جنة أبناء أمراء الحرب.. حياة أخرى خلف دخان الجبهات
- النخبة المسلحة توظف عقود الزواج لتثبيت أركانها وربط مصائر الجبهات ببعضها لتذوب الحدود الجغرافية أمام شبكات المصالح
- ساعة على معصم ابن عبدالملك الحوثى عادلت وفق التقديرات المتداولة رواتب نحو 1000 موظف يمنى
- «قادة داعش» كانوا يحتفظون بأبنائهم بعيدًا عن الخطوط الأمامية
- طهران والدوحة وتركيا وأستراليا أكثر من عواصم ودول على خريطة الحكايات
- قادة طالبان أرسلوا بناتهم إلى التعليم بالخارج فيما فُرضت القيود التعليمية على ملايين الفتيات فى البلد نفسه
بعد نشر ملف «قبل أن يضيع اليمن»، وصلنى فيديو لزفاف متداول فى طهران، قيل إن العريس فيه ابن أحد القيادات الحوثية، وإن العروس إيرانية. أرسله لى أحد الزميلين— اللذين كنتُ قد وصفتهما سابقًا بأنهما «جمعتهما الدراسة والقاهرة وفرقتهما السياسة»— وكتب لى متسائلًا: «عارفة ده مين؟»
للحظة، كان من الممكن أن يبدو الفيديو مجرد حفل زفاف عادى؛ لكن المصادفة القدرية كان لها رأى آخر، فما إن ظهر الأب حتى عرفته، فالشخص الذى قيل إن العريس ينتمى إلى عائلته ليس اسمًا بعيدًا عن ذاكرتى، أو بمعنى آخر، الوالد الذى يتردد أنه قيادة حوثية. كنت قد التقيته فى اليمن، وزارنى فى الفندق، وكان فى مرحلة ما حلقة الوصل الأولى بينى وبين الحوثيين.
لن أفصح عن اسمه، فهذه ليست حكاية عن شخص بعينه، ولا أريد أن أحول ذاكرة قديمة إلى اتهام جديد. لكن صورته هذه المرة أعادت إلىّ وجهًا أعرفه من زمن آخر، ووضعته أمام مفارقة أكبر من قصة زواج عابر. رجل يأتى من قلب الحرب، وابن يتزوج فى طهران.
بين الصورتين مسافة تستحق النظر. استوقفنى طويلًا التناقض بين الصورة والخطاب؛ بين عالم يطالب الجماهير بالزهد والتضحية والموت والشهادة، وحياة أخرى لأبنائه تدور حول الزواج والسفر والتعليم والمقتنيات والعلاقات والنفوذ.
الحرب لها جغرافيا ظاهرة: جبهات تتحرك، مدن تُقصف، طرق تُغلق، أسواق تُهجر. خريطة يقرأها الجميع. لكن حولها قد توجد جغرافيا أخرى خفية تفرض سؤالها: هل يصنع أمراء الحرب لأنفسهم ولأبنائهم حياة بديلة عن تلك التى يعيش فيها الآخرون آثار الحرب؟

ابن قيادى حوثى.. زفاف لا يشبه الجبهة
«ابسُروا.. عيال القناديل يتزوجون فى طهران، وعيال الزنابيل يموتون فى الجبهات!»؛ ربما كانت هذه العبارة أكثر ما اختصر الطريقة التى استقبل بها الشارع اليمنى تفاصيل الحفل المتداول. فالأثر الذى تركه لدى عائلات يمنية تتابع المقطع عبر الهواتف تعدى حدود المشهد بأجوائه الاحتفالية التى سمحت باختلاط الرجال والنساء، وتشابك فيها صوت الموسيقى مع شيكات قيل إنها قُدمت مهرًا للعروس؛ تبعتها جملة بالفارسية «خودی نشون داده یمن»، أى «اليمن أثبت نفسه».
فقد استوقف اليمنيين أيضًا ما يحيط به من حياة تبدو أبعد من نطاق أحلامهم، طمأنينة شابّ يتنقل فى طهران بداعى الدراسة. بينما تثقل الشوارع فى الداخل وطأةُ الصمت الميدانى وانسداد أفق المعيشة، تنفتح هناك مساحات أمان مستقرة بعيدة عن الجبهة، ليصبح الذهاب إلى الخارج خيارًا يحمى سلالة القيادة ويبعد الأبناء عن لهيب المواجهة، فيما يُجرى حشد أبناء القبائل والشباب اليمنيين إلى جبهات القتال.
