القمــر.. قصة قصيرة لـ محمد هجرس
- ضحك بمرارة وحملها عائدًا للداخل لكنه ترك قلبه هناك معلقًا على المزلاج الحديدى للباب
كان عبدالونيس ممددًا مثل جثة منسية فوق حصير خشن على سطح الدار، لم يكن يلتفت لجمال القمر ولا لفضته التى تغطى القرى، كان يحدق فى العدم، وبجانبه كانت زوجته راوية تراقب بصمت، تحاول بِيأس أن تنقذ رجلًا يغرق فعليًا أمام عينيها.
مررت يدها على صدره وتحسست ضربات قلبه المضطربة مثل طير يذبح، وسألته بهمس حنون:
ــ نمت؟.
لم يرد، ظل ساكنًا يشم فى جسدها رائحة صابون غسيل الملابس، تلك الرائحة التى كانت تحرك مشاعره قديمًا، وصارت الآن لا تُذكره إلا بالعجز والخيبة وضيق الحال.
فجأة، قطعت الصمت صرخة صغيرة من ابنته التى ارتمت فوقه وسألت ببراءة:
ــ يابا، أحب القمر.. بس هو ساكت ليه ومش بيكلمنى؟!.
ضحك عبدالونيس وقتها ضحكة جافة تشبه احتكاك الحجارة فى بعضها، وقال لها:
ــ صوت القمر بعيد، والبعيد لا يترك وراءه إلا الوجع.
فى الغرفة، تحول سكون الليل إلى ثقل لا يطاق. كان من المفترض أن تكون ليلة الخميس وقتًا للراحة والأنس، لكنها كانت أشبه بمعركة باردة. حاولت راوية أن تطعمه قطعة بلح أبيض وكأنها تدفع الحياة فى جوفه بالقوة، فمضغها دون رغبة، نظرت فى عينيه، لكنها لم تجد فيهما إلا ذكريات مؤلمة لأبناء أخيه وهم يهينونه ويطمعون فى ورثه وهو لا يزال حيًا.
صرخت فيه بمرارة:
ــ أنت بارد الليلة!.
فأدار ظهره لها.
لم يكن برودًا، الحقيقة أنه كان يحترق من الداخل.
بدأ يلف سيجارة بتبغ ردىء من داخل صندوق صفيح وسط الظلام، والدخان يشكل أمامه وجه تلك الأرملة فى العزبة القبلية.. المأذون أخبره أنها تنجب الذكور الذين سيكسر بهم عين أعدائه، وثمن تلك الكرامة المتوهمة مائة جنيه فقط.
عند منتصف الليل، تصرف عبدالونيس كلص فى بيته. سحب حذاءه وتحسس نقوده وهرب فى الظلام وكأنه يرتكب جريمة.. كان يمر فوق أنفاس بناته النائمات، هاربًا من رائحة الصابون المعتادة نحو وهم جديد.. وحين وصل إلى الباب ولمست يده المزلاج الحديدى، نادته طفلته الصغيرة بصوت شق سكون روحه:
ــ أبا.. أبا..؟.
تسمر فى مكانه.
البنت التى كانت تنتظر كلام القمر وقفت خلفه وسألت بلهفة:
ــ جبت لى القمر؟!.
سقطت يده عن المزلاج الحديدى وكأنها شلت فجأة.. نظر لوجهها الصغير وشعر أن الفكرة التى تسكن رأسه هى الوحش الذى سيقضى على هذه الطفلة قبل أن يقضى على خصومه.
ضحك بمرارة وحملها عائدًا للداخل، لكنه ترك قلبه هناك، معلقًا على المزلاج الحديدى للباب.







