الأحد 06 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

كاتب وكتاب

فى الفن والدين والتقنية.. الفيلسوف الجزائرى محمد شوقى الزين: الذكاء الاصطناعى سيبقى عاجزًا عن حل مشكلات الإنسان النفسية والوجودية

حرف

- شيوع الشاشات الرقمية أسهم فى ترويج الثقافة وقراءة الكتب الالكترونية

- على الفلسفة فى زمن الذكاء الاصطناعى أن توفّر للإنسان وسائل التمييز بين الحقيقى والمزيَّف

- الثقافة تتربع على عرش الوجود.. وكل مشروع حضارى يهدف إلى تهذيب طبيعة الإنسان

- لا يمكن التأكيد على التفوُّق المطلق للذكاء الاصطناعى والتراجع التاريخى للفيلسوف

- مفارقة الذكاء الاصطناعى.. يُهدد وظائف البشر لكنه قد يفتح بابًا لإنقاذ البيئة

- فى عصر ما بعد العقل.. صارت الآلة مرآة نرى ذواتنا فيها ونقارن أنفسنا بها

- الكثير من الفلاسفة لجأوا فى الآونة الأخيرة إلى التفكير الفلسفى عن البيئة والشرط الإنسانى والحيوانى والعودة إلى «فلسفة الطبيعة»

لقرون عدة، هيمنت الأفكار والمفاهيم والنظريات على تاريخ الفلسفة، فيما ظلت الصورة مهمشّة ومقصيّة من مملكة الأفكار لأسباب واعتبارات شتى. ومع ذلك، فثمة رحلة شاقة قطعتها الصورة على مدار التاريخ يمكن أن يقود تتبعها إلى فهم أوسع للفلسفة والفن والفكر والواقع المعيش أيضًا. هذا هو الرهان الذى ينطلق منه الفيلسوف والباحث الجزائرى محمد شوقى الزين فى كتابه «أوديسا الصورة.. فى الفن والدين والتقنية»، الصادر عن ابن النديم للنشر والتوزيع ودار الروافد الثقافية ناشرون. 

يستعير المؤلف عنوانه من «الأوديسة»؛ تلك الرحلة الملحمية التى خاضها أوليسيس، ليشير إلى أن الصورة بدورها قطعت رحلة شاقة عبر التاريخ. فعلى الرغم من حضورها منذ الرسوم الأولى على جدران الكهوف، لم تحظ بالمكانة التى نالتها اللغة وحققها المنطق داخل الفكر الفلسفى، فعلى امتداد أكثر من ألفى عام، منحت الفلسفة الغربية الأولوية للفكرة المجردة، بينما ظلت الصورة تُعامل بوصفها عنصرًا ثانويًا. 

يُعيد الكتاب النظر فى العلاقة بين التفكير والتصوير. فمن أبرز أطروحاته أن الصورة ليست مجرد موضوع للتفكير، وإنما هى شرط من شروطه. فالفكرة، مهما بلغت من التجريد، تحتاج إلى صورة تتجسد من خلالها، حتى التفكير العلمى لا يخلو من النماذج والرسوم والتمثيلات البصرية التى تجعل المعرفة ممكنة. ومن هنا يرفض المؤلف الفصل التقليدى بين العقل والصورة، ويرى أن كل تفكير ينطوى، بدرجة ما، على فعل تصوير.

يرسم المؤلف تاريخًا متدرجًا لتحولات الصورة؛ ففى المجتمعات الدينية كانت الصورة مرتبطة بالمقدس، تؤدى وظيفة رمزية وتعليمية. ثم جاءت النهضة الأوروبية لتمنحها بعدًا جماليًا جديدًا، مع ازدهار الرسم وظهور علم الجمال. أما العصر الصناعى فقد فتح الباب أمام الصورة المتحركة مع السينما، قبل أن تقود الثورة الرقمية إلى ميلاد الصورة الافتراضية التى لم تعد تكتفى بتمثيل الواقع، بل أصبحت قادرة على إعادة إنتاجه وصناعته، فيما يُطلق عليه الكاتب عنوان «المنعطف الأيقونى»، مشيرًا إلى تحول جعل الصورة تتقدم إلى واجهة إنتاج المعرفة والثقافة، بعد قرون من هيمنة النص. ويكفى، فى نظره، تأمل الحضور الكاسح للشاشات، والسينما، والإعلام الرقمى، والذكاء الاصطناعى، لفهم أن الإنسان المعاصر بات يعيش داخل عالم تصنعه الصور. 

