الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

أنا رسول نوبل.. محمود الشربينى: أبلغت نجيب محفوظ بخبر الفوز و«الأهرام» سرقت حقى!

حرف

- نجيب محفوظ نسب إلى «الأهرام» سبق إبلاغه بخبر الفوز بالجائزة على غير الحقيقة بينما أنا من أبلغته

- قال محفوظ للنقاش إنه ليس مهتمًا بنوبل ولا يحب حرق الدم فى انتظار الجوائز

- أبلغته بالخبر فى الثانية والنصف من ظهر يوم الخميس 13 أكتوبر 1988 حين كان جالسًا على مقهى فندق «شهر زاد» بالعجوزة

- لقد تكاسلت على مدار عقود عن توضيح الحقيقة ونفى ادعاء «الأهرام» بشأن إبلاغه بالفوز بجائزة نوبل

فى الثانية والنصف من ظهر يوم الخميس 13 أكتوبر 1988 كان نجيب محفوظ جالسًا على مقهى فندق «شهر زاد» بالعجوزة، فى ميعاد ليس من مواعيده المعتادة، ولم تكن أمامه الصحف التى اعتاد أن يفتحها، ولا فنجان القهوة، ولا السيجارة، وكان نصف جسده يميل إلى الأمام كأن شيئًا ما يشغله أو ينتظره.

فى تلك اللحظة وصل إليه صحفى شاب يعمل فى جريدة «الأنباء» الكويتية، اسمه محمود الشربينى، ليبلغه بخبر فوزه بجائزة نوبل، وهو الخبر الذى لم يكن قد وصله بعد، وكان مع «الشربينى» شاهد عيان، والتُقطت صور لهما حينها، وجرت تفاصيل محددة فى المكان.

لكن هذه الرواية بقيت غائبة عن السرد الذى تكرر بعد ذلك لأكثر من 3 عقود، وترسخت بدلًا منها رواية أخرى تقول إن «الأهرام» هى التى أيقظت «محفوظ» وأبلغته بالجائزة، وهى رواية استندت فى جانب منها إلى ما قاله «محفوظ» نفسه، وتناقلتها الكتب والحوارات والمقالات حتى صارت جزءًا من الصورة المتعارف عليها للحدث.

فى الشهادة التى تنشرها «حرف» فى السطور التالية، يعود «الشربينى» إلى تلك اللحظة، لا ليطالب بشىء فات أوانه، بل ليقول إن ما حدث يختلف عما رُوى، وإنه هو من أبلغ «محفوظ» أولًا، مدعومًا بشهادة شاهد عيان وصور، كما يسأل سؤالًا بسيطًا: لماذا لم يتحدث «محفوظ» عن هذا المشهد مطلقًا، ولا ابنته التى جاءت لاصطحابه فى اليوم نفسه، رغم أن الأمر كان كبيرًا؟

لكل واقعة قصة.. وربما تروى بأكثر من رواية.

تزخر الكتب والوثائق والسجلات والمذكرات التاريخية، وحتى الأعمال الأدبية- بالعديد من الروايات المتناقضة.. عن حادثة واحدة.. مثلًا هناك شهادات تشير إلى وجود روايتين متناقضتين تمامًا حول كيفية وصول مسودة رواية «أولاد حارتنا» إلى الأستاذ محمد حسنين هيكل، رئيس تحرير الأهرام «١٩٥٧-١٩٧٤» الأولى تؤكد أن الكاتب الكبير توفيق الحكيم هو الذى قدمها لهيكل، والثانية تقول إنها وصلت إليه عن طريق الكاتب الصحفى على حمدى الجمال!

الروايتان المتناقضتان مسجلتان وموثقتان.. بشهادات دُوِّنت فى كتب، وأخرى تم تناقلها شفاهة، وتناقل هذه وتلك كتاب كثيرون. الرواية حقيقة والشهادات بقيت بلا حسم حتى اليوم: كلمة مقابل كلمة وشهادة مقابل شهادة. 

يحدث هذا طوال الوقت.. فى المعارك الكبرى والصغرى على السواء. 

