دائرة الأسباب.. المعرفى والجمالى فى ديوان مروة نبيل
- الديوان صادر عن دار صفصافة ويضم 45 قصيدة
- الصورة الشعرية فى الديوان نتاج للمزاوجة بين الصورتين البيانية والبصرية
خمس وأربعون قصيدة تشكل المتن الشعرى لديوان «دائرة الأسباب» للشاعرة المصرية مروة نبيل، والصادر فى القاهرة عن دار «صفصافة».
وتتفاوت القصائد فيما بينها فى الحيز الكمى، ما بين قصائد التوقيعة أو الومضة، والقصائد القصيرة، والقصائد الأكثر إشباعًا، ويبدأ الديوان بالقصيدة المركزية «غضب الطبيعة»، وينتهى بالعنوان الذى وضعته الشاعرة على غلاف ديوانها «دائرة الأسباب»، وهى قصيدة تنهض على تيمة السؤال، والمجازات الغارقة فى التأمل، إذ تنتهى قصيدة «دائرة الأسباب» بسؤال مراوغ «كم ثعبانًا فى اللوحة؟»، بعد أن بدأت بالإحالة على متخيل شعرى بطلته سيدة السلاسل التى دوخت العالم.

وربما يلفت العنوان الدال انتباه قارئه، إذ يشير العنوان «دائرة الأسباب»، إلى مفهوم يُستخدم فى التفكير المنظومى Systems Thinking ويعنى أن الأحداث لا تحدث بشكل خطّى، حيث ثمة سبب يفضى إلى نتيجة فحسب، بل ثمة حلقة متكررة دومًا، تشبه الدائرة، إذ تؤثر النتائج مرة أخرى على الأسباب، وهكذا.
ولا يمكننا أن نفصل اختيار مروة نبيل لعنوان ديوانها عن أثر الفلسفة فى شعرها، وقد قدمت من قبيل مجموعة من الدواوين المتميزة، من بينها «وديعة كبقرة»، و«عمائى»، و«سرير فرويد»، إذ يوجد ذلك النسق المعرفى فى التفكير النابع من دراستها للفلسفة، ففضلًا عن كونها حاصلة على درجة الدكتوراه فى الفلسفة، فإن لها عددًا من الإصدارات المعرفية والفلسفية، من بينها: «مفهوم الزمان/ جدل برجسون- آينشتاين»، و«الفلسفة والعلم/ دراسة فى فلسفة باتريك سوبيس»، و«سيرة الأشجار/ تاريخ موجز للفلسفة»، وغيرها.
تستهل الشاعرة ديوانها بقصيدة «غضب الطبيعة» ردًا على قصيدة «عواء» الشهيرة لآلن جينسبرج، وتعاين مروة نبيل فى «غضب الطبيعة» عالمًا ممتدًا من التحولات والنقائض، فإذا كان الشاعر الأمريكى آلن جينسبرج فى قصيدته الأشهر «عواء»، كان مباغتًا، ومفارقًا، وصادمًا، وملهمًا للشعراء فى الآن نفسه، فإنك هنا فى «غضب الطبيعة» أمام مروية شعرية عن الحياة والموت، الوجود والعدم، البين بين، عن المتباينين، والمتماهين، الأشباه والنظائر، والأضداد والنقائض.
عالم شعرى يتسع مع كل دال «مفردة»، ومع كل جملة شعرية، تبدأ من «حضروا جميعًا»، الممهدة لاستعراض كل التنويعات المشار إليها فى القصيدة:
«حَضروا جميعًا،
من ذَهبن إلى الأسواق على عَجلٍ
من باعوا السَّراويل والجَوارب على الأرصفةِ
من غسلوا مئة سيَّارة فى نصفِ ساعة
من ذهبوا إلى العمل بكاملِ أناقتهم
من فتحوا الدكاكين ونَثروا بضائعهم
البِضاعة التى اشترت ما احتاجته من الناس.
المُتمردون على رئيس الحى
أعضاء النقابات، ومجالس الطلبة
التائهون
العائدون من السهرات
من تركوا هذا الصخب وناموا.
اللَّيل الذى حَضَر دونَ أن تكترث الشَّمس
الظِّل الذى من دونه لا يرْتسِم المكان
الهواتف على الوِسَادات
أجراسُ الأبواب».
ثم نرى البناء على هذه الجملة «حضروا جميعًا» مرة ثانية من أجل استئناف المعنى، وصولًا إلى المختتم الشعرى الدال على القلق الوجودى، الذى أعجز كل من حضروا فى القصيدة:

«حضروا جميعًا، وأمام نوع من الفَزَعِ
لم يُصدِروا أى حِرَاك».
