن أن تقع عليه عيناه.

لكن ظهورها غيّر معنى الجمال كله.

تقدم خطوة من غير أن يشعر، وقال

«لا مؤاخذة يا موزمزيل.. ملك إيه بالظبط؟».

نظرت إليه الفتاة.

كانت نظرتها خليطًا من الدهشة والاستغراب والرفض.

«بابا يا..».

سكتت فجأة وهى تنظر إليه من رأسه إلى قدميه.

«إيه الهدوم الغريبة دى يا سندس؟».

لم تهتم سندس بالسؤال، جذبت الفتاة من ذراعها وقالت بسرعة

«مش وقته يا مولاتى، الملك هيزعل لو اتأخرنا أكتر من كدة».

سمع أحمد الكلمة وشعر كأن الأرض مالت تحت قدميه.

«مولاتى؟».

شدتها الفتاة الأخرى أكثر.

«يلا يا أميرة أروى».

«أميرة».

كرر أحمد الكلمة فى سره.

«أروى».

هبط الاسم على قلبه بهدوء غريب، كأنه اسم كان يعرفه منذ زمن ثم نسيه.

مشت أروى مع سندس بسرعة، لكنها وهى تلتفت، سقط منها منديل حريرى أبيض صغير، ومعه بضع قطع نقدية تدحرجت على الأرض الحجرية.

انحنى أحمد بسرعة وجمعها.

كان على المنديل تطريز صغير بحروف عربية قديمة

«أروى بنت الملك ناصر الدين».

أما النقود، فكانت مختلفة عن أى عملة رآها من قبل، معدنها ثقيل، وعليها ختم ملكى وتاريخ قديم يعود إلى زمن الملوك والقصور والجوارى فى مصر.

نظر أحمد إلى العملة، ثم إلى الشارع.

«لا.. مستحيل».

رفع عينيه يبحث عن أروى، فوجدها قد اختفت وسط الزحام.

كان يستطيع أن يعود إلى القطار، كان يستطيع أن يركض إلى الرصيف ويبحث عن الباب، كان يستطيع أن يفعل أى شىء عاقل.

لكن المنديل كان فى يده.

والاسم كان فى أذنه.

والفضول، كما أدخله المكتبة، جذبه هذه المرة نحو مصير أشد غرابة.

بدأ يسير فى الاتجاه الذى ذهبت منه أروى وسندس.

كانت كل خطوة فى شوارع القاهرة القديمة تكشف له عن أن الكتب كانت ناقصة دائمًا، الكتب تحكى عن الأحداث، لكنها لا تقول إن الشوارع كانت تمتلى بباعة ينادون على الرمان كأنه جواهر، ولا إن العطارين كانوا يفرشون القرفة والقرنفل كأنها كنوز، ولا إن الخيول كانت تلمع فى الشمس، ولا إن الناس كانوا يميزون الغريب من أول نظرة.

وكان ذلك واضحًا جدًا فى نظراتهم إليه.

وقف طفل صغير أمامه وقال

«إنت جاى من بلاد الفرنجة؟».

نظر إليه أحمد وقال

«لأ.. أنا جاى من مدينة نصر»

رمش الطفل بعينيه.

«دى مملكة؟».

تنهد أحمد.

«أحيانًا بحسها كده فعلًا».

أكمل طريقه وهو يحاول أن يتذكر كل ما قرأه عن القاهرة فى العصور القديمة، إن كان هذا الزمن فعلًا من زمن الملوك، فالقصر غالبًا قريب من المنطقة العالية، والبوابات التى تحدثت عنها أروى قد تكون بوابات المدينة الداخلية.

لكنه لم يكن يعرف أن المعرفة عندما توضع فى امتحان حقيقى تبدو أضعف بكثير من الخيال.