وركزت تعليقات متداولة على مواقع التواصل الاجتماعى على «ازدواجية المعايير»، فى ظل القيود التى تفرضها ميليشيا الحوثى على الاختلاط فى عدد من الجامعات والمؤسسات التعليمية الواقعة تحت سيطرتها؛ فبينما تُبرر الجماعة هذه الإجراءات بالحفاظ على «القيم والأخلاق»، يشير المقطع إلى أجواء مختلفة فى مناسبة مرتبطة بأحد أبناء قياداتها فى إيران.
تتولى وثائق الزواج فى مناطق سيطرة الحوثيين رسم الحدود التى ينبغى أن يقف عندها البسطاء. ففى إب حددت وثيقة «تيسير الزواج» المهر بـ٨٠٠ ألف ريال للبكر و٤٠٠ ألف للثيب، ونصت على مصادرة أى زيادة نقدية أو عينية تتجاوز السقف المحدد. وفى أرحب بصنعاء، ظهرت وثيقة أخرى حددت مهر البكر بمليون ونصف المليون ريال، وفرضت على المخالفين غرامات تصل إلى مليون ريال، فضلًا عن مصادرة المبلغ الزائد والسجن من أسبوع إلى شهر.
ومع أن المليون ريال يمنى— فى ظل الانهيار التاريخى للعملة— يُعد مبلغًا زهيدًا لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات، غير أن القمع الاجتماعى يمتد أيضًا ليتتبع صالات الأفراح والجامعات. ففى تعميم آخر فى ٢٠٢٥، حُظر الغناء فى مناسبات الأعراس واستُبدلت به «الزوامل» الحوثية، تحت شعار «الهوية الإيمانية» وذريعة تقديس دماء من تصفهم الجماعة بالشهداء.
تطوى التخوم الشاسعة بين طهران وصنعاء حدودَ المال لتكشف خريطة الجغرافيا الشخصية لأبناء النخبة. يواصل الأب اعتلاء الشاشات داعيًا إلى التقشف والصمود وحشد الشباب نحو خطوط النار، بينما يختط لابنه حياةً مريحة. فما بين حفل متكامل الأركان فى عاصمة إقليمية ووثيقة مشددة تلاحق تفاصيل زواج الفقراء، ترتسم المسافة الواقعية التى تحكم جيلين؛ مسافة تحدد من يملك خيار نسيان الحرب، ومن يظل حبيس الأرض التى تدور فيها.

زينب سليمانى.. المصاهرة كخريطة للنفوذ
تتشابك الخطوط الذهبية لاسمين نُقشا بعناية فائقة تحت صورة لشموع تتوسطها كلمة «حب»؛ هكذا اختارت زينب مغنية، ابنة القائد العسكرى لحزب الله، أن تُعلن عبر الفضاء الرقمى عن زواج زينب سليمانى من رضا صفى الدين. فالواقعة التى تسللت بهدوء من حسابات إنستجرام لتهز منصات، تحمل دلالات أوسع من ارتباط شخصى تكلل بالنجاح.
فالعروس هى الابنة المقربة لقاسم سليمانى، قائد فيلق القدس، أما العريس فنجل هاشم صفى الدين، رئيس المجلس التنفيذى لحزب الله حينها، وابن شقيق عبدالله صفى الدين، ممثل الحزب فى طهران. نحن أمام عائلتين تقعان فى قلب دوائر القرار العسكرى والأمنى الإيرانى واللبنانى؛ ولذلك تبدو المصاهرة أبعد من ارتباط شخصى، إذ تصل بيتًا كان رأسه قائدًا لأهم أذرع إيران الإقليمية، ببيت كان صاحبه فى موقع قيادى متقدم داخل حزب الله. هذا الحشد من الألقاب والروابط العائلية العابرة للحدود تمدد فجأة فى حفل غابت تفاصيله الرسمية وحضر ثقله الرمزى، ليعيد رسم ملامح نخبة تتشابك دوائرها بين طهران وبيروت.
