الإثنين 05 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

المنفرد ونساؤه الساحرات.. لماذا يتوارى يوسف زيدان خلف ظلال الرواية؟

حرف

- الكاتب يستهدف تقديم رؤية واسعة لأحوال مصر منذ الخمسينيات وحتى ثورة يناير

- الشخصيات تُساق وتتشكل فى مواضع عدة لخدمة المنحى الخطابى والرؤية التى يطرحها الكاتب

- الرواية تحفل بمعلومات وتفاصيل زائدة على حاجة الحكاية كان يمكن الاستغناء عن كثير منها دون أثر سلبى يذكر

- الإشكال يحدث حينما يستطيع القارئ دون جهد يُذكر أن ينفصل تمامًا عن الشخصية الروائية لإدراكه الواضح أنها تنطق فقط بأفكار المؤلف

بقدر معقول من الإنصاف، لا يستطيع أحد أن يُنكر ما قدّمه يوسف زيدان على مستوى الثقافة العربية فى الكتابات الروائية أو غير الروائية. كما لا أظن أن التحقير من شأن مسار أدبى ثرى لصالح عمل واحد فيه هو فعل عاقل أو مُنصِف. ربما كانت رواية «عزازيل» هى درة يوسف زيدان، تميمته التى كان نجاحها النقدى والجماهيرى مُستحقًا بجدارة، لكن هذا لا ينفى أن ما تلاها وما سبقها من أعمال لها أهميتها فى مشروع متكامل يعمل عليه الكاتب ويستحق التقدير.

انطلاقًا من هذا الموقف، يمكن النظر إلى رواية «المنفرد ونساؤه الساحرات»، الصادرة حديثًا عن «دار نون»، من دون أن يحمل نقدها وانتقادها حُكمًا مسبقًا على صاحبها أو على مجمل تجربته. فتثمين ما أنجزه الكاتب فى أعمال سابقة، وما لكل عمل من قيمة وموقع، لا يعنى التسليم بأن كل عمل جديد يضيف بالضرورة إلى هذه التجربة بالقدر نفسه. فمع كل عمل جديد، تطفو الأسئلة النقدية نفسها التى تُطرح مع أى عمل أدبى: ماذا أنجزت الرواية؟ وكيف أنجزته؟ وهل نجحت الأدوات التى اختارها الكاتب فى خدمة الحكاية وشخصياتها؟

ومن هذا المنظور، تبدو «المنفرد ونساؤه الساحرات» رواية تستحق التوقف عندها؛ لأنها، رغم ما فيها من معرفة وأفكار واشتباك مع التاريخ والمجتمع، تثير سؤالًا حول العلاقة بين كل هذه المادة المعرفية، وبين جوهر العمل الروائى.

تدور فكرة الرواية الأساسية على استعادة رجل لحياته من خلال النساء اللواتى عبرنها. يسترجع «المنفرد» ذكرياته عن أمه وخالته، ثم النساء اللواتى ارتبط بهن فى مراحل مختلفة من حياته، لتصبح كل شخصية منهن مدخلًا إلى جانب من جوانب شخصيته، وإلى مرحلة من مراحل تشكّل وعيه ونظرته إلى نفسه وإلى العالم.

تمتد هذه الحياة، التى هى حياة الرجل نفسه، من خمسينيات القرن الماضى إلى عام ٢٠١١، وبامتدادها الزمنى تفتح الرواية مساحة واسعة لاستعادة التحولات التى مر بها المجتمع المصرى خلال هذه العقود؛ من التحولات السياسية والاجتماعية إلى الأفكار والتيارات التى عاصرتها الشخصيات. لترسم من خلال حياة شخوصها لوحة متكاملة لهذه الفترة الزمنية المتوقفة عند ثورة يناير ٢٠١١.

