جرأة الميديوكرز.. مطابخ «الورش الأدبية»: «ورقة وقلم واكتبى ورايا يا سِت الكل»!
- الورش الأدبية تبيع «أسرار الكتابة» على طريقة وَصفَات «الشيف الشربينى»
- إحدى الورش تَعِد المتقدمين بتحويلهم لـ«كُتاب قصة قصيرة» خلال شهرين
- مناهج «الورش» تُخرج نصوصًا مصنوعة ومفتعلة وخالية من الحياة
- للكتابة الأدبية أدوات.. لكن لا يمكن اختزالها فى مادة تعليمية أو «كتالوج»
تخيل معى أيها القارئ العزيز: قاعة متوسطة الحجم يقف فى منتصفها محاضر «روائى أو قاص أو شاعر أو أيًا ما يكون»، وأمامه طاولة صغيرة وحوله مجموعة من البراعم الأدبية فى تربة الكتابة.
ماذا يفعل المحاضر؟ يمسك بسكين ويقطع ثمرتى طماطم، ثم يقشّر بصلتين، ويبشُر جزرتين، ويستخرج البذر من بطيختين، ويسكب قليلًا من الزيت فى طبق صغير، ويحضِّر مقادير البهارات وغير ذلك من التجهيزات.. هل يمكن تخيّل عبثية وعشوائية المشهد؟!
سيتساءل البعض: ما هذا الخيال المريض؟! وأجيب بأنه أقل ما يمكن أن يستوحيه الإنسان المتأمل من «السمك لبن تمر هندى»، الذى يحدث فى ما يسمى بالورش الأدبية فى مصر، والتى تبيع «أسرار الكتابة» المزعومة على طريقة وصفات «الشيف الشربينى» فى مطبخه العامر.


أستعير هنا تركيب «المتنبى» بتصرّف، وأقول: «من نكد الدنيا على المرء»، أن تمر فى يومه تفاصيل عابرة تشعره بأنه جاهل تمامًا حتى لو كان كثير القراءة والتأمل، وقد يكون أحد تلك التفاصيل، إعلان ممول بلتنى به خوارزميات «فيسبوك»، عن ورشة أدبية فى مجال القصة القصيرة تقدمها مُحاضرة يُعرّفها الإعلان بأنها فائزة بإحدى الجوائز الشهيرة.
لماذا شعرت بالجهل الشديد؟ الإجابة تكمن فى العناصر التى تضمنها الإعلان، والمفترض أن يتم تدريسها للمتقدم لنيل الورشة الأدبية، وهى عناصر شعرت معها بأنها يمكن أن تكون مجموعة من الوصفات أو المكونات التى يمكن مع إضافتها لبعضها بعضًا أن تخرج لنا «طبخة» تؤكل، وليس تكوينًا أدبيًا مصهورًا بنيران الموهبة والتحقق الفنى ووهج التجربة الإنسانية العميقة.
يعدد الإعلان المزايا التى سيحصل عليها المتقدم حال الالتحاق بالورشة، فيقول نصًّا: «ستعلمك: الفرق بين القصة القصيرة والرواية.. والوحدة والانطباع الواحد عند القصة القصيرة.. والشخصيات، الصراع، والزمن.. والفرق بين الشخصية والإنسان، الجرح القديم، التناقض الداخلى.. والفرق بين المكان والديكور، الاستباق، والإيقاع.. والذاكرة أو الوعى أو التحول».
أعدت القراءة مرات، وتساءلت عن معنى هذه الأشياء: الوحدة والانطباع الواحد؟! والفرق بين الشخصية والإنسان؟! «إزاى يعنى؟».. والجرح القديم؟! ماذا يقصد بالجرح القديم؟! هل «التروما» مثلًا؟ وماذا يعنى الاستباق والوعى والتحول؟ وما الفكرة الرابطة والجدوى من كل هذه العناصر؟!