من قلب المآتم المفتوحة وصيحات الثأر التى ملأت الشوارع عقب مقتل الجنرال الإيرانى، قفز التوقيت ليفاجئ المزاج الشعبى العام. إذ تتجنب العائلات فى إيران عادة إقامة عقود القران قبل مرور عام كامل على غياب ذويها احترامًا للحزن، غير أن قرار الزواج العاجل بعد ٦ أشهر من مقتل سليمانى فى بغداد ٢٠٢٠، جاء ليعزز تقاربًا من نوع آخر. وبينما يواصل الخطاب الإقليمى للجماعة حشد الأنصار تحت شعار «محور المقاومة» وتقديم التضحيات فى الخنادق، يرتفع البناء العائلى للقادة ليوثق صلات دينية وسياسية ممتدة تتحول معها التحالفات العقائدية العسكرية إلى نسب دم شديد الحصانة والمشروعية.
وفى مايو ٢٠٢٢، دخلت المصاهرة نفسها إلى مسار آخر أكثر اتصالًا بالخريطة الإقليمية. حيث قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلى إن رضا صفى الدين يزور إيران عدة مرات شهريًا، حيث تقيم زوجته زينب سليمانى، واتهمه بأن هذه الزيارات تُستخدم لتنسيق نقل أسلحة متقدمة من إيران إلى حزب الله عبر دمشق. صحيح، الرواية إسرائيلية المصدر، لكن تفصيل الزيارات يضيف إلى صورة الزواج بُعدًا مختلفًا؛ فصلة النسب بين عائلتى سليمانى وصفى الدين ليست مجرد ارتباط شخصى عابر.
إذ يبدو كصفقة سياسية تجمع عائلتين تتحركان فى أعلى هرم القرار المسلح. فالنخبة المسلحة توظف عقود الزواج لتثبيت أركانها وربط مصائر الجبهات ببعضها. لتذوب الحدود الجغرافية أمام شبكات المصالح، وتستحيل الروابط الأسرية إلى امتداد خفى لشبكات تدير مقدرات الصراع، فهى فى جانب من حقيقتها عائلات مغلقة تستثمر فى الدم والساحات المشتعلة لحماية عروشها وتأمين أبنائها خارج معادلات الحرمان والموت.
أبناء الميليشيات العراقية.. سيارات لا تعرف الخنادق
فى أبريل ٢٠٢٢، اجتاحت منصات التواصل العراقية صور مجموعة من الشبان، جمعتهم سيارات مرسيدس «G-Class» من طراز ٢٠٢١، يلامس سعر الواحدة منها ١٣٠ ألف دولار حسب التقارير المتداولة. نُسب الشبان فى المنشورات إلى أبناء قيادات فصائل مسلحة عراقية؛ منهم حسين نجل شبل الزيدى، زعيم كتائب الإمام على، وعلى نجل أحمد محسن فرج الحميداوى، زعيم كتائب حزب الله، ومحمد نجل أحمد المكصوصى، معاون زعيم كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائى، إلى جانب فواز نجل رعد المالكى، معاون رئيس أركان الحشد الشعبى، وأبوالفضل نجل حسين فالح، المعروف بأبوزينب اللامى، رئيس جهاز أمن الحشد الشعبى، ومحمد نجل ابنته زينب.
خرجت السيارات من إطارها المعدنى ودخلت سجالًا عن حياة أبناء القيادات، اختزله تعليق رافق الصور: «سيارتك بخمس شدات.. بيتك قصر.. تفتر بالإمارات ولبنان وبريطانيا وألمانيا». فالشبان الذين ظهرت أسماؤهم فى الصور لم يكونوا، حسب الشهادات الميدانية، من الوجوه المعروفة فى ساحات القتال مع آبائهم، ولا من أصحاب المواقع الرسمية داخل الفصائل. وفى حالة «كتائب حزب الله»، وثق معهد واشنطن معلومات عن شبكة عائلية واسعة حول أحمد محسن فرج الحميداوى، شملت أشقاءه الذين شغلوا أدوارًا داخل التنظيم. كما صحح المعهد نفسه لاحقًا معلومة عن صورة نُسبت فى البداية إلى نجله زيد، موضحًا أنها تعود إلى قريب آخر لم يُكشف اسمه.
من زاوية أخرى، تتصل الحكاية بوجه آخر للاقتصاد السياسى للميليشيات. فقد رصدت تقارير صحفية خلال السنوات الماضية نشاط بعض قادة الفصائل فى العقارات والمطاعم والاستثمارات، ففى تلك البيئة، تمثّل السيارة أكثر من مجرد وسيلة انتقال؛ موديلها، سعرها، والمكان الذى تظهر فيه تصنع ملامح عالم اجتماعى له ذائقته ودوائره وقدرته على الحركة.
