الثلاثاء 18 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

فقه الزلزال.. مرآة الله.. مرايا البشر

حرف

- العلم يقف عند حدود رصد الآلية وتفسير الكيفية تاركًا أسئلة المعنى والغاية مُعلقة فى فضاءات الفلسفة واللاهوت

- العقل يبحث تلقائيًا عن مُدان يحمل خطيئة فيتحول الحطام من واقعة جامدة إلى قاضٍ ينطق بنص عقابى منظم

- التراث الإسلامى يعيد تأطير الموت تحت الأنقاض ليصبح وشاحًا للتكريم الروحى

- تظل الحكم الربانية الكامنة وراء النوازل غيبية ومستعصية على الإحاطة البشرية الكاملة

- عقب الكارثة تمتلئ دور العبادة وتتضاعف أعمال الصدقة وتتسارع مراجعات الذات ويعيد كثيرون ترتيب علاقتهم بالله

- تؤكد المدونات الفقهية والتفسيرية أن المصائب العامة تمثل منظومة سنن كبرى منفتحة تتعدد معانيها

- تتفاوت الإجابات حول حتمية وجود رسالة سماوية وراء كل ظاهرة طبيعية

- كل تفسير قاطع لكارثة بعينها يحمل فى جوهره محاكمة ضمنية لله

ليس أكثر إغراءً للعقل من حدث يختل فيه النظام الذى اعتاده.. تتحرك الصفائح التكتونية فى باطن الجغرافيا، فترتج المدن، وتترنح الجدران الأسمنتية فوق قاطنيها ببرود مادى صرف. فى تلك الثوانى الخاطفة التى يغيب فيها أمن الطمأنينة المعتاد، تنفتح فى وعى الإنسان فجوة وجودية سحيقة تتجاوز رصد مقياس ريختر. 

الإنسان، ذلك الكائن الهش المعلق بين تراب الأرض وأفق السماء، يندفع عقله الرافض لفكرة العبثية المجردة غريزيًا نحو السماء، محاولًا فك شفرة الغضب أو التمحيص الكامن خلف الغبار.فما إن تهدأ الأبنية حتى يبدأ فى تشييد رواياته الخاصة؛ يفتش عن مغزى، ويمنح المصادفة اسمًا، ويصوغ من الفزع تفسيرًا يطمئن إليه.. يتحول الحدث الطبيعى إلى مرآة يرى فيها كل إنسان صورته عن الله.

تستيقظ الذاكرة الجمعية من مرقدها التاريخى، تتدفق قصص الطوفان القديم، وترتسم على وجوه الناجين ملامح الخوف الأزلى ذاتها. تنجذب الأسئلة من تفاصيل الدمار الملموس إلى مدارات التأويل، والرغبة القديمة فى أن يكون لكل شىء معنى: كيف نرى الخالق فى لحظة الانهيار، هل نلمح وجه الإله الغاضب المنتقم، أم نستشعر يد الإله المربى الرحيم؟ 

تغادر اللحظة التى تتصدع فيها الأرض، أو يبتلع البحر شاطئه، أو تستيقظ الريح على غير موعد، حدودها الفيزيائية إلى أفق لاهوتى يعيد تشكيل مفاهيم الابتلاء، والعقوبة، واللعنة، وتضع تصوراتنا الذهنية عن الإله على محك الاختبار الأقسى.

لا نبحث عن تفسير كارثة بعينها، ولا نزعم امتلاك مفاتيح الغيب، وإنما نحاول الاقتراب من الذاكرة التى تجعل من كل كارثة رغبة علوية فى تقويم طين البشر وتنبيه الضمائر الإنسانية وسط الركام، من المسافة التى تفصل بين الله كما تخبرنا النصوص لا كما ورثناه.

يتجاوز السجل التاريخى للأرض رصد التصدعات والصدوع، ليكشف عن رغبة إنسانية قديمة فى تبديل الصمت الجيولوجى إلى خطاب مقروء. عاش الوعى البشرى الأول تقلبات الطبيعة كوقائع مباغتة تستدعى بناءً تفسيريًا؛ إذ تختزل أقدم المرويات الإنسانية ميلًا متكررًا يدرج الفيضانات والبراكين داخل سياقات أخلاقية تمنح الكارثة معنى يتخطى حضورها المادى. واكتسبت الاضطرابات الكونية فى القوانين المدونة الأولى أبعادًا ناطقة تزن مواقف المجتمعات ومدى التزامها بالنواميس السائدة، ما أسس لنمط فكرى ثابت يقرأ التضاريس بعين المراقب.