تبدأ الرواية من استعادة البطل سنوات طفولته الأولى التى ظللها حرمان دائم من مشاعر الأمومة، فالأم تختار الغياب شبه الكامل عن دورها الأمومى إزاء طفل هو ثمرة زواج فاشل أحيط لسنوات بالإحباطات، فتبتعد عنه جسدًا ونفسًا. وتترك مهمتها كاملة لأختها التى تؤدى دور الأم البديلة، لكنها بطبيعة الحال لا تقدم ما تمنحه الأم من حنان فطرى، فيظل الرجل البالغ، وهو يكتب مذكرات حياته قبل وفاته بعام، متذكرًا لحالته تلك ويعزى إليها علاقاته العاطفية اللاحقة المتعثرة بالنساء، فيقول متحدثًا عن مواقف محدودة شعر فيها بالحنو الأمومى: لحظات الحنو الثلاث هذه أضاءت عتمة طفولتى القاتمة، وعلت بى لحظات من كهوف الخوف إلى سماء الطمأنينة، غير أنها لم تكن سوى لحظات وسرعان ما تبدد أثرها وبقى بداخلى الحنين إليها والمحاولة المستمرة لاستعادتها، باستجلابها من حضن النسوة الساحرات اللواتى عرفتهن. 

يبدو إذن أن الكاتب أراد أن تكون عقدة غياب الأم هى ما يُشكل أفعال «المنفرد» ويرسم ملامح علاقاته بالنساء، غير أنه باستثناء هذا التصريح فى بداية الرواية، وبعض العبارات التى تلقيها إحدى نسائه بهذا المعنى، لا نجد أثرًا حقيقيًا لهذه العقدة فى طبيعة علاقاته النسائية التى يبدو معظمها طبيعيًا لا رغبة فيها لتعويض نقص سابق، كما لا أثر لها يبدو واضحًا فى فشل علاقاته النسائية، التى ينتهى معظمها لأسباب طبيعية مفهومة، أو برغبة النساء أنفسهن. 

وبخلاف الأم والخالة، يدوّن كاتب المذكرات قصته مع خمس نساء ارتبط بهن عاطفيًا، تركت كل واحدة منهن أثرًا فيه، قبل أن تغادر حياته، شاء ذلك أم أبى. تبدأ الحكاية في سنوات المراهقة مع مديحة عبود، أخت صديقه، التي تعلّق بها في سنوات مراهقته رغم فارق السن بينهما، والتى تنتهى ذكرياته معها بزواجها من مهندس يعمل بإحدى «بلدان الخليج النفطية الوليدة». 

من خلال هذه العلاقة يُسلط زيدان الضوء على فترة التحول فى تاريخ مصر من الملكية نحو الجمهورية، فباستدعاء الراوى لذكرياته مع أهله وأصدقائه والفتاة التى فُتن بها بتلك الفترة، تمر أحداث مثل اعتلاء الرئيس جمال عبدالناصر سُدة الحكم، وبعد سنوات: هزيمة يونيو ١٩٦٧، ثم موافقة الرئيس عبدالناصر على مبادرة روجرز، وغير ذلك من الأحداث خلال حقبة الرئيس عبدالناصر. 

لا يكتفى السرد باستعادة الوقائع بوصفها جزءًا من الزمن الذى عاشه «المنفرد»، فالكاتب يبث معلومات فى سياق البناء لمذكراته ربما لا تحمل قيمة فى ذاتها، وإن حذفت لن تؤثر بشىء يُذكر على فهم الشخصية أو استيعاب أبعادها، لكن هذه المعلومات تحمل أهميتها بالنسبة للكاتب، لأنها جزء من أفكاره التى يريد بناءها فى إطار الرواية. 

