سعيد مرزوق.. النسخة السينمائية من العلم والإيمان
لم يكن منهم، كان مغرمًا فقط بما يفعلون، لكنه كان يقترب ببطء؛ حتى أصبح على بُعد خطوات.
فى الوقت الذى أعلن فيه شباب السينمائيين عن تمردهم على السينما التقليدية السائدة، وأسسوا جماعة السينما الجديدة «١٩٦٨»، كان هو بعيدًا، ولم يكن شريكًا فى الحلم بسينما جديدة، ولم يدرس السينما فى معاهد متخصصة، بل اعتمد على قراءة الكتب والشغف الذاتى، وبدأ عمله مساعدًا للمخرج إبراهيم الشقنقيرى. لقد دخل عالمهم من بوابة الإخراج التليفزيونى والتسجيلى.
ولد سعيد مرزوق فى القاهرة لأسرة فقيرة، وتولى مسئولية أسرته فى سن مبكرة بعد وفاة والده.
اختيرت ثلاثة من أفلامه ضمن قائمة أفضل ١٠٠ فيلم مصرى فى القرن العشرين، هى: «زوجتى والكلب» (١٩٧١) أول أفلامه الروائية الطويلة، «أريد حلًا» (١٩٧٥)، «المذنبون» (١٩٧٦) عن قصة الكاتب نجيب محفوظ.
ومن أعماله الأخرى البارزة، «أعداء الحرية» (١٩٦٧) فيلم تسجيلى فاز بجائزة مهرجان «لايبزيج» بألمانيا، «طبول» (١٩٦٨) نال عنه جائزة الدولة فى الإخراج والتصوير والمونتاج، «المغتصبون»، «هدى ومعالى الوزير»، «المرأة والساطور».

فى منتصف الثمانينيات، وفى ظل هيمنة الإسلام السياسى على النقابات والجامعات واختراق وسائل الإعلام بتغافل من نظام مبارك، قدم المخرج سعيد مرزوق فيلم «إنقاذ ما يمكن إنقاذه».
يعود نبيل إلى مصر بعد غياب ١٨ عامًا؛ ليسترد قصر والده بعد أن رُفعت عنه الحراسة، يتعرّف على المدرسة «أمل»، يفاجأ بصديقه عمر وقد أصبح ثريًا من تجارة المخدرات ورجل أعمال له نفوذه، ينجح عمر فى جذب نبيل إلى عالمه، وينتقل بسهراته إلى القصر الذى يتحول إلى وكر للانحراف.
بعد أن تحول قصر العائلة التاريخى- الذى يمثّل المبادئ والأصالة- إلى وكر للانحراف وتجارة المخدرات وسهرات الفساد تحت سلطة «عمر» (محمود ياسين) والمال الحرام، تنتهى الأحداث بتدخل الشرطة ومصادرة القصر.
والقرار بتحويل القصر إلى «مدرسة قرآن وحضانة» يحمل دلالة رمزية صارخة، فهى محاولة- كما يرى الفيلم- لإعادة بناء الروح والأجيال الجديدة من الصفر، وتطهير المكان الذى دنّسه الفساد عبر العلم والإيمان والبراءة.
أثارت نهاية الفيلم، وما تضمنته من رموز دينية وأخلاقية، جدلًا رقابيًا واسعًا وقتها، حيث اتُهم الفيلم حينها بالتبشير المباشر بتيار معين.
مبكرًا ومع فيلم «زوجتى والكلب» (١٩٧١) أول أفلام المخرج سعيد مرزوق، يؤسس لسينما تستند على خلفية دينية أخلاقية غير مباشرة، وتختفى وراء براعة الصورة المتحررة والمتمردة على السينما التقليدية.
تدور أحداث فيلم «زوجتى والكلب» حول «الريس مرسى» (محمود مرسى)، وهو حارس فنار يعمل فى مكان بعيد ومعزول عن البشر.
يتزوج مرسى حديثًا من الفتاة الشابة «سعاد» (سعاد حسنى)، وقبل أن يعود إلى عمله فى الفنار، يروى لمساعده الشاب «نور» (نور الشريف) قصصًا ومغامرات وهمية أو سابقة له مع النساء.
بداية الشك والوساوس: يطلب مرسى من مساعده نور أن يرسل خطابًا لزوجته «سعاد» خلال إجازته، ولكن سرعان ما يسيطر عليه الندم وتتملكه الهواجس والوساوس الشديدة تجاه زوجته.
يتغذى الشك فى نفس مرسى بسبب عزلته وماضيه وذكرياته، فيبدأ يتخيل وهمًا حول وجود علاقة خيانة بين زوجته الشابة ومساعده الشاب «نور»، رغم أنه لا توجد خيانة حقيقية وقعت على أرض الواقع.
يستعرض الفيلم بطريقة بصرية ونفسية فريدة كيف يتحول مرض الغيرة والشك إلى لعنة ومدمر نفسى يسحق الإنسان من الداخل.

وتستطيع أن ترصد بسهولة ولع سعيد مرزوق بتقديم أفلام اجتماعية على خلفية أفكار دينية.
فيلم «أريد حلًا» يبحث فى أحقية الزوجة بالطلاق عندما تسوء العشرة بين الزوجين، وينجح فى أن يكون سببًا فى تغيير قانون «الأحوال الشخصية».
جاء فيلم «أريد حلًا»، الذى قامت ببطولته الفنانة فاتن حمامة فى المرتبة الـ«٢١» لقائمة أفضل ١٠٠ فيلم فى تاريخ السينما المصرية، فهو أول فيلم عربى حاول الكشف عن الثغرات التى يحتويها قانون الأحوال الشخصية فى مصر، وأسهم فى تغييره، فهو نموذج للسينما الملتزمة الجادة التى ناقشت قضايا حيوية مصيرية فى المجتمع المصرى، كما أن قصة الفيلم تتسم بالجرأة والشجاعة فى مواجهة الموروث الراكد الذى يلجأ إلى فهم مغلوط للدين.

الفيلم مأخوذ عن قصة الكاتبة حسن شاه، وحوار الكاتب سعدالدين وهبة، وإخراج سعيد مرزوق، وأنتج عام ١٩٧٥.
«أريد حلًا» يعتبر أول حوار وجدل بين السينما وقانون الأحوال الشخصية، فهو يفجر قضية اجتماعية بالغة الخطورة، وهى الطلاق، وتكمن الخطورة فى أن «مرزوق» قد ناقش حق المرأة فى طلب الطلاق، بل وقف بجانبها فى المطالبة بالتعامل معها كإنسان له مطلق الحرية فى تقرير مصيره، كما أنه حاول الكشف عن الثغرات التى يحتويها قانون الأحوال الشخصية، علمًا بأنه فى هذا الفيلم قد ناقش بشكل جاد مشاكل المرأة العربية وحقوقها، مع محاولته إبراز الظروف القمعية التى تعيشها فى ظل القوانين الوضعية.
يعتبر فيلم «أريد حلًا» أول فيلم يتكلم فى مصـر عـن الخُلع، وذلك من خلال المشهد الذى دار بين فاتن حمامة ووزير العدل، عندما اشتكت للوزير وقالت له: «إن الرسول جاءت له زوجة ثابت بن قيس، وقالت لا أعترض عليه فى خُلق أو ديـن، إنما لا أطيقه بغضًا، فأمر الرسول بتطليقها».