الطوفان فى ذاكرة الحضارات القديمة يبرز كأولى العلامات الكاشفة لربط سلوك البشر بحركة البر والبحر. تروى ألواح الطين السومرية فى ملحمة جلجامش وأسطورة «أترا هاسس» كيف ضاقت الآلهة بضجيج البشر، فقررت إرسال طوفان نهرى عارم يطمس معالم الاستقرار ويعيد صياغة الوجود ببرود تام.

حضرت سردية الطوفان أيضًا فى التراث الإبراهيمى عبر الكتاب المقدس والقرآن، لكن داخل سياقات دينية مختلفة من حيث الغاية والدلالة؛ حيث ارتبط الماء المنهمر الذى غمر قمم الجبال بنهاية عالم قديم وولادة آخر، ليطبع الحدث بصماته فى الوعى الجمعى بوصفه أحد أكثر النماذج رسوخًا لفكرة الكارثة ذات الدلالة الإلهية.

حفظت مدونات المشرق العربى التفاصيل البصرية لقصص الفناء الكبرى، لتنسج من حوادث الطبيعة صورًا سكنت الوجدان وشواهد حية داخل المخيلة المشتركة. فالرياح التى اجتاحت ديار عاد فى الأحقاف استحالت، من عاصفة رملية موسمية، إلى أداة اقتلاع صرعت الأجساد وتركت المساكن خاوية كأعجاز نخل. كما نقلت النصوص «الصيحة» فى وادى القرى، من ظاهرة صوتية أو هزة أرضية محلية، إلى صاعقة أتت ثمود فأصبحوا فى ديارهم جاثمين. وفى قصة سدوم وعمورة، امتزج المشهد بالمطر الكبريتى الذى جعل عالى المدن سافلها، مخلفًا بحيرة ميتة وثقت معها التضاريس كنص عقابى صريح يربط مباشرة بين اختلال القيم واضطراب الطبقات الصخرية.

تكرر البناء التفسيرى للزلازل والبراكين فى الموروث الدينى عبر مختلف العصور، ليلغى عشوائية الجغرافيا لصالح يقين السماء. فحمل الإله «بوسيدون» فى الأساطير اليونانية لقب «مُزلزل الأرض»؛ إذ اعتقد الإغريق أن ضربات رمحه فى باطن الصخور تعبر عن سخطه، محولًا اضطراب البر إلى خطاب موجّه ضد المذنبين والطغاة. وفى التاريخ الإسلامى، حشد المؤرخ جلال الدين السيوطى فى كتابه «كشف الصلصلة عن وصف الزلزلة» أخبار الرجفات الأرضية التاريخية، رابطًا إياها بحالة الأخلاق العامة، ليصبح اهتزاز البنيان صوتًا يعاتب الأحياء ويقضّ مضاجعهم.

وامتدت الظاهرة إلى الغرب؛ إذ شهد زلزال لشبونة الشهير عام ١٧٥٥ حملات توبة جماعية قادها رجال الدين باعتبار الكارثة سوطًا لتقويم المدينة، وهو ما ناقشته كتابات الفيلسوف الفرنسى «فولتير»، متأملًا دهشة الوعى أمام انهيار الكنائس فوق رءوس المصلين.

لقد صنعت النصوص والتأويلات هذا التداخل الوثيق حتى ترسخت قناعة بأن الكون يحمل رسالة تفوق الظاهرة، وانتقلت منها القراءة إلى الوعظ والذاكرة الشعبية، فأضحت جزءًا من الاستجابة التلقائية للكوارث؛ إذ يكشف الاندفاع التلقائى لفتح دفاتر الحساب القديمة مع كل ارتداد أرضى، عن عمق ملامح الخوف المستقر تحت وطأة الأنقاض.

تنطلق النصوص الدينية فى مقاربتها للكوارث الطبيعية من تفكيك السلوك البشرى ذاته؛ حيث ترسم القراءة الروحية إطارًا كاشفًا لطبيعة العلاقة بين الخالق وخلقه لحظة غياب الأمان المادى، ويخرج الحدث الطبيعى فى هذه الرؤية عن حدود حركة الفيزياء، ليتخذ مكانه كرسالة تستوجب الفهم ومراجعة النفس.

تعكس الأدبيات العقائدية مستويين متوازيين فى تتبع مآلات النازلة؛ إذ يخضع المجتمع كله لسُنن كونية عامة تسرى على الناس جميعًا وقت اهتزاز الأرض، فى حين ينفصل هذا الجمع فى الحساب الفردى الدقيق الذى يزن درجات التسليم القلبى والسرائر تحت الأنقاض، باعتبار وحدة المصير المادى تختلف تمامًا عن وحدة المآل عند الله.

