هوية بحجم الكف.. كيف اختصر الكردان مصر كاملة؟
- حمل الكردان فى تشكيلاته ملامح الأرض التى تنتمى إليها صاحبته من حارة قاهرية إلى قرية فى الدلتا أو بيت نوبى يطل على الشلال
- اختلفت التكوينات بين شمال البلاد وجنوبها لكن ظل الجوهر التشكيلى ثابتًا وكأن المعدن بدّل نقوشه ليتحدث بلكنة الأرض التى استقر عليها
- من ورشة الصائغ إلى يد المصمم استعاد الكردان حضوره بعد أن كادت الذاكرة تطويه فعاد ز ينة معاصرة تحمل شيئًا من مصر التى صاغته أول مرة
- وجد الكردان فى الفن والشعر عنقًا آخر يستقر حوله فما يعلّقه الصائغ حول النحر يستطيع الفنان أن يعلّقه فى اللغة
قطعة من الشمس المذابة تخط سيرة النساء على صدر الأرض. فى خطوطه العريضة يربض ذوق تشكّل بالصبر، وعين رأت فى النيل تماوجًا، وفى الطين رواءً يصلح لأن يُصاغ معدنًا يطوّق النحر. يتدلى على صدر امرأة كأنه اسم البلاد؛ مثل ستارة من ضوء، يثقل كاهل العنق ويمد الجسد بقوام الملكات، كأنما صُنع ليكون مرساة تثبت صاحبته فى ترابها، فتولد التضاريس من انحناءة المعدن، وترتسم من خشخشة الدلايات.
تبدأ حكاية الكردان من النار، بين مطرقة الصائغ ونَفَسه الساخن، ثم يصل إلى المرأة، فيلازمها كظل عتيق يأبى الزوال، يلمع مع كل حركة ويصمت حين تتكلم صاحبته. تنظر إليه الجدات، فترى كلٌّ منهن فيه مهرها القديم، وحصتها من سنوات الرخاء، وتلمسه الابنة فتمر أصابعها فوق الهلالات والخرز والنقوش التى حفظت خوف النساء ورغبتهن فى البقاء. تتوارثه البنات من عمق صناديق الخشب المعطّر بالمسك ودموع الوصايا، وفى كل حلقة نقشتها المطارق تفاصيل رزقٍ عَصىّ، وبيت، وامرأة تعرف أن ما تملكه قد يكون زينتها ونجاتها فى الوقت نفسه.
القلادة التى بدأت كطقس لحماية الأجساد ونذر للبركة تحولت مع الزمن إلى صك سيادة مصرية، هوية صاغتها النساء بملامحهن، وكتبن بها سيرتهن قبل أن تفكر الكتب فى تدوين التاريخ. كانت امتدادًا لعمرها، ومخزنًا سريًا لذاكرة البيوت، ومتَّكأً تستند إليه لتعلن انتماءها إلى حارة قاهرية، أو قرية فى الدلتا، أو بيت نوبى يطل على الشلال. تركت كل أرض شيئًا من ملامحها فيه، وكل يد شيئًا من قدرتها، حتى صارت الهلالات والصفائح والنقوش خريطة لا تُرسم بالورق.
كل كردان له امرأة وراءه، وكل امرأة تركت فيه بعضًا منها؛ وحين تتجاور حكايات النساء، تظهر مصر معلقة حول العنق.


ينطلق الضوء فى لوحة «العائلة» التى أنجزها محمود سعيد عام ١٩٣٦ من طوق سلاسل كثيفة تلتف حول نحر امرأة تشغل صدارة التكوين. لم يضع سعيد الطوق كإكسسوار لتعويض قتامة الملاءة السوداء ومنديل الرأس التقليدى؛ جعله مركزًا هندسيًا يمسك بنور اللوحة ويوزعه فوق الأجساد القوية المحيطة بها، من الأب الصامد إلى الصغير المستقر فى حضن الأرض. وبينما تنزلق العباءة السوداء عن كتفها، ينثر الذهب المتدلى بريقه فوق جسد الأم النحاسى، لتحدد قطعة المعدن ملامح صاحبتها وعالمها قبل استهلال السطور.