بما أن «الإنسان عدو ما يجهل»، ومن الطبيعى أن تعلمنا الحياة كل يوم أشياء جديدة، فلا بأس من قليل من البحث، وتخيلت أننى حين أسأل أصدقائى وزملائى من أصحاب الأقلام والثقافة الجادة سيمنحونى إجابة عن هذه «اللوغاريتمات» التى لم أمر عليها فى كلية الآداب التى تخرجت فيها ولا فيما قرأته من كتب نقدية، لكن لم أحصل إلا على كل استغراب وتندّر على طريقة «إنجليزى دا يا مرسى؟!».
الإعلان يعِد المتقدمين بأن الورشة التى ستمتد لشهرين تتضمن عناصر أكثر من ذلك، فيقول نصًا: «كل هذا وأكثر ستتعلمه على مدار شهرين وتطبقه بشكل عملى من خلال قراءة قصص معينة وكتابة قصة أثناء الورشة والنشر»، ويضيف ملاحظة خاصة بالنشر بأن المنتجات التى ستخرج منها سيتم نشرها مع أحد تطبيقات قراءة الكتب الشهيرة عقب انتهاء الورشة.
تذكرنى المقولة الأخيرة بماكينة تفريخ الكتكوت، أو «فقّاسة البيض»، وهى جهاز كهربائى يحاكى ظروف الرقاد الطبيعى للدجاج من حيث ضبط درجة الحرارة، والرطوبة، والتهوية، حيث يمكث البيض داخلها لمدة ٢١ يوما تقريبًا، إلى أن يفقس فى النهاية وينتج الكتاكيت!
فما أعجب أن تنتج الورش الأدبية أدباء كل شهرين على طريقة «ماكينة تفريغ الكتاكيت»!
فالإعلان لا يقول «سنناقش الكتابة»، بل يقول: «سنعلمك الكتابة» بكل جرأة يحسد كاتبه عليها، ويضيف: «كل هذا وأكثر ستتعلمه على مدار شهرين»، فى صياغة تفترض أن هناك معرفة محددة يمكن نقلها من صاحب الخبرة إلى المتلقى، وأن هذه المعرفة يمكن حصرها فى مجموعة من المفاهيم والمهارات.
ولا ينكر أحد أن الكتابة الأدبية أدوات وتقنيات، لكن هل يمكن اختزالها فى مادة تعليمية أو كتالوج أو بنود يتم ترتيبها فى صورة غير مفهومة مثل «الشخصيات والصراع والجرح القديم والتناقض الداخلى والاستباق.. إلخ»، وكأن القصة يمكن تفكيكها إلى مكونات وكلما أتقن الكاتب هذه المكونات امتلك القدرة على صناعة القصة.
هل القصة هى مجموع عناصرها؟ أو شفرة إذا فككتها أصبحت كاتبًا؟ وهل كل شخصياتها يجب أن يكون لديها جرح قديم أو تناقض داخلى وأن يخوضوا صراعًا ما؟
وما العامل الفيصل الذى يجعل الكاتب إذا تدرب على كل هذه العناصر لا يكتب نصًا مصنوعًا ومفتعلًا وخاليًا من الحياة، فى حين أن هناك كاتبًا قد يبدع نصًا أدبيًا عظيمًا قائمًا على شىء لا تستطيع وضعه بسهولة فى خانة من هذه الخانات التى ذكرها الإعلان، مثل صوته ونظرته إلى العالم وحساسيته تجاه التفاصيل ولغته وإيقاعه الخاص وطريقته فى رؤية الإنسان؟ العامل الفيصل الذى لم يتم ذكره هو «الموهبة»!

لا أحد ضد أن «الناس تاكل عيش»، ولا أحد يعارض أن يتحول الأدب إلى مصدر رزق لمن يقدمون تلك الورش، ولا ضد أن يتقاضى الكاتب أو الناقد الذى يقدمها أجرًا عن خبرته ووقته؛ لأن العمل الأدبى ليس عملًا تطوعيًا بالضرورة، والأكيد أنه لا يوجد أى شىء شخصى ضد مقدميها.
لكن الاسترزاق من تعليم الكتابة الأدبية يلزمه قدر كبير من الوعى والمسئولية والخبرة الكبيرة خاصة حين يتم تنظيم تلك الورش لشباب يحلمون بأن يصبحوا أدباء ويبحثون عن طريق سريع إلى الجوائز والشهرة والمكانة الأدبية.