وتتسع المسارات التفسيرية داخل المتون لتفصل بين الغايات الروحية للمصيبة، حاميةً الفعل الإلهى من رداء الاختزال فى فكرة الانتقام الصرف. يتصدر مفهوم «الابتلاء» المعانى بوصفه أداة تمحيص تهدف إلى تزكية النفوس ورفع الدرجات، وهو اختبار يقع تاريخيًا على الأنبياء والأتقياء بشكل أشد. ويتقاطع التصور الأول مع «العقوبة» الناتجة عن تراكم الانحرافات الأخلاقية، بينما يلوح «الاستدراج» كأكثر الرؤى عمقًا؛ حيث ينال الغافلون وافر النعم والاستقرار المادى مع استمرار انحرافهم، لتداهمهم القوانين الكونية فجأة.

تطرح المدونة الشرعية نماذج تفسيرية ممتدة للعلاقة بين الخطأ والجزاء، تثبت أن التدبير الإلهى يتعدد بتباين المواقف البشرية، ويرفض القوالب الأحادية الجامدة. يتصدر إبليس المشهد كأول من استحق اللعن والطرد، وجاء عقابه مثالًا صارمًا للقصاص من الكِبر الأعمى والاستعلاء على المشيئة، فى حين يفترق مسار آدم تمامًا ليقدم نموذجًا مغايرًا؛ زلّ الطين الإنسانى وأخطأ، ففتحت له أركان الأرض أبواب المحبة والقبول والتوبة دون إقصاء أو طرد أبدى. ويرسم فعل قابيل الجريمة الأولى على الأرض، فارتبط سلوكه بنفى داخلى وجزاء أخلاقى مستمر يلاحق القاتل كوشم أبدى، بينما تلوح عاد وثمود فى الذاكرة كحالة للعقوبة الجماعية التى تحركت فيها سُنن الجغرافيا لتطمس ديارًا أصرت على التكذيب ومواجهة التنبيه. ويتكامل البناء مع قصة أصحاب السبت من بنى إسرائيل، بوصفها محطة لقصاص نوعى ارتبط بالتلاعب بالوصايا ونقض العهود الموثقة.

حيث تؤكد الشواهد المتنوعة أن الرؤية ترفض تقديم معادلة خطية واحدة للتعامل الإلهى مع الهفوات؛ فالحساب يتحرك صعودًا وهبوطًا ليتخذ أحيانًا ملامح التوبة، وتارة رداء الابتلاء والتمحيص، ومرة يُساق كلعنة تضرب المصرّين، ومرارًا يمتد كإمهال واستدراج يقيس مخبوء السرائر تحت غبار الحياة.

وقد صاغ المتصوفة، وفى مقدمتهم الشيخ عبدالقادر الجيلانى، الفروق الدقيقة بين تلك المسارات من خلال رصد الاستجابة النفسية للمبتلى؛ فإذا أفرزت الضائقة ضجرًا وشكوى للخليقة كانت مؤشرًا على العقوبة، وإذا ولدت صبرًا جميلًا كانت تمحيصًا وتكفيرًا، بينما تبرز أمارات الارتفاع فى الرتب عند ظهور الرضا الكامل وطمأنينة النفس العميقة للأقدار الجارية؛ إذ تمنح الرؤية العرفانية تفصيلًا دقيقًا لأسباب وقوع المصيبة على الناس بكامل فئاتهم، مظهرةً تباين المصائر الروحية رغم اتحاد المصير المادى تحت الركام.

وتتجلى المفارقة فى منح النصوص رتبة الشهادة لصاحب الهدم والغريق، وفق ما نقله التراث الإسلامى صراحة، ما يعيد تأطير الموت تحت الأنقاض ليصبح وشاحًا للتكريم الروحى؛ فيكتسب الصالحون بالصبر مقامًا رفيعًا، وينال العاصون بالاستيقاظ فرصة لمراجعة دفاتر حساباتهم، بينما تمثل الواقعة للظالمين نهاية حتمية لمدى زمنى مُنح لهم، لتبطل الادعاءات التبسيطية التى تسارع إلى وسم كل ظاهرة باللعنة أو صك العقاب المطلق، وتبرهن أن المصيبة قد تشكل نداء إيقاظ يختلف معناه باختلاف سريرة المتلقى.

إن حدود الجزم بإرادة الله ترتبط حتمًا بهذا التنوع، وهى المنطقة التى تفرض فيها النصوص سياجًا يحمى العقل الإنسانى من تنصيب نفسه ناطقًا باسم المشيئة العلوية. تظل الحكم الربانية الكامنة وراء النوازل غيبية ومستعصية على الإحاطة البشرية الكاملة، ما يجعل ادعاء معرفة الغاية الدقيقة وراء حادث بعينه تجاوزًا يتجاهل اتساع وحرية التدبير الإلهى.

