السبت 12 سبتمبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

محمد جعفر.. رحيل مبكر لـ «عصفور الجناين»

حرف

- اشتهر بجملته الشعرية «مكسور جناحى.. وأنا كل جسمى جناح»

- كان ضيفًا شديد الخفة على الدنيا ولم يتورط فى صراعات الوسط 

حفظته مقاهى «وسط البلد» عن ظهر قلب، فهو مثل أى صعيدى لم يكن يتوقف عن شرب الشاى، وإن جاع، فعُلبة كشرى صغيرة تسد رمقه، وإن أحس بالحنين فقصائد الأصدقاء التى لا يتوقفون عن إلقائها على المقهى تروى غليله، وإن اغتاله الحزن، يطلق قلمه على الورق عازفًا أجمل الأشعار، وإن شعر بالظمأ فسيغنى قليلًا: «كل عين تعشق حليوة وإنتى حلوة فى كل عين».

هكذا ظهر محمد جعفر «1985-2026»، الذى رحل عن عالمنا، أمس الأول، عن عمر 41 عامًا، فى القاهرة قبل نحو 17 عامًا، ليسير فى شوارعها بوجهه القمحى الشاحب وجلده الذى تحول إلى درع من الرماد يخبئ تحتها نيرانًا مستعرة من الألم والأكدار والغربة.

 

لم يكن يستقر على حال، فهو يأخذ خطوات مقبلة وسريعة نحو حياة لم تكن تقابله بنفس الشغف والإقبال، كأنه كان يدرى فى قرارة نفسه أنه منذور لموت مباغت يلاحقه أينما اتجه، وأنه يجب أن يسرع ويسرع حتى يقطف ما يمكن قطفه من بستان الدنيا.

امتلك «محمد» مواهب متعددة، فهو شاعر له صوت خاص ممتلئ بذاته وبأحلامه وأحزانه «ذات الجدوى»، وكيف لا يحزن وهو الذى عاش بكبد معتلّ مثل شوكة تنخر إبرتها فى عميق عظامه، فيتأوه من داخله معتصمًا بصمت الجبال وشموخها العجيب؟

كان حضوره الشعرى طاغيًا، فاشتهر ديوانه «معجم المقامات»، وحازت جملته الشعرية الأثير «مكسور جناحى.. وأنا كل جسمى جناح» على انتشار واسع بين قطاعات شاسعة من قرّاء الشعر، وشارك مع رفاقه فى تأسيس فرقة أو جماعة «صعاليك» التى عُنيت بتقديم منتج شعرى مختلف وحققت نجاحًا ملموسًا فى فترة من الفترات قبل توقفها.

ورغم اشتداد الآلام والمحن، لم يستسلم.. عارك الحياة وعاركته، خاض غمار العمل فى الصحافة، وحين ضاق الأفق عمل فى مجالات أخرى مختلفة، وظل يدور فى رحلة سيزيفية تخللتها محاولات مستميتة لصناعة حياة جميلة، فالتقى فى الطريق رفيقة عمره التى رأى فيها السند وملجأ الحنان، الذى طالما حرمته منه خشونة الدنيا وقسوتها على أمثاله من أصحاب الأحلام الذين زحفوا من أقاصى الجنوب بكل إباء وصبر نحو عاصمة الأضواء.

إذا أردنا أن نصف إقامة «محمد» فى هذه الحياة، فيكفى أن نقول إنه كان ضيفًا شديد الخفة على الدنيا، لم يتورط مطلقًا فى صراعات الوسط الأدبى ومعارك المثقفين فى «وسط البلد»، فكان عفيف النفس لم ينظر إلى ما فى يد غيره ولم يطمع إلا فى التقدير الذى يكافئ موهبته وحضوره الإبداعى، وفى المستقر الآمن الذى يريحه من عذابات المرض والتيه الداخلى.

وعلى عكس ما كان يتوقعه البعض بأن يكون المرض هو سيف القدر الذى يريح هذا الجسد المتعب من آلامه، يموت محمد كـ«الأشجار وقوفًا»، كأى فارس شجاع يناطح المنية بكل كبرياء وندية، وكأنه ينتهى على هيئة الطير الذى يظل يرفرف عاليًا فى الفضاء ولا يهبط إلا لمستقره الأخير بعد تحليق أرهق أجنحته الرقيقة والمهيضة.

