شعرية المعادلات.. التجلى الجديد لـ«محمد فريد أبوسعدة»
- أعترف أنَّ دهشة نصه حطمتنى فعجزت أدواتى عن القراءة
صدر فى القاهرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية ديوان جديد للشاعر المصرى محمد فريد أبوسعدة بعنوان «أنا صرت غيرى 2013».
فريد أبوسعدة شاعر اليوميات والمعادلات الحزينة؛ فهو واحد من أهم شعراء جيل السبعينيات الذين دشنوا مشروع الحداثة الشعرية فى مصر والعالم العربى.
بدأ وحده فريدًا مع ذاته، كَفَرَ بمقولات الأجيال الصاخبة، وحاول الانعزال والعزوف عن الجماعات والجمعيات الشعرية والأدبية الصاخبة، وراح يكتب نصه الشعرى على طريقته وهواه، وفى الوقت نفسه كان متابعًا لما يكتبه أبناء جيله من الشعراء، أمثال الراحل حلمى سالم، ورفعت سلام، وعبدالمنعم رمضان، وجمال القصاص، ومحمد سليمان.. وغيرهم، ومن ثم التقت نصوصه مع أبناء جيله من شعراء الحداثة المصرية فى مطلع السبعينيات فى القرن الماضى ١٩٧٧.
قدم منجزًا شعريًا كبيرًا؛ فطبيعته الحادة الساخرة دائمًا، وصراحته القاتلة، جعلتاه راهبًا وحده فى منافى الشعر، راضيًا قانعًا بما قدم، وما سيقدمه فى شعر الحداثة العربية.
يطرح ديوانه «أنا صرت غيرى» مجموعة من الاشتباكات الدرامية والمعادلات الشعرية التى تتعلق بالذات والآخر والأرض والعالم داخل النص الشعرى، فتمتزج الحياة بالأسطورة، والأيروسى بالعرفانى الصوفى، فتتجلى روح الإيقاع الاستعارى باللا مرئى فى أزمنته الأولى وأمكنته الواسعة.
صحيح أن فريد أبوسعدة فى أعماله الشعرية السابقة كان يجنح كثيرًا لكسر آفاق التوقع لدى المتلقى من خلال ركوب جناحى المجاز واللغة والدلالة المتحركة فى نصه الشعرى، فإنه قد أسلم نفسه فى هذا الديوان للحياة بكل ما فيها من نزق وحب ومعاناة؛ أعنى أنه وثق مشروعه الشعرى بطين الأرض الغاضب أيضًا.
فقد جاء هذا الديوان فى مجموعة من العتبات النصية؛ أولاها العنوان «أنا صرت غيرى»، فهو عنوان يحمل الكثير من الدلالات المفتوحة، منها الخاص جدًا الذى يمكن أن نحيله على الشاعر الذى تحول فأصبح إنسانًا جديدًا بعد تجربة المرض التى ألمت به، فصار أكثر تمردًا ووضوحًا. ويمكننا أن نطلق المعنى والتأويل على الآخر أيضًا؛ فأقول: إنه يخاطب العالم الخارجى الكونى البرىء، فقد تحول الخطاب الشعرى لدى فريد أبوسعدة من النقر على وتر الموت إلى الخارج الأكثر اتساعًا، متعدد النقرات اللانهائية، حيث إنه يخاطب الإنسان المصرى الذى رفض كل أنواع الظلم كافة، وصرخ فى الميادين يعبر عن رأيه وحريته؛ أى إنه كسر حاجز الخوف واللامبالاة، وعادت روح الانتماء داخله، التى كانت قد كسرتها السلطة السياسية منذ قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ وحتى ٢٠١١، فأصبح إنسانًا جديدًا يملك حريته ويبحث عن العدالة التى يرغب فى انتشارها عبر أنحاء العالم، وتكون مصر نواة لهذه العدالة داخلها وخارجها حتى ربوع إفريقية.
ويبدو المؤشر الثانى أكثر دلالة من الأول، وهو الغلاف الذى جاء موجهًا إلى الثورة المصرية التى بدأت فى الخامس والعشرين من يناير ٢٠١١ ولم تنتهِ حتى اللحظة الراهنة، وهى صورة فوتوغرافية لمجموعة من شباب مصر الثائر فى ميدان التحرير، يحملون العلم المصرى الخفاق فى كل مكان، رمز مصر وعزتها. وجاء من أعلى فى الغلاف «سلسلة إبداعات الثورة»، وهى سلسلة حديثة نسبيًا أنشأتها الهيئة العامة لقصور الثقافة بعد ثورة يناير مباشرة، وهذا لا يخلو من دلالة، وهى الاحتفاء بأدب الثورة الذى لم ينضج بعد. ولى أن أتوقف هنا قليلًا عند الإبداع الذى ينتمى للثورة؛ وفى ظنى أن هذا الإبداع لم يخرج إلى النور حتى الآن، لأن الثورة لم تكتمل ملامحها، فما زال الناس يبحثون عن تحقيق طموحاتهم فى كل مكان؛ من حرية وطعام وعدالة اجتماعية خالصة.

وجاءت العتبة الثالثة متمثلة فى الإهداء، فيقول فريد: «إلى آرين.. جميلة الجميلات». آرين هى مصر المحروسة جميلة الجميلات التى كتب لها الشاعر أشهى نصوصه الشعرية منذ السبعينيات وحتى الآن، وما زال يكتب.
فريد أبوسعدة شاعر المعادلات اليومية فى كتابة القصيدة النثرية المصرية بصفة خاصة، حيث إنه انشغل بتركيب المشاهد الشعرية فى صيغة المعادلات الرياضية التى تجعل النص الشعرى لديه نصًا يحمل الكثير من المعانى المختلطة لدى القارئ، ترغمه على التأويل اللا نهائى.
يقول فى مطلع الديوان «الصفحة الأولى»:
«أنا حجر
جالس فى المياهْ
أراقب أحصنة
فى دمى»
تبدو صورة المعادلات الشعرية واضحة فى النص الفائت من خلال صوت الذات الشاعرة التى تقف على ضمير المتكلم «أنا» ترقب العالم الخارجى من خلال الوجوه التى تمر على طريق النص الشعرى الرياضى الذى اختاره الشاعر. فالذات تخرق المنطق اليومى لتراقب جراحات الأحصنة الشعرية داخل العالم المخترع الذيناسب وجعها اليومى أيضًا، ومن ثم فقد تراقب الأحصنة التى تعيش فى دماء الذات هذه الآلام الحياتية التى تمر بها.
المشهد برمته يكسر المكر اليومى الذى تجلس خلفه بقايا الآخر المتربص بالذات المشغولة بروح العاشق التائه فى مياه الخلق الأولى. فالمعادلة تكمن فى الذات المشغولة بنفسها هذا من جهة، والعالم المشغول بها من جهة ثانية، فينتج عنهما نص يحمل الأصوات المتلاشية التى جاءت فى صورة الأحصنة الصغيرة/ قصائد الديوان.
ويقول أيضًا:
«أنا خائف من ذهابى إلى
أحاول أن أتذكر من كنت
قبل وجودى،
وما كان اسمى
وهل كان شكلى كما هو
أم
كنت غيرى؟
كأن حياتين تلتقيان هنا فجأة
وكأن المرايا ستعكسُ وجهين:
وجهى
ووجهى الغريب على»
تبدو روح الذات الشاعرة كما تبدت فى النص الفائت يغلب عليها طابع الحنين المتوتر القلق الذى لا يستطيع أن يتخذ قرارًا ما، فهى حائرة بين الوجود واللا وجود. نلاحظ بروز الذات المتشظية فى النص حيث إنها تحاول الوصول إلى نموذج ثابت لها فلا تستطيع ذلك، وكأنها أصبحت تعيش أكثر من حياة: الوجه الحقيقى الأصلى والوجه الغريب. وتكمن المفارقة الدرامية التى يتلاعب بها النص نفسه، حيث إننا أمام نص متعدد الوجوه فى حقيقة الأمر، لما تعكسه مرايا الذات المتحركة التى تعكس أكثر من وجه وتقوم بعملية الفصل بين الأصل والقناع الآخر.
ترتكز البنى اللغوية التى اعتمد عليها فريد أبوسعدة فى ديوانه على حركية المفردة من خلال التوافق الدرامى بينها وبين الصورة التى تلبست النص الشعرى نفسه، فتحمل روح المناجاة الداخلية أحيانًا وروح الملودراما أحايين أخرى، مما يمنح النص اتساعًا فى القراءة، ورمزية فى التلقى، فيمزج الشاعر بين روحه وروح الذات واللغة والإيقاع الخافت الذى يختفى وراء البنى العميقة التى تتحكم فى بنية النص الرئيسة.
تجلى أيضًا فى الديوان شخصيات متعددة وكأنها التى تمسك بالتفاصيل الكبرى فى حقيقة الأمر، لأنها شخصيات لم تظهر على سطح الكتابة، لكنها كانت عاملًا مؤثرًا فى الحركة التى تقوم عليها المعادلات الشعرية، ففى قوله:
«سبيلان للموت
لا غير
إما أحبك
أو لا أحبك
أنا مغرم بك
يا من أسميك حلمًا تأجل
أكثر مما أطيق
وأطول مما
سأبقى!»
يتكئ الشاعر فريد أبوسعدة على معادلتين متناقضتين، هما الحب أو اللا حب، فكلاهما سينتج عنه الموت؛ فحب نتيجته الموت، واللا حب أيضًا سيكون الموت مصيره. فهل كانت الحبيبة مجرد امرأة عابرة فى حياة الذات الشاعرة؟ أم هى الحلم الأكبر، الأرض، الوطن، العدالة، الحقيقة، الفن؟ أم أنَّها هى الأشياء الجميلة التى تحرضنا على محبتها فى كل زمان ومكان حتى وإن كانت نهايتنا على يديها نتيجة محبتنا أو كراهيتنا لها؟
كما تطل المعادلة المفارقة فى نهاية النص فى قوله: «يا من أسميكِ حلمًا تأجل، أكثر مما أطيق، وأطول مما، سأبقى!»؛ نلاحظ أن الحلم المؤجل الذى طال انتظاره مما أصاب الذات بالملل والقهر والفتور، ثم يحدث الإرباك النصى فى المشهد الثانى، «وأطول مما سأبقى!»، وتصنع علامة التعجب دلالة المخاتلة المشهدية التى ينسجها النص نفسه بعيدًا عن دور الشاعر، وكأن النص هو الذى ينتج معانيه من شحناته الداخلية؛ فكلما يتحرك للأمام يضىء أكثر مما يتحرك للخلف «كالدينامو مثلًا».
وهذه المعادلة الرياضية التى أفاد منها شعر فريد أبوسعدة تجعله شاعرًا مائزًا فى الشعرية العربية برمتها، لأنه ربط الثابت بالمتحرك، والمتحرك بالموت، والموت بالحب، والحب بالفيزياء؛ كلها تأويلات تكاد تقترب من الجوهر الحقيقى لشعر فريد أبوسعدة لما يمثله من وعى شعرى خالص، يدرك سقف القصيدة المكشوف كالأنثى التى يظن كل شخص مارٍ بها أنها تبتسم له وحده ولا تلتفت للآخرين. هو هذا شعر أبى سعدة؛ يرمى شباطه ومعادلاته فى حجورنا ويرحل ليبنى جبالًا شاهقة من الشعر، أو تكمن فيها روح الشاعر القطب الذى لا يعنيه المعنى بقدر ما يعنيه فناء المعنى فى روح الآخر العابر من حال إلى حال ومن سبيل إلى آخر.
اعتمد أيضًا على بنية الإبيجرام القصير الصادم، حيث إنه يجمع مشهدين متناقضين تربطهما معادلة خفية، وهى الرغبة فى الحياة الدائمة رغم فنائها المحتم، فيقول فريد:
«هنا
حيث نبدو كأنا نجونا
وكلّ المدينة غارقة
تحتنا»
تحديد الفضاء النصى فى الشعر من الأمور المهمة التيتميز بها شعر فريد فى هذا الديوان تحديدًا ««أنا صرت غيرى»»، فتتجلى روح المكان من خلال الإشارة إلى القريب «هنا»، وكأن المكان يسكن الذات الشاعرة أو تسكن هى فيه، تحاوره وتراقصه على حافة الليل والغرق والنجاة. هذه شعرية المتناقضات/ المفارقات التى تخفى الكثير من جماليات النص تحتها، فقد امتص قصة ابن نوح عليه السلام التى سردها القرآن الكريم فى سورة هود؛ قال الله تعالى: {قَالَ سَآوِى إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: ٤٣]. هذا هو الابن الرابع واسمه «يام» وقيل «كنعان»، وهو الهالك، وأما الناجى من ولد آدم فهو سام وحام ويافث، وكان كافرًا دعاه أبوه أن يؤمن ويركب معهم فرفض وصعد إلى الجبل؛ كان يظن أن الجبل سيعصمه من الموت.