حدث هذا أيضًا مع قائد الجيش المصرى العظيم أحمد عرابى «١٨٧٩-١٨٨٢» المعروف بـ«وزير الجهادية» وقائد الثورة العرابية. فهناك روايتان متضاربتان حول ما إذا كان عرابى قد واجه الخديو توفيق من على ظهر حصانه- وهى الرواية الأكثر تداولًا شعبيًا، وتعليميًا أيضًا- وقال له فى ساحة ميدان عابدين جملته الخالدة: «لقد خلقنا الله أحرارًا ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا».. وبحسب رواية مغايرة فإن عرابى نزل عن صهوة جواده تعبيرًا عن التقدير لمنصب الخديو، ثم قدم له مطالب الشعب والجيش. لدينا إذن روايتان لم يثبت صحة أى منهما بالدليل القاطع. بقيت كلمة عرابى خالدة، وبقيت الروايتان أيضًا بلا حسم.. رواية مقابل رواية.. وكلمة مقابل كلمة.

تتعدد الروايات أيضًا بشأن شخصيات تاريخيّة كالملك فاروق مثلًا.. هناك من يصوره على أنه مظلوم وأنه رجل وطنى رغم كل ما عرف عنه من مجون ولهو وفساد شخصى وفساد حاشية. وهناك الشيخ سيد درويش الذى تتضارب الروايات حول أسباب وفاته، فمنها ما يشير إلى أنها تمت بسبب تناوله جرعة زائدة من المخدرات، وهى رواية تنسب للاستعمار الإنجليزى الذى كان يهمه التخلص من الشيخ سيد، ومنها ما يقطع بأن هذا الاستعمار هو من تخلص منه بتسميمه لمنعه من استقبال زعيم الوفد سعد زغلول العائد من منفاه! وحدث الأمر نفسه مع الناصر صلاح الدين الأيوبى، هناك رواية تصوره متسامحًا وأخرى تصوره براجماتيًا.

فى قضية من أبلغ نجيب محفوظ بفوزه بجائزة نوبل؛ نحن- صحفيين ومبدعين ومثقفين ومجتمعًا بأسره- أمام إشكالية من هذا النوع، إذا قُدّمت فيها معلومات وشهادات شهود وصور تصطدم بروايات أخرى تواترت، وشهادات تم الإدلاء بها حتى من أبطالها أنفسهم.. نجيب محفوظ وزوجته عطية الله! ويقينًا.. يقينًا.. هى تصريحات أو روايات ليست صحيحة. نعم ليست صحيحة.. أسمح لنفسى بأن أقول ما قلت مع الاحترام الكامل والتقدير العميق للأستاذ نجيب نفسه، وهو من هو، ومن نكتب هذا الكتاب لأجل توثيق حقيقة تتعلق به.. وكنت أظن- وبعض الظن ليس إثمًا عظيمًا- أنه هو من سيتفضل ويحرص على ذكر الحقيقة.. لماذا لم يفعل ذلك؟! «لا تكفى علامة استفهام وعلامة تعجب واحدة.. لطفًا ضع ما شئت وما تراه مناسبًا منها».

هل نقسم- أنا وشاهد العيان فتحى سعد- على أنها الحقيقة التى حدثت فى ذلك اليوم، ولم يأت عمنا نجيب لا هو ولا زوجته الفاضلة، أو أى كاتب من الكُتَّابِ من الموثوقين على ذكرها!! هل القَسَمُ سيفيد؟! أسمع أصداء القسم تتردد فى جنبات البعض.. متمتمين بسلاح المقولة الشعبية الشهيرة: قالوا لـ..........!

لا لسنا حرامية، لا أنا ولا فتحى سعد ولا ابنة نجيب محفوظ، وهى طرف أصيل فى الموضوع ولم تدل بدلوها حتى اليوم «وهذا سؤال كبير سنأتى على ذكره» ولا سائق السيارة الشاهين السوداء التى جاءت بها فى ذلك اليوم، عند الثانية والنصف ظهر يوم الخميس ١٣ أكتوبر ١٩٨٨، إلى مقهى فندق شهر زاد بالعجوزة، بينما كانت تمرق كالسهام، تفاصيل وأصداء خبر فوزه بجائزة نوبل فى الأدب لهذا العام.. وتملأ فضاء العالم بأسره. هى روايتى إذن مقابل روايتهم، رواية الكل مقابل واحد فقط هو أنا «وإن كنت مدججًا بشهادة شاهد عيان- وشهود بعضهم رحلوا- وبعض الصور.. وضمير مستريح.. لا يرجو جزاء ولا شكورًا.. فقد فات أوان كل شىء: التكريم.. الترقى.. جنى المال.. كل هذا انتهى، ولكن الحقيقة وحدها هى الباقية، ولا تموت ولا تسقط بالتقادم».

