قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 6
علاء خالد.. الاعترافُ قصيدةٌ لا تنتهى
- هنرى ميلر وجاستون باشلار « وليس أى شاعر عربى» صنعا الوعى الجمالى لقصيدة النثر المصرية الحديثة
- الصدام مع العالم والرغبة أن تكون مقبولًا من العالم سببان واضحان للكتابة لدى علاء خالد
- «تصبحين على خير» من أجمل دواوين علاء خالد وأكثرها عذوبة ولم ينل حقه من القراءة والنقد
فى عام 1990، كان هنرى ميلر اكتشافًا صاعقًا بالنسبة لمجموعة الشباب الحالمين بالكتابة، لم تكن جرأته المطلقة هى السبب الرئيسى ولا سيرة حياته المليئة بالمغامرات والصعلكة والنساء، ولا مذكرات أناييس نين عشيقته، بل كان لديه شىء آخر أكثر تأثيرًا وإلهامًا، كان لديه الأسلوب المغوى الطاغى المهيمن، والكثير من الحلول التعبيرية والجمالية للراغبين فى الكتابة المختلفة عن السائد، والتحفيز الأكثر قوة من الخمر والمخدرات، كان أشبه بنهر ملىء بالشلالات لم يُروض ولم تتدخل يد الحضارة لتصنع عليه السدود وتجعل مياهه آمنة للسباحة، وأزعم أن معظم الشعراء الشباب آنذاك فى مصر وغيرها من البلاد العربية وقعوا تحت هيمنته، وكتبوا تحت سطوة أسلوبيته وصرخاته التعبيرية التى تدفع صوتك الداخلى إلى الظهور وقيادة حياتك وأحلامك، لكن الانبهار بهنرى ميلر لا يشكل بمفرده سببًا أو دافعًا للكتابة، فالمهم هو كيف تقبل به وكيف تتفهم عواءه وصراخه الممتد فى وجه العالم وجراحه العميقة التى أعادته إلى نوع من البربرية المتوحشة وأكسبت عدميته غلافًا براقًا، كيف تقبل وتفهم خياله اليائس المنتقم المتضافر مع اكتشافاته الفكرية المضيئة مع واقعية فجة بدون كوابح وسلطة علوية للحكم على الآخرين والنيل منهم، وتدفق أسلوبى مبهر، بالإضافة إلى رفضه لكل الأشكال الكتابية السائدة سواء شعرًا أو نثرًا.

فى تلك الأثناء كان الاكتشاف الجمالى الثانى اسمه جاستون باشلار فى مرحلته التالية لفلسفة العلم، مرحلة إعادة تعريف الفلسفة الغربية من مدخل جديد يستبدل الروح والخيال بالعقل العلمى، ويربط المعرفة بالذات الإنسانية، فلا يوجد موضوع بدون ذات، ولا توجد معرفة فى المطلق، وليس هناك أفضل من الخيال الشعرى وقوته الغامضة المستمدة من الروح مباشرة ليكون تفسيرًا للعالم، ومن ثم كانت مؤلفات «جماليات المكان»، «التحليل النفسى للنار، الماء والأحلام، الهواء والرؤى، شاعرية أحلام اليقظة، جماليات الصورة، التراب وأحلام الراحة» وغيرها، تأريخًا جديدًا للعالم انطلاقًا من الخيال الشعرى ومن قوة الروح القادرة على إضافة المعنى بعيدًا عن تاريخ العقل الذى هو تاريخ الوعى الإنسانى فقط، وبذلك قدم باشلار اقتراحات جمالية مبهرة وسهلة التتبع والتنفيذ، بأن يعيد الشاعر النظر إلى مكانه بعين جديدة، وأن يصدق ما يدور فى داخله ويعكسه على العناصر الأساسية فى الطبيعة من حوله.