وتزداد دلالة الصور حين تجاور خطاب يستحضر باستمرار تضحيات المقاتلين وأبناء المناطق التى قاتلت تنظيم الدولة. شبل الزيدى نفسه قال فى يوليو ٢٠٢٢ إن «الأمان الذى نعيشه ونشهده» يعود إلى الحشد وتضحيات أبنائه. بَيد أن العبارة ذاتها تكتسب معنى ملتبسًا على حافة السخرية؛ فهل المقصود بها الأبناء البيولوجيين أم المجندين الذين يحرسون الخنادق؟
لا تفسر السيارة مصدر المال، ولا تثبت الصورة وحدها حجم الثروة؛ إذ تكمن قيمتها فى الحكاية بوصفها تفصيلًا اجتماعيًا مرئيًا يعرّى العالم الذى يتحرك فيه الابن؛ دوائر الاستهلاك، والقدرة على الحركة، ومكانة يصنعها الاسم قبل أن يبدأ صاحبها فى صناعة اسمه بنفسه. هى علامة طبقة اجتماعية جديدة صنعتها الحرب، وتتحرك فى شوارع لا يملك معظم أبنائها ثمن بنزينها.

أحمد عبدالملك الحوثى.. ساعة تختصر المسافة
على معصم شاب فى حفل زفاف حوثى، استقرت ساعة من ماركة «Patek Philippe» الفاخرة، حملت رقمًا أثقل من تفاصيل العرس نفسها. حيث تداولت وسائل إعلام يمنية الصور فى أبريل ٢٠٢٤، وقالت إن أحد العريسين هو أحمد، نجل عبدالملك الحوثى، فيما قيل إن العريس الآخر شهاب، نجل أحد أشقاء الحوثى. وتراجعت بعض التغطيات خطوة أمام الصورة، فأشارت صراحة إلى أن هوية العريسين لم تكن مؤكدة بصورة مستقلة. أما الساعة، فقد قُدرت قيمتها المتداولة بنحو ٨٥ ألف دولار.
لم يحتج الرقم إلى كثير من الشرح كى يشق طريقه إلى النقاش اليمنى. فالناشط عبدالله بن يوسف السعيدى حسب قيمتها بما يعادل رواتب نحو ١٠٠٠موظف يمنى، لتنتقل المقارنة سريعًا إلى قضية الرواتب التى توقفت أو فقدت جزءًا كبيرًا من قيمتها خلال سنوات الحرب. تنحت الساعة من تفصيلة صغيرة فى صورة عائلية إلى رقم يقاس به الفارق بين دخل موظف ينتظر راتبه ومقتنى يصل سعره، وفق التقديرات المنشورة، إلى عشرات آلاف الدولارات.
الجدل الشعبى أخذ مسارًا مغايرًا حين أعادت المنصات التذكير بالهالة الثقافية والأيديولوجية التى تصدرها الميليشيا عن زعيمها، وما يروى عن زهده وبساطة طعامه، ثم وضعت صورة الابن وساعته فى السياق نفسه. لم يكن الشارع بحاجة إلى كليشيهات أو مواعظ إضافية لفهم المفارقة، يكفى أن تقفز الصورة من شاشة إلى أخرى حتى يستقر المعصم فى مساحة ملتهبة حول الطبقة والمكانة.
من عمق هذا التناقض الصامت، انبثقت المقارنة لتضع زفاف الابن وساعته الثمينة فى مواجهة مباشرة مع الخطاب الذى يقدّم الصمود والتقشف بوصفهما طريقًا مفروضًا على مجتمع أنهكته الحرب. فالزهد الذى يصدح فوق المنابر يكتسب معناه حين يصل إلى الحياة اليومية، وحين تتقاطع فى المشهد العائلى لقيادة سياسية صورة تحمل إشارات مختلفة عن تلك التى اعتاد الجمهور سماعها داخل دائرة يفترض أنها الأقرب إلى خطاب التعبئة وتحمل الكلفة.
قد تكون الساعة مجرد شىء يلتف حول المعصم، لكنها لا تأتى من متجر معزول عن بقية المشهد. وفى الصورة التى التقطتها الكاميرا، اجتمعت أسئلة أكبر عن المسافة بين الخطاب ومظاهر الحياة الخاصة، وعن الامتيازات التى يمكن أن تنشأ داخل الدوائر القيادية فى زمن الحرب. كانت ساعة الحوثى تفصيلًا صغيرًا لمع للحظة، ثم أخذ حجمه من العيون التى قرأته، ومن مجتمع يعرف جيدًا معنى أن يتحول الراتب إلى انتظار، وأن يمسى الإنفاق اليومى معركة أولويات.