وفى هذا الصدد يمكننا أن نذكر الحديث عن صديق البطل؛ محمود الذى يخبرنا السارد بأنه يحمل لقب عبود، لكن الأسرة تتعمد إخفاء اللقب، لأنه اسم ابن عم جده الذى كان رجل أعمال مشهور فاحش الثراء.. لكن «الحكومة التى تدير البلاد بالضباط والأوهام الاشتراكية، افترست عبود باشا وسلبت منه ما يملكه فهرب إلى لندن. وقد يطالهم الأذى إذا اشتهر أنهم من أقاربه». 

وفى سياق آخر، يغتنم الكاتب حدث النكسة لإبداء موقفه الناقد للمرحلة بأكملها، فيُجرى على لسان السارد حديثًا ناقمًا عن «لغة التفاخر الكاذب» و«الانتصارات المزعومة» للرئيس «المهزوم» الذى ألقى وعودًا كاذبة سُرعان ما أسفرت عن الهزيمة، فيما يظل تأثير هذا الحدث الكبير فى حياة الشخصيات الروائية محدودًا وإن حاول الكاتب خلق مساحة له، لكنها مع ذلك بقيت مساحة محدودة تعتمد على الإخبار أكثر مما تؤثر بقوة فى مسار الحدث الروائى على نحو متكامل.

يتكرر هذا المنحى فى مواضع أخرى من الرواية؛ إذ كثيرًا ما تأتى الواقعة التاريخية أو الشخصية العامة كمدخل إلى تعليق فكرى أو سياسى، ليصبح صوت الكاتب فى بعض المواضع أكثر حضورًا من صوت الشخصية التى يُفترض أنها تستعيد حياتها. 

ويبدو أن زيدان لديه رأى حول مرحلة ما بعد ثورة يوليو فيُشكِّل الشخصية الروائية كى تعبر عنه فى المقام الأول، وهو الأمر الذى كان حاضرًا بدرجة ما فى روايته «سفر العذارى» السابقة لهذه الرواية. ففى «سفر العذارى» استُدعيت ثورة يوليو ١٩٥٢ بوصفها لحظة فاصلة فى حياة أهل النجع، وتجاوز السرد الأثر المباشر لها على حياة الشخصيات كى يقدم قراءة صريحة للثورة، فوصفت فى السياق الروائى بأنها استيلاء على السلطة وسلب للأموال وتمكين لفئة على حساب أخرى، ثم ربطها بتدهور الأحوال وانتشار التدين بوصفه رد فعل، وتفشى أنماط من الإجرام.

يتكرر الأسلوب نفسه فى «المنفرد ونساؤه الساحرات»، وإن اختلفت الأحداث والشخصيات. فاستعادة النكسة، مثلًا، تفتح المجال أمام أحكام مباشرة على الحقبة الناصرية، وفى الحالتين، يظل الحدث التاريخى حاضرًا بقوة تفوق أثره على الشخصيات، ويتحول إلى مساحة يعلن فيها الكاتب عن قراءته للتاريخ وموقفه من تحولاته.

ليست المشكلة فقط فى المساحة التى يشغلها الخطاب التاريخى والفكرى داخل الرواية، فالطريقة التى تتشكل بها الشخصيات نفسها فى ظله تتقدم فيها الفكرة على التجربة الإنسانية، فلا تُمنح الشخصية حياة خاصة بها، وتعقيدًا إنسانيًا يجعلها تتجاوز الوظيفة التى أُسندت إليها، إذ تبدو العلاقات العاطفية نقطة عبور إلى قضية أو مرحلة تاريخية، أكثر من كونها تجربة عاطفية وإنسانية لها منطقها الخاص.

ولأن الشخصيات تُساق وتتشكل، فى مواضع عدة، لخدمة التوجه الخطابى والرؤية التى يطرحها المؤلف، تأتى المرأة الثانية فى حياة «المنفرد» بوابةً إلى قضية أخرى. فسناء سيدة قبطية، ومحامية راسخة أسهمت فى تثبيت أقدام «المنفرد» فى عالم المحاماة، لكنها ظلت تعانى لسنوات بسبب دعوى الطلاق التى رفعتها ضد زوجها، لتظل معلقة بين المحاكم والإجراءات التى تحول دون إنهاء زواجها. ومن خلال قصتها، ينتقل الكاتب إلى الجانب القبطى من مسألة التشدد الدينى، ويرصد جانبًا من الاحتقان الطائفى الذى بدأ يتصاعد فى السبعينيات والثمانينيات بالتزامن مع اشتداد نفوذ الجماعات الإسلامية.

