كل هذا الدفء.. مختارات شعرية من نصوص آن كارسون
- أبرز إصداراتها «إيروس الحلو/ المر» و«سيرة ذاتية للأحمر» و«أحاديث قصيرة»
- سيرتها اللغوية حافلة ويستهويها الأدب اللاتينى الكلاسيكى
- تحاضر فى جامعات نيويورك وبرينستون ومكجيل وميتشيجان.. وتترجم الأدب اللاتينى الكلاسيكى
أفضل رسول عن الزهرة هو عطرها، والطائر ما من دليلٍ على لذة تحليقه أفصح من أغنياته المبهجة.. كذلك الشعراء، قصائدهم هى مراياهم، وانعكاسات أرواحهم فى كلماتهم هى خلاصة ما يبتغونه من وراء الكلمات.
وشاعرتنا آن كارسون، الكندية، التى حازت نوبل للآداب عام ٢٠٢٦، لديها سيرة حافلة، فهى لغوية، شاعرة، مترجمة يستهويها الأدب اللاتينى الكلاسيكى، وبروفيسورة تحاضر فى جامعات نيويورك، برينستون، مكجيل، وميتشيجان.
ونشرت العديد من الكتابات منها: «إيروس الحلو/ المر، سيرة ذاتية للأحمر، الرجال فى ساعات الفراغ، أحاديث قصيرة، جمال الزوج، الطرواديات».
وترجمت بدورها كتابات منها: «إلكترا للشاعر التراجيدى الإغريقى سوفوكليس، وأشعار للشاعرة الإغريقية سافو بعنوان (إن لم يكن.. شتاء)».