الآن ترتاح فى ظل الله وكنفه يا محمد، راحة رجل أحب الحياة التى لا تطيب للطيبين، وواجه قسوتها بالابتسامة البريئة والحنين الصافى بحثًا عن سكينة مفقودة، وكما يقول «حجازى»: «قد آن للساق التى تشرّدت أن تستكِنّ».

قصائد غير منشورة

خبّى عيونك إذا ما هب ليل

وافتح مسامك للحياة فى النهار

البسملة للعليل

والفاتحة للدار

والكوثر النازل من شفّتك ياضناى

بيرطب الروح.. فـ قيده زيت للفنار

اعرف واكتم فى زمن محموم

يا بُنىّ العيشة مش اختيار

فالفاتحة للنبى سقّا الفقير فـ الجنان

والفاتحة لرضوان 

والفاتحة لمالك.. خادم مطيع

والفاتحة للغريب الجعان.. اطعم تنول الرزق فـ الحسنيين

وحب ناسك فـ الحضر والغيطان.

ونسينى رسام الخرايط برّه

وكإنى طحلب فى قرار الجرّة

يا عم يا بتاع البلاد اسمعنى

طرفت عينك بس لا تدْمعنى

لملم عضامى فـ الهدوم جمّعنى

بقول كلام على غير مرادكم منّى

مـ أنا كلامى: سمّى، صلى وغنّى

لسّانى بسمع للملاك الجنى

أسقى وأشرب كاسى ليا ومنى

ورفاق دروبى عـ الوجع حاسدنى

وليلى أحلك من سواد الننى

ونهارى أقسى من حجر طاحنّى!

يا عم يا بتاع البلاد ما تنام

وسيبها عايمة ده السنين أيام

الفقر ماله ذنب فى الأحلام.

وحدُه بيعرف سيميا الحروف ويخبز دقيق الروح فـ زيت المحبة

وحدها.. تنتِظر شهقة نسيم الصباح.. إذا هل 

ودوس عـ الفؤاد يا ناى ويا جمر ويا خمر للعاشِقين

وليكن! أنا.. ولا أستعيذ مـ القول بل أستعين بالله.. لا شريك

لا محل فـ دربنا للخطر

إحنا اخترعنا الكتابة والغنا والحب

واحنا حفرنا البير.. بلا ديب لا ذنب له فـ الخيانة

لا يهوا أدرك نداه ولا جه فى باله يسوع

وقبل نمشى خطاه ننصب خيام المحبة

الأرض دينها الدموع.

بتآمن فـ الدجال؟

- بل فـ الدجل

وأسرنا الشقا على عجل

بلا خجل.. نسكت عـ البلا 

بلى.. ونغيب إذا مس الشفاه البلل

طاب والعمل؟

مللٌ ملل.. نشرب عرق العيون فـ الليل

نسكر بخمر خوفنا الطويل من صبرنا المحتمل

بتآمن فـ الدخان

بل فـ الرماد

وعيونى على شمس الونس عبّاد

والعباد.. نعام غرقان فـ رمل البحور

طاب والبلاد؟

من عهد عاد باعلن حداد عـ القبور

وينط ميثاق الأمم مـ السور.

بتآمن فـ المزمار

بل فـ الزمّار

وصحيت على هدم الغيلان.. للسدود

وفاتنى ميلاد الربيع والورود

طاب والعمار؟

قطعو شرايين الرباب فـ الديار

واستأسدت لِيّام على الربيع بالدمار

فاستبسلت روح الزهور على خط ضرب النار!

مقصِدى؛ سيدى.. كرْم العنب والضِل

مغرمى؛ عبدى والغُنا فـ الطّل

حبّذا لو تصطفينى.. وما تطفينى فـ اضِل

خلينى.. لا بل فك قيدى مـن سواك.. هتشل

آمنت بَك فانطمس إسمى ورسمى.. شحّ المطر ياخليل

واستكترو توبة قابيل/ الجميل

النبيل ذو العيون الغمام والرموش الشموس والجلود البارود

واتعنعنت سيرته بالصراخ والعويل

كَل فـ روحه الصحاب الحباب ذوى السنان والنياب

واتنطط البهلول على قبر ذاك الغول.. ما استحى!