غير أن هذه الشخصية، بما تتيحه من إمكانات درامية وإنسانية، لا تُستثمر فى ذاتها بالقدر نفسه الذى تُستثمر به فى طرح الفكرة؛ إذ ينتهى مسار سناء، المحامية التى كان لها حضور مؤثر فى حياة «المنفرد»، بعودتها مضطرة إلى زوجها وإبعادها خارج القاهرة، ليُختزل مصيرها فى الوظيفة التى أدتها داخل الرؤية التى تريد الرواية تقديمها عن علاقة الدين بالحياة الشخصية والطائفية بالمجتمع، ولتكون متسقة مع الخلاصة المباشرة التى يضعها الكاتب على لسان الراوى عن إشكالية «العقائد والديانات التى تفرق بين الناس وتغرس بذور البؤس واليباب فى الأرض الخراب».

ومثلما كانت سنوات المراهقة والتعلق بمديحة عبود بوابة لتمرير قراءة المؤلف للحقبة الناصرية، تصير العلاقة مع سناء تادرس، بما تحمله من حب فى الظل يتحدى العقائد والأعراف معًا، مدخلًا إلى عصر السادات. ومن خلال هذه العلاقة، تتسع الحكاية الخاصة لتستعيد نصر أكتوبر، ثم اتفاقية السلام، وطريقة إدارة السادات لقراراته، ثم التحولات الدينية والاجتماعية التى شهدتها مصر فى السبعينيات.

وتمتد القراءة إلى ما يسميه السرد «موجات المد الدينى والعنف الاجتماعى بين المسلمين الذين مالوا إلى الوهابية والمسيحيين الأقباط الذين ملأت مدارس الأحد عقولهم بأوهام خطيرة». ولخدمة الفكرة، يُساق صديق «المنفرد»؛ محمود، الذى عرفه فى طفولته ومراهقته، وكان مفتونًا بالسينما والموسيقى والقراءة، فى هذه المرحلة وقد تحول إلى سلفى متشدد، يطالب بإقامة الشريعة الإسلامية وإعادة الخلافة ومجد الإسلام.

ولا تُترك حتى التحولات التى ترصدها الرواية لتكشف عن ملامحها من تلقاء نفسها؛ إذ يتدخل المؤلف لتوجيه قراءتها، مرة على لسان «المنفرد»، ومرة على لسان صديقه أسامة الرشيدى. فيقول «المنفرد» تعليقًا على اتفاقية السلام: «السادات انفرد بالرأى واحتقر الآخرين، فلم يستشر أحدًا ولم يطرح رؤاه للمناقشة، أو يعرض رأيه للاستفتاء العام كى يستطلع ما يريده مواطنوه الذين حاربوا إسرائيل عشرات الأعوام.. السادات انفرد وحده بالرأى وتفرد بالرؤية». ثم يأتى أسامة الرشيدى ليقدم تفسيرًا لـ«سلفنة المجتمع»: «كل ده من السادات، أصل مفكر نفسه منفتح وإن هو الوحيد اللى بيفهم، وشجع على الجنان ده عشان يكسر الشيوعيين ويبقى الرئيس المؤمن».

هنا تتضح تحركات الرواية بين الخاص والعام، فالعلاقة العاطفية التى يفترض أن تكشف عن جانب من شخصية «المنفرد» وأعماقه النفسية، تتحول إلى مسار لاستعادة مرحلة سياسية كاملة، ثم إلى تفسير للتحولات الدينية والاجتماعية التى شهدتها تلك المرحلة.