يتوقف الزين عند ظهور أنظمة الذكاء الاصطناعى التوليدى بوصفه منعطفًا جديدًا فى تاريخ الصورة. فالآلة لم تعد تقتصر على دور المساعدة للإنسان، بعد أن أصبحت تنتج النصوص والصور، وتحاكى الحوار، وتعيد تركيب الماضى فى صور ومقاطع تبدو حقيقية. ومن هنا تبرز إشكالية فلسفية هى: كيف يمكن التمييز بين الواقعة وتمثيلها، وبين الصورة التى تكشف الحقيقة وتلك التى تصنع حقيقة بديلة؟

لا يقع المؤلف فى فخ الخطاب التشاؤمى الذى يرى فى التكنولوجيا مجرد أداة للتضليل. فهو يعترف بالمخاطر التى أفرزها الانتشار الواسع للصور المزيفة والأخبار الكاذبة، لكنه يرفض أن يقود هذا إلى إدانة الصورة. فوجود «أشباه الصور»، على حد تعبيره، لا يلغى قيمة الصور التى تؤدى أدوارًا معرفية وتربوية وثقافية، وإنما يفرض تطوير أدوات نقدية تساعد على التمييز بين المزيف والحقيقى. 

تكمن أهمية الكتاب فى اقتراحه قراءة فلسفية لمسار الصورة بوصفها عنصرًا فاعلًا فى تشكيل الوعى الإنسانى، ونجاحه فى الربط بين موضوعات تبدو متباعدة، مثل الدين والفن والتقنية، ضمن إطار فكرى واحد يجعل من الصورة خيطًا ناظمًا لتحولات الحضارة. وربما يثير الكتاب عددًا من الأسئلة على رأسها: إذا كانت الصورة قد استعادت مكانتها بعد قرون من التهميش، فهل أصبحنا نمتلك الوعى الكافى للتعامل مع هذا الفيض البصرى؟ وما الأثر الذى تتركه مثل هذه التحولات على الذات الإنسانية؟ وما الأسئلة الأكثر إلحاحًا اليوم التى بات الواقع الراهن يفرضها على الفلسفة؟ 

حول هذه الأسئلة وغيرها، دار هذا الحوار مع الفيلسوف والباحث الجزائرى محمد شوقى الزين، صاحب عدد من المؤلفات الفلسفية البارزة، التى تتقاطع، على اختلاف موضوعاتها، عند سؤال الثقافة ودورها المركزى فى تشكيل الوعى والسلوك.

■ فى كتاب «أوديسا الصورة» تتتبع المسار التاريخى للصورة، من الكهوف والأيقونات الدينية إلى الذكاء الاصطناعى والعوالم الافتراضية. لماذا شعرت أن هذه اللحظة تستدعى إعادة كتابة «سيرة الصورة»؟ 

- أعتقد أن الدافع إلى كتابة «أوديسا الصورة» يعود إلى سببين متكاملين: أولهما أن الفلسفة، إلى حدٍّ بعيد، أهملت ما يمكن أن نسميه «نظام الصورة»، وثانيهما أن التحولات التقنية الراهنة جعلت من الضرورى إعادة التفكير فى علاقتنا بالصورة.

فمنذ أكثر من ألفى عام، هيمنت على الفلسفة تقاليد المنطق وفلسفة اللغة فى تجلياتها الميتافيزيقية والأنطولوجية، حتى بدا وكأن الفلسفة تنتمى إلى مملكة الأفكار والمفاهيم، بينما تُركت مملكة الصور للأدب والفن والدين. نشأ، نتيجة ذلك، فصلٌ بين «الفكرة» و«الصورة»، وكأنهما نقيضان لا يلتقيان.

غير أن تاريخ الفكر نفسه يكشف أن هذا الفصل لم يكن حتميًا. فبينما ظلّ التيار الدوغمائى فى الفلسفة متمسكًا بالبرهان والمنطق، رافضًا دخول الصورة إلى المجال الفلسفى، حاولت تيارات أخرى، لا سيما فلسفات الاختلاف وما بعد الحداثة، إقامة جسور بين الكلمة والفكرة، ثم بين الكلمة والصورة، وأخيرًا بين الفكرة والصورة. ومن هنا برز سؤال جوهرى: هل يمكن أن نفكر بالصورة؟

يبدو هذا السؤال، فى ظاهره، متناقضًا؛ لأن التفكير ارتبط تاريخيًا بالمفاهيم والمقولات ذات الطابع الكونى، بينما ترتبط الصورة بالحساسية والخيال والتجربة الجزئية، فهى وليدة بيئة وثقافة ولغة بعينها. لكن هذه الحجة ليست صلبة كما تبدو، لأن الإنسان يستطيع أن ينطلق من الصور المحلية ليبلغ أفقًا إنسانيًا عامًا. فالحب، والألم، والفرح، والبطولة، والأسى، وإن تجلت فى رواية أو لوحة أو قصة تنتمى إلى مكان محدد، فإنها تعبّر عن خبرات إنسانية مشتركة.

لذلك لا أرى تعارضًا بين المحلية والعالمية، بل أراهما وجهين لعملة واحدة. فالصيغة التى تعبّر بها كل ثقافة عن تجربتها الخاصة هى نفسها ما يغذّى العالمية ويمنحها تنوعها. وهذا قريب من الفكرة الفلسفية القديمة التى عبّرت عنها المقولة الصوفية: «الإنسان عالم صغير، والعالم إنسان كبير»؛ أى أن نظام الإنسان يعكس نظام الكون، والعكس صحيح.