محمود الشربينى مع نجيب محفوظ
محمود الشربينى مع نجيب محفوظ

هل «عملت من الحبة قبة»؟ قد يقول قارئ هذه الجملة، وأرد عليه قائلًا: ولماذا يوجّه لى هذا الاتهام فقط؟ أليست الأهرام- وجميع الكتب الصادرة عن نجيب محفوظ بعد الجائزة تبرز مقولة الأهرام- غير الصحيحة- بأنها أول من أبلغت نجيب محفوظ بفوزه بنوبل؟ لماذا حين أرد وأكشف الحقيقة، أو أروى بالأدلة وشهود العيان والصور يقال لى «عملت من الحبة قبة»؟! لقد فعلوها أولًا.. وخلقوا ومعهم عمنا نجيب نفسه صورة ذهنية معينة، قوامها أنه كان نائمًا وبعض «الأهراميين» أيقظوه من النوم، وأبلغوه بفوزه بالجائزة.

خلق عم نجيب صورة ذهنية معينة، نسب فيها إلى الأهرام هذا السبق، اعتمادًا على أنه نجيب محفوظ، وأن ما يقوله لا يمكن مراجعته! كلما راجعت أحدهم، سواء كان كاتبًا كبيرًا، أو غير كبير، أو محررًا أو متدربًا أو صحفيًا مخضرمًا، فى هذه المقولة، وشرحت له أو فندت له أو حاولت يباغتنى بقوله: ده نجيب هو اللى قال! 

أحترم ما يقوله الأستاذ نجيب، وما يقوله الكتاب الكبار وغير الكبار والمحررون ومن يستعينون علىَّ فى الرد ويحاولون إخراسى بقولهم «ده نجيب اللى بيقول» احترامًا تامًا، والحقيقة هو وأنا مسئولان تمامًا عما جرى.. لقد سمحت له وللأهرام بالتمادى فى هذا الادعاء، وتكاسلت طيلة ثلاثة عقود أو أكثر، عن متابعة الأمر وتوضيح الحقيقة، بل أعترف بأننى أخطأت التقدير منذ يوم ١٣ أكتوبر ١٩٨٨.. عندما تصورت أن جريدة الأنباء الكويتية، من حيث إنها صحيفة يومية، مثلها مثل الأهرام، ما ينشر فيها يصل إلى كل الناس، ويوثق ما يكتبه محرروها! ثبت عدم صحة هذا الافتراض، وكان يليق بصحفى ما زال يشق طريقة، عين بعد ثلاث سنوات من تخرجه فى مكتب صحيفة عربية، فى حين ضنت عليه مؤسسة يتدرب فيها منذ العام ١٩٨٤ بالتعيين حتى اليوم «لم أعيّن فى صحيفة مصرية فيما بعد سوى الوفد»، كل تقديرى وعرفانى للأنباء، لا سيما وقد انضممت من خلالها إلى نقابة الصحفيين، وكان ذلك أمرًا عظيمًا فى ذلك الزمان لأسباب «مهنية»، ولا يزال عظيما اليوم لأسباب «مادية»!

قال لى الروائى فؤاد مرسى، وهو أحد من اهتموا بدراسة شخصية نجيب محفوظ، بكل دهائها ومَكْرِها وخداعها المحبب، وانضباطها الصارم والتزامها ببرنامج حياة «ما يخرش الميه» إن الرجل الذى التقانى على مقهى فندق شهر زاد فى ذلك اليوم البعيد لم يأخذنى على محمل الجد! لم يصدق حرفًا مما قلته له. كان ذلك وأنا على مشارف الانتهاء من هذا الكتاب، وقد لاحظ فؤاد استغرابى الشديد من تجاهل نجيب محفوظ «وابنته هدى أيضًا!» للقائى به وإبلاغى له بفوزه بنوبل الأدب لعام ١٩٨٨.. وهو إبلاغ لم يسبقنى إليه أحد، فى عصر كان يعتمد كليًا على التلكس والفاكس والتيكرز، والتليفون الأرضى- على استحياء- ولم يكن هناك موبايل أو إنترنت، وبالتالى لا رسائل نصية ولا إيميل ولا واتس أو ماسنجر.. إلخ هذه الثورة التكنولوجية التى نعيشها فى عالم اليوم! 