يقرأ آلاف الأشخاص النصوص ذاتها، ثم يغادر كل منهم ومعه مخزون إدراكى مغاير تمامًا لسمات الخالق. بيد أن الاختلاف هنا يتجاوز طبيعة الكلمات المكتوبة، مرتدًا صوب الوجدان البشرى وطريقة استقبال المعنى والذكريات والخبرات الفردية المتراكمة. فالكلمات العقائدية تعبر المسارات النفسية قبل استقرارها فى الأذهان، لتبدأ رحلة ثانية يتحول فيها المفهوم التلقينى إلى انطباع وجدانى، والمعرفة المجردة إلى شعور حى، والعقيدة الموروثة إلى تجربة إنسانية كاملة تنعكس على ملامح الفرد حين يغيب الأمان.

وبينما ترسم المتون الإبراهيمية لوحة مركبة ومتوازنة للخالق، تتجاور فيها الرحمة مع العدل، وتتلاقى المغفرة مع الحساب، ويتصل الإمهال بالعقوبة، والقرب بالهيبة. يتحرك عبرها البناء المتكامل كنسيج موحد يستعصى على الاختزال أو الفصل؛ فالحكمة تلازم الرحمة بانتظام، والعدل يتداخل مع اللطف، والعقوبة تتجرد من الغاية الذاتية المستقلة لتستقر كجزء من منظومة أخلاقية كبرى تنظم صلة السماء بالأرض.

تفرز بحوث علم نفس الدين فارقًا حاسمًا بين ما يتلقاه العقل فى قاعات الدرس، وبين ما يستقر فى الصدور وسط اضطرابات الحياة. ينمو فى الوعى ما يُوصف بـ«مفهوم الله»، وهو الرصيد المعرفى والتعليمى المكتسب من كلام الخطباء وبطون الكتب، فى حين تتشكل فى العمق النواة الوجدانية المستمدة من اختبارات الحياة اليومية ورتوش الطفولة الأولى. وتتطابق النظرتان فى أحيان كثيرة، وتتباعدان فى أخرى إلى حد يحفظ فيه الإنسان نصوص اللطف، بينما يعيش بداخله فى حضرة خوف دائم من العقاب، أو يردد آيات العفو وهو يعجز تمامًا عن تصور إله يصفح عنه بالفعل.

إذ يكمن جذر الأزمة فى الحيز الصغير الفاصل بين النص كما هو، والانطباع الشعورى الذى استقر فى أعماق النفس. يملك هذا الهامش، على ضآلته الظاهرية، قدرة كاملة على إعادة تشكيل صلة الإنسان بالخالق، وتفصيل طريقته فى فهم الألم، واستقبال الوقائع، وقراءة أبعاد التدمير المشهود فوق الأرض؛ ليتبين فى النهاية أن منبع التوجس يقيم فى الذات، وليس فى الكلمات المكتوبة على ألواح الوحى.

فالصور المتفاوتة للخالق تنطلق من باطن الفراغ الممتد؛ فيتجلى ملمح الإله الغاضب الذى يراقب الزلات أكثر من التفاته لمحاولات النهوض البشرى، ويظهر المنتقم الذى تقرأ المخيلة فى ظله النوازل كقصاص مباشر صريح. كما تحضر، بالتوازى، سمات الرحيم الذى تنقلب المحنة فى كنفه إلى باب للمراجعة والرجاء، وصور المربى الذى يجعل من الابتلاء طريقًا للنضج الروحى المستقل، ويفصله تمامًا عن رداء الإدانة. وتتشكل إلى جوار هذا التعدد صورة أكثر خفاءً، تنتمى لرب ينتظر زلة الإنسان، فيغدو النجاح المادى مؤقتًا، والنعمة قابلة للسحب المباغت، وتصبح الكارثة الجيولوجية بمثابة إعلان متأخر عن خطأ بشرى مجهول.

وتتداخل التجارب الأولى فى صياغة المشهد الذهنى المتشعب؛ فطريقة تعامل الوالدين، ونوع السلطة داخل الأسرة، والأسلوب الوعظى المعتاد، كلها عوامل تفضى إلى تفتيت الرصيد الدينى الأصلى. حيث تتماس بعد ذلك مع الذاكرة الجمعية التى تنشط فى اختزان قصص العقاب والبطش، وتغفل حكايات الرحمة. فقد يفسر هذا التراكم خروج شخصين من باب المسجد نفسه، بعد سماع الخطبة ذاتها ونبرة الوعيد عينها، لينظر أحدهما إلى السماء بقلب راضٍ مستسلم، بينما يغادر الآخر مثقلًا بالخوف والترقب، رغم اتحاد الكلمات المسموعة.