ثم جاءت الثورة التقنية لتمنح هذا السؤال بعدًا جديدًا. فالتقنية، بطبيعتها، ذات بعد كونى؛ فنحن نستعمل الأدوات الرقمية نفسها، من الهواتف الذكية إلى الشاشات والروبوتات، لكن فى سياقات محلية متباينة. وبهذا أصبحت الصورة لغة مشتركة تتجاوز الحدود.

فى الماضى كانت الصورة، فى الغالب، محصورة فى الأدب والفن والدين، بما تحمله من حكايات ولوحات ورموز ومواعظ روحية. أما اليوم، ومع انفجار المعلومات، وانتشار الشاشات، وصعود الذكاء الاصطناعى التوليدى، أصبحت الصورة حاضرة فى كل مكان، وتغلغلت فى مختلف مجالات الحياة، حتى غدت أحد العناصر الأساسية التى تشكل وعينا بالعالم. 

■ ترى أن التفكير المعاصر لا يستطيع الاستغناء عن الصور. لكن هناك تيارًا فلسفيًا، ربما يمثله بشكل واضح جى ديبور ثم بودريار، يرى أن وفرة الصور تُبدد القدرة على التأمل والتفكير. ألا يمكن أن يكون فائض الصور اليوم جزءًا من أزمة التفكير، لا شرطًا من شروطه؟

- الأمر يتوقّف على أىّ معنى نُعطيه للصورة، وماذا نقصد بالصورة بالضبط؟ تختلف التعريفات باختلاف الاستعمالات، والرهانات، حتى الأيديولوجيات. 

مثلًا، كان النقاش فى المسيحية صاخبًا عن جدوى تبنّى الصورة، وكان هناك فريقان يتعاركان، أحدهما يرفض الصورة باسم التعالى والتنزيه، بأنَّه لا يمكن تصوير الألوهية بأىّ حالٍ من الأحوال، والآخر يتبنَّاها ويرى فيها تجليًا إلهيًا يرقى بالعالم الحسّى إلى الخلاص. 

إذا تكلَّمنا عن الصورة من وجهة نظر مخاطرها «التيَّار المعارض للصورة» وليس فقط منافعها «التيَّار المدافع عن الصورة»، فلأنَّ الصورة انقسمت إلى معطيين: المعطى الأول نسميه «الأيقونة» والمعطى الثانى نسميه «الأيدولة». الأيقونة هى الجانب المشرق أو الملائكى أو السَّمح من الصورة، لأنَّ الأيقونة تعكس الصورة وتشير إليها، وكانت هذه حجَّة المدافعين عنها: لا نعبد الصور لذاتها، وإنَّما لما تحيل إليه من كائنٍ خالص وشريف، وهذا الكائن نفسه يتجلَّى فى الصورة ويمدُّها بالنَّزاهة والرفعة والسُّمو. 

الأيدولة هى على العكس تمامًا، تُمثّل الجانب المظلم أو الشيطانى أو العنيف من الصورة، لأنَّ الأيدولة تميل إلى حجب الصورة للحلول محلها، فتتَّحد بما تشير إليه، فلا تشير فى نهاية المطاف سوى إلى ذاتها. وهذا حال الصنم أو الوثن أو الوهم بوصفها «أيدولات»، تشير فقط إلى ذاتها، فى فظاظتها الحسيَّة أو شبحيَّتها الوهمية. 

وأعتقد أنَّ جى ديبور وبودريار يشيران إلى هذا النوع من الصورة المنحطَّة أو المزيَّفة المسمَّاة «الأيدولة»، التى تأتى مغلَّفة فى إغراءات النظام الرأسمالى وهيمنة الدعاية الإعلامية التى تستعين بها القوى الاستعمارية والإمبريالية. 

■ إذن، هل انتصار الصورة اليوم فى المجمل هو انتصار معرفى وحضارى فعلًا، أم انتصار للرأسمالية الرقمية التى حوّلت الانتباه نفسه إلى سلعة؟

- بناءً على السؤال السابق، ذهب ديبور وبودريار إلى أنَّ الصورة اليوم تُمثّل الرأسمالية الرقمية وكذلك الرأسمالية المتوحشة فى أوجهها الاقتصادية والمالية، التى حوَّلت كل شىء إلى سلعة، تبعًا لما كان يسميه كارل ماركس «فيتيشية السلعة». والكلمة «فيتيشية» هى المسمَّى الآخر لمفردة «الأيدولة»، بمعنى البُعد الصَّنمى، والسّحرى، والاستلابى للسلعة. 

يجد الوعى نفسه مستلبًا فى إغراءات الصورة كما تصوّرها الرأسمالية فى بُعدها «المادى» «الاقتصاد والمالية» و«الرقمى» «البنوك الرقمية، والعُملة الرقمية، والاستهلاك المعمَّم». وزاد الذكاء الاصطناعى من «ردكلة» هذه الحالة، بدخول التحيُّزات الرقمية والخوارزميات فى توجيه الوعى. 