ويتأكد هذا الشغف التوثيقى فى «حاملة الجرة»، حيث يستقر الطوق اللامع فى قلب التكوين الريفى، وتتجاور النساء والدواب والبيوت فى مشهد يتداخل فيه الكردان مع تفاصيل الحياة اليومية، لتبدو القطعة الذهبية أقرب إلى أثر اجتماعى يحمل ملامح البيئة التى نشأت فيها، ويحتفظ بشىء من علاقة المرأة بمكانها ومحيطها.
سكون الطوق الحذر يتبدد صعودًا مع النهر فى لوحة «طقوس الزواج فى النوبة» التى أنجزتها تحية حليم عام ١٩٦٣، مستلهمة تفاصيلها من رحلتها الميدانية إلى بلاد النوبة قبل التهجير. تدخل المرأة النوبية وثقافتها الخاصة إلى الكادر، وتصوغ حليم قلادتها بضربات فرشاة خشنة تمزج لون الذهب بسُمرة الطمى، لتجعل من الطوق فريسكًا حائطيًا يربط عنق العروس بصلابة التاريخ المحيط بها.
ويمتزج البُعد الطقسى مع ريشة أحمد طوغان فى تسجيله للقرية المصرية، حيث يفارق الكردان حدود البورتريه الفردى لينغمس فى صخب الحياة اليومية. نلمح فى «زفة المطاهر» خطوط القلادة وسط تفاصيل الملابس ووجوه المشاركين وحركتهم.
سعيد يبنى المرأة داخل اللوحة بقطعة ذهب قائمة بذاتها، وتربط تحية حليم القلادة بطقوس الزواج النوبى وذاكرة المكان، ثم يتسع المشهد عند أحمد طوغان ليشمل العالم الشعبى بأكمله الذى تتحرك داخله النساء والقطع، لتتشكل صورة الكردان داخل حياة صاحبته، محاطة بالأسرة والطقوس والأشياء التى تمنح الحُلية مكانها فى العالم الذى تنتمى إليه.
تتبدل زاوية العين مع المستشرق البريطانى إدوين لونج، الذى سجل فى القاهرة عام ١٨٧٥ لوحته «Egyptian Beauty» «جمال مصرى». خطّ لونج السلاسل المتعددة المتدلية حول عنق الفتاة بدقة واضحة توثق ولعًا خارجيًا بتفاصيل الزينة المحلية. كان يترجم القلادة إلى لغة تشكيلية تمنح الرائى صكًا مباشرًا لملامح المكان وأهله.
وتكتمل الدائرة البصرية فى فوتوغرافيا المجلات والبطاقات البريدية القديمة التى رصدت حوارى القاهرة وريفها؛ ففى مجموعة فان ليو التى تحفظها مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تظهر صورة «An Egyptian Sudanese Lady Wearing a Tulle Dress»، التى التقطها فان ليو فى القاهرة عام ١٩٥١، وتبدو فيها المرأة مرتدية كردانًا ذهبيًا بارزًا فوق زيها التقليدى. تحتل القلادة مساحة واضحة فوق الصدر، وتشتبك حلقاتها مع ملامح الوجه ونسيج الثوب، كأن ترتيب الجسد أمام العدسة يمنح المعدن فرصة للظهور ويجعل منه مركزًا بصريًا يستقر عنده النظر.
ويحفظ أرشيف مكتبة ويلكوم مشهدًا موازيًا فى سجل صورة التقطتها وينيفريد سوزان بلاكمان لامرأة متزوجة حديثًا فى قرية دشطوط بمحافظة بنى سويف خلال عشرينيات القرن العشرين. ويصف السجل قلادة من العملات الذهبية وأقراطًا كبيرة ترتديها المرأة، موضحًا أن هذه الحُلى كانت تدخل ضمن جهاز الزواج، لتتجاوز القطعة حدود مظهرها المرئى وتدخل فى شبكة من العلاقات الاجتماعية والذكريات.
ومع أن الصورتين توثّقان حضور القلادة المصرية عبر زمنين مختلفين، تبدو الوقفة واستقامة الظهر وامتداد العنق غير عفوية، كأنها جزء من ترتيب المشهد أمام العدسة يهدف إلى تسليط الضوء على الكتلة المعدنية المستقرة فوق الصدر. فالخطوط الأفقية العريضة للكردان كانت تمنح جسد المرأة ثباتًا ورسوخًا فى الكادر، وتجبر العين على الاستقرار فى منتصفه ليتشرب القارئ ملامح المرأة من خلال البريق المحيط بها.