هانية صفوى.. ابنة الجنرال التى عبرت إلى أستراليا
ثمانية أشهر فقط فصلت بين وصول هانية صفوى إلى أستراليا بتأشيرة طالب فى فبراير ٢٠٢٤، وحصولها على الإقامة الدائمة فى أكتوبر من العام نفسه عبر تأشيرة المهارات المستقلة «١٨٩». وصلت لتكمل دراستها، ثم وجدت لنفسها موقعًا قانونيًا يسمح بإقامة طويلة، واستقرت لاحقًا فى السجلات المهنية الأسترالية بوصفها أخصائية نفسية تحت التدريب. رحلة قصيرة زمنيًا، لكنها نقلت ابنة أحد أبرز رجال المؤسسة العسكرية الإيرانية إلى حياة أخرى، فى بلد يبعد عن طهران آلاف الكيلومترات.
اسم والدها أعاد ترتيب الحكاية. هانية هى ابنة يحيى رحيم صفوى، القائد السابق للحرس الثورى والمستشار العسكرى للمرشد الإيرانى، وهو مدرج على قوائم العقوبات الأسترالية منذ ٢٠١٢. لذلك لم يكن وصولها إلى أستراليا مجرد سيرة طالبة تبحث عن جامعة؛ فمع انكشاف صلة القرابة، تحولت الإقامة إلى قضية أثارت اهتمام الجالية الإيرانية وبعض السياسيين الأستراليين، وتقدمت عرائض تطالب بمراجعة منحها الإقامة. وهو ما أوضحته لاحقًا وزارة الداخلية الأسترالية حين قالت إن طلبات التأشيرات تُدرس حالة بحالة، وإنه على صاحبة الطلب استيفاء الشروط الخاصة بالمسار الذى تقدمت من خلاله.
الحياة التى بنتها هانية هناك تحمل تفاصيل أبعد من بطاقة الإقامة. تقارير عن مسارها أشارت إلى إقامتها فى تاونسفيل ثم وجودها فى ملبورن، مع اتجاهها إلى العمل فى مجال علم النفس، بينما ظلت هويتها العائلية بعيدة عن كثير ممن تعاملوا معها فى أستراليا قبل أن ينتشر الخبر. ووفق تقرير آخر، تحدث أصدقاء لها عن أنها كانت تتجنب الحديث عن والدها وخلفيته، قبل أن تطفو صلة القرابة على السطح بنطاق أوسع.
تمنح الحكاية الابنة تجربة شديدة الخصوصية؛ اسم ينتمى إلى مؤسسة عسكرية ثقيلة، وحياة مهنية تتشكل فى مجتمع آخر بقواعده وشهاداته وسوق عمله. والدها صنع اسمه داخل منظومة السلطة فى طهران، بينما بنت هى سيرتها عبر الجامعة، والتسجيل المهنى، والإقامة، ثم الحياة اليومية فى مدينة أسترالية. لا تختفى العائلة من المشهد، لكنها تتراجع خطوة كلما تقدمت الابنة فى طريقها الشخصى.
لكن القصة تترك شيئًا أعمق من الجدل الذى أحاط بالإقامة: أن أبناء رجال القوة يستطيعون أحيانًا تحويل بلد آخر من محطة للدراسة إلى مساحة كاملة للحياة، باسم مهنى ومسار قانونى ومجتمع جديد، بينما يبقى اسم الأب حاضرًا فى الخلفية كظل طويل لا يظهر دائمًا فى الصورة، غير أنه يشكل رأس مال اجتماعيًا خفيًا يمنح صاحبه خيارات لا تتوافر بالدرجة نفسها لغيره.

معاذ هنية.. جواز سفر إلى حياة أخرى
فى الحروب، قد تختبئ النجاة داخل ورقة صغيرة تحمل اسمًا وصورة وختمًا، لأن القدرة على الرحيل تصبح أحيانًا أثمن من المكان نفسه. وفى حكاية معاذ إسماعيل هنية، ينعكس المعنى بوضوح من خلال تقارير صحفية تحدثت عن امتلاكه جواز سفر تركيًا، وهو ما سهل له الحركة والسفر، كما نسبت إليه امتلاك استثمارات وعقارات هناك حتى التصق به فى بعض التغطيات لقب «أبو العقارات».