مع ذلك، ينبغى أن نتَّفق على شىء أساس وهو أنَّ ما نراه اليوم هو الجانب المتدهور أو المبتذل من الصورة الذى نسمّيه «الأيدولة». أمَّا الصورة فى ذاتها أو جوهرها تبقى عصيَّة عن الإحاطة. من هنا تحدَّث بعض المتخصصين فى فلسفة الصورة مثل ديدى- هوبرمان وويليم ميتشل عن «لاهوت الصورة»، كون الصورة شيئًا مفارقًا، لأنَّ ما نراه حسيًا هو تجليَّات الصورة من أيقونة، وتصويرة، ومادَّة؛ أو ما نراه معنويًا من أحلام، وخيالات. 

لهذا السَّبب، عندما نتحدَّث عن الصورة فإنَّا نتكلَّم فى الغالب عن تجليَّاتها ونادرًا عن جوهرها. والاقتراب من جوهرها يكون بأدواتٍ أكثر تجريدًا وعنيتُ بذلك المعجم الأنطولوجى والميتافيزيقى والفينومينولوجى فى الاقتراب من الصورة، وبما تكشفه عن ذاتها عبر تجليَّاتها. 

إذا أتينا الآن إلى سؤال تهميش الصورة، فالجواب يُقدّمه روح العصر الحديث. فقد أدى الصعود الكاسح للعقل، منذ العصر الحديث حتى عصر الأنوار والثورة الصناعية، إلى تحالفه مع أدواته الفكرية والمنطقية والبرهانية من أجل تقدّم العلم التجريبى، ولم يكن أمام الصورة من بدّ سوى اللجوء إلى المجالات الهامشية أو تلك التى تُغذّى الإحساس والشعور والخيال مثل الأدب والفن والدين. 

لكن متى خرجت الصورة من التهميش واكتسحت أقاليم واسعة من التجربة الإنسانية؟ حدث الانقلاب عندما تراجع العقل والمنطق والحقيقة وتعاظمت القيم النسبوية وما بعد الحداثية، وانهارت الجدران بين الفلسفة والأدب، وبين الفلسفة والفن. لا ينبغى النظر إلى ذلك من وجهة نظر الحكم القيمى، بل ينبغى النظر إليه ودراسته بوصفه ظاهرة، والنظر فيما يمثّله بالنسبة إلى الوعى البشرى.

لا نستطيع الآن الرجوع إلى الوراء والاحتفاء بقيم العقل، والتقدّم، والحداثة، لأنَّ خطّ الزمن لا رجعة فيه، وينبغى بالأولى التعايش مع الأشكال الجديدة من الظواهر المادية واللامادية. وأقوى ظاهرة لا مادية نحياها اليوم هى الذكاء الاصطناعى التوليدى، الذى هو تجلٍ آخر من تجليات الصورة، لأنَّ الذكاء الاصطناعى يُعطى للخيال مادَّة، ويجعله قريبًا من الواقع، وأحيانًا مشابهًا للواقع تمامًا، كما يحصل مع التصاوير والفيديوهات المخترعة بتقنيات الذكاء الاصطناعى، التى تقوم بتزييف الوقائع أو اختلاق وقائع جديدة تمامًا. 

نحن إذن أمام مدلول جديد للصورة هو أقرب إلى مفاعيل «الأيدولة» «الزيف والأخبار الكاذبة والفيديوهات المصطنعة» منه إلى «الأيقونة». لكن الزيف فى حدّ ذاته ظاهرة تستحق أن تُدرَس، لأنَّ مستقبلًا ستكون الحياة البشرية فى معظمها رقمية، ومن ثمَّ لن تفلت من الزيف. 

نشهدُ بشكلٍ ما عودة المجازات الأفلاطونية الشهيرة وهى ثنائية الذئب والكلب: كيف نفرّق بين الذئب والكلب فى عزّ الغسق؟ وهل انتصار الصورة الرقمية اليوم وشيوع الزيف هو انتصار السُّفسطائى المتلاعب بالكلمات والصور البيانية والبلاغية؟ يكشف الانتشار الكثيف لقيم ما بعد الحداثة عن توسُّع نموذج «السُّفسطائى» وتراجع نموذج «المنطقى»، لأنَّ العالم كما نراه اليوم عبر الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعى هو أقرب إلى الحقيقة النسبية والمختلقة منه إلى المنطق الصورى والطبيعى والعقل الفنَّان. 

■ إذا كانت كل مرحلة من تاريخ الصورة قد غيّرت فهم الإنسان لذاته، كما تقول فى الكتاب، فهل سيغيّر الذكاء الاصطناعى تعريف الإنسان نفسه؟ وما الذى يبقى للإنسان برأيك إذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج الصورة والأفكار والخيال؟

- بانتشار الصورة الرقمية والذكاء الاصطناعى التوليدى، سيتغير الإنسان حتمًا. فى العصور السابقة، كان الإنسان بحاجة إلى عُنصرٍ يُقارن نفسه به، فكان يُقارن نفسه بالألوهية فى العصر الوسيط، فيجد إنسانيته متناهية وهشَّة بالمقارنة مع الألوهية المطلقة والمتعالية؛ ثم مع العصر الحديث صار يقارن نفسه بالحيوان ليرى بأنَّه يتميَّز عنه بالعقل والذكاء كما عند ديكارت مثلًا، وإن كان يشترك مع فى بعض السمات الطبيعية التى تتلخَّص فى الانفعالات من غضب، وعنف، وشهوة.