لقد تآمرت اللوحة والعدسة على جعل الطوق المعدنى المعادل البصرى الأقوى للمرأة المصرية، فتجاور بريقه مع ملامح الوجه وهيئة الجسد، حتى صار الكردان جزءًا أصيلًا من صورتها، يحمل فى حلقاته أثر المكان وذاكرة النساء اللاتى ارتدينه.


تمنح الحركة للمعدن صوتًا ظل حبيسًا خلف ضربات الفرشاة وإطار اللوحة الساكن، ويعبر معها الكردان إلى فضاء أرحب بين النغمات والصور المتحركة والكتب. تحول من مساحة ضوء مستقر حول الصدور إلى بطل يُغنّى باسمه، وتتحرك بسببه حبكة الرواية والقصيدة، وتستعيره الممثلة لتجسد ملامح امرأة تعيش فى زمن آخر، كأن ما صاغه الصائغ بالنار والمطرقة وجد فى الكلمات والألحان حياة أخرى تتسع فيها حكايات النساء.
طلّ الكردان من حنجرة الغناء الشعبى، محمولًا على كلمات تستدعى هيئة المرأة وتفاصيل زينتها. تجسد أنغام الصورة الصعيدية فى أغنية «وحدانية» عام ١٩٩٩، حين كتب عصام عبدالله ولحن أمير عبدالمجيد: «حاطة المشخلع والكردان على حسن هادى». لا تذكر الأغنية الطوق منفصلًا عن بقية الملامح؛ فالشعر والحناء والملابس تتجاور كلها لصنع امرأة تنتمى إلى قريتها حتى فى أصغر التفاصيل. وتدفع أغانى الزفة القطعة خطوة أبعد، لتنقلها من حدود الوصف إلى الطقس الجماعى؛ فتصل أغنية «يا بواللبايش يا قصب» بالعروس إلى لحظة ارتدائها للكردان قبل خروجها للعم والعريس، ليستقر المعدن كوثيقة علنية للفرح وصك انتقال الفتاة إلى حياة جديدة.
أما الكاميرا السينمائية فمنحت الطوق جسدًا يتنفس؛ إذ يمر الكردان الذهبى فى فيلم «عرق البلح» لرضوان الكاشف عام ١٩٩٩ بين الأحلام التى تغازل رجال النجع المغتربين، ويظهر صوته عبر أمنية شريهان وهى تغنى: «بيع النخل يا أحمد على.. ولبسنى كردانى»، ليصبح علامة على ما تتخيله المرأة فى غياب زوجها وجزءًا من الوعد الذى يغادر من أجله الرجال. ويتجسد هذا الأثر فى صراع درامى بالنسخة التليفزيونية من «الزوجة الثانية»، حيث تحولت القطعة فى الحلقة السادسة عشرة إلى محور اتهام وسرقة وشجار يغير مسار القرية.
ولأن العين لا تكتفى بما تراه، يقتحم الطوق فضاء الأدب بوقائع أعمق؛ ففى قصته القصيرة «الكردان» عام ١٩٦٠، يجعل محمود البدوى من الحُلية خيطًا يقود إلى كشف الجريمة، بعدما تُنتزع من عنق فتاة مقتولة ثم تظهر فى يد قاتلها، حاملةً أثر ما جرى. تتقدم القلادة فى مسار الأحداث كشاهد صامت قادر على تحريك الأحداث وربط نهاياتها.
وحمل الروائى الأسوانى عبدالرحمن أبوالمجد الاسم نفسه إلى رواية صدرت عام ٢٠٠٥ بعنوان «الكردان»، لتكون عتبة يدخل منها القارئ إلى عالم العمل، واسمًا يفتح بابًا إلى حكاية تتصل بالمكان وتحولات المجتمع. وفى الشعر، تحضر القطعة فى ديوان أمل عامر «سراديب الروح» كقصيدة كاملة، ثم تنتقل إلى مشروع «سينما الشعر» مع محمد أبوعوض، حيث تعبر الحُلية من اللغة الشعرية إلى الصورة، محتفظة باسمها وهى تكتسب هيئة فنية أخرى.