التفاصيل تكررت عبر وسائل إعلام إسرائيلية، ونفاها مكتب هنية فى ديسمبر ٢٠٢٣ بوصفها حملات تشويه. غير أن وثائق الجوازات التى تداولها ناشطون كشفت عن أن عائلة هنية غادرت غزة عبر معبر رفح، وتحديدًا فى عام ٢٠٢١ بذريعة العلاج.
لكن جواز السفر فى تلك الرواية يدفعنا إلى ما هو أبعد من المال والعقار، ويتعدى واقع المكان إلى امتلاك طريق مفتوح حين تغلق المعابر وتضيق دائرة الاختيارات مع كل أزمة أو تصعيد. وغزة بالنسبة إلى معظم سكانها مساحة تحاصر الحركة نفسها؛ السفر يحتاج إلى معابر وتصاريح وظروف سياسية وأمنية تتبدل باستمرار، وقد أصبحت حرية مغادرتها امتيازًا شديد الصعوبة مع الحروب والحصار.
الجواز الإضافى يغير هذه المعادلة على مستوى الفرد. يمنحه إمكانية أن يعيش فى مكان آخر، وأن يعود، وأن يعيد ترتيب إقامته وعمله واستثماراته على أكثر من أرض بعيدًا عن طوابير التصاريح وأبواب المعابر. وتكتسب هذه القدرة قيمتها الحقيقية حين يصبح الخروج من المكان نفسه معلقًا على ظروف لا يملكها الفرد.
وتزداد دلالة الجنسية حين ترتبط بحياة عائلة سياسية تقيم أجزاء من نشاطها خارج القطاع. فقد عاش إسماعيل هنية وأفراد من عائلته لسنوات بين دول عدة، وارتبط اسم الأسرة بتركيا وقطر، فى مشهد جعل الحركة بين البِلْدَان جزءًا من الحياة اليومية لبعض أفرادها.
الجواز فى حالته يغير معادلة البقاء؛ قيمته تظهر فى اللحظة التى يصبح فيها الخروج مسألة نجاة، والبلد الذى يمكن أن تستقر فيه طريقًا فارقًا للخلاص إذا ما اشتدت الحرب. فى تلك اللحظة تبقى الجبهة فى مكانها، لكن صاحب الجواز يستطيع أن يضع بينه وبينها حدودًا من المطارات والإقامات والعقارات، لتصبح المواطنة فى زمن الحرب امتيازًا طبقيًا يحدد من يملك حق النجاة، ومن يبقى حبيس الحصار.
بنات طالبان.. خارج أسوار كابول
فى الدوحة، التحقت ابنتا سهيل شاهين، المتحدث السابق باسم طالبان ورئيس مكتب الحركة السياسى فى قطر، ومعهما ثلاثة من أبنائه الذكور، بالمدارس هناك، وفق مصادر نقلت عنها ThePrint عام ٢٠٢٢. الابنة الكبرى لم تكتفِ بالدراسة وانضمت لفريق كرة القدم بمدرستها. وفى المدينة ذاتها أكملت ابنة شير محمد عباس ستانكزاى، نائب وزير الخارجية فى حكومة طالبان تعليمها الأساسى والتحقت بكلية الطب. أما قندر عباد، وزير الصحة السابق فى حكومة طالبان، فقد أرسل ابنته إلى التعليم الطبى، لتعمل لاحقًا طبيبة فى إسلام آباد.
تتضاعف حدة التباين حين نضعها على خريطة التعليم الأفغاني؛ فقد أغلقت طالبان المدارس الثانوية أمام الفتيات بعد الصف السادس، ثم حرمت النساء من الجامعات فى نهاية ٢٠٢٢، فيما استمر القرار قائمًا حتى يناير ٢٠٢٥، حيث دعا ستانكزاى علنًا إلى إعادة فتح المدارس الثانوية أمام الفتيات، معتبرًا أن منعهن من التعليم لا يتفق مع الشريعة والتاريخ الإسلامى.
فالعاصمة القطرية، التى احتضنت المكتب السياسى لطالبان لسنوات، مثلت فى الوقت نفسه بيئة تتلقى فيها أسر عدد من قادة الحركة تعليمًا حديثًا. المدرسة لم تكن مبنى فقط؛ كانت ملعب كرة قدم، ومناهج، ولغة، واحتكاكًا يوميًا بمدينة مفتوحة على العالم. ابنة قيادى تقتنص طريقها إلى الطب، وأخرى تنشأ داخل فريق رياضى مدرسى، فيما ينتظم الإيقاع اليومى للأسرة بعيدًا عن القيود التى تحاصر الفتيات فى أفغانستان.