هيئة نجيب محفوظ فى ذلك اليوم كانت مختلفة تمامًا.. كانت جلسته - كما لمحته من بعيد وأنا أصعد سلالم العمارة المجاورة للفندق الذى يجلس محفوظ على مقهاه «فندق شهر زاد»- جلسة رجل قلق.. أو مترقب بمعنى أدق! جلسة رجل كان مشغولًا بـ«شىء ما». لا توجد أمامه كومة الصحف المعتادة، ولا يفتح صحيفة يقرأ فيها، وليس أمامه فنجان قهوة كما هو معروف عنه.. وليس بيده أو فى فمه سيجارة! كانت هيئته الأمامية غريبة، نصف جسده يميل إلى الأمام، خرج عن الكرسى الذى يجلس عليه، كما هو فى حالات الاهتمام الشديد، أو إذا كان يتحدث إلى أحد.. فيبدى احترامًا معهودًا فيه، ويسعى للإنصات إلى كلمات محدثه، كونه ضعيف السمع من إحدى أذنيه، أو فى حالات الترقب الشديد والانتظار.. لمحت هذا بنظرة طائر كشفت لى المكان كله، وأنا أبحث عن صديقى الذى ينتظرنى كل خميس على نفس المقهى «الأستاذ فتحى سعد» وبالطبع شاهدت الأستاذ نجيب، واندهشت، فقد كان ذلك فى غير مواعيده اليومية، فهو إما يرتاد المقاهى فى الصباح الباكر، أو عند المساء.. بعد أن يكون أخذ قيلولته المقدسة التى يتوازن بها مع يومه كله.. فيصبح المقهى وفنجان القهوة والسيجارة والقيلولة رباعى المتعة عند نجيب محفوظ. لم يكن هناك مجال لكى أرتبط أدبيًا بنجيب محفوظ، فأنا لم أكن محفوظى الهوى فى ذلك الوقت، أو بعده.. ولا حتى إدريسى.. وإنما كنت أفضل أن أكون «هيكلى»! فتننى الأستاذ هيكل، وفتننى الكتاب الصحفيون: صلاح حافظ فى المقدمة «وتلميذاه النجيبان عادل حمودة وشفيق أحمد على» ومصطفى أمين ومصطفى شردى ويوسف إدريس «كاتبًا سياسيًا وقاصًا» ولكنى كنت أكثر انخراطًا وتعلقًا بالدكتور زكى نجيب محمود. لم أكن محفوظى الهوى، وإن كنت قرأت بعض أعماله العلامة، مثل أولاد حارتنا وقلب الليل والثلاثية، لكنه كان الوحيد الذى لم اقترب منه بشكل كبير.. اقتربت من محمود أمين العالم وغرقت معه فى تفاصيل الحزب العمالى الشيوعى وفلسفة المصادفة، وحاورته أكثر من مرة خلال عامين تقريبًا، وتحايلت لمحاورة زكى نجيب محمود، وكنت أتهيب محاورته، رغم أننى تبينت من إطرائه علىَّ، أننى كنت أحد أفضل محاوريه، وسآتى على ذلك فى كتاب آخر، ولكنى لم أفكر فى محاورة محفوظ.. كنت أرى هالة الأديب الكبير طاغية فيما قرأت له من أعمال، وبالتالى لم أتعامل معه- بل لم أجرؤ فى الحقيقة- أن أتعامل معه على أنه مجرد موضوع أو حوار صحفى وينتهى الأمر.. حاشاى أن أفكر فى ذلك.. قد يكلفنى رئيس التحرير بمحاورة وزير أو حتى كاتب أو مسئول مهم، فأستعد استعدادات كانت تكفى من وجهة نظرى لإدارة حوار جيد.. مثلما حدث مع وزير الداخلية عبدالحليم موسى أذكر أن عنوان أحد حواراتى معه أثار غضب مبارك، فقد كان العنوان: إسرائيل لن ترسل لنا زهور البانسيه، ومع الدكتور ميلاد حنا، الذى أذكر عنوان حواره حتى اللحظة: أشعر أننى وردة ذبلت فى عيون الجماهير، ومع فرج فودة الذى كان يسمى جماعات الإسلام السياسى «حزب البقدونس»! 