وجد الكردان فى الغناء والمسرح والقصة والشعر عنقًا آخر يستقر حوله؛ تحمل الأغنية أمنية المرأة، وتترك القصة فى المعدن أثر الجريمة، فيما تفتح القصيدة أمامه مساحة للتأويل. فما يعلّقه الصائغ حول النحر يستطيع الفنان أن يعلّقه فى اللغة، وفى كل مرة يستدعى الطوق عالمًا كاملًا وراءه.

تسكن الجينات التشكيلية القديمة فى انحناءة الذهب قبل أن تتوزع الملامح على الأقاليم؛ فالطوق العريض الذى يزين الصدر يمكن قراءته بوصفه امتدادًا شعبيًا لقلادات مصرية قديمة ذات ياقات عريضة. فالمشغولات الملكية الكثيفة التى أحاطت بالنحور قديمًا لحماية الأجساد ومنحها الوقار، غادرت جدران المعابد الفرعونية بمرور القرون، لتعيد النساء صياغتها بخامات أكثر التصاقًا بالحياة اليومية، محتفظات بالفكرة البصرية الأولى المتمثلة فى تعدد الصفوف الأفقية واتساع القطعة لتغطى عظام الترقوة بالكامل.
وتبدو الصلة أقرب فى بعض عناصر الحُلى الفاطمية؛ إذ تشير الباحثة دينا طلبة إلى أن الكردان الذى ارتدته المصريات فى القرنين التاسع عشر والعشرين استلهم عناصر من تلك الحُلى، مع اختلاف تكوينه العام. وتظهر أصداء هذا التأثير فى الهلال المفرغ، والزخارف المتشابكة، والحبيبات الذهبية الدقيقة، وهى مفردات أعادت الصياغة الشعبية ترتيبها داخل بناء اكتسب ملامحه الخاصة.
أما اسم الكردان نفسه، فيحمل مسارًا لغويًا موازيًا لمسار الشكل؛ إذ يربط الباحث اللغوى لوتشيانو روكى لفظة kirdân فى اللهجة المصرية بالكلمة التركية العثمانية gerdan، ذات الأصل الفارسى gardan بمعنى العنق. ويرصد قاموس سبيرو للهجة المصرية، الصادر عام ١٨٩٥، استعمال اللفظة بمعنى القلادة، وهو شاهد معجمى مؤرخ على الاسم، فيما يظل تحديد أول ظهور له فى الاستعمال المصرى سؤالًا مختلفًا عن تاريخ القطعة نفسها.
يتحرك البناء الهندسى العام للكردان فى خطوط نصف دائرية مرنة، تتشكل من وحدات معدنية صغيرة مرصوصة بعناية، تسمح للمعدن الصلب بأن يلين ويتماوج فوق الجسد، متخذًا شكل الحواف الدقيقة التى تنتهى بكتل متدلية تشبه حبات المطر أو أوراق الشجر.
لكن الوحدات المعدنية يُعاد تشكيلها وفق ملامح كل بيئة، فتأخذ فى بلاد النوبة شكلًا محليًا يُعرف بـ«كردان السمكة»، يتسم بهندسة رمزية واضحة تعتمد على الفضة أو النحاس المطلى، حيث يتوسط القطعة مجسم بارز لسمكة مجوفة ذات فتحة خفية، بينما تحاط الحواف بسلاسل مضفورة تنتهى بخرز زجاجى ملون. فقد أضافت بيئة الجنوب إلى القطعة سكينة خطوطها ورمزية النهر، اللتين انعكستا فى تبسيط الوحدات ليصبح التصميم خفيف الوزن، ملتحمًا بالبشرة ومناسبًا للحركة العفوية.
وينكسر البناء الهادئ للقلادة بمجرد الالتفات نحو بيئة الدلتا والصعيد، حيث يولد كردان الهلال بأشكاله المتعددة ذات الصفوف المتراصة المتتالية، ليعلن عن وفرة النقوش المأخوذة من العمارة التراثية وزخارف البيوت الريفية. وبالتوازى، عرف الوجه البحرى نمطًا فنيًا شهيرًا يُسمى «كردان عش العروسة»، يزدحم بتفاصيل معدنية ثقيلة تتداخل فيها خطوط الهلال العريضة مع مجسمات نباتية معقدة، وتتدلى من أسفلها دلايات مسطحة تصدر أصواتًا واضحة مع الحركة.