يستمر هذا التوجه مع الشخصيات النسائية التالية؛ سارة السكاكينى، وسها الشربينى، وجميلة الجريتلى. فمن خلال علاقات «المنفرد» بهن، يواصل السرد استعادة أحوال مصر منذ الثمانينيات وصولًا إلى ثورة يناير ٢٠١١، التى تنتهى عندها حياة البطل. وإلى جانب هذا الاستدعاء المتكرر للتحولات السياسية والاجتماعية، تحفل الرواية بمعلومات وتفاصيل زائدة عن حاجة الحكاية، كان يمكن الاستغناء عن كثير منها دون أن يمس ذلك بناءها. ومن ذلك، مثلًا، العلاقة العابرة التى تجمع البطل بسيدة الأعمال «منى»، التى يصفها السرد بشغفها بالممارسة الجنسية متعددة الأطراف، ثم يستفيض فى شرح الأصل العلمى لحالتها «السيكوسوماتية»، فيتحول تفصيل عابر فى مسار الشخصية إلى مساحة أخرى للشرح والاستطراد.

والأعجب أن علاقة «المنفرد» بشخصية مثل سها الشربينى تفضى أحيانًا إلى أحداث روائية يصعب فهم ضرورتها أو استساغة حضورها فى سياق الرواية. ويمكن الوقوف عند مثال واحد بهذا الصدد، فالمنفرد وفتاته ينطلقان فى رحلة إلى باريس، وهناك يلتقيان مصادفة بوزير الثقافة الأسبق ثروت عكاشة، فيعرّفان نفسيهما إليه ويطلبان الجلوس معه دقائق. تنصرف سها بعد قليل، فيما يستمر حديث طويل بين «المنفرد» وعكاشة يمتد لصفحات فى الرواية. حوار يتطرق لكتاباته، وفترة توليه وزارة الثقافة، وكواليس اختياره للمنصب، وجهوده فى طلب إطلاق سراح لويس عوض.

يصعب أن تبدو هذه المصادفة مقنعة روائيًا بصورتها هذه؛ فمثل هذا الحوار، بما يحمله من تفاصيل عن سيرة عكاشة وتجربته وأدواره الثقافية والسياسية، يحتاج فى سياق طبيعى إلى معرفة سابقة أو ترتيب مقصود للقاء، حتى يصبح امتداد الحديث مفهومًا داخل منطق الشخصيات. أما أن تلتقى الشخصية بشخصية عامة مصادفة فى مدينة أجنبية، ثم يتحول اللقاء العابر إلى حوار مطول يستعرض جوانب واسعة من سيرته، يجعل الأمر أقرب إلى استدعاء مساحة جاهزة من المعلومات إلى داخل الرواية، منه إلى واقعة تنشأ طبيعيًا من حياة الشخصيات.

جانب آخر من الارتباك بين الخاص والعام يظهر فى علاقة «المنفرد» بسارة السكاكينى؛ إذ تتحول مواعدة منتظرة بينهما فى منزلها إلى حديث عن أسباب رغبتها فى الرحيل عن مصر. لا يأتى الحديث فى صورة مختصرة تواكب طبيعة اللحظة التى طال انتظارها من الطرفين، ولكنه يمتد إلى أحوال اليساريين وتقييم فترة حكم مبارك، وحديث عن الشعارات الزائفة، والسلام الذى صار وسيلة للاسترخاء العام واستلام المساعدات العينية والمالية من أمريكا، والفساد السياسى. ثم ينتقل الحوار إلى مقارنة هذا الإحباط بما شهده «المنفرد» من تهاوٍ لأحلامه بعد النكسة، قبل أن يستدعى أغنية «أهلًا بالمعارك» كاملة، مكتوبة على صفحات الرواية. ومن ثم، فى لحظة يفترض أن تكشف شيئًا عن طبيعة العلاقة بين الشخصيتين أو مشاعرهما، يتجه الحوار لقراءة سياسية للمرحلة، واستعادة لتجربة جيل سابق، ثم نص غنائى كامل. 