فلا يمكن أن يتحول هذا الحلم الأدبى إلى منتج تجارى يُباع لهم باعتباره طريقًا مضمونًا إلى الكتابة سيتم سلكه فى شهرين فقط حتى نصل إلى مرحلة النشر، أو أن تُختزل صناعة الكتابة فى مجموعة من القواعد على طريقة المعادلات الرياضية ووصفات الطبخ التى يمكن إتقانها خلال أسابيع.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع الانتشار الواسع لورش الكتابة فى السنوات الأخيرة، وتفاوت خبرات القائمين عليها، والتى يتشابه أغلبها فى الإعلانات ذات العناوين العريضة والكلام الفضفاض والبضاعة غير المفهومة؛ وهذا يدفعنا إلى أن نتساءل: ما أهمية هذه الورش أصلًا؟ وهل يمكننا أن نحدد مجموعة من الأدباء تخرجوا فى ورش أدبية وأصبحوا كتابًا مختلفين ويشار إليهم بالبنان؟!
فإذا أردت أن تبيع فعليك أن تبيع ما يمكن شراؤه لا أن تبيع الهواء، خاصة حين تصبح تلك الورش ليست فقط سوقًا تجارية على مستوى مصر، لكن «سبوبة كبيرة» فى الخارج وثمارًا تقطفها شخصيات بعينها تسافر هنا وهناك، من أجل تقديم تلك الورش نظير مبالغ ضخمة، وربما تتكون تلك الدوائر عبر الاحتكار المبنى على سلسلة من المصالح والمنافع الشخصية.
وأكثر ما يثير الشجون، هو الأعداد الكبيرة من الشباب والكبار التى تعلّق على منشورات الورش الأدبية على مواقع التواصل، مُهرولة لمعرفة التفاصيل والتكلفة ومدة المحاضرات وأوقاتها، فى حراك قد يدل فى ظاهره على رغبة مُلحة لدى قطاعات واسعة من المجتمع فى أن تكون لها إسهامات فى الكتابة، لكنه فى الحقيقة هرولة تدفع للتساؤل بكل تجرد: «هل يعرف كل متقدم لتلك الورش ما الذى يشتريه تحديدًا؟».
ألا يجب أن تبدأ رحلة من يريد أن يصبح أديبًا، من المكان الذى بدأت منه خبرة كبار الأدباء أنفسهم، وهو القراءة؟ باعتبار القراءة ليست مادة جانبية فى صناعة الكاتب، وإنما أساس تكوينه الأدبى، ومنها يكتسب الخبرة ويتسع وعيه باللغة والحكى والبشر والأحياء والجمادات؟
ربما بالفعل نحتاج، بدلًا من المزيد من الورش التى تشرح للكاتب كيف يبنى نصه وفق خطوات شبه حسابية، إلى ورش للقراءة على غرار مهرجان «القراءة للجميع»، تعيد الكاتب إلى النصوص نفسها، فيقرأ، ويناقش، ويختلف، ويكتشف كيف كتب الآخرون، قبل أن يبحث عن وصفة تخبره كيف يكتب هو، وحينها يدرك أن الأدب ليس معادلة رياضية سيصبح أديبًا بمجرد أن يتقن حلها.
فهل يحتاج أى صاحب موهبة فى القصة القصيرة، أكثر من أن يقرأ ليوسف إدريس أو يحيى الطاهر عبدالله أو محمد المخزنجى، ليمسك الخيط العام لذلك الفن الأدبى الرفيع ثم يطلق لموهبته العنان للتجريب والمحاولة والاكتشاف والتطوير؟! فكيف نستبدل «الذى هو أدنى بالذى هو خير»؟!

هل حصلت أجيال الأدباء المصريين منذ بداية القرن العشرين وحتى سنوات قليلة ماضية على أى ورش أدبية من التى يتم الإعلان عنها بكثافة فى بعض المؤسسات وبعض دور النشر و«دكاكين الثقافة» التى تخرج علينا من وقت لآخر؟
بالقطع لا، فأجيال الأدباء المصريين السابقة لم تكن فى حاجة إلى دورة قصيرة تعلمها كيف تكتب قصة أو رواية، حيث نشأ أغلب كبار الكتاب فى بيئة أدبية قائمة على أصول المعرفة الصحيحة، حيث القراءة أولًا، ثم الصحافة والندوات والجماعات الأدبية المختلفة والاحتكاك بالنقاد والكتاب الأكبر سنًا.