وتتلاقى هذه الروافد القادمة من أطراف البلاد فى أسواق القاهرة القديمة، بين خان الخليلى وسوق النحاسين، حيث أعاد الصاغة وحرفيو المدينة إنتاج الكتلة الريفية والخط الجنوبى بما يناسب الذوق المدينى؛ فخففوا من خشونة المعادن ودمجوا السلاسل الدقيقة بالخرز المرجانى، صانعين قوالب هجينة توازن بين ضخامة الإرث الريفى ورقة المدينة.
اختلفت التكوينات بين شمال البلاد وجنوبها، لكن ظل الجوهر التشكيلى ثابتًا، وكأن المعدن بدّل نقوشه ليتحدث بلكنة الأرض التى استقر عليها؛ فالجغرافيا التى صنعت ملامحه البصرية بقيت عالقة فيه حتى بعد أن جاب أبعد من حدودها.

يتغير صوت الكردان من قطعة إلى أخرى؛ فالهلال الذى يتكرر على صدر المرأة يختلف عن السمكة التى تختبئ فى جوفها حُجُب صغيرة، والكف المعلقة أسفل الطوق تحمل رجاءً مختلفًا عن عنقود العنب أو اللوتس. فقد وجدت المخيلة الأنثوية فى كل علامة معنى يستحق أن يبقى معلقًا حول العنق، ومتصلًا بما ترجوه النساء من خير وحفظ ورخاء.
وتذكر الفنانة أميمة السيسى، بعد بحث ميدانى فى الحُلى الشعبية، أن الهلالى كان له وظيفة تتجاوز التزيين، إذ ارتبط فى اعتقاد من ترتديه بدرء الحسد والسحر واستدعاء الخير. لذلك لم يكن الهلال مجرد وحدة زخرفية تتكرر فى بناء الطوق؛ كان علامة تحمل معها المرأة معنى الحفظ، وكأنها تضع حول عنقها جدارًا من الرموز فى مواجهة عين لا تراها.
ثم يأتى كردان السمكة حاملًا دلالات أوسع؛ فالسمكة فى الموروث الشعبى المصرى تحمل معانى الخير والرزق والخصوبة، وعُدّت فى مصر القديمة تميمة للحظ، فيما ارتبطت فى الثقافة القبطية بالخير والبركة، إلى جانب رمزيتها الدينية. وفى بعض أشكال كردان السمكة، يكون جسمها مجوفًا بما يسمح بوضع حجاب داخله؛ فتلتقى الوظيفة الزخرفية بالمعتقد، ويصبح الشكل نفسه حاملًا لفكرة الحماية والبركة.
أما النماذج التى تدخل فيها الكف ضمن بناء الحُلية، فتنقلنا إلى اعتقاد أكثر مباشرة؛ فالكف المرفوعة فى المخيلة الشعبية علامة لدفع الحسد، ومن ثم تكون «الخمسة وخميسة» صيغة رمزية تواجه «عين الحسود». وفى نمط «عش بعوارض»، تذكر مصادر توثيق الحُلى الشعبية أن بكل سِمْلك كفًا صغيرة، وأن هذه الكفوف وُضعت داخل التصميم للحماية من الحسد.
وتتخذ الحماية شكلًا هندسيًا مختلفًا فى «كردان عش هرمات»، الذى يتكون من خمسة مثلثات متدرجة، أكبرها فى المنتصف ثم تتدرج نحو الطرفين. غير أن الهندسة هنا ليست مجرد ترتيب زخرفى؛ إذ يرتبط شكل الهرم بتحوير العين، ومن ثم بالحماية من النظرة والحسد، كأن الصائغ واجه العين بعين أخرى تختبئ داخل الزينة.