لأننى لم أكن قرأت محفوظ بما فيه الكفاية، فإننى لم أسع للقائه، ولم أطلب أو حتى أقترح محاورته.. ومن ثم لم تنشأ علاقة إنسانية بيننا، لا قبل نوبل ولا بعدها! وهذه الأخيرة هى ثالثة الأثافى كما يقولون، وهو الخطأ الفادح الذى ارتكبته، من بين أخطاء عديدة ارتكبتها، خلال مسيرتى الصحفية الطويلة التى تناهز الأربعة عقود وأكثر.

ما الذى كان يشغل الرجل فى تلك اللحظات؟ كان هذا يوم نوبل.. يوم إعلان جوائزها.. فى كل المناسبات والحوارات التى أجريت معه، وأهمها حوارات رجاء النقاش معه، لم يبد محفوظ اهتمامًا بالجائزة المرموقة، مقارنة مثلًا بالاهتمام الشديد الذى أبداه - على مدى سنوات سبقت فوز محفوظ بالجائزة دونه- القاص البارع والمسرحى المهم يوسف إدريس- والذى أبدى اهتمامًا شديدًا بها، وأكد أنه كان مرشحًا دائمًا لها على مدى السنوات الخمس التى سبقت فوز محفوظ بها، لولا أن مواقفه السياسية ورفض السلام والتطبيع مع العدو والتنديد الدائم بالكيان الصهيونى، جعلت الجائزة تذهب إلى وجهات أخرى خلافًا لوجهته، حتى إن ثائرته قد ثارت بعد فوز محفوظ، ما جعل رجاء النقاش فى مقالات ناقدة لموقفه يصفه بـ«الرافض الوحيد» لفوز محفوظ بنوبل. «انظر: رجاء النقاش: فى حب نجيب محفوظ». 

شخصية نجيب محفوظ روتينية جدًا وتقليدية للغاية فى حياتها العادية، لباس معين لا يغيره ولا يغير Style ملابسه مطلقًا.. ولا حتى طريقه ولا مسار يومه، إلا فيما ندر.. ويبدو أن بعضًا مما حدث كان خارجًا عن المسار فى هذا اليوم. 

لا أظن أن محفوظ كان مثل يوسف إدريس ينتظر إعلان الفائزين بنوبل؟ هل كان موقفه هذا «تقية»؟ يصعب أن تسبر أغوار نجيب محفوظ، فالرجل داهية.. يلعب كرة قدم وهو نفاثة فى أرض الملعب وكاد أن يلعب لاحد الأندية الكبرى، لولًا أنه من فرط تقليديته ارتمى فى «أحضان الميرى واتمرغ فى ترابه»، عندما جاءته الفرصة، ليكون سكرتيرًا برلمانيًا لوزير الأوقاف، وبعدها انخرط فى العمل الحكومى، رافضًا كل محاولات الصحافة لاقتلاعه من جذور الوظيفة، ولم تغره الأهرام نفسها بجلالة قدرها إلا فى عام ١٩٧١، عندما كان موعد تقاعده قد حل وقضى وبلغ مأربه منه.

عندما نسى علبة سجائره وهو فى الأهرام وكان على موعد مع الحرافيش طلب من السائق أن يذهب به إلى البيت ليحضرها، وعندما وجد جمعًا كثيفًا من الصحفيين والإعلاميين ينتظرونه عند مدخل البيت «تحايل» على المشهد، وقرر أن يعود أدراجه إلى كازينو قصر النيل للقاء الحرافيش، من دون أن نعرف هل فكر فى شراء علبة سجائر بديلة أم لا!! فى الحقيقة هذا الجزء من بورتريه محفوظ رسمته استنادًا لكتابىَّ رجاء النقاش «نجيب محفوظ صفحات من مذكراته» وفى «حب نجيب محفوظ».. وفى كليهما لم أعثر على إجابة بشأن السجائر البديلة، وهل اشترى زعيم الحرافيش «نجيب محفوظ» علبة أخرى أم اعتمد على سجائر توفيق صالح مثلًا أو عادل كامل أحد أعمدة الشلة الحرفوشية!