وفى الأقاليم تحديدًا، أدت «أندية الأدب» التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة دورًا مهمًا فى توفير ذلك الاحتكاك؛ فمثلت مساحة يلتقى فيها الكتاب، ويقرأون أعمالهم، ويناقشونها، ويتعلمون من بعضهم بعضًا، كما أدت كيانات أدبية رفيعة مثل «نادى القصة» قديمًا و«ورشة الزيتون» التى يقودها الكاتب شعبان يوسف دورًا رائدًا فى صناعة حراك ثقافى وتطوير ملكات الإبداع لدى الكثير من المواهب والكتاب الحقيقيين.
أما نموذج ورشة الكتابة الإبداعية التى تقدم كبرنامج منظم لتعليم صناعة النص، فهو نموذج له جذور واضحة فى التجربة الغربية القديمة والحديثة؛ وتشير نتائج البحث على «جوجل» إلى أنه بدأ منذ أواخر القرن التاسع عشر وربما قبل ذلك، واستمر حتى يومنا هذا.
ولا يعيبنا فى مصر إن استوردنا فكرة «الورش الأدبية»، لكن المشكلة تبدأ حين نستورد الشكل فقط، وننسى أن لدينا مؤسسات ثقافية يمكن أن تؤدى وظيفة أكثر اتصالًا بواقعنا الأدبى.
فلماذا لا نعيد النظر من جديد إلى «أندية الأدب» فى قصور الثقافة باعتبارها بنية جاهزة يمكن تطويرها بدل استبدالها؟
يمكن مثلًا لوزارة الثقافة أن تعيد الاعتناء بهذه الأندية، وتطور مقارها وبرامجها، وتستدعى إليها الكتاب والنقاد القادرين على تقديم خبرة حقيقية، والأهم أن تعيد تعريفها باعتبارها فضاء حُرًا ومفتوحًا يطلق عبر لقاء أسبوعى للقراءة والمناقشة والكتابة والنقد، وليس مجرد نشاط ثقافى موسمى.
ويمكن أن يصاحب ذلك مشروع دعائى حقيقى وموسع يصل إلى الشباب فى المحافظات والقرى والنجوع، ليعرف الشاب الذى يريد أن يكتب أن أمامه مكانًا يمكن أن يقرأ فيه، ويناقش ما يكتبه، ويسمع نقدًا حقيقيًا، ويلتقى بأدباء سبقوه، وأن يعاد النظر فى نظام المكافآت والميزانيات الهزيلة التى تخصص لتلك الأندية، بحيث يتاح لها استقطاب كبار الكتاب فى لقاءات وندوات تقدم الخبرة للشباب المبتدئين فى عالم الكتابة.
كما يمكن توسيع وتطوير نظام النشر الإقليمى وأن يخصص جزء منه للشباب المبتدئين فى «أندية الأدب» وليس الأدباء المتحققين بالفعل، بحيث يساعد ذلك على تطوير الموهبة ونشر الإبداع الجديد وتقديم حافز معنوى ومادى للناشئة والمواهب الطامحة.
كل هذا الفراغ والفجوات يمكن أن تملأه وزارة الثقافة عبر توسيع الحضور بين أوساط الشباب، وتحويل مقارها فى قصور الثقافة وفى صندوق التنمية الثقافية وكذلك فى المتاحف والبيوت الأثرية التابعة للوزارة، إلى ورش أدبية جادة يمارس داخلها العصف والنقاش المبدع المثمر والخلاق، وتنمى المواهب وترعى الكتابات الجديدة، بدل «الدكاكين» التى تسترزق من جيوبهم وتبيع لهم الوهم، وهذا نداء لكل من فى يده مسئولية، حتى لا تترك الأجيال الجديدة بلا جذور أو وعى يربطهم بعالم الأدب الحقيقى.