وتشير شبكة المحللين الأفغان إلى أن أكثر من عشرين من كبار قادة طالبان أرسلوا أبناءهم وبناتهم إلى مدارس فى قطر وباكستان، وهو ما يؤكد أن التعليم الحديث يحجز مكانه بخيارات عدد من النخبة المقيمة خارج أفغانستان.
الفارق الذى تفضحه الحكاية لا تصنعه الدوحة وحدها؛ تفرضه المساحة الفاصلة بين ما أتيح لبنات القيادات وما حُجب عن ملايين الفتيات فى البلد نفسه. المدرسة التى فتحت أبوابها لابنة القائد، والجامعة التى قادت أخرى إلى الطب، تشكلان امتيازًا خاصًا داخل بعض البيوت التى شاركت فى فرض القيود على غيرها. إذ تعرف تلك الطبقة جيدًا كيف تحافظ لأبنائها على أبواب التعليم، حتى حين تُغلق الأبواب نفسها فى وجه الآخرين.
أبعد من دخان الجبهات
الحرب لا تحرق الأرض وحدها؛ النار تعيد صياغة علاقة الإنسان بها. العنوان يرسم قدرًا، والرحيل يصنع قرارًا، والحدود تفصل بحواجز تتفاوت صعوبتها باختلاف البشر. قيمة المكان لا تُقاس بمساحته أو ثروته؛ الميزان الحقيقى يرتكز على ما يمنحه لصاحبه من حركة، وما يفتحه أمامه من نوافذ للنجاة.
فى حياة أمراء الحرب، تزدوج وظيفة المكان. إذ يرتبط وجود الأب فى كثير من الأحيان بالجغرافيا التى تُصنع فيها سلطته؛ التنظيم، الأنصار، مراكز القوة، وساحة المواجهة. لكن الحاجة قد تقتضى أن يتحرك الابن إلى مساحة أبعد: مدرسة فى الدوحة، جامعة فى طهران، إقامة فى أستراليا، جواز يتيح الخروج من غزة، أو مصاهرة تصل به إلى عاصمة أخرى. الحرب تعمل فى مكان، وحياة الابن يمكن أن تُرتَب فى آخر.
تدخل هنا طبقة إنسانية أقدم من الحسابات السياسية: فطرة حماية الأبناء، حيث أشارت دراسات عن التربية فى زمن الحرب إلى أن التهديد المستمر قد يدفع الآباء إلى مزيد من الحماية والاحتياط تجاه أبنائهم، خصوصًا حين يكون الخطر حاضرًا فى الحياة اليومية. وبطبيعة الفطرة البشرية تفرز الغريزة عند أمير الحرب قدرة عملية؛ المال يشترى مخرجًا، والعلاقات تحرك شبكة، والجواز يفتح معبرًا، والبلد الآخر يؤمن مساحة يستطيع الابن الابتعاد فيها عن دائرة الخطر.
الجغرافيا نفسها تصبح رصيدًا. البيت خارج البلد يبنى أمانًا محتملًا، والإقامة القانونية تضمن وقتًا، والجواز يتيح العبور، أما الجامعة فتفتح مدينة جديدة. تتكامل المساحات لتفك وثاق حياة الابن بمصير مكان واحد، وتمنح الأسرة قدرة أكبر على توزيع المخاطر مع تبدل خرائط الصراع.
طهران والدوحة وتركيا وأستراليا أكثر من عواصم ودول على خريطة الحكايات؛ كل مدينة حملت معها احتمالًا لحياة تستمر بعيدًا عن موقع المواجهة. وتدرك النخب المرتبطة بالنزاعات قيمة المساحات العابرة للحدود منذ وقت مبكر، فالمسافة فى هذه الحالة تشكل جزءًا من الحماية، والعنوان الآخر مساحة احتياط للحياة، يمكن اللجوء إليها حين تضيق الأرض الأولى، بحيث يظل الأب قريبًا من مصادر القوة والخطر، بينما يحظى الابن بمسافة تقلل احتكاكه اليومى بالحرب. الجغرافيا هنا تؤدى وظيفة شبيهة بالدرع؛ تُبعد الجيل الثانى عن بعض كلفة الصراع، وتحتفظ له بإمكانية استمرار الحياة خارج ساحته.
