الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

مختارات من قصائد إبراهيم داود

حرف

منازل

فى الأدوارِ الأرضيةِ 

يمشى الناسُ فى رأسِكَ

وأنتَ نائمٌ

ويكونُ الزمنُ عجوزًا

يسكنُ معكَ

يقاسِمُكَ الرطوبةَ

ويَسبِقكَ إلى الشارعِ

قبلَ أن تغسلَ وجهَكَ.

فى الأدوارِ الأرضيةِ

تطلُّ عليكَ- وأنتَ بمُفرَدِكَ-

أشجارٌ هزيلةٌ

تُطالبُكَ بأن تتعاملَ مع الوَحْدةِ

برِفقْ.

تِسعُ سنواٍت 

كنتُ أخلطُ ثلاثةَ أنواعٍ من الشاى

كى أتأكدَ من وجودِ الطَّعمِ

واللونِ والرائحةْ.

تِسعُ سنواتٍ 

لم أفتحْ شُبّاكًا واحدًا

فى جدارٍ

ولم تَدخُلِ الشمسُ من فَرْجةِ البابِ

أصدقائى..

لم يشْعروا بوجودى

ولكنهم شاهدوا الموسيقى

تسيلُ على الحائطِ

وشاهدوا البخارَ يخرجُ من عَينى

وأنا أهتفُ

ضدَّ الخرابِ الذى كنسَ الشَّارعَ

تِسعُ سنواتٍ

فى غُرفتيْنِ بعيدتيْنِ

تمرُّ بينهُما..

سياراتٌ مسرعةٌ.

كان قُفْلٌ أكبرُ من محتوياتِ الغُرفَةِ

وطفلٌ يصرخُ طوالَ الوقتِ

فى مكانٍ ما

وألمٌ فى الكُلى

واحتقانٌ فى الحَلْقِ

وكانَ الشتاءُ امرأةً سمينةً 

ثرثارةً

معك فى مكانٍ ضيِّقْ.

....

كنتُ أريدُ أن أمشى عاريًا

فى المكان

كانتِ الشُّرفةُ المقابلةُ 

مغلقةً طوالَ الشتاءِ

وكانتِ الشمسُ قريبةً من شُرفتى

ذاتَ خريفٍ

سمعتُ غناءً غريبًا

رجّ البنايةَ المجاورةَ

وشاهدتُ الصيفَ

يفردُ جسدَهُ الشاسعَ

فى شارعِنا الضَّيقْ.

كلما مررتُ من هناكَ 

شعرتُ بالخطرْ.

كنتُ أصعدُ ستةَ أدوارٍ ونِصْفَ

لأفردَ جسدى

تحتَ سقفٍ تُرَى السماءُ 

من خلالهِ

موسيقىّ ونحّاتٌ هناكَ

يحرسانِ الليلَ بالقناديلَ

كنتُ أقطفُ الشِّعرَ 

على ملامحِ العابرينَ 

بينَ الغُرَفْ

فى الصباح

فى الصَّباحاتِ التى كانتِ الوحدةُ فيها 

ضروريةً..

وكان الإيقاع

عائقًا.. أمامَ الغناء

استقبلتُ العامَ الجديدَ 

هناكَ

فى المكانِ الذى ابتَكَرَنى اللهُ فيهِ

المكانِ الذى هجر

منذُ ثلاثينَ عامًا

وخمر النّومُ فيهِ

الواطئُ

الذى لم يَعُدْ يُشبِهُ البيتَ

البيتَ الذى كنتُ أكبُرُ فيهِ

وأعرَفُهُ جيدًا: خَمْسُ غُرَفٍ

وسُلَّمٌ غدَرَ بى ثلاثَ مَرّاتٍ

ورائحةُ طَعَامٍ

وأحزانٌ تَسْندُ الجُدْرانَ

وأصواتٌ بعيدةٌ

النومُ صعبٌ بعدَ ثلاثينَ عامًا

النومُ سُلطانٌ

هناكَ. 

جِيرانى الطّيبونَ الكِثارُ

الذينَ ألتَقيَهُم

وأنا على وشْكِ الرَّحيلِ

يَقولونَ لى:

لمْ نسمعْ لكَ صوتًا وأنتَ بينَنا

ولمْ نشعُرْ يومًا بأنكَ غريبٌ

ويطلبونَ من اللهِ

أن يُطَمِئنَ قلبى.