لفت عالم النفس الاجتماعى إريك فروم الانتباه إلى هذا التفاوت عبر تفكيك نموذجين للعلاقة مع الخالق؛ الإله السلطوى الذى تقوم صلة البشر معه على الخوف التام والخضوع المطلق، والإله الإنسانى الذى ترتكز الصلة فى مداره على المسئولية الذاتية والنمو والمحبة الروحية. ركز «فروم» فى تحليله على الكيفية السلوكية التى يصنع بها الإنسان تصوراته الوجدانية، والطريقة التى تنعكس بها النواة الداخلية للخالق على نظرة الفرد لنفسه وللعالم المحيط به، بعيدًا عن مناقشة حقيقة اللاهوت المجردة.

لكن التصورات تتنوع مع اختلاف الثقافات والطوائف والمدارس الدينية، بل ومع تباين التجارب الفردية داخل المجتمع الواحد، ويصعب تبعًا لذلك الحديث عن نمط أحادى لله فى الوعى البشرى؛ فالإنسان لا يتفاعل مع النص المكتوب بقدر تفاعله مع النسخة التى أعاد وجدانه تشكيلها، ومع المعنى الذى راكمته سنوات الخوف أو الطمأنينة، والفقد أو النجاة.

ومن ثم تبدو الزلازل والفيضانات وغيرها بريئةً من صورة الله فى الإدراك البشرى. فالكارثة الجغرافية واحدة، أما ملامح الإله التى تستيقظ معها فبعدد الوجوه التى تتطلع وسط الغبار والركام إلى السماء. وكلما ترسخت فى الوعى صورة الرب الذى يترصد الخطايا، ازداد استعداد الإنسان لتحويل كل شر إلى عقاب، وكل مصيبة إلى لعنة.

تكتسب اللعنة حضورها التاريخى من قدرتها الفائقة على سد الفراغ المعرفى؛ فالعقل البشرى يعجز عن تحمل فكرة الكارثة العارية، فيفضل تصديق وجود حكم غيبى حتمى يطارد المذنبين على القبول بفرضية عشوائية الطبيعة الباردة.

حيث تؤدى اللعنة وظيفة بنيوية تتجاوز حدود الترهيب الشفهى؛ فتمثل الأداة الأشد كفاءة لإعادة ترميم النظام الأخلاقى وقت انهيار الجغرافيا. وهو ما يفسره الأنثروبولوجى «رينيه جيرار» عبر «آلية كبش الفداء»، مبينًا أن الكارثة الطبيعية تفرز رعبًا يفوق طاقة الجماعة على الاحتمال، ما يدفعها تلقائيًا إلى الهروب نحو فضاء التفسير السببى الممنهج.

يبحث العقل تلقائيًا عن مُدان يحمل خطيئة تصبو وراءها ضربات السماء، فيتحول الحطام من واقعة جامدة إلى قاضٍ ينطق بنص عقابى منظم، والبعد الغيبى إلى قانون يفسر انهيار الممالك، وتوالى الأوبئة، وتصدع الأرض، ما يمهد السبيل لولادة موروث تتناقله الأجيال خارج نطاق المتون العقائدية.

الخيال الثقافى يتسع ليربط بين المتون الروحية والموروثات الشعبية، صاهرًا المعانى الوجودية العميقة مع حكايات الشعوب الشفهية، حتى تداخلت فكرة السخط التاريخى مع مخاوف العامة اليومية. بات الحديث عن اللعنة نمطًا تعبيريًا مستقلًا يتوارثه الناس ويفسرون به انكسارات الجغرافيا وضياع الممالك القديمة، متخذين من فكرة الملاحقة الغيبية درعًا نفسية تحميهم من رعب المجهول. وبمرور الزمن استحالت إلى أداة سيكولوجية شاملة لتفسير الشر والألم الوجودى فى مواجهة فوضوية الطبيعة.

سر انتشار حكايات اللعنة وتفوقها الجماهيرى على قصص البركة يتضح من خلال تشريح الغريزة النفسية التى تحرك الفضول البشرى تجاه المآسى والتوجس. إذ يمتلك الخوف جاذبية سردية تفوق سطوة السكينة؛ فالأخبار الصادمة والقصص المشحونة بنهايات مأساوية تثير مناطق الحذر والترقب فى الدماغ البشرى، ما يجعل تداول روايات العقاب والمنع أسرع بكثير من تناقل أخبار المنح والرخاء المستمر.