إذن، الجغرافيا الموازية للحرب هى فى جوهرها فضاء للحماية؛ ملاذ يمنح الابن هامشًا للبقاء يُحرم منه كثير من الأتباع. ومع الوقت يصبح هذا الهامش جزءًا من الامتياز نفسه؛ أن يعيش الابن بعيدًا عن المكان الذى تُدفع فيه كلفة الصراع.

هل يرث الأبناء الحرب أم امتيازاتها؟
هناك إرث يتشكل مع الاسم، وينمو داخل شبكة العلاقات، ويتضاعف مع السنوات التى يقضيها الأب فى بناء موقعه داخل جماعة أو حركة أو سلطة. الموقع الذى يصنعه الجيل الأول يترك وراءه معرفة بالأشخاص، ودوائر ولاء، وقنوات وصول، ومكانة داخل التنظيم. وحين يصل الابن إلى هذه الدائرة، يجد أمامه رصيدًا اجتماعيًا بُنى قبل أن يبدأ مساره بنفسه.
فى حالة جبريل عبدالملك الحوثى، ظهرت الفكرة مبكرًا فى تقارير يمنية تحدثت عام ٢٠١٦ عن إعداد نجل عبدالملك الحوثى وكان آنذاك فى السادسة عشرة لدور قيادى مستقبلى داخل الجماعة. وفى سبتمبر ٢٠٢٦ أعادت تقارير يمنية طرح القضية مجددًا نقلًا عن مصادر مطلعة أكدت أن جبريل، البالغ ٢٨ عامًا، يتصدر قائمة المرشحين لخلافة والده، وسط أحاديث عن تدريب عسكرى وأمنى تلقاه فى إيران.
ومع أن هذه المعطيات تظل محصورة فى المصادر الصحفية، دون أن تشكل بمفردها دليلًا قاطعًا على انتقال القيادة بالفعل، غير أن الجوهر فى القصة يكمن فى اللحظة التى يقتحم فيها الابن حسابات القيادة قبل أن يختبر تجربته الخاصة. الاسم يمهد الطريق أمامه، والدائرة التى شيدها الأب تلتحم بمحيطه المباشر، والرجال الذين استهلكوا سنوات طويلة فى نسج روابطهم مع الأب يشكلون ركائز العالم الذى ينطلق الابن داخله.
شبكة حقانى تقدم نموذجًا أوضح. جلال الدين حقانى أسس الشبكة، ثم سلم قيادتها العملياتية إلى ابنه سراج الدين مع تراجع قدرته على إدارتها ميدانيًا، فيما احتفظ أفراد آخرون من الأسرة بأدوار عسكرية وتمويلية داخلها. ووثق معهد دراسة الحرب هذا التركيب العائلى، مشيرًا إلى انتقال القيادة من الأب إلى الابن، قبل أن يصبح سراج الدين لاحقًا نائبًا لزعيم طالبان فى ٢٠١٥.
وتعكس تجربة داعش صورة مختلفة للامتياز. فقد سجلت هيومن رايتس ووتش شهادة مراهق قاتل مع التنظيم فى العراق، قال فيها إن القادة الكبار كانوا يحتفظون بأبنائهم بعيدًا عن الخطوط الأمامية، وإن عائلات داعش كانت تحصل على ظروف معيشية أفضل من مقاتلين آخرين.
غير أن الابن نفسه قد يقف خارج هذه الحسابات أحيانًا؛ فالاسم الذى يفتح الأبواب قد يفرض فى الوقت ذاته هوية لم يخترها، ويجعل حياته معلقة بإرث لم يصنعه بنفسه، يحمل ثماره وأعباءه معًا، بينما تمثل محاولة بناء اسم شخصى مستقل عن ظل الأب جزءًا من معركة أخرى لا شأن لها بالجبهة.
امتياز الجيل الثانى يبدأ أحيانًا قبل أن يصنع الابن موقعه بنفسه. اسم العائلة يضعه داخل دائرة جاهزة، وشبكة الأب تمنحه نقطة بداية سبقت خطواته، كأن الحرب تكتب بعض فصولها قبل أن يولد أصحابها، لكن العبرة ليست فيما يرثه الابن. لأن الرهان الحقيقى ينعقد على من يسدد الفاتورة. فسنوات القتال قد تتحول إلى رصيد تستفيد منه دوائر محددة، بعد أن يدفع المجتمع الأوسع ثمنها.