يَتصرَّفَ المُلاّكُ الجُددُ- عادةً- كالقادةِ

القادةِ الذينَ لم يدخُلوا معركةً 

فى حياتِهم

يختبرونَ قُدرَتَكَ على الإصغاءِ

ويُطالبُونكَ بالحِفاظِ على صَوْتِكَ

وحينَ يذهبُونَ إلى البَحْرِ

تظهرُ مَودّتُهُم تِجاهَك.

الموَدّةُ لا قيمةَ لها

فى الرّحلاتِ القَصيرَةِ

لأنَّ القطاراتِ تغيَّرَتْ

هى الأخرَى تغيّرتْ

تأخُذُ الناسَ 

إلى حيثُ لا يُريدُونَ

والإيقاعُ الذى كانَ يُمسِّدُ أرواحَهُم كى ينامُوا اختَفى

وظهَرَ جيرانٌ كثيرون

فى السَّفَرْ

ينتظرونَ نزولَكَ

فى المحطةِ التاليةْ.

الواقعيون

يجب أن نكون واقعيين أكثرَ

ونحن نتحدث عن العدل

لأن القططَ التى كانت تزعجنا

فى المطاعم الرخيصة..

اختفت،

لتظهر عماراتٌ جديدة فى المقابر

والعالم لا يحب الواقعيين

والواقعيون لا يحبون أنفسهم

...

تستطيع بسهولةٍ..

أن تستقل الباصَ إلى العملْ

وتوقع فى سجل الزائرين..

لكن المسافة بين المقاعد صعبةٌ

والحديث عن العدلِ

حديثٌ طويلْ

يذكرنا بالقطارات الرشيقةِ

التى رجمتها قُرانا بالأشواق

.. ولكنه يُصبِّرنا على الوقت

ويجعلنا رومانتيكيين

ونحن نتحدث عن الجنس

وساديين ونحن نتحدث عن التراب

.......

مات أصدقاءٌ فى المقهى

وكان الطعامُ على النار فى البيت

ولم تعد لدينا أفكارٌ جديدةٌ

للعشاء

...

نحن فى كتب الجبر

ضد النتائج

والعالم الواقعى مزدحم بالتفاصيل

...

عاد أصدقاء من السفر

كتبوا على الجدران أرقام هواتفهم

وتحدثوا إلى «البقال»

عن العفة .. و«الموضةِ» .. والنارْ

لنكن واقعيين 

كل شىء فى المدينة

جديدٌ.. ولامعٌ

وغارق فى الحياة

والحيل القديمةُ أصبحت قديمةً

ولا نستطيع إقناع الفقراء

بالنصر

ولكننا..

نستطيع أن ننصح المرضى

بالركض

ونعقد صفقةً مع الماضى 

تؤهلنا للغناء

«القانون» منح الخوف شرعيةً 

وترك ثغراتٍ لنا

لنتمكن- إن أردنا-

أن نرقص فى الظلام

فى اعتصام الحواس

يُظهر النردُ الغرائزَ طازجةً

ونحن نتسابق فى الليل

على ثمر الصمت

ونبحث عن خصوم فى الحانةِ

يفهمون التوترَ

ويقدرون الوحشةَ..

فى استطاعة كلٍ منا

أن يلحق موعده

لأن القطار مضى

وتجاوز عصرَ البخارْ

وحطَّم أغنيةً فى العرض

وصفَّق الجمهور فى النهاية

...

لنكن طبيعيين

ونحن نغير ملابسنا

لنخلع أسبوعًا من العمل

وسنواتٍ من الأحلام

لأن العالم الواقعىَّ

لا يُحب الواقعيين

قميص ملون قديم

أَلِف المكانَ بعد خمسة أيامٍ

ودق المسامير خلف الباب

وعلَّق ثيابه كلها

وجلس عاريًا يتأملها

وقال بصوتٍ متهدج:

ما جدوى قمصانُنا الملونةُ

فى أيامٍ كهذه؟

والغريب..

أنه ابتسم بعد ذلك

عندما تخيَّل خروجَه

وجلوسَه إلى أصدقائهِ

وتآمره معهم ضد العالم

- ولكن شيئًا ما سيحدث-

قال لنفسه:

عندما أفتح شباكى ويقذفنى الجيرانُ بالحلوى

سألبس لا شك هذا القميص

نعم

مبهجٌ بما يكفى

سيراقص ألوانَ الحديقةِ

وأنا أشرب بيرتى معها

وهى تشرب الليمون

وتتحسس شفتيها

تتحسسها

وأنا أتحدث بحماس

عن البط الذى يسبح فى الذاكرة

والفراشات التى تتحرك

فى الماضى