وفى تلك الأثناء أيضًا، كان سركون بولص قد أصدر «الوصول إلى مدينة أين» و«الحياة قرب الأكروبول»، وأصدر عباس بيضون «صور» و«خلاء هذا القدح»، ووديع سعادة «ليس للمساء إخوة» «ومقعد راكب غادر الباص» و«رجل فى هواء مستعمل يقعد ويفكر فى الحيوانات»، وبسام حجار «فقط لو يدك»، وعفيفى مطر «أنت واحدها وهى أعضاؤك انتثرت»، وأمجد ناصر «رعاة العزلة» و«وصول الغرباء»، وزكريا محمد «أشغال يدوية»، وكانت لحظة إعادة الاكتشاف لمجلة شعر اللبنانية والبحث عن أعدادها الكاملة ومعها أعمال أنسى الحاج «ماضى الأيام الآتية» و«ماذا صنعت بالذهب، ماذا فعلت بالوردة؟» و»الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، والتشبث بمجلات «الكرمل» و»مواقف» و»الناقد»، والانصراف عن «إبداع» حجازى بصفوته وحرافيشه وأوهامه، وغيرها من الدوريات المصرية المتكلسة الفقيرة جماليًا وغير المتفاعلة مع الإبداعات الحديثة فى العالم، لكن التأثير الأكبر فى صناعة ما يشبه الوعى الجمالى العام آنذاك، كان للثنائى هنرى ميلر وجاستون باشلار، صحيح أن هناك من كتب انطلاقًا من تجارب هذا الشاعر العربى أو ذاك، لكنها جاءت محاولات مبتسرة ولم تترك أثرًا.


فى عام ١٩٩٠ أيضًا، أصدر علاء خالد «١٩٦٠» أول دواوينه بعنوان «والجسد عالق بمشيئة حبر» - دار مصرية، وكان مفاجأة سارة للشعراء ولمحبى الشعر فى مصر، حجر فى مياه راكدة، ومثار جدل ونقاش كبيرين حول مستقبل القصيدة المصرية التى تسعى للفكاك من حبائل الرواد التفعيليين إلى مناخات وعوالم وطرق تعبير مغايرة، وبعده مباشرة أصدرالشاعر ديوانه الثانى «وتهب طقس الجسد إلى الرمز- كراسات خاصة- ١٩٩٢»، ثم ديوان «حياة مبيّتة» - دار الجديد ١٩٩٥، ثم وقفة طويلة نسبيًا امتدت حتى العام ٢٠٠٦ يمكن اعتبارها وقفة التحول من الشعر إلى النثر، حيث كتابة اليوميات والرواية والتوجه لإصدار دورية «أمكنة» المعنية بثقافة المكان، ثم العودة بديوانى «كرسيان متقابلان» دار شرقيات ٢٠٠٦، و«تصبحين على خير» - دار شرقيات ٢٠٠٧، أعقبتها وقفة ثانية من أجل الرواية واليوميات وكتابة الرحلة، وفى عام ٢٠١٢ أصدر ديوان «تحت شمس ذاكرة أخرى»، عن دار شرقيات، وبعد عشر سنوات صدرت مجموعته الشعرية الثامنة «العدم أيضًا مكان حنين»- الهيئة العامة للكتاب ٢٠٢٢.
المرحلة الأولى فى الكتابة لدى علاء خالد والممتدة من ١٩٩٠ إلى ١٩٩٥، والتى تضمنت صدور الدواوين الثلاثة الأولى، هى مرحلة التأسيس نظريًا وكتابة لما يمكن تسميته «البحث عن التجربة الشخصية»، والانطلاق منها إلى اعتماد أسلوب السيرة الذاتية خيارًا وحيدًا للكتابة، أو لنقل إنها مرحلة الإيمان المتطرف بصرخة هنرى ميلر لأصدقائه قبل أن يكتب «مدار الجدى»: «غدًا سوف أكتب أول كتبى فى باريس بصيغة المتكلم ودون رقابة ودون صيغة معينة - سحقًا لكل شىء».
«جسد يمر بالحديقة، يرويها بالحناء والوحدة، وتكرار قذف الطوبة المرابطة أمام حلمه كالشرطى، وتكرار دخول رائحة الخراء إلى فمه، وتعيد له أتوبيس المدرسة وهو يسقط منه هاربًا من رائحته/ وتكرار خفض القلب أمام الشجرة الواطئة، ويمر منزهًا عن الجرح، وتكرار وضع الجيب فى اليد، وإضاءة المفتاح فى الخشب، وذبح العتبة بقدميه/ الإحداثيات: الجهات الأربع للكتابة والنوم/ والأصدقاء يمرون عفوًا عن السؤال، واحدًا بعد الآخر فى سلسلة نهايتها جسد مطروح بلا غاية. والجسد عالق بمشيئة حبر».
ليس كل واحد من الشعراء الحالمين بالكتابة قادرًا على استيعاب وتحمّل والقبول بصرخة هنرى ميلر، علاء خالد استطاع أن يقبل هذه الصرخة وأن يتحملها بأن يستسلم للأسلوب الذى يشبه النهر الملىء بالشلالات والصخور، حتى تحمله المياه إلى الطفو والسباحة، ليس مهمًا كيف تبدأ، المهم أن تنظر جيدًا فى داخلك، بعيدًا عن الخارج، انظر فى داخلك بقوة، وحدق جيدًا حيث الذكريات الطفولية الأولى، وحيث الانطباعات الراسخة والعلاقات التى تتمزق بين الأب والابن والعلاقات التى تتمدد بين الأخ والأخت، وبين الابن والأم، حيث الخارج عدو، جحيم، عذاب دائم، وحيث الآلام الأولى التى تظل عالقة فى الوجدان وتقدم التبرير الغامض حتى لا نسامح العالم ولا نقبل به.
معرفة منزهة عن البوح: وجهى/ خيط الطفولة يتقوس، به ينزل الجسد إلى مستودع لآلام جوفية: وعقابًا يخرجنى المعلّم، ويضع قلبى أمام الحائط ويلتقط باقى التلاميذ صورهم من مؤخرتى المفضوحة لهم، وسؤالى لماذا أنا؟/ وعقابًا تريح المعلمة القلم المضلَّع بين أصابعى وتديره كالنافورة، حتى ينهض الدم متثائبًا من نوم ثقيل/ وعقابًا يستلم مشرف الدرج وجهى ذات صباح عادى، ويرسم عليه أحلامه «والجسد عالق بمشيئة حبر».
البحث فى الداخل يوصل الشاعر إلى محطات العذاب الأولى فى الطفولة، والقبول بميلر يوصل الشاعر إلى الشذرات المتتابعة والتدفق من الزوايا الأربع، ليس مهمًا أن تكون للقصيدة بداية أو نهاية، المهم أن تتدفق الشذرة تلو الأخرى وأن تجد لها مكانًا كيفما اتفق على جغرافيا الصفحة البيضاء، وتتابع الشذرات والجمل التى تحمل معناها فى داخلها دون أن تتصل بالشذرات السابقة عليها، يمكن أن يصنع سياقًا متدفقًا وصالحًا للقراءة على ضوء الذات الداخلية والإيماءات التى تحملها العبارات الافتتاحية.
هنا اكتمل النشيد الأول المعذب، صرخة علاء خالد الأولى باتجاه العالم، ورفع علامات الطفولة الأولى إلى مستوى الاغتراب الكامل، ولذلك لم يكن غريبًا أن يختتم ديوانه بصرخة المسيح على الصليب: ولا أفاجأ بتشقق الروح عند النوم/ وبالهرب إلى الجبال/ ولا بهزيمة الصباح على جبهتى/ وبالماء يدخل إلى المجتمع/ أن ينهمر جسدك/ «إيلى إيلى لما شَبَقتنى» - «والجسد عالق بمشيئة حبر».


إعادة اكتشاف الذات بالذهاب إلى فترة التأسيس الأولى، السنوات المبكرة للطفولة والذاكرة حيث يحتفظ العقل الإنسانى بالآلام كافة وبالخطط المستقبلية وخرائط الشعور ومسارات الذات فى المستقبل، يحتاج إلى شجاعة كبيرة، كما يحتاج اعتماد الذاكرة الأولى مادة للتخييل الأدبى شعرًا أو نثرًا يحتاج إلى شجاعة أكبر، ليس فقط فى تشريح تلك الفترات المظلمة، ولكن رفعها إلى مستوى الشكل الجمالى والمادة الإبداعية، أى اكتشاف ما يمكن أن يكون قيمة فى ذاته داخل تلك الذاكرة الطفولية، يقول فى قصيدة بعنوان «حصة الرسم»:
كانت ترسم ليلًا رحيمًا لا يعى فجره، ليلًا يكتمل بذاته، ويمر كغمامة فوق غزالة أنثى وغزالة ذكر يبددان المسافة بين أول الصفحة وآخرها بالركض بحثًا عن مصبات المياه/ ورسمت بحيرة زرقاء لتوازى فكرتها عن العطش/ ولم تترك فراغًا أبيض ليتمهل فيه القدر وجهه. وإنما ضاعفت السواد فى منتصف الصفحة؛ ليقهر أى بياض يقتص من حلمها/ وكأنثى تجرب ألوهيتها فى التسمية وضعت اسمها واسم أخيها تحت الغزالتين/ كان يرسم غزالة تدل على الأنثى. غزالة بثديين راكضين للهرب من فخاخ الأم. ويترك فراغًا أبيض ليملأه القدر بمعرفته عن مصير الغزالة/ وفى أعلى الصفحة يرسم بابًا معلَّقًا، ليدخل منه الصياد صومعة الصفحة، ودائمًا يدخل الصياد من أعلى، ليمطر رصاصه، كشتاء كونى، على الفريسة» - «وتهب طقس الجسد إلى الرمز».