ومن الرموز التى تمنح الكردان معنى يتجاوز الحماية، يأتى كردان عنقود العنب؛ فالعنب فى التراث الشعبى المصرى يرتبط بالخير والخصوبة والبهجة، وبالتالى يصبح العنقود المعلق على صدر المرأة شبيهًا بوعد صغير بالحياة الممتدة والثمار المقبلة. كما حضرت زهرة اللوتس فى بعض الصياغات المستلهمة من الموروث المصرى القديم، وتحمل فى الوجدان الشعبى معانى الخلق والبعث والتجدد والنقاء، حيث تتحول زخرفة الزهرة إلى تذكير بالدورة المستمرة للحياة.
وتتصل دلالات الكردان أيضًا بقيمته المادية ومكانته داخل الأسرة؛ فثقل القطعة، ونوع المعدن، ونقاء الذهب، وكثافة الصياغة، كلها عوامل تضعه داخل سُلّم غير مكتوب للثروة والمكانة. فكلما اتسعت القطعة وازدادت صفوفها ودلاياتها، ارتفعت كلفتها، وصارت الحُلية مرآة لقدرة الأسرة على الإنفاق، بينما أتاحت الفضة والنحاس والصفائح الأخف للنساء الأخريات الاقتراب من الصورة نفسها بموارد أقل.
ومع اختلاف دلالاته وقيمته، يتغير معنى القلادة ذاتها من امرأة إلى أخرى؛ فما كان بالنسبة إلى عروس شابة جزءًا من جهازها ومشهد بداية حياتها، قد يصبح عند سيدة أخرى مخزون أمان ماديًا، بينما يقف فى عنق ثالثة كذكرى باقية لأم غابت. وهكذا تتجاور داخل الحُلية الواحدة قيمة الذهب مع معانى الذاكرة، ويتشابك ما يُقاس بالجرام مع ما تعجز الموازين عن قياسه، لينتقل الطوق إلى مساحة أكثر دفئًا؛ يعيش على عنق جديدة بملامح قديمة، حاملًا رائحة البيوت وملامس الأيدى وصور الأفراح، وما تركته النساء من آثار صغيرة فوق معدن صُنع ليطول عمره.

تولد القلادة فى المسافة الضيقة الفاصلة بين النار والمطرقة، حيث لا يملك الصائغ سوى طاقة يديه ونَفَسه الساخن ليطوّع المعدن. وفى قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا داخل زقاق «بيت برسوم» العريق بحارة الصاغة، وشارع الخرنفس الممتد من الجمالية، تبدأ الورش يومها بضجيج منتظم؛ فضربات المطرقة فوق السندان تعيد ترتيب جزيئات الذهب أو النحاس لترد إليها مرونتها المفقودة.
طقوس الصهر داخل البوتقة الصغيرة لحظة مخاض يتحول فيها المعدن الخام إلى مادة طيعة، مستعدة لأن تتشكل فى هيئة صفائح رقيقة تنقش عليها مخيلة المعلم حكايات الأرض. وفى التفاصيل الدقيقة للأقلام الصلبة، تنعكس مهارة الأنامل التى تحفر الزخارف النباتية والهلالية، لتمنح كل خط دقته، وكل انحناءة ملامحها، وتولد من صلابة الذهب والنحاس حُلية تنبض بدفء اليد التى صاغتها، وتحمل فى تضاعيفها أثرًا إنسانيًا يظل عالقًا بها مهما طال به العمر.
فى الجنوب، يحمل جابر عبدالعظيم وجهًا آخر للصنعة؛ فقد نشأ فى أسرة توارثت صياغة الحُلى، وتعلم فنون صياغة الفضة من والده، وظلت المهنة ممتدة داخل العائلة. وبعد انتقال الأسرة من موطنها النوبى القديم، واصل جابر صياغة الحُلى يدويًا، ومن بينها الكردان، محافظًا على أدوات الصائغ التقليدية التى تنتقل من يد إلى أخرى. وعبرت العائلة ومعها الصنعة نفسها من مكان إلى آخر، وظلت المطرقة والسندان رفيقين دائمين للخطى.