تلبى قصص الملاحقة حاجة خفية فى النفوس، وتعمل كمنظومة عدالة بديلة ومؤجلة فى ضمير المظلومين والمستضعفين؛ إذ يجد العقل عزاءه فى تصور أن الظالمين والطغاة سيظلون رهن لعنات كونية غير مرئية تقتص منهم وتجرف عروشهم فجأة، لتلبى رغبة المخيلة فى تحويل الموروث الروحى المقيد إلى لغة نفسية عابرة للثقافات، تنتقل بين القارات كلما توافرت مادتها المثالية.

على سبيل المثال، وجد الخيال الثقافى فى المقابر الملكية المصرية ثراءً حيويًا لتطبيق آليات الإخضاع المعرفى وصناعة أشهر الملاحقات الفكرية فى العصر الحديث. بدأت الأسطورة من تحذيرات منقوشة على عتبات المقابر الملكية لحماية أجساد الملوك ومقتنياتهم من لصوص الآثار، فصيغت بجمل جافة تتوعد المقتحمين بالموت بأمراض مستعصية أو بافتراس التماسيح والحيّات. استغلت الصحافة الغربية الغموض المحيط بفتح مقبرة توت عنخ آمون عام ١٩٢٢، وتزامن الوفيات الطبيعية لبعض أعضاء الفريق الأثرى، لتصنع حبكة درامية عالمية نقلت النص الجنائزى من دائرة الطقس القديم إلى فضاء الرعب العالمى الصالح لتبرير الحوادث الفردية والجماعية.

تختزل مسيرة اللعنة عبر الحضارات أن الأفكار لا تعيش بقوة النصوص التى ولدت فيها، وإنما بقدرتها على تغيير طريقة قراءة البشر للواقع. فما إن يتشربها الوجدان حتى تكف عن أن تكون جزءًا من تراث دينى أو أسطورة قديمة، وتستقر فى النفس البشرية بوصفها عدسة، يقرأ بها الإنسان كل شر جديد، مهما اختلف زمانه أو مكانه.

تجذر فى الوعى الإنسانى تصور قديم يرى العالم بناءً أخلاقيًا متماسكًا، لا تنفصل فيه الأحداث عن استحقاق أصحابها. حيث تظل تلك القناعة حبيسة قبل أن يختبرها الإنسان بسنوات طويلة، ثم تبعث بكامل قوتها كلما اختل نظام الحياة فجأة؛ فيصبح الألم سؤالًا عن العدالة، والنجاة موضع بحث عن سبب، ويبدأ العقل فى إعادة ترتيب المصائر داخل ميزان يطمئن إليه خارج حدود المصادفة المجردة.

ويفسر الاندفاع غريزيًا نحو «أخلقة» الكوارث من خلال آلية دفاعية تُعرف بـ«وهم العالم العادل»، صاغها عالم النفس «ميلفين ليرنر» ليوضح نزوع البشر المستمر لتصديق أن الكون محكوم بنظام أخلاقى صارم ينال فيه كل فرد ما يستحقه تمامًا؛ حيث ترتبط المنح بالصلاح، وتتصل المحن بالانحراف والخطأ الأخلاقى. ويحمى هذا التصور النفسى الطمأنينة الداخلية للأحياء؛ فبدلًا من اعتراف الناجين بأن بقاءهم تحت الأنقاض معلق بخيط رفيع من المصادفة الجغرافية، يفضلون عزل الكارثة وتفسيرها كعقوبة لحقت بآخرين استحقوها، صيانةً لأمنهم الروحى ودفاعًا عن استقرارهم الفكرى.

أثر هذا البناء النفسى يمتد إلى إعادة تشكيل السلوك الإنسانى عقب الكارثة تمتلئ دور العبادة، وتتضاعف أعمال الصدقة، وتتسارع مراجعات الذات، ويعيد كثيرون ترتيب علاقتهم بالله وبالآخرين، وكأن ما حدث أعاد فتح دفاتر الحساب المؤجلة. ولا تنبع هذه الاستجابات كلها من تفسير دينى واحد، بقدر ما تعكس حاجة النفس إلى استعادة توازنها الداخلى، وإقناع ذاتها بأن العالم لا يزال قابلًا للفهم، وأن الإنسان يملك، ولو جزئيًا، أن يعيد بناء علاقته بالحياة بعد أن تصدعت أمامه فجأة.