علاء خالد يقرر الذهاب إلى تلك المنطقة المظلمة المسكوت عنها فى ديوانه الثانى، وتهب طقس الجسد إلى الرمز، من خلال اختيار الموضوع والسعى إليه وتسليط ضوء سينمائى عليه بشفافية ورمزية عاليتين، كيف يمكن التعبير عن طفولة الإنسانية شعريًا، ما قبل الثقافات والمسميات والقيم، العلاقات الطبيعية لكائنين فى مكان واحد، ولد وبنت، أخ وأخت، يمكن أن نلاحظ تلك العلاقة تحت أضواء أخرى، منها الضوء البدائى الأول، الضوء الطبيعى البكر، الضوء الثقافى لحضارات سابقة، الأسئلة البريئة الأولى والالتفاتات الغامضة غير المفضوضة، الوعى الجسدى والنفسى الذى يسبق بالضرورة الوعى الذهنى، الرغبات المكبوتة التى تكبر فى رحاب العائلة حتى تضمحل وتذهب إلى مساربها، حتى يمضى كل طرف فى طريقه المعاصر المدينى المتحضر.
وعندما يقرر علاء خالد الذهاب إلى تلك المنطقة، يذهب ومعه مفهومان مراوغان، الأول مفهوم الحقيقة، والثانى مفهوم الاعتراف كأسلوب للكتابة، وهنا يمكننا أن نقابل بين هذين المفهومين بمعناهما الحرفى وبين معناهما المجازى الفنى، فالشاعر والكاتب غير ملزم بأى حقيقة إلا حقيقة النص القادر على الاكتمال بجمالياته، كما أن الاعتراف ليس أسلوبًا مقدسًا، وليس الأسلوب الوحيد المرتبط بالمصداقية، لكننا فيما يبدو أمام اعتماد الشاعر لمفهوم حرفى عن الحقيقة والاعتراف.
فى شهادة منشورة يقول علاء خالد «بدأت كتابة الشعر وفى نيتى أن أقول الحقيقة، وأن يستوعب هذا البناء الحساس كل ما أفكر به. كانت علاقتى بالشعر مشوبة بهذا المس من الاعتراف. حاولت أن يكون الشعر هو الوسيط الذى يطابق بين داخلى والخارج، على الرغم من طول المسافة بينهما. جرنى قول الحقيقة أن أبحث فى الماضى».
كلمات علاء خالد تعيدنا إلى تصدير رالف والدو إيمرسون لرواية مدار السرطان لهنرى ميلر «هذه الروايات سوف تفسح المجال شيئًا فشيئًا للمذكرات أو للسير الذاتية - وهى كتب آسرة إذا عرف الإنسان كيف ينتقى من بين ما يسميها تجاربه وكيف يدون الحقيقة بصدق» - ترجمة أسامة منزلجى، دار المدى.
بصرف النظر عن إغواء ميلر عن مفهوم الحقيقة والصدق ومعه الانحياز إلى الاعتراف وأسلوب السيرة الذاتية، لا بد أن نتوقف عند الاختلافات الشاسعة فلسفيًا حول مفهوم الحقيقة، بل يمكن القول إن هذا المفهوم هو الوهم الأكبر فى التاريخ فلسفيًا وأدبيًا ولا يمكن تعيينه، أيضًا مفهوم الحقيقة ملغز وكلمة حقيقة لا علاقة لها بمفهوم الصدق الفنى، فالصدق الفنى هو المسافة صفر بين الرؤية الجمالية وتحققها فى القصيدة أو السرد.