تبدأ صناعة الكردان من جلب شرائح النحاس الأصفر أو سبائك الذهب عيار واحد وعشرين من تجار حارة اليهود، وتثبيت الرسم الورقى للوحدات بمادة لاصقة تسبق التخريم بالمنشار اليدوى، لتقطيع المعدن على هيئة الأشكال الهلالية المتواترة. وفى الأنماط الثقيلة، مثل كردان «عش العوارض» أو «الشبيكة التراثية»، يتجلى الفرق الحاسم بين العمل اليدوى والآلى. فالماكينات الإيطالية الحديثة فى المصانع الكبرى تعتمد على الضغط الآلى والسكب الجاهز لتخرج آلاف القطع المتشابهة والخفيفة، بينما يقاوم معلمو الورش اليدوية، كبيت برسوم، عبر تقنية «الريبو كاناتيل» والمنشار اليدوى والنقش بالأزاميل، وهى الفنيات الشاقة التى تمنح القطعة ثقلًا ومتانة، فيما تؤكد تلك العيوب الصغيرة المحببة فرادة المصنوع وهوية صانعه.
وبينما يتسرب السر المهنى الصامت عبر الأجيال كإرث تعجز الكتب عن تدوينه، تختصر النظرة المتبادلة بين المعلم والصبى داخل غبار الورشة سنوات من الخبرة الشفاهية. فالصبر والملامسة يعلمان التلميذ كيفية تركيب الوحدات الصغيرة باستخدام سبائك اللحام العتيقة، وضبط توازن الأدوار ليتدلى الطوق مستويًا فوق الصدر.
وتواجه الصنعة تحديًا وجوديًا مع تبدل الزمن؛ فحين يموت حرفى قديم فى حوارى الجمالية ولا يجد من الأبناء أو الصبية من يحمل عنه المطرقة والسر، تنطفئ معه ورشة كاملة وتتيم الأقلام الحافرة. ويهدد غياب الأيدى الماهرة بتحويل فكرة عاشت آلاف السنين إلى صور باهتة داخل المتاحف. فهذه الأصابع وحدها قادرة على منح المعدن فرصة متجددة للتنفس ومحاكاة أجساد النساء، إذ تضمن استمرار الرنين وحماية الطوق المصرى من التلاشى.

تسللت الخفة إلى تفاصيل الحياة اليومية، فخلعت النساء ثقل السنين عن أعناقهن، لينسحب الكردان بهدوء من تفاصيل النهار المصرى، تاركًا وراءه فراغًا لم تملأه الحداثة. تراجع حضور الطوق الذهبى مع تبدل إيقاع الزمن وتغير حركة المجتمع.
فالملابس التى كانت تتسع للكتل المعدنية الضخمة، كالجلباب والملاية اللف، انزوت لتفسح المجال أمام أزياء مدينية غربية تطلب حُليًا أكثر خفة ورقة، تناسب حركتها السريعة. لم يعد العنق يتحمل وقار الأثقال التراثية أمام هدير الموضة المستوردة التى فرضت شروطها على الذوق العام، فتحولت القلادة من رفيقة وفية للجسد يتنفس معها فى الأفراح والأسواق إلى قطعة معزولة تُحفظ فى الصناديق المغلقة، أو تُستدعى على استحياء فى المناسبات الكبرى، شاهدةً على زمن مضى، وعلى علاقة حميمة جمعت النساء بذهبهن فى تفاصيل الحياة العادية.
وتضافرت التحولات الاقتصادية مع تبدل أنماط العيش لتبعد الذهب الثقيل عن متناول قطاع واسع من الأسر؛ فارتفاع أسعار المعدن النفيس جعل اقتناء الصياغات الضخمة عبئًا ماليًا يفوق قدرة كثيرين، وانعكس ذلك على تكوين جهاز العروس وشكل الشبكة التقليدية. تغيرت حسابات الزواج وأولويات الإنفاق، وانتشرت الأطقم العصرية الخفيفة، فيما تراجعت الكتل الريفية المثقلة بالدلايات، وتصدعت الرابطة التاريخية بين وجاهة المهر وضخامة الحُلية. ومع اتساع الهجرة من الريف إلى المدينة وامتداد مظاهر التمدن إلى القرى نفسها، أُعيد تشكيل مفهوم الفخامة؛ فلم تعد ابنة البلد ترى فى وزن المعدن صكًا لسيادتها وسط الجماعة، واتجهت العين نحو البساطة التى تروج لها الشاشات ومجلات الموضة العالمية.
ربما ما يستحق الرثاء فى حكاية الكردان هو انقطاع الصلة بين الحُلية والعالم الذى جعلها جزءًا من صورة المرأة المصرية؛ فقد كانت تفاصيلها مألوفة للعين، مفهومة داخل مناسباتها، متصلة بذائقة تتوارثها النساء من دون حاجة إلى تفسير. ومع ابتعاد الأجيال عن ذلك العالم، تغيرت طريقة النظر إلى الكردان نفسه، وصار يحتاج إلى حكاية تردّه إلى مكانه القديم فى الحياة، وتروى ما كان يحمله من ملامح عصره وذوق نسائه. فبعض الأشياء لا تفقد معناها حين تغيب عن المشهد فحسب، وإنما حين يبتعد العالم الذى منحها ذلك المعنى عن التجربة الحية؛ وعندها تتحول محاولة فهمها إلى رحلة فى حياة لم تعد الأجيال الجديدة تعرفها إلا عبر ما بقى من آثارها.

حين بدا الكردان وقد غادر موضعه القديم فوق صدور الجدات، وجدت الحُلية طريقًا آخر لاستئناف الحياة؛ إذ لا تشترط العودة استعادة القطعة كما كانت، وإنما تولد من إعادة تخيلها لتناسب ذوق امرأة اليوم وتفاصيل نهارها.
تتصدر عزة فهمى هذا المسار من بوابة المجوهرات المعاصرة؛ ففى عام ٢٠٢٣ قدمت مجموعة «الكرادين» بثلاثة تصميمات حملت أسماء «نفيسة» و«هنية» و«عزيزة»، صُنعت يدويًا من الذهب عيار ١٨ وزُينت بالأحجار الكريمة، وأضافت إليها تأثيرات عثمانية وفيكتورية. احتفظت المجموعة بالخط الأساسى للكردان والهلال المتكرر، لكنها نقلته من حُلية الفلاحة المصرية إلى قطعة يمكن أن تعيش داخل خزانة المرأة المعاصرة.
ومن طريق آخر، تأتى إسراء النون، ابنة أسيوط، التى دخلت عالم الكردان من باب التصميم، بعدما رأت فى خان الخليلى أن القطعة تُقدَّم فى شكل واحد ونمطى، فبدأت تصنع نماذج مختلفة تستلهم الفن الفرعونى والإسلامى والحديث، وشاركت بتصميماتها فى معارض بأسوان والقاهرة. وتتجاوز إسراء حدود استعادة الشكل القديم لتفتح أمامه مجالًا جديدًا من التجريب، يصبح معه التراث مادة قابلة لإعادة التكوين.
أما نرمين الدمرداش، فتأتى من داخل الحرفة نفسها، محملةً بنظرة معاصرة للكردان؛ بدأت تنفيذ الحُلى فى الورش عام ١٩٩٧، ثم تفرغت لتصميمها عام ٢٠١٢ وافتتحت دار «مصاغ»، حيث تعمل على إعادة إحياء الكردان بتصميماته التراثية، مع استخدام النحاس فى بعضها بدلًا من الفضة المرتفعة التكلفة. وانصرفت عن صناعة القطع الفردية ليرتكز اهتمامها على تدريب الآخرين وإحياء الأقراط والقلائد التراثية، سعيًا إلى تشييد مدرسة للمصاغ المصرى تحمى المهنة من التلاشى حين يغيب صُنّاعها.
وفتحت الشاشة بوابتها لعودة أكثر جماهيرية حين ظهرت أغنية «لولا البنات»، ليظهر الكردان الهلالى ضمن إطلالة صاحبة العمل، فيلفت إليه الأنظار ويدفع إلى إعادة الحديث عن الحُلية الشعبية وتاريخها. خرج الطوق هذه المرة من صندوق التراث إلى كليب معاصر يصل إلى جمهور واسع، محتفظًا بشكله القديم وهو يتحرك داخل صورة جديدة.
من ورشة الصائغ إلى يد المصمم، ومن شكل محفوظ فى الذاكرة إلى زينة تعيش فى الحاضر، شق الكردان طريقه من جديد، عابرًا أصعب مسافة: من حُلية تكاد تغيب إلى قطعة تعرف كيف تستأنف حياتها. وكلما لامس عنقًا معاصرًا، حمل معه شيئًا من مصر التى صاغته أول مرة.