الآن، وبعد نهاية عصر الألوهية «العصر الوسيط» وعصر العقل «العصر الحديث»، نجد أنفسنا اليوم «عصر ما بعد العقل» أمام مرآة جديدة نرى ذواتنا فيها ونقارن نفسنا معها، ونموذج المقارنة اليوم هو «الآلة» بأوسع معانى هذه الكلمة من ذكاء اصطناعى توليدى، وروبوت، وأجهزة ذكيَّة... إلخ. 

يكفى أن نرى انفجار الذكاء الاصطناعى التوليدى وكيف يُغيّر اليوم من حياة البشر لنتيقَّن بأنَّ الإنسان سيتغيَّر كذلك، لأنَّ الإنسان صار يقارن نفسه مع هذا الذكاء الآلى والرقمى، ويتحدَّث معه، ويُشخصنه، كما لو كان يتحدَّث مع كائن عاقل «مثلًا، «شات جى بى تى» منذ ٢٠٢٢، ثمَّ التطبيقات الأخرى التى ظهرت مؤخرًا»، بل صار الناس يطلبون النصائح، ويطرحون مشاكلهم، ويكسّرون الوحدة والانعزال بالحديث مع الآلة كما لو كانت شخصًا. 

ما حصل هو أنَّ الآلة اكتسبت السمات البشرية عن طريق «المحاكاة»، وصرنا نتحدَّث معها كما لو كان لها مشاعر، وانطباعات، وأحكام. نجد أنفسنا فى المخطَّط نفسه الذى شاع فى العصر الوسيط وهو أنَّ «الله خلق الإنسان على صورته». يمكن القول إنَّ اليوم الإنسان صنع الآلة على صورته، فصارت تتعامل مع المعطيات والمعلومات بالدوافع البشرية نفسها التى تغلب عليها الأحكام، والتحيُّزات، والمشاعر، والعواطف. 

لا يمكن أن نقول إنَّ الآلة تفكّر، بل تحسب فقط، وتجمع، وترتّب، عددًا هائلًا من الخوارزميات من أجل عرض فكرة أو إبداء رأى. ليس لها مشاعر، بل نحن الذين نُسقط عليها المشاعر لأنها تُشبهنا وصنعناها على صورتنا. 

وليس أبلغُ صناعةٍ تشبه الإنسان فى هيكله كما فى هيئته من الروبوت. الروبوت هو إنسان آلى، أى شبيه البشر فى السلوك، والتفاعل مع المحيط، وإنتاج الأفكار بناءً على الخزَّان اللا نهائى للمعلومات المشفَّرة خوارزميًا. 

باختصار: بعد الإله فى العصر الوسيط، والحيوان فى العصر الحديث، صار الروبوت هو الموضوع الذى نقارن ذواتنا به ونصنعه على شاكلتنا. 

■ فى حوار حديث معه قال جيل ليبوفتسكى إن الذكاء الاصطناعى بات يمتلك تأثيرًا اجتماعيًا يفوق تأثير الفلسفة، وأن الفيلسوف فقد الدور الذى كان يؤديه فى القرون السابقة. إلى أى مدى تتفق مع هذا الطرح؟ 

- له نصيب من الحق. لكن لا يمكن التأكيد على التفوُّق المطلق للذكاء الاصطناعى والتراجع التاريخى للفيلسوف. ليس للذكاء الاصطناعى والفيلسوف الأدوار نفسها، ولا يمكن تعويض أحدهما بالآخر. ما يقدّمه الأوَّل هو خدمات عملية فى الإجابة عن الأسئلة، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات، وتنظيم الأجندات، إلخ. يتوجَّه الذكاء الاصطناعى إلى البُعد المعرفى والتطبيقى من حياة الإنسان بأن يجيب عن أسئلة عملية ويُسدى خدمات يومية. 

ما يُقدّمه الفيلسوف يتعدَّى مجرَّد الخبرة العملية نحو الخبرة المعيشة، ويتوجَّه إلى عقل الإنسان، وانفعالاته، ومخاوفه، وهمومه الوجودية. إذا افترضنا أنَّنا نعوّض الفيلسوف أو عالم النفس أو التربوى بالإنسان الآلى الذى يجيب عن هموم الإنسان النفسية والوجودية، فإنَّ العملية لا تتجاوز الإطار الآلى الذى يخلو من التفاعل الذاتى بما يحمله من تعاطف وتفهُّم. يتعاطف الفيلسوف أو عالم النفس مع محنة الإنسان، لكن الإنسان الآلى لا يشعر بأيّ عاطفةٍ تُجاه المحنة البشرية. ما يُقدّمه هو جواب رقمى أو خوارزمى يناسب طبيعة المحنة أو الهم، ولا يحمل شُحنة المعنى المرافقة لها. 