لا تبدو المشكلة فى أن الشخصيتين تتحدثان فى السياسة، فذلك جزء طبيعى من تكوينهما وعلاقتهما، وإنما المشكلة فى المساحة التى يحتلها هذا الخطاب داخل المشهد، إذ تتوارى اللحظة الخاصة خلف مادة تاريخية وسياسية وثقافية دسمة تطغى على منطق المشهد وضرورته الدرامية.

تستطيع الرواية بطبيعة الحال أن تستوعب المعرفة، وأن تجعل من التاريخ مادة لبناء عالمها، وأن تحمل أسئلة فكرية وفلسفية واسعة، لكن الإشكال يحدث حينما يتعاظم حضور السياق على التأسيس النفسى والفكرى للشخصيات الروائية، وحينما يستطيع القارئ دون جهد يُذكر أن ينفصل تمامًا عن الشخصية الروائية لإدراكه الواضح أنها تنطق فقط بأفكار المؤلف.

ليست قيمة الرواية فى كثافة ما تحمله من معرفة، فهذه المعرفة تستطيع المقالة أو الكتابة التاريخية أن تؤدى وظائفها بكفاءة، وإنما فى الطريقة التى تتحول بها إلى حياة وتجربة داخل العالم الروائى، فى الدماء التى تبثها فى شرايين الشخصيات كى تبقى طويلًا فى ذاكرة القراء والأجيال جيلًا بعد جيل، لا أن تكون محض وعاء لأفكار المؤلف، وهذه هى المشكلة الرئيسة التى تتضخم فى هذه الرواية على نحو أكثر وضوحًا مما بدا لى فى أعمال أخرى للكاتب.

صحيح أن الارتكاز على «السارد الظاهر» الذى يشير إلى نفسه بضمير المتكلم، بتعبير يان مانفريد، يُمكّن الكاتب من التدخل فى القصة ليقدم تعليقاته أو تأملاته الفلسفية أو تفسيراته لما يجرى، لكن حين يصبح صوت السارد وتفسيراته حاضرًا فى كل شىء تقريبًا، بحيث تتوارى الرواية خلف الخطاب، يصبح الأمر جديرًا بالتوقف، ويسترعى إعادة النظر فى الطريقة التى يُمارس بها فن الرواية.

لا يحتاج كاتب الرواية أن يقول كل شىء، ولا أن يفسر كل دلالة أو يشرح كل شخصية أو يضع أمام القارئ خلاصة التجربة جاهزة. فما يحتاجه كاتب الرواية وقارئها معًا أن يُترك القسم الأكبر من «جبل الجليد» تحت الماء، ويمنح للقارئ فرصة لاستنباط المعانى وتخيل المحذوف والمضمر. يحتاج الطرفان إلى شخصيات تخرج من أسر النمطية والثنائيات الجاهزة، مثل ثنائية المرأة المثقفة والمتحررة فى مقابل المرأة البليدة محدودة التفكير فى هذه الرواية، شخصيات تُبنى من تعقيد التجربة الإنسانية وتناقضاتها ولا تُتخم بأفكار وتصورات جاهزة.

يحتاج فن الرواية إلى التحرر من سطوة الأفكار الجاهزة، لتكون قادرة على التعبير عن أسئلتها عبر التفاصيل الصغيرة، والشعور المبهم، واللقطات العابرة والعادية. للرواية طريقها وطريقتها فى استيعاب الأفكار، دون أن تفقد حسها الفنى وقدرتها على الإيحاء، وربما كانت الرواية الأقدر على البقاء هى تلك التى تقول أقل مما تعرف، وتترك للقارئ الوصول إلى ما لم تقل.