مفهوم الصدق الفنى لا يمكن أن يتأسس على الصدق الواقعى، صدق الشاعر أو الكاتب فى الاعتراف بتفاصيل حياته الفعلية، فهذا مما لا يهم القراء، وإنما مفهوم الصدق الفنى يتأسس على أمور عديدة أخرى، أهمها القدرة الفارقة على التعبير والكشف، وإلمامه بتاريخ النوع الذى يكتب فيه، وابتكاره لأسلوب يميز كتاباته، يقول علاء خالد فى مقطع بعنوان حصة القلب: «جرس النهاية/ المياه درس الخروج على الطاعة، والدخول فى ساحات مهملة، مضاءة بقبور على جناحيها، وتفضى إلى محطة الترام/ وفيها تنيخ الأخت يديها على يديه. وتستثنى إصبعًا غائبًا فى رحم الأم. الإصبع الغائب هو رسولها للقدر الغائب/ وفيها ينيخ الأخ يديه على يديها، وبإصبع زائد يسد الثقب الذى يتسلل منه القدر» - «وتهب طقس الجسد إلى الرمز».
الحقيقة تعنى فى هذا الطور من التفكير، أن تتكلم الأنا عن مخاوفها مشحونة بعاطفة غامضة تجعل الدموع تطفر من العينين، مع استحضار كل الوقحين الذين داسوا بأحذيتهم على أصابع الطفولة من أجل تفريغ الشحنات السلبية والتطهر وردم الهوة بين الكاتب والعالم، ومن ثم فإن الذات أى ذات من حقها أن تعرض اضطرابها بوصفه فنًا، كما أنه من غير المقنع تحويل اللغة من أداة تواصل قادرة على اكتشاف العالم وكشفه، إلى أداة إسرار من الذات إلى الذات، أو أداة للبوح فى الفراغ بهدف إراحة الذاكرة الضاغطة.
وللسبب نفسه تراجع علاء خالد عن اعتماده الحرفى لمفهوم الحقيقة أو مركزية الاعتراف، وهو ما يتضح فى ديوانه الثالث «حياة مبيتة- دار الجديد ١٩٩٥» الذى تحرر من الاستسلام إلى الذاكرة الطفولية بغاباتها ومناطقها المظلمة والذهاب إلى صناعة القصيدة والتقاطها من المشاهد الحياتية، وكما يقول فى شهادته المنشورة والمشار إليها: «مع الوقت بدأ فهمى للحقيقة يتغير، وبدأت علاقتى تتغير بهذا (الآخر) الذى كنت أعترف أمامه وأكشف له عن كل علامات ضعفى، وعيوب نفسى. وكما تغير فهمى وإحساسى بالحقيقة، بدأ يتغير شكل وحساسية هذا الآخر الملازم لأى نشيد أو وحدة أو فرح. لم يعد الاعتراف هامًا، فهذا البناء الحساس المسمى الشعر يستوعب ما هو أكبر من الحقيقة، وما هو أكثر من الاعتراف».


عندما تصل القصيدة الاعترافية إلى نهايتها، ويستنفد الشاعر زخيرته الذاتية بتفاصيلها، يجد نفسه مضطرًا إلى التوقف أو اجترار ما سبق وتناوله، أو يتحول إلى ماكينة وعى تلتهم كل شىء وتحوله إلى انطباع، حيث تتحول الذات هنا إلى ما يشبه المرآة، لتبرر حضورها ويصبح الشىء الخارجى أو الآخر منعكسًا على مرآة الذات وموضوعًا تحت الاختبار والتفسير فى آن، أو لنقل منضدة تشريح مريحة للذات التى تتحول إلى راو عليم أو مفكر ومفسر ومتنمر أحيانًا، أو عدسة كاميرا فوتوغرافيا، المهم أن تحضر بالقوة القاهرة للنموذج أو منهج كتابة السيرة الذاتية لأن البديل وهو الإنشاء الجمالى وفق الفورمات السابقة غير مطلوب، كما أن استحداث الأشكال الروائية أو الشعرية مع اعتماد منهج السيرة الذاتية غير وارد، يقول فى قصيدة بعنوان «المهام الخشنة للبيوت»: للخادمات، على الأرجح، جزء ميت فى أجسادهن/ حفرية طافية/ يمكن قياس العمر القديم للتعب/ بعدد الخطوط السوداء/ بعدد الجوارب التى تئن خيوطها وتنسل/ تحت ضغط هذا الكعب الميت.../ كانت تسير فى الشارع/ وشعرها المصبوغ يطير فى هواء العشرينيات/ أما قدمها/ فكانت تسبح فى زمن آخر»- كرسيان متقابلان- شرقيات ٢٠٠٦.