بمحاذاة سيرتها الأدبية الحافلة، يقف حضورها الشعرى الذى يستمد طاقته من الوعى بإمكانات اللغة وفخاخها العميقة، ففى الكتاب الذى اخترت أن أترجم بعض قصائده، وهو كتاب شعرى صدر عام ١٩٩٢ بعنوان «أحاديث قصيرة»، نجد سلسلة من القصائد التى لا ترتكز على الصوت الجهور أكثر مما ترتكز على الصوت المتوارى خلف حُجبٍ من التأمل والبصيرة.. صوت ذى نغمةٍ مغرية أشبه بالضوء الدافئ المتسلل من بين فتحات النوافذ.
تفتتح كارسون هذا الكتاب بقصيدة تعنونها بـ«مقدمة» وتكتب فيها:
ذاتَ صباحٍ اختفت الكلمات..
قبيل هذا الصباح لم تكن الكلمات قد اختفت،
الحقائق فعلت.. وكذلك الوجوه.
وبهذا فإنها بمهارة شاعرية تسحب البساط من تحت قدمى القارئ قبل أن يدخل لعالمها، وتجعل قدميه مرتعشتين وعينيه لا تقرّان على شىء، فكل ما سيواجهه مجهول وغير يقينى. وكيف لا والكلمات التى هى مرتكزٌ صوتىٌّ قد اختفت، ومن قبلها الوجوه والحقائق، مرتكزان أحدهما مادى والآخر معنوى، وهو الأمر الذى يرصده القارئ ويحس به وهو يتنقل بين القصائد.
فالشاعرة التى تعرف أن أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم، ترفض أن تسلك الخط المستقيم، بل نستطيع أن نزعم بكثير من الثقة، أنها تفعل كل شىء لتجنب سلوكه، وأن الشعر فى منظورها لا يحتمل هذه الثقة، فهو عالم الرواة العميان، والفنانين الرافضين قوانين المنظور.
هى أيضًا فى قصائد «أحاديث قصيرة»، تجتاز مساحات بيضاء خالصة البياض لغرضٍ شعرى يتمثل فى تلطيخ الأبيض بالحبر، غرض يتفق مع رغبة الإنسان المحمومة فى تدوين تاريخه واكتشاف عالمه حتى آخر سنتيمتر مربع منه!
ففى هذه القصائد المختارة مثلًا نجدها تجتاز عزلة متخيلة لأوفيد فى نصها حديث قصير عن «أوفيد»، وهى مساحة بيضاء فى ذهن القارئ، لنرى أوفيد وهو يعيش طقوس وحدته، ويكتب، وينتحب، ويتعلم لغة محلية، قصائده التى سيكتبها بها ستظل فى المساحة البيضاء:
«يتناول عشاءه ويتمشّى عائدًا إلى حجرته.
الراديو على الأرض
لوحته الخضراء الزاهية تتوهج بضوء خافت.
يجلس إلى طاولته؛
الناس فى المنفى يكتبون رسائل كثيرةً جدًّا.
الآن «أوفيد» ينتحب.
كل ليلة بذات التوقيت يرتدى الحزن كمعطف
ويواصل الكتابة.
فى أوقات فراغه يُعلِّم نفسه اللغة المحلّية
لكى يؤلّف بها قصيدةً ملحميّةً
لن يقرأها أحدٌ أبدًا».
ونجدها أيضًا تطل برأسها، فى حديث قصير عن الموناليزا، وهى متحصنة بقوتها كامرأة خبيرة بالماء والأوعية والعطش الفتاك، فى اللحظة المفصلية الرهيبة التى لا لون فيها للوحة إلا البياض، وما بين هذا البياض واختفائه الأبدى امتدادةُ يدٍ مشغولة بالعظمة وفكرة الخلق:
«كان ثمّة لحظة لم يكن الماء فيها بأىّ الوعاءين؛
يا له من عطش!
وهو افترض أنه سيتوقف عندما تصير اللوحة خالية تمامًا،
لكن النساء قويات
خبيرات بالأوعية
خبيرات بالماء
خبيرات بالعطش الفتّاك».
ولكنها أيضًا تقول لقارئها، تمهل عزيزى القارئ، انظر، وتأمل، هل توقف الوهج عن السطوع فى أى لحظة، لتصدقَ أن هناك بياضًا أصلًا ومساحة خالية من أى شىء؟
تريده أن ينظر لأبواب ماضيه المتوهجة بالحبر السرىّ، للأصفر العظيم الذى لون السماء الغاربة التى هى ألم الفنان وعذاباته، وللموتى وهم ينادون أحبتهم من أبيض النسيان.
«آن» بتراكيبها اللغوية الحادة ورؤيتها المراوغة، تريد أن تأخذ قارئها معها إلى الحافة، وأظنها فعلت ذلك باقتدار.