وبالتزامن، تفيض نظرة الناجين بأسئلة الذات والوجود. يشعر بعضهم أن بقاءهم يحمل رسالة شخصية تستوجب تغيير المسار، بينما يثقل آخرين إحساس الذنب لأنهم خرجوا أحياء ورحل غيرهم، ويقضى فريق ثالث وقتًا طويلًا فى مراجعة تفاصيل الساعات السابقة للكارثة، بحثًا عن اللحظة التى يظن أنها صنعت الفارق بين الحياة والموت. تتعدد صور الاستجابة، لكنها تجتمع عند محاولة واحدة؛ إعادة إدراج الفقد داخل نظام أخلاقى يمنحه مغزى يمكن احتماله.

الخوف يصنع المعنى عبر تنشيط طبقات المخيلة العميقة، وترتيب حوادث الطبيعة وفق سياق روحى مألوف يدفع البشر لمواجهة هواجس طفولتهم ونشأتهم الأولى، قبل التفاتهم إلى تأمل الصدوع العلمية. ومن ثم أفضت الاستجابات التلقائية لترجمة الصدمة وتأطير الفقد إلى أن يهرب العقل من صمت الطبيعة إلى حتمية تفسيرها أخلاقيًا.

تتحرك المقاربات المتعددة فى مسارات متوازية ترسم حدود رصد الأرقام وبناء المواقف الروحية دون تداخل أو تصادم مصطنع تتفاوت الإجابات حول حتمية وجود رسالة سماوية وراء كل ظاهرة طبيعية، مشكّلةً مساحة لتقاطع الرؤى الفلسفية والمدونات العلمية حول أطر الجزم بمعنى الدمار.

فى حين تكتفى الجيولوجيا بتفسير الكيفية المادية التى تقع بها الأزمات الجغرافية، وتترك الغاية الوجودية خرساء وخارج نطاق المعادلات الرياضية. حيث ينطلق علماء طبقات الأرض من رصد القوانين الفيزيائية الصارمة التى تحكم عناصر الكوكب، معتبرين الزلزال أو اضطراب المناخ أو خسوف البر حركة ميكانيكية حتمية تنتج عن تفريغ الطاقة وتبدل النواميس البيئية دون أى أبعاد أخلاقية أو غايات واضحة؛ فيقف العلم عند رصد «الآلية» وتفسير الكيفية، تاركًا أسئلة «الدلالة» والغاية الكامنة وراء الفقد والخراب معلقة فى فضاءات الفلسفة واللاهوت.

يمنع النص الدينى الإنسان من احتكار الجزم بالمعانى الكاملة للنوازل، ليضع سياجًا أصوليًا يحمى الإرادة العلوية من الاختزال التبسيطى. وتؤكد المدونات الفقهية والتفسيرية أن المصائب العامة تمثل منظومة سنن كبرى منفتحة تتعدد معانيها، وتتمايز مآلاتها باختلاف سرائر المتلقين ودرجات تسليمهم الروحى؛ فالجزم بالمغزى منها، سواء كانت فردية أو جماعية، يعد تجاوزًا يتجاهل اتساع التدبير الإلهى وخصوصية حساب الغيب للبشر، لتبطل بذلك الادعاءات الشفهية المسرعة نحو وسم كل هزة أرضية بسمة الغضب الصرف.

وتسلك الفلسفة اللاهوتية طريقها نحو حيز أعمق، تكتفى فيه بفحص قدرة العقل ومواجهة ادعاءاته الفكرية؛ حيث يمتد الألم ذاته كأطروحة للتأمل قبل صياغته فى قوالب تأويل سريعة. ينشغل فلاسفة الدين بتشريح علاقة الشر بالحكمة، ومراجعة غايات التوجس فى عالم يؤمن بإله يفيض بالعدل والرحمة، بعيدًا عن تعيين هدف عابر لكل واقعة بذاتها. ويتسع الأفق التفسيرى لتصبح النازلة أبعد من دلالة الغضب أو براهين الرضا، بل تمثل لحظة تعرّى مدى الفهم الإنسانى أمام اتساع المشيئة، وتبقى الغاية أرفع من قفزات التأويل وثقافة الأحكام المستهلكة فى الشارع.