فى قصيدة «صباحات الحرب»، تأتى الإحالة على الإبادة الجماعية التى ينفذها من يقدمون أنفسهم بوصفهم شعب الله المختار، بادعاء الوهم، والتفوق، والاستعلاء، حيث العربى الجيد هو العربى الميت، كما تقول الأدبيات الصهيونية الفجة، هنا تصدم القصيدة متلقيها، وتخلق معناها.
فى القصيدة الثالثة «إلى شيمبورسكا.. إيتل.. سيلفيا»، نرى ثلاثة مقاطع تتخذ الذات الشاعرة داخلها وضعيات مختلفة، فتارة تحكى مستخدمة ضمير المخاطب، ثم تتجه إلى ضمير الغائب. وصولا إلى البوح المباشر فى المقطع الثالث:
«أنا أيضًا أُصدِّقُ الشِّعرَ
وقصائدى قليلة.
لَكَم صنعتُ كعكًا بدلًا من الجلوسِ لأكتُب.
لدى رجلٌ دومًا، يذهبُ ويعودُ؛
يسقينى المُرَّ، والعسل المُرِّ،
فى الفراشِ أو عن بُعدٍ.
إذا لم أجد الحُزنَ أخترعُه،
إذا لم أخترع؛
أخرج من الموجودِ بسلسلةِ ابتكارات».
وفى «عالم جديد»، تبرز إحدى خصائص القصيدة لدى الشاعرة، حيث الاحتفاء بالاستهلال الشعرى، والبدء من اللا متوقع:
«بالتراجُعِ، بالشُحّ
بكبسُولة فيتامين C فوّارة
بكُولاجين بَحريّ مَغشُوش
بفواحةِ عِطرٍ تنشرُ سرطانات فى الجو
بسيلكُون على صَدركِ وتحت دماغك؛
تُقايضين الشمس».
ففى المقطع الشعرى السابق نرى البدء بالجار والمجرور «بالتراجع/ بالشح..»، وتوظيف أسلوب العطف «وتحت دماغك»، وتواتر العوالم، وصولًا إلى الفعل الشعرى «تقايضين الشمس»، ثم الخروج إلى دلالة أوسع عبر السؤال «كم إلهامًا يأتى ويضيع؟»، ثم الاستطرادات الأفقية التى تضيف معنى فى كل مقطع شعرى.
ثمة مقدرة بارعة على الاجتراح، والمغامرة، والنحت اللغوى، مثلما نرى فى قصيدة «متحف المساعى العبثية»، فضلًا عن تناغم الاستهلال والختام فى قصيدة «طريق ومهبط».
ينهض ديوان «دائرة الأسباب» على جدل المعرفى والجمالى، ويمكن أن نحيل إلى قصائد عديدة فى هذا المضمار، من بينها مثلا «إلى شوبنهور- فوضى العلامات- محاورة الجلد الميت- مصادفات- فى المعنى- ترميم...»، إذ ثمة لعب فنى فى تلك المسافة البينية، والحرة فيما بين المعرفى والجمالى، وهى علاقة مركبة لا شك، وتدرك الشاعرة خصوصيتها، وفرادتها، لكنها تحتاج أحيانًا إلى قدر من التوازن بالغ الدقة، بحيث يهضم الجمالى المعرفى، ويعضونه فى مساره الشعرى، ويهيمن عليه، وهو ما افتقدته بعض القصائد مثل قصيدة «العناصر»، وهذه إشكالية فنية تواجه هذا النسق من القصائد، وينبغى للشاعرة أن تلتفت إلى ذلك جيدًا.
ثمة نمط شعرى فى الديوان يخص القصائد الأكثر قصرًا، التى تشبه التوقيعة، من قبيل قصيدة «منتصف الليل»، والتى تبنى على آلية الاندماج بين الاستهلال والجواب الشعرى، واللذين يحققان معًا الصورة الفنية.
ومن الشواهد الدالة على تحقق الصورة الشعرية فى الديوان قصيدة «حلم يقظة»، وهى نتاج للمزاوجة بين الصورتين البيانية والبصرية:
«شاحنةٌ فى مُستطيل
وقفَ سائِقُها يَشْرَبُ شَايًا فى الظِّلِّ.
رجلٌ يتعب كى أُناديه «حبيبى»
آخرٌ يكتُب فأراهُ».
وبعد.. عن ترميم العدم، عن الجائعين، والمنسيين، عن الوجوه الشاحبة، والسلم الموسيقى، عن المعنى، واستعادته، أو غيابه، عن الحب وفصوله، تتحرك قصائد الديوان، لتشكل جدارية عن أحلام مقموعة، تتزيا برداء فلسفى، ولغة تشبه النصل أحيانًا، وتستخدم المجاز أحيانًا ثانية، وتوظف النزعة الحسية تارة ثالثة، منبئة عن شاعرة موهوبة، وحقيقية.