لا شكَّ أنَّ فى المستقبل سيكون للذكاء الاصطناعى حضور ملحوظ فى العديد من المجالات، مثل الطب، والتعليم، والاقتصاد، وسيُسهم بشكلٍ بارز فى التطوُّر التقنى والحضارى للإنسان المعاصر، لكن يعجز عن حل مشكلات نفسية أو وجودية ما دام إنَّه مبرمج آليًا على إيجاد حل لكل مشكلة، ولا يمكنه الولوج فى قصدية الإنسان وربط حياته العاطفية بالذاكرة الماضية. إن كل ما تقوم به الآلة، وإن كان شبيهًا بالإنسان، لا يُطابقه. تتعلَّم الآلة كيف تتصرَّف وفق برمجة مسبقة، وليس لها قصدية باطنية تتيح لها النظرة إلى الأشياء نظرة حدسية أو انفعالية.

وهنا يكمن الفارق بين المعالجة الآلية بناءً على برمجة مسبقة ومحاكاة، والمعالجة الآنية التى تقوم على الخبرة المعيشة للأنا فى علاقتها بالغير. 

■ فى كتاب «بئر طاليس»، تدعو إلى رد الاعتبار لليومى بوصفه مجالًا للتفكير الفلسفى. لكن فى عصر وسائل التواصل الاجتماعى، أصبح اليومى نفسه مرادفًا للتشتت والتدفق اللا نهائى للتفاصيل. هل أصبح الخطر اليوم هو غياب الفلسفة عن اليومى، أم غرق الإنسان فى اليومى إلى الحد الذى بات معه عاجزًا عن التأمل؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تستعيد وظيفتها هنا؟

- نعم، يمكن القول إن اليومى ارتحل إلى فضاءات افتراضية يُتيحها الإنترنت والذكاء الاصطناعى التوليدى. وكأنَّ اليومى انقطع عن جذوره الواقعية واعتنق المجالات الرقمية، فصار مغتربًا فى هذا العالم الرقمى لا ينفك عنه. يكفى أن ننظر إلى حياتنا اليومية لنرى كيف صارت رهينة الوسائط الآلية والرقمية فى التواصل الاجتماعى، والتسوُّق، والتعلُّم... إلخ، على خلاف الزمن الماضى، حيث كان المعيش مرتبطًا بالبيئة المحيطة من طبيعة، وبشر، وحيوانات، وأشياء.

لا نستطيع الجزم بأنَّ هذه الحياة الماضية اختفت إلى غير رجعة، لأنَّنالا نزال نتواصل واقعيًا عبر الاختلاط فى المدرسة، والعمل، والشارع. ولم نتغيَّر ذواتنا كبشر لهم علاقة جسدية بالعالم المحيط. ما تغيَّر هو نظرتنا للأشياء التى صارت أقلّ واقعية وأكثر افتراضية بفعل الوسائط الآلية والرقمية، ممَّا يجعلنا نسقط فى التحيُّزات ونُخطئ فى الأحكام. 

تأتى هذه التحيُّزات والتقديرات الخاطئة ممَّا اصطلحتُ عليه تسميته «العصر الأيدولى للفكرة»، بمعنى أنَّ تواصلنا اليومى بالعالم الافتراضى جعلنا فريسة التجليَّات الأيدولية فى الشبكة من أخبار كاذبة، وصور مفبركة، وفيديوهات مختلقة، وتصاوير مزيَّفة. فقط من يتسلَّح بالتفكير النقدى والحسّ السليم يمكنه تفادى السقوط فى هذه الفخاخ الافتراضية. وما يمكن للفلسفة أن تقدّمه من أدوات ووسائل فى مقاربة اليومى هو بالضبط هذا التفكير النقدى والاستعمال السَّديد والوجيه للعقل. 

يمكن القول إن اليومى انسحب من الواقع وارتحل إلى فضاءٍ آخر هو مستلبٌ فيه وهذا الفضاء اللامادى من شاشات، وتصاوير، وخوارزميات غيَّر من أسلوب تعاملنا مع الأشياء التى لم نعد نراها رؤية حسيَّة، بل صرنا نراها عبر وسائط افتراضية، وكأنها اختفت فى عين ماديَّتها. 

تأتى الخطورة من تحويل هذه الوسائط إلى مراكز وإلى ماهيات، بينما هى فقط وسائط تعكس الواقع. مثلا، عندما نُصوّر شخصًا بالكاميرا، فإنَّ الكاميرا هى وسيط بين الشخص الواقعى والشخص المسجَّل فى الكاميرا، إنه الشخص نفسه. ومن ثمَّ فإنَّ الكاميرا هى وسيط فى ترجمة الواقع أيقونيًا. 

تكمن الخطورة الآن فى وسائط أخرى لا تكتفى بأن تعكس الواقع وتحتفظ به فى ذاكرة الآلة من الآلة الفوتوغرافية إلى الكاميرا، وإلى الهاتف النقال، بل وسائط الذكاء الاصطناعى التى تصنع واقعًا آخر، وتولّد سياقًا مختلفًا. فقط ببعض البرامج الذكية يمكن مثلًا تحريك الشخص المسجَّل فى الكاميرا، ويمكن أن ننسب له أفعالًا لم يقم بها، أو نصوّره يسرق أو يقتل وهو لم يفعل ذلك. للذكاء الاصطناعى التوليدى القدرة على خلق هذا النوع من الفيديوهات عبر برامج ذكية. الكل يتوقَّف على طريقة استعمال هذا الذكاء الآلى إذا أردنا أن نوجهه نحو غايات محمودة أو نحو أهداف مذمومة. 

من هنا جاء الحديث عن أخلاقيات الذكاء الاصطناعى فى سنّ ضوابط تحفظ للشخص واقعيته وكرامته. ينبغى الاعتراف بأنَّ اليومى لم يعُد كما كان من قبل بماديته، وحسيته، وما كان يُخلّفه من ذكريات وأحلام وآمال، بل تحوَّل كثيرًا بفعل الوسائط الافتراضية، ودور الفلسفة أن توفّر للإنسان وسائل التمييز بين الحقيقى والمزيَّف، وأن تجابه منطق الأيدولة المنتشر فى الفضاء الافتراضى بمنطق الأيقونة بربط الأشياء بمصادرها الوثيقة، وتفكيك الزَّيف بالتفكير النقدى. 

■ إذا كان لكل عصر سؤاله الفلسفى المركزى، فما السؤال الذى تعتقد أنه سيعرّف فلسفة القرن الحادى والعشرين؟

- السؤال الجوهرى الذى سيُعرّف فلسفة القرن الحادى والعشرين هو فى نظرى سؤال التقنية وكل الأسئلة المرتبطة به من ذكاء اصطناعى، وتطور تكنولوجى، ومصير الإنسان مع شيوع الآلة. يُضاف إلى ذلك سؤال البيئة بعدما وصلت البشرية إلى مرحلة خطيرة من التلوث الصناعى، والتصحُّر، والاحتباس الحرارى. 

ثمة مفارقة تجعل من العالم الرقمى «صديق» البيئة وليس ضدَّها. تصبُّ بعض الأمثلة فى ذلك: نرى بأنَّ شيوع العالم الرقمى أسهم فى تراجع التصنيع الملوّث للبيئة منذ الثورة الصناعية فى القرن التاسع عشر. كذلك، شيوع الشاشات الرقمية أسهم فى ترويج الثقافة وقراءة الكتب الالكترونية بدلًا من قطع الأشجار بكمية كبيرة لصنع الورق. تُسهم الرقمنة فى الاقتصاد فى الورق، ومن ثمَّة تجنُّب قطع الأشجار واقتلاع الغابات، التى بدورها تُسهم فى تلطيف الأجواء وإنتاج الأكسجين. 

لهذا السبب، وإن كان للعالم الرقمى والذكاء الاصطناعى سلبيات تتجلَّى فى المخاوف البشرية من تقلُّص فرص العمل وانتشار البطالة، تكمن الإيجابيات فى التخفيف من أثار التلوث نتيجة التصنيع المفرط، والتركيز على الخدمات والطاقات المتجددة والنظيفة. ومن ثمَّ، فإنَّ سؤال الأسئلة سيكون بلا شك السؤال البيئى أو الإيكولوجى بالتحالف مع التكنولوجيات الحديثة «التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي»، لأنَّ البيئة «أو الطبيعة» هى آخر ملاذ الإنسان للحفاظ على النوع وتجنيب البشرية انقراضًا سريعًا بسبب الجفاف، والحرارة المفرطة، والأزمات الاقتصادية الناتجة عن ذلك. والكثير من الفلاسفة لجأوا فى الآونة الأخيرة إلى التفكير الفلسفى عن البيئة والشرط الإنسانى والحيوانى والعودة إلى «فلسفة الطبيعة» كما طرحها القدماء وفلاسفة العصر الحديث. 

■ تمتد اهتماماتك البحثية من الدراسات العربية الإسلامية إلى فلسفة التأويل ونظريات الثقافة، وتتنوع كتبك بين موضوعات متعددة. هل تنظر إلى هذه الأعمال بوصفها مشاريع مستقلة، أم أنها فصول فى مشروع فكرى واحد؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الفكرة المركزية التى تحرك السؤال الفلسفى لديك وتمنح هذا المشروع وحدته؟

- بالفعل، هناك تنويع فى الاهتمامات ومصادر البحث. يعود ذلك إلى فترة التحصيل الجامعى، عندما توجَّهتُ نحو تخصُّصين، أحدهما عن الفكر العربى الإسلامى الوسيط «نموذج ابن عربى الذى توّج بدكتوراه فى الدراسات العربية الإسلامية»، والآخر عن الفكر الغربى المعاصر «نموذج ميشال دو سارتو الذى تُوّج بدكتوراه فى الفلسفة». أتاح لى هذا التخصص المزدوج التجوُّل فى حقول معرفية مختلفة «وأحيانا متباينة»، وسعيتُ إلى إقامة جسور بينها والبحث عن الاختلاف فى عين الوحدة، والبحث عن الوحدة فى عين الاختلاف. قد يُعطى هذا التخصص المزدوج الانطباع بالتشتُّت والاهتمام بموضوعات مختلفة تفتقر إلى المنهجية والتماسك. لكن، سرتُ وفق خيطٍ ناظم حملنى من التصوف الإسلامى «ابن عربى» إلى التصوف المسيحى «كما درسه دو سارتو»، وكيف يُقدّم التصوف صورًا حيَّة عن تجارب معيشة قابلة للترجمة إلى مفاهيم ومقولات، والعديد من المفاهيم الفلسفية أتت من حقول التصوف والعرفان، من أفلاطون وأفلوطين إلى كانط وهابرماس وإلى غاية جان لاكان الذى بلور نظرياته فى التحليل النفسى بناءً على أدبٍ عرفانى بالإضافة إلى ملاحظات عيادية. كذلك، تُقدّم نماذج الحلاج، والبسطامى، ورابعة العدوية نماذج إسلامية فى التحليل النفسى، ومعرفة أغوار النفس انطلاقًا من التجربة العرفانية فى أوجهها المتفاقمة. 

هذا الاهتمام بالتصوف يُلقى بجسورٍ جديدة نحو إقليم اليومى ومعرفة التجارب المعيشة فى الحياة اليومية عبر القراءة الاجتماعية والتأويل الأدبى والفنى، وكيف أنَّ اليومى يُشكّل فى جوهره نوعًا من «عرفانية النفس البشرية» بكل آلامها، وآمالها، وأحلامها فى تفكُّر العالم وإنتاج خطابٍ حافلٍ بالانفعالات، والوجدانيات، والمشاعر، والأحاسيس، والرؤى، والسلوكيات. 

إذا كان المشروع البارز هو «نقد العقل الثقافى» كما أعلنتُ عنه فى المشروع- المقدمة «الثقاف فى الأزمنة العجاف»، وتجسَّد فى كتابين «فكرة الثقافة: «نظرية التكوين أو بيلدونج»، وبنية الثقاف: «نظرية رؤية العالم»» فى انتظار الكتابين الآخرين «تدبير الثقف: «نظرية الفعل»، وتفاعلية المثاقفة: «نظرية التواصل والغيرية»، فلأنه يُشكّل النَّهر الذى تتفرّع عنه جداول شارحة تتغذى منه وتترسّخ فى الحقول البعيدة من التجربة الإنسانية. 

على هذا المنوال، يمكن عدّ بعض الكتب مثل «فلسفة الوردة البيضاء»، و«أوديسا الصورة»، و«الثقافة والصورة»، و«التفلسف والتصوف»، و«بئر طاليس» فى مقام الترجمة العملية للمشروع والتعميق فى مفاهيم أساسية مثل الصورة، والثقافة، والتصوف، والفلسفة، واليومى، والحرية، والمقاومة، وهى كلها الجداول الصغيرة المتفرّعة عن النهر الثقافى الواسع. 

يمكن تلخيص الفكرة الرئيسة التى تحرك السؤال الفلسفى عندى فى مركزية الثقافة فى تشكيل الوعى والسلوك. هذا ليس جديدًا، لأنَّ رواد فلسفة الثقافة مثل أرنست كاسيرر كانوا يرون فى الثقافة الكوكب الذى تحوم حوله أقمار، وتتلخص الأقمار فى الفن، والدين، والسياسة، والأخلاق. أنخرط فى الفكرة نفسها، وهى أنَّ الفن، والدين، والسياسة، والأخلاق هى مكوّنات ثقافية من تشكيل الإنسان فى مذاهب فنية، ودينية، وسياسية، وأخلاقية، وما يترتَّب عنها من قواعد، وأحكام، وتشريعات، وقيم. بهذا المعنى تتربَّع الثقافة على عرش الوجود الإنسانى. لأنَّ الإنسان، وإن كان كائنًا طبيعيًا يبرزه جسده وانفعالاته، إلَّا أنه يسعى لتهذيب الطبيعة المتوحّشة فى ذاته بقواعد فنية- جمالية، ودينية، وسياسية، وأخلاقية، وهذا المطلوب من كلّ أساس ثقافى وحضارى للإنسان: أن يُروّض طبيعته بالقيم التى يسمو بها ويبنى على أساسها المضامين الثقافية فى مختلف تجليَّاتها البشرية. فهو يؤسّس لعمران بشرى تظهر فى مختلف نشاطاته الاقتصادية، والسياسية، والدينية؛ وهى ظواهر ثقافية بامتياز، لأنَّها من قدرته على الصناعة، والتشريع، والتكوين.