يتجلى التناص القرآنى بشكل كبير فى نصوص فريد أبوسعدة، وهذا لا يخلو من دلالة تأويلية مهمة، وهى أنه العاشق الصوفى الأكبر فى شعرية السبعينيات، بل إنه يحاول أن يتناص تناصًا معكوسًا فى مناطق شعرية كثيرة. والحدث الذى اتكأ عليه من خلال «المدينة غارقة تحتنا» نستدعى منه الإشارة التناصية الخفية، وكأن الذات الشاعرة فى علوها ترفرف بعيدة عن الغرق، فهى ذات تنجو بنفسها متعلقة بمحبيها، فعشقها أنجاها مما كانت فيه من ذى قبل.
ويقول متحدًا بمقولات المتصوفة الكبار مستحضرًا أبا منصور الحلاج:
«أحبك
هذا صحيح
أحبك هذا أكيد
ولكن
ترى ما الذى كنت أعنيه حين صرخت:
أنا مغرم بك
هل كنت أعنى اكتمالى؟
وأنى بحبك أدركت معنى وجودى
وأنى بدونك لا شىء
أو
كل شىء
وأنى هنا
تحت هذى النجوم
وتحت عيونك
أدركت ما بى
وأدركت أن المدينة تركض
تحت ثيابي
وأن الإلهَ الرحيمَ،
الإله الذى أستجير به،
عرشه ها هنا
تحت جلدى
أنا!»
تتجلى روح المتصوف الأكبر الشاعر فريد أبوسعدة فى النص السابق، وقد لاحظت كثيرًا فى شعره هذه الظاهرة الفنية التى يتعايش فيها ببدنه وقلبه وملابسه التى لا تخلو من رائحة العشق الإلهى المنزه. النص محمل بالتأويلات المباشرة وتأويل التأويل، لأنه يمتح من معين السلف الكبار بروح الحداثة التى كانت تنطلق فى زهدهم وألقهم الليلى البهيم، كما جاءت صورة المعشوقة التى أعلنت الذات لها الحب الصريح، فهى الإله الذى يسكن البدن يمشى به ويحب من أجله ذاته.
يطرح أيضًا الفكرة التى طرحناها فى صدر كلامنا، وهى المعادلات المكتملة والناقصة المتحركة الثابتة فى شعرية أبوسعدة، لأنه يقول: «وأنى بحبك أدركت معنى وجودى، وأنى بدونك لا شىء»؛ وكأن الحب هو الذى يحقق الكمال البشرى للذات، بل تطفو فوق سطح الحياة لتعرج إلى آفاق الغيم العابد. فربما يكون الكمال الذى يتحدث عنه الشاعر ما هو إلا الوجود الكامل للذات، وأنها بدون الحب الخالص للنفس من ناحية والفناء فى المعشوق لن تكون الذات الشاعرة ذات قيمة حقيقية لها مداركها الواسعة التى تتدلى من العلو السماوى المسكون تحت عباءة الشعرية.
سيظل النص الشعرى لدى فريد أبوسعدة غامضًا ومنغلقًا أمام اتساع ثقافة الشاعر ونضجها وتحققها الخالص، وما زال مشروعه الشعرى والمسرحى يحتاجان الكثير من النبش والتفكيك الجماعى كى يمنحنا النص بعض خباياه وهباته الكامنة.
أعترف أنَّ دهشة نصه حطمتنى فعجزت أدواتى عن القراءة، بل لجأت إلى المحايلة القرائية كثيرًا فى قراءة شعر أبى سعدة، لأننا أمام نص عظيم لشاعر عظيم أيضًا، يتطلب جهود الباحثين عن جوهر الشعر وعوالمه السماوية.