ماكينة الوعى عند علاء خالد تلتهم كل شىء وتحوله إلى موضوع للكتابة، تذهب إلى الآخر المكان والإنسان، الحركة هنا لا تكون بقصد الوصول إلى المكان بعلاماته وثقافته وناسه، بقدر ما تكون الذهاب إلى الكتابة إلى إيجاد مادة للذات تنعكس عليها من خلال المكان الغريب والبشر الجدد الذين يصلحون للانعكاس وفق استراتيجية «مركزية الذات».
ما دور الذات هنا؟ أين التجربة؟
الذات تستعد وتحشد ترسانتها من المرارات القديمة والذكريات وطرق التلقى والرغبة فى التصالح مع العالم وتبدأ فى تكوين ما يشبه الممر الشرفى للانعكاسات الجديدة، للآخرين، الزوار المختارين من قبل الشاعر ليقفوا برهة أمام مرآة الذات، ليس مهمًا أن يستمعوا إلى أحكام الذات الشاعرة عليهم، ولا أن يتطلعوا إلى البورتريهات المرسومة لهم على عجل، لكن المهم أن يمثلوا لحظة عابرة فى وعى الذات الشاعرة، يقول فى قصيدة بعنوان «ماراتونات ضاحكة»:
كان يعمل بوابًا لإحدى العمارات المجاورة
يقطع كل يومٍ ماراتونات ضاحكة للعيش والخضار
بجانبى كانت هناك محطة ظليلة،
مجموعة من القلل علقها جارى لعابرى السبيل
لا يستطعم بأى ماءٍ
إلا بهذا الماء الجماعى.
دائمًا أحذيته تفوق قدمه عمرًا و طولًا.
لسيره صوت خشن،
ولكن هذه الغفوة فى القدم
هى أكثر ما تشعرنى بطيبته هى و غفوة فى لسانه
يتكلم فتهرب الحروف بغير رجعةٍ»- كرسيان متقابلان
مع الوقت والدربة يتحول المجهود إلى آلية سهلة للكتابة من خلال الآخر مع الحفاظ على مركزية الذات الراصدة كمرآة أو كرجل أبيض وسط مزرعة للزنوج، حيث يحق للذات الكاتبة هنا كل شىء بدون تبرير جمالى، الذهاب للآخرين وتأويلهم وإسقاط التفسيرات الشخصية عليهم، وربطهم أيًا كان طابعهم أو مظهرهم أو تاريخهم، بالتوتر النفسى فى هذه اللحظة للشاعر الذى يكتب قصيدته وفق مفهوم بعينه، أو بحكم فائض وعيه ورغبته فى استهلاك العناصر المحيطة به من أجل الكتابة حتى ولو بصورة فوتوغرافية، فى قصيدة «جيرة دافئة» يقول:
«جارى فى المحل المجاور، لا يثق إلا فى أناقة النار. يرفع المكواة قرب خده، ليجس حرارتها. طوال عشرتى له، لم أجدَ أحدًا يقترب منه إلى هذا الحد؛ إلا المكواة/ لا يتحمل الحب إلا أذا ترك علامةً على جلده/ عندما مرضت زوجته، خشى أن يجتمع بملاك الموت فى غرفة واحدة، فكان يلوذ بدكانه ليبكى داخله. أسبوع كامل وهو يضع تلك اللافتة (مغلق للصلاة/ لأبناء الحى الراقى)، لأرستقراطية عاش بينها كنبات غير مرئى؛ كان ينحنى، وهو يفتح باب العربة، ويده اليسرى خلف ظهره، وميل طفيف فى رأسه، كأنها سنة من النوم، ليأخذ صرة الهدوم»- كرسيان متقابلان- شرقيات ٢٠٠٦.