ومن ألف عام فـ الرحى لألف عام فى العراء

ألف عام من ضباب للصحاب

وزيهم من ذهول لبهلول

زحام.. ومايرضينى هديل الحمام فـ التغنّى

واسبق الخيل فـ الخيال ياابن عُرس

وإن كنت يومًا غُلام فادينى شبت فـ أتونى

وهبت لك يا سلام قوسى ورزمة سهام مـ اللى تسد الجروح

وسندت كتف الحقيقة على عكازات التمنّى

أكتب بريدى لأنى باقرا لنفسى وازوم

صمٌ وبكمٌ وعميان 

صمٌ وبكمٌ وغلمان

صمٌ وبكمٌ وعلان رجعلى من بعد توبة

توبة غروب الشميسة بعد المرض والنحول

فألف عام من حمول

وألف عام من خمول 

وألف عام من فراق

وألف عام من ضباب للصحاب

وزيهم من ذهول لبهلول.

لفظنى النيل أمام مبنى ماسبيرو

نظفت رأسى وياقة قميصى من الطحالب

ساعتان تحت الشمس كانتا كافيتين كى أعود مهندمًا 

إييييييهٍ أيتها القاهرة!

وكأنى لاجئٌ سورى رأى من بعيدٍ خيمة عثمانلية

ما بالكم؟ هل استبدلتم الأكسجين بمركبات الكربون

أظنها السيارات تدخّن أيضًا

لو خرج لى جنى المصباح الآن

سأطلب منه ثلاث أمنيات؛

خبزًا وشايًا وسيجارة

سمعنى رجلٌ سبعيني؛ تعال اجلس

وأمطرنى بوابلٍ من أدوات الاستفهام

بدا من حذائه المدبب كقرنى ثور؛

أإنه يدير إحدى المصالح الحكومية

كنتُ وكانت البلاد بخيرٍ حتى مات 

وظل يروى لى حكايات بالياتٍ كحذائى وأسنانه حتى انتصف النهار

شعرت بالجوع والصداع فتركته ورمقته بنظرة تشبه تلك التى تركتها على طاحونة العمدة التى غطتها العناكب

وبدا كل شىء عجوزًا مثله

فمرت عربة متهالكة يجرها حمار بائس

ومرّت امرأة تجرّ دهونها المشبّعة وأمراضها المزمنة

الشمس تحتضر

والمدينة تزداد شيخوخة

حتى ماسبيرو بدا كـ «تورته» عيد ميلاد ذاك السبعينى الذى وضع بها شمعةً واحدة

شممت خبيزنا من بعيدٍ فلملمت الطحالب ووضعتها على رأسى وياقة قميصى

خذنى حيث ركبتك أيها النيل

خذنى بعيدًا عن «مدينة الضوء»..

لأن هناك من تدخّل وأطفأه وترك اللاجئين يتخبطون فى العتمة.

«مكسور جناحى» يا جعفر 

قصيدة في رثاء محمد جعفر للشاعر أحمد خطاب

قَسَمنا لقمتنا

قبل ما يقسِمنا الفُراق نُصِّين

وشربنا قهوتنا

وكنا تملِّى نتناقش على نَصّين

نَص كتبته من دمك

نَص كتبته من دمى

وكان ألَمَك 

سبب ألَمِى

وكان قَلَمى

بيخجَل من بَديع قَلَمَك

سِهرنا فى الوَنَس والطَّل

وكنت جناح يحابى على كل إللى محتاجلك

وكنت عفيف

وكان الكُل بيحبك

كأنك كنت نسمة طيف

يشوفنا الحزن يتخبَّى

ونضحك للحياة ونلعن أبو الدنيا

كده ف ثانية تسيبنى وحيد؟!

هصاحب مين؟

ومين زيك يعوضنى فى قول الشعر؟

زرعنا الشعر نبِّتناه

حصدنا شعرنا وسيبناه

عشان الدنيا مش سايعاه

ومين زيك يحرَّضنى كتابة الشعر؟

«يا كدابين الشعر مش جرة قلم» 

صابنى الألم

والحزن ما تخباش يا صاحبى ما فيش مَفَر 

ليه الغياب وأنت اللى عارف حبى ليك يا عم جعفر

بدأنا الرحلة ومشينا 

وزكِّينا ف خطاوينا

فكنت ضرورى تنهيها 

زى ما كنا بدئينها

كنا بنحبى ع الشعر إللى جمَّعناه

ونخطف م السما معناه

مشيت وسيبتنى فى مُعَناه

نقول للشمس فاكرانا؟

فنعرق نبقى فاكرينها

ندندن فى الخريف ننسى

ويجى الغيم 

ويعصُر فى مطر قلبك

تفيض الأرض من شعرك

«مكسور جناحى» يا جعفر 

«وأنا كل جسمى جناح»

وجعك فى قلبى جراح

ارتاح يا أبومالك

وارقد فى قبرك زين

هتخفف أحمالك

واحنا إللى الله يعين