محمود الشربينى مع نجيب محفوظ
محمود الشربينى مع نجيب محفوظ

وعلى الرغم من تقديرى العالى لإسهامات الكاتب الكبير والناقد البارع رجاء النقاش، إلا أننى سأدخل بعد قليل فى سجال مع كتابيه، لأنهما تضمنا روايات يجب تفنيدها، مصدرها محفوظ نفسه، وربما «أَمَّن» عليها النقاش أو تركها من دون تحليل أو نقد لأنها لم تمثل هدفًا لمرمى انتقاداته. لكنى أسعى من هذا البورتريه الجديد الذى أرسمه ليس فقط استنادًا لروايات النقاش، وليس فقط اعتمادًا على قراءاتى لكتب الأديب محمد سلماوى والصور التى رسمها له كُتَّاب آخرون، ورشحت عن حوارات صحفية أيضًا، لا سيما وأننى حاورته ثلاث مرات بعد نوبل، ونشرت له حوارات فى الأدب وفى السياسة وحوار خاص بعنوان «الوجه الآخر لنجيب محفوظ» «ستجدونها منشورة فى هذا الكتاب» بلغ عدد الحلقات المنشورة منها فى جريدة الأنباء الكويتية ١٢ حلقة.. تستحق أن ينظر إليها بعين النقد والتحليل، وهنا يطل اسم المبدع فؤاد مرسى مرة أخرى، حيث يلفت انتباهى إلى أنه «قرأ الحلقات الاثنتى عشرة، ولاحظ أن نجيب محفوظ يستحق الدراسة، من جديد، على ضوء هذه الحلقات التى تبرز ملامح مختلفة عنده» وأنه- أى فؤاد مرسى- لم يجد فى الببليوجرافيا التى أعدها الناقد السكندرى «شوقى بدر يوسف» أى إشارة أو تضمين لهذه الحلقات» وأعلن لى «إنه بصدد إخضاعها للبحث والدراسة». 

من المهم أن نتذكر الأجواء العامة التى عاشها محفوظ وأسرته، فسنبنى عليها جانبًا مهمًا ممًا سيرد فى هذا الكتاب، وما سيهتم بإبرازه والوصول إليه، وقبل أن أصل إلى حيث صبغ محفوظ لأسرته بصبغته المحافظة، أتذكر أنه فى حديثه مع النقاش عن توقعاته التى سبقت ليلة الإعلان عن الجائزة، فقد دار حوار فى الأهرام بين أقطاب الأدب والفكر الذين كانت الأهرام تزدان بهم آنذاك، من الحكيم وإدريس والشرقاوى وثروت أباظة وزكى نجيب ويوسف جوهر وبنت الشاطئ وغيرهم، وقد كان تَجَمُّعِهم- بحسب التوقيت الذى أشار إليه محفوظ فى حديثه مع رجاء النقاش- صباح يوم الأربعاء، أى قبل سويعات من إعلان الفائز بالحائزة، فقد نقل النقاش عن محفوظ أنه قال لهم: غدًا سنقرأ خبرًا صغيرًا فى الأهرام عن الفائز بالجائزة وينتهى الأمر! هل كانت تلك الرؤية نوعًا من «التقية»، كما تساءلت سابقًا، أم أنها كانت نوعًا من التسرع؟ أو الاستسهال؟ أو التبسط؟ أو كانت تفتقر إلى العمق والتأنى من كاتب مبدع له نظرته العميقة للأمور، ولكن منذ متى كان ممكنًا أن يكتشف أحدنا «التقية» إلا من خلال ممارسات عديدة ومتكررة! كان غريبًا عجيبًا أن يطرح رؤيته تلك، فنرى فى اليوم التالى بدلًا من أن يكون الفائز مجرد خبر على عمود، بأن الخبر يشير إلى فوزه هو بالجائزة، وأنه امتد ليشغل الصفحة الأولى، وبعنوان يُنشر على ثمانية أعمدة: نجيب محفوظ يفوز بجائزة نوبل فى الأدب، وخاب ظن محفوظ، فقد شوهد وهو يتصفح الأهرام، ويبدو المانشيت «ملعلع» معه فى الصورة، بينما هو يتابع البقية فى الصفحات الداخلية!