هل يمكن أن يتحول الوعى إلى قاطرة تعمل بالفحم؟ لا بد لها من هذا الوقود- الآخرين- وإحراقه لكى تتقدم إلى الأمام فى اتجاه ما؟، الأماكن والأشخاص العابرون والصور التى تلوح أمام عيوننا هل يمكن أن تتحول على الدوام إلى فحم للوعى يحرقه من أجل عبارات أو تفسيرات عليها مسحة من الألم مع قليل من المجاز والكثير من الفوتوغرافيا؟


هل توقف علاء خالد عن منهج الاعتراف فى قصائده؟
وهل تجاوز مأزق الحقيقة كما يتعين فى منهج السيرة الذاتية إلى التخييل الجمالى واستحداث الأشكال الكتابية للتدليل على الفصل بين الواقع والفن؟
الكتابة مع مركزية الذات غير المتفاعلة مع الآخر والمكتفية برصده وتفسيره، لا تعدو أن تكون تسجيل رد فعل، حيث التخييل غائب والشكل غائب والواقع الفنى متراجع، لأن ضمير المتكلم يقدم الفوتوغرافى على الخيال والشكل والإبداع.
نحن أمام سياق لتحويل الكتابة الشعرية من خيال وابتكار وإنشاء لعوالم خيالية وإمساك بصور وموسيقى وأحلام، إلى نوع من الكتابة الوظيفية التى لها هدف محدد عند الكاتب أو الشاعر وهو إقامة التوازن النفسى أو التصالح مع العالم أو التخفف مما يسميه مأزق الحقيقة.

تجربة الطفل ابن الطبقة المتوسطة مرهف الحس الذى يصطدم بالعالم خارج العائلة وينشد الاعتراف والقبول الكاملين من العالم، هو مفترق الطرق الروحى بين علاء خالد وبين هنرى ميلر، ميلر غير باق على شىء، راغب فى تدمير العالم وإعادة بنائه وفق تصوره هو من خلال منولوجاته الطويلة وإلغاء الكوابح وكسر كل التابوهات والاعتماد فقط على تدفق الذات المتكلمة التى تصف كل من وما حولها بضمير المتكلم، يسنده فى ذلك رحلة طويلة فى الإلمام بالنزعات الفلسفية وأساليب الكتابة وأعلامها حتى العقدين الأولين من القرن العشرين، وهو هنا لا يعنيه العالم تمامًا ولا يوليه أى اعتبار، بل هو يتعرى ويمارس الجنس ويبول ويشتم ويقدم إدانته الكاملة راغبًا فى انهيار ما حوله والانتصار للهيستيريا الجمالية التى يؤمن بها ويدعو إليها، ولا يرى فيها إلا نفسه بهلاوسه على مسرح كونى، يقدم مونودراما عن الإنسان المسحوق ذى الخيال الجامع والوعى اليقظ.

علاء خالد ورغم تبنيه منهج هنرى ميلر فى الكتابة منزوعًا منه بعض التوابل ومكتفيًا بمركزية الذات المتكلمة وتدفقات الوعى الذى يحاكم من وما حوله، لديه جرح غائر يدور حوله فى جميع كتاباته شعرًا ونثرًا، وهو شعوره بعدم تقبل العالم له، وهو يعطى اعتبارًا كبيرًا لهذا الشعور نفسيا وكمادة للكتابة، ما يسبب له الألم العظيم الذى نلمح آثاره فى قصائد الدواوين التى بين أيدينا، وكأننا أمام شخصية «بيكولا برايدلوف» فى رواية تونى موريسون «العين الأكثر زرقة» والباحثة عن القبول فى العالم من خلال الحلم بأن بشرتها أصبحت بيضاء وعينيها تحولتا من الأسود إلى الأزرق.


«تصبحين على خير» من أجمل دواوين علاء خالد، إن لم يكن أجملها، فيه ذهاب سهل إلى الينابيع، وتخل عن كل أدوات الصراع والمماحكة مع العالم، وفيه استغناء كامل عن التثاقف، ربما لطبيعة التجربة، استحضار صورة الأم الغائبة، النظر بقوة داخل علاقات الموت وتأثيراتها، الإنصات لرسائلها من ذلك العالم غير المحاط به، التعبير عن الحنين والاحتياج إليها بأقل العبارات احتشادًا، الإشارات الواهنة المغرقة فى الشجن.
«بروح شابة
تنظرين إلى يدك المسنة بدهشة
كأنها ليست لك
وأن هذه التجاعيد
تخص امرأة أخرى
أفنت نور يديها فى غسيل الملابس والصحون
يد عمياء تتحس طريقها إلى التراب»- تصبحين على خير.

استطاع علاء خالد فى «تصبحين على خير» إنجاز ما يمكن تسميته بالتوازن الذهبى بين العاطفية التى تحمل الكتابة وترتفع بها، وبين العاطفية التى تغرق الكتابة فى لحظات الشجن المفرط، هذا التوازن الذهبى نتاج الاستغناء عن جميع الأدوات الكتابية رغم حضورها، نوع من العزف المنضبط لنوتات موسيقية صعبة ولكن من الذاكرة، أو لنقل ارتجال لموسيقى أصلية قبل عصر القراءة والتدوين
«للوهن رائحة كولونيا «خمس خمسات»
ككلب يدلف من الباب بحثًا عن جريمة
كنت أبحث عن تلك الرائحة
تحت طيات روائح المطبخ
وأشياء البيت الأخرى
كانت غرفتكِ بالمستشفى
بها رصيد من الكولونيا يكفى لسنوات
لم تستهلكِ منها شيئًا
حملتها وسط أغراضك الأخرى
كى أخلى الغرفة لمريض قادم
وعُدت بها إلى البيت
أرش على العتبة وفوق السجادة
أبدد الرصيد المسحوب من حياتك
أصبح البيت كله كجريمة
لا يتحملها هذا الكلب الرومانسى»- تصبحين على خير.

الإشارات التى تعبر عن الألم دون أن تصرح به، كثيرة فى الديوان، أحيانًا تأتى ضمن سياق المقطع الشعرى، كأنها مصابيح ضوؤها خافت، وأحيانًا يضعها الشاعر وحدها وكأنه يسلط الضوء عليها بين مساحات الصفحة البيضاء.
«بعد أن أنجزنا المهمة
ووارينا جسدك فى التراب
كان سائق عربة الموتى التى أقلتنا
ينتظرنى وسط الجموع
ملوحا بالملاءة البيضاء التى كانت
تغطى جثمانك».- تصبحين على خير.
مثل هذه الإشارات والالتفاتات التى تبدو فى ظاهرها تلقائية وعفوية، تكمن قوة التجربة وتأثيرها فى «تصبحين على خير»، وأحيانًا تكون الالتفاتات بالنظر إلى الداخل أو الاستدعاء الناعم للذاكرة مثل المقطع التالى: «وأنا صغير
«كنت أقف ممسكا بأحد أطراف الملاءة
وأنتِ على الجانب الآخر
أشدها فترخين
ثم تشدين فأرخى
كشعرة تفاهم
كحبل المشيمة بعد أن يتحول لعادات منزلية
وفى لحظة نفردها
كشراع
ونحوطها من زواياها الأربع
هواء الذكرى الأخف من هواء ماضينا
كأننا على وشك الطيران»- تصبحين على خير.
ربما يكون الاستسلام لرسائل الأم فى «تصبحين على خير» نوعًا من الإجابات عن أسئلة طالما شغلت الشاعر، عن ذلك الأصل الغامض الذى يجمعنا بالمرأة ويحكم علاقتنا بها، الأصل الأمومى للعالم، حيث المرأة الأم هى الأساس والكاهنة الأولى والمركز التى تلتف حوله الجماعة الإنسانية، ومنها تفيض المشاعر والطاقات، لتتوزع إلى مسميات منها الحب ومنها الحنان ومنها الشهوة ومنها اللجوء والملاذ
المعانى الثانية فى «تصبحين على خير» يمكن تأويلها، وتقديم تفسيرات متعددة لها، لكن المعنى الأولى البسيط والعذب والصافى، لا بد أن يستغرقنا طويلًا وأن نقف أمامه بما يكفى لأن نتجاوزه بحثًا عن المعانى الثانية.