أما علم النفس فيركز على تفكيك دوافع الحاجة الإنسانية لتصديق وجود الرسائل الغيبية، متجاوزًا إثبات ماهية الغيب أو نفيها، ليكون الشارح الأخير والجامع لحركة هذا الحوار كله. ويعزو الإصرار على استنطاق الصمت المادى بوصفه حيلة دفاعية يبتكرها الوعى القلق، غايتها صيانة الطمأنينة الروحية فى مواجهة رعب المصادفة العشوائية؛ إذ تسهم النظريات المعرفية فى تبيان أن الإدراك البشرى لا يحتمل بقاء الكارثة بلا دلالة واضحة، ما يدفعه تلقائيًا لدمج الوقائع الطبيعية ضمن سياق أخلاقى يمنحه وهمًا بالسيطرة والقدرة على تفادى مخاوف المستقبل، فتخلع الأطر الساكنة رداء الجفاف فى القراءة النفسية، لتستحيل من سنن كونية مجردة إلى نداء إيقاظ يختبر عمق التسليم البشرى وصلابة البناء الداخلى للأفراد.

تنكفئ كل مقاربة داخل الحقل الذى تنتمى إليه؛ فتلزم الجيولوجيا رصد حركة الأرض، ويقف الفحص السلوكى عند تتبع البناء الداخلى للصدور، بينما يحرس النص الشرعى والمدار الفلسفى توازن المغزى بعيدًا عن ادعاء الإحاطة الكاملة بالغيب. فينتهى نطاق القول عند تخوم المعرفة، لتولد مساحة التدبر؛ إذ يظل تساؤل النازلة أكرم من اختزاله فى نافذة يتيمة، وأرحب من حصره فى جواب فردى.

كل تفسير قاطع لكارثة بعينها يحمل، فى جوهره، محاكمة ضمنية لله؛ لأنه يفترض معرفة دوافع حكمه ومقاصده. وحين يتحول التأويل إلى يقين، ينسحب انشغال الإنسان من فهم ما جرى، ويبدأ - من حيث لا يشعر - فى إصدار الأحكام على الإرادة التى يعتقد أنها صنعتها. ينتقل من قراءة الحدث إلى قراءة المشيئة، ويصبح العقل خصمًا وحكمًا فى آن واحد، ليفضح وهمًا أعمق استقر فى الوعى الإنسانى عبر تاريخه الممتد؛ أن الكون لا يكتمل إلا إذا كان هو مركز حركته، وأن اضطراب الأرض لا يكتسب معناه إلا حين يُقرأ بوصفه خطابًا موجهًا إليه.

إذ تأتى ظواهر الجغرافيا لتنسف الثقة المزيفة، وتعرّى نرجسية الإنسان فى الصميم، وتكشف عن فضاء فسيح يتحرك وفق سننه الكبرى، لا تتبدل قوانينه تبعًا لرغبات البشر، ولا تتوقف عند مستوى يقينهم، لتضع غرور المخلوق أمام حقيقة حجمه الضئيل ونقطته متناهية الصغر فى هندسة التدبير العلوى الشامل. فالكارثة لا تحمل بالضرورة تفسيرًا شخصيًا، ولا تعلن حكمها بلغة ينتظرها الإنسان، وإنما تضعه وجهًا لوجه أمام اتساع وجود يتجاوز مقاييسه، ويبدد وهم الامتياز الذى منح نفسه إياه طويلًا.

ومن ثم، لا تبدو محاولات «تكويد» الظواهر الطبيعية داخل إطار أخلاقى مجرد سعى إلى تفسير الكارثة، بقدر ما تعكس إصرار الوعى على إعادة صياغة العالم كله على مقاسه. فكلما اتسعت المسافة بين المخلوق والكون، ازداد ميل العقل إلى اختزالها فى قصة تخصه، ورسالة تعنيه، وحكم صدر بحقه.

ويرتد السعى البشرى لاهثًا وراء تفسير كل نائبة بعينها، رغبةً فى استعادة المركزية الضائعة؛ وإقناع ذاته بأن الوجود كله منشغل بمراقبته، وكأن الكون لا يكتمل إلا إذا دار فى فلك التجربة البشرية، ولا يصبح مفهومًا إلا إذا اتخذ الإنسان مرجعه الأخير.

ربما كان أكبر أوهام الإنسان أن ينتظر من الحياة ما لم تعده به أصلًا؛ فالكون لم يدّعِ يومًا أنه يدور حول أحد، وهو وحده الذى ظل يقرأ حركته بهذه الطريقة، ثم سمّاها إرادةً إلهية. وما بدا، عبر التاريخ، سعيًا إلى فهم السماء، لم يكن فى كثير من الأحيان سوى محاولة لإخضاعها لمنطق الأرض. وكأن الوعى يصر على أن يكون كل ما يصدر عن المطلق قابلًا للفهم وفق شروطه هو ليظهر الشرخ المستتر فى بناء التصورات؛ إذ لا تبدأ محاكمة الله حين نعترض على مشيئته، وإنما من اللحظة التى نفترض فيها أن أقداره مطالبة بأن تدخل حدود إدراكنا.