قال محفوظ للنقاش إنه ليس مهتمًا بنوبل ولا يحب حرق الدم فى انتظار الجوائز.. ومع هذا أتت إليه ولم تذهب إلى غيره، كان يشتاق إليها! هل فرض محفوظ هذه الأجواء فى بيته، فلم يعد أحد يهتم بها سوى عطية الله، التى أشارت حوارات عديدة إلى أنها تحدثت لمحفوظ باهتمام شديد عنها وحلمت بها، وأن هذا الحلم الذى عاشته زوجته كان يمثل عبئًا ثقيلًا على نفسه! الأجواء التى عاش فيها محفوظ وأسرته، هل فرضت عليهم أعوامًا من العزلة الإعلامية؟ لو جمعنا أحاديثهم وتصريحاتهم- حتى انفردت ابنته هدى بالمشهد الإعلامى بعد رحيل الأب والأم والشقيقة- لا تملأ صفحة جريدة ولا تغطى صفحتى دوبل فى مجلة مصرية ملونة! هل كان نجيب محفوظ متحررًا فى الكتابة من قيود الحياة والعادات والتقاليد- وإن كان يعبر بأدب وباحترام وبغير إسفاف أو ابتذال وبمهارة فائقة - لكنه كان ديكتاتورًا صارمًا كرجل محافظ! لم نعرف غير محمد سلماوى الذى دخل بيته مرات عديدة.. لكن محفوظ لم يُقرِّب أحدًا من أصدقائه بحيث يكونون من أهل البيت.. لا يفكر محفوظ بهذه الطريقة المصرية «الهلهلية».. هل كان هذا سببًا فى أن مشهدًا كالذى كنت البطل الرئيسى فيه، وأنا أبلغه بفوزه بنوبل، مر مرور الكرام عليه، لأن ابنته كانت طرفًا فيه، عندما جاءت لاصطحابه، بعد أن أبلغته وأخذت تصريحه وتم تصويره فى المقهى وفى الشارع؟ فلم يتحدث الرجل عن هذا المشهد مطلقًا وكأنه محاه من ذاكرته، وليس هو فحسب، فالابنة التى جاءت لاصطحابه، ولم يبد عليها أى دهشة أو انزعاج أو مفاجأة من تحلقنا حوله وتصويره فى الشارع، لم تنبس حتى اليوم ببنت شفه كما يقولون، ولم تأت على ذكر هذا المشهد مطلقًا؟ هل خشى محفوظ المحافظ جدًا على ابنتيه من ملاحقتهما كونهما إذا عرفتا كابنتى نجيب محفوظ أن يضايقهما الناس فى الشارع؟ ربما نعم وربما لا، فالرجل اختارهما مع سلماوى للسفر إلى السويد لتسلم الجائزة وهذا يضعهما مباشرة تحت الضوء. ولكن الغريب أنهما لم تكونا هدفًا سهلًا للإعلام.. فإلى أى مدى كان ذلك بتوجيهات منه أو من والدتهما؟ فرض الرجل النوبلى شديد الانضباط عليهما انضباطًا شديدًا، ربما- أقول ربما- أسفر فى النهاية عن التزام دينى وارتداء الحجاب من ابنته الباقية على قيد الحياة، فى تطور لفت انتباه بعض المتابعين، وبعض المشوهين لنجيب محفوظ وأسرته! نعم هناك من شوهوا تاريخ الرجل، كونه محافظًا جدًا وتقليديًا، ووصل بهم الأمر إلى حد اتهام ابنته هدى بالأخْوَنَةِ! 

يهمنا فى هذه الأسرة المحافظة أن نمد الخط على استقامته، فنرى إلى أى حد تأثرت أسرته بهذه المحافظة، إلى حد أنها اعتزلت الإعلام إلا قليلًا، حتى إننا فى هذا المشهد المهم جدًا والفريد للغاية، «مشهد نوبل الأول»، الذى رسمته أنا- مستعينًا بالعناية الإلهية وتقدير المقادير والصدفة البحتة أو التوفيق الإلهى- لم نجد ذكرًا له من أى نوع!! لماذا جرى التعتيم عليه، ومن المسئول عنه، وهل هو نتيجة هذا التحفظ المحفوظى إن جازت التسمية، أم أنه مجرد وهم وخيال من عندياتنا؟!