للشاعرة أيضًا ميل لتوثيق الذاتى والحفر عبر الإرث المعرفى فى مقالات تتراوح لغتها بين لغة الشعر الشفافة ولغة النثر التى تطمح إلى حمل القارئ إلى ذروة تعبيراتها دون أن تكبده خطر التصدع الذى يتربص به فى مخاطرة ارتقاء الشاهق الشعرى..
من بينها مقال «الزجاج» وهو عن الفقد والفراق وإعادة اكتشاف الذات وعلاقتها بالآخرين، ومنها هذا المقال الذى سأقتبس منه فقرات، تدلل على ولع الشاعرة بالغوص عبر نسيج الكائن البشرى الواحد، وكيف يلتقى الذاتى بالسحيق فى نقطةٍ لامعة ومنفذ ضوء وحيد هو الحلم.
فى مقالها «كل مخرَج هو مدخَل/ مديح للنوم» تقول آن كارسون: «أبعد ذكرياتى هى عن حلم، كنت فى منزلنا حيث عشت عندما كنت فى الثالثة أو الرابعة من العمر، حلمت أننى نائمة فى المنزل، فى غرفة علوية، ثم استيقظت، ونزلت على الدرج وصولًا لغرفة المعيشة، كانت الغرفة مضاءة، رغم أنها كانت صامتة وفارغة، الأريكة الخضراء المألوفة والكراسى فى أماكنهم قبالة الحوائط الخضراء الباهتة المعتادة، كانت غرفة المعيشة التى عرفتها منذ فتحت عينى على الحياة، أعرفها جيدًا، لا شىء تغير، رغم ذلك كانت وبشكل جذرى، وبصورة مهولة مختلفة. رغم مظهرها المعتاد أحسست بأنها كانت غريبة عنى، كما لو أننى قد جُننت!».
وفى مقطع آخر تقول:
«ما الذى يبعث على الأمل أكثر من قصة عين خالية تمتلئ بالرؤى حين تغفو؟».
ثم بعد مسافة نصية طويلة تتنقل فيها بين موضوعات واتكاءات أدبية حديثة، مثل غرفة تخص المرء وحده لفيرجينيا وولف، وكلاسيكية مثل ملاحم هومر.
وتورد هذا الحوار بين سقراط وأقريطون، فتقول:
«يبدأ أفلاطون الحوار فى الظلام، مع سقراط وقد استيقظ للتو من نومته، وحلمه بعد لم يبرح جفونه. «وها هى الجمل الافتتاحية للمحاورة.
سقراط: لمَ أنت هنا؟ أليس الوقت مبكرًا؟
أقريطون: نعم، مبكرًا بالفعل
سقراط: ما الوقت الآن؟
أقريطون: إنه السَحَر
سقراط: أنا متفاجئ أن الحارس سمح بدخولك
أقريطون: هو يعرفنى جيدًا، كما أننى أمنحه بقشيشًا
سقراط: إذن، هل وصلت للتو؟ أم لبثت هنا قليلًا؟
أقريطون: لبثت قليلًا.
سقراط: لماذا لم توقظنى؟!
ويظهر أن أقريطون جلس مشاهدًا لسقراط وهو غافٍ، لأنه بدا سعيدًا ونومه قرير، وأقريطون لن يوقظه إلا لإبلاغه بيوم إعدامه».
ثم تستأنف المحاورة التى يحكى فيها سقراط عن حلمه بامرأة جميلة وبشارتها له، ويُبَلِّغ أقريطون أنها قالت له إنه سيذهب إلى موضع، هذا الموضع هو بلدة أخيل البطل الأسطورى وهو أيضًا موضع ذو تقاسيم صوتية تحيل إلى لفظة الموت.
وتتابع: «يعانى سقراط فى نهاية المحاورة نوعًا من الانفصال عن الواقع، وتملأ أصوات الأرواح زنزانته، مغرقةً أى صوت دونها، وتضطره إلى أن يتوقف عن الكلام:
(آه يا صديقى الحبيب، أقريطون، لا أسمع إلا الأرواح- مثلما يتخيل العُبّاد أنهم يسمعون النايات- وأصواتهم صاخبة فى أذنى، أننى أصمٌّ تجاه أى صوت آخر)
إذن لقد صمت سقراط، احتاجه ما أسمته فيرجينيا وولف (غناء العالم الحقيقى)
إجمالًا، سأقول إن خلاصة ما استنتجتُه تجسد فى مديحى للنوم».
أحاديث قصيرة
حديث قصير عن الإنسان البدائى
بضربات صغيرة حفر أحد الكرومانيين أطوارَ القمر على نصال أدواته،
كان يفكر بامرأته بينما يعمل.
حيوانات،
آفاق،
وجوه على صفحة المياه
كلما رويت قصةً أصل إلى نقطة لا أستطيع أن أواصل بعدها.
أكره هذا التوقف.
لهذا السبب يدعون رواة القصص بالعميان؛ مسبةً لهم.
* الكرومانيون: إنسان العصر الحجرى الذى قطن أوروبا.

حديث قصير عن قوانين المنظور
«خدعة سيئة، خطأ شنيع، تضليل واضح»
هذا هو رأى براك.
لماذا رفض براك المنظور؟ لماذا؟
«سيظن من قضى حياته راسمًا للوجوه الجانبية، أن للإنسان عينًا واحدة».
هذا ما شعر به براك.
لقد أراد براك أن يحوزَ الأشياءَ حيازةً تامة،
هذا ما قاله فى حواراته المنشورة،
أن رؤية المناظر اللامعة تبتعد وتخرج عن نطاق اليد
ملأت براك بالحسرة.
لذا حطّمهم براك
معلنًا «الموت للطبيعة».
* براك، هو جورج براك أحد مؤسسى المدرسة التكعيبية فى الرسم

حديث قصير عن المشى العكسى
منعتنا أمنا من المشى بظهورنا.
تقول «هكذا يمشى الموتى»
من أين جاءتها هذه الفكرة؟!
ربما من نصٍ تُرجِمَ بشكل سيئ
فالموتى، عمومًا، لا يمشون بظهورهم
إنما يمشون خلف ظهورنا.
لا رئات لهم،
ولذا لا يصرخون بأسمائنا..
لكنهم يودون أن نلتفت إليهم.
إنهم ضحايا الحب، وهم كُثر.

حديث قصير عن جسام الأمور وصغائرها
الأمور الجسام هى:
الريح، الشر، حصان الحرب الجامح، حروف الجر، الحب الذى لا ينضب، كيفية اختيار الناس لملوكهم.
صغائر الأمور هى:
الغبار، أسماء مدارس الفلسفة، المزاج المواتى وغير المواتى، التوقيت الصحيح.
عامةً تفوق جسامُ الأمورِ صغائرها،
رغم هذا، ثمة صغائر كثيرة لم أدونها هنا..
ولكن تدوينها أمرٌ محبط..
حين أفكر فيكم وأنتم تقرأون هذا، لا أريدكم أن تقعوا أسارى..
تفصل بينكم وبين حيواتكم هذه الشِباك المبطنة بالزجاج.
وكأنكم «إليكترا»
* تقصد الشاعرة بـ«إليكترا» الشخصية الأسطورية المحبوسة فى حدادها والمعزولة عن الحياة.

حديث قصير عن الألم
المراعى والحقول والتلال وأكمام القطيفة العتيقة:
أشياء خضراء.
ينبسطون وينقبضون وينحدرون،
ويتكشّفون للعيان، فتقرّ بهم الأعين.
يبثون النضرة فى اللوحات.
وتخاض المعارك فوق خضرتهم
أو يمكن لنا أن نتناول طعامنا فوقها، وندردش..
يالها من غابات بعيدة تستلقى خفيَةً..
ثُمّ هنالك القبر
الذى يذكر أيضًا فى الكثير من القصائد عن الخضرة.. ولكن هذا ليس قصيدة
هذا لوحٌ إعلانىٌّ ضخمٌ عن البازلاء المجمدة
البازلاء المجمدة تُلطِّفُ الألم.

حديث قصير عن المطر
كان أشد قتامة من حبات الزيتون، ليلةَ رحلتُ.
بينما كنت أركض محاذيةً للقصور، بسرورٍ مباغت، انهمر المطر.
أى نزوة هذه؛
فعلى كل حال،
هذه الحبيبات الصغيرة، سيعجزنى إحصاؤها.
من أول من فكّر فى هذا؟
كيف وصفه للآخرين؟
على صفحة البحر أيضًا، ينهمر المطر..
وابلٌ لا أثر له.
- حديث قصير عن المأوى
تستطيع أن تكتب على حائط بقلبِ سمكة!
لاحتوائه على الفسفور.
تأكله الأسماك،
ويندفعون مرتعشين فى مجرى النهر.
إننى أكتبُ هذا لأضللك قدر الإمكان.
يُقال: استبدل الباب حين ترحل..
الآن قل لى:
كم كان هذا مضلِّلًا؟!
إلى متى ظلّ الباب يلمع؟
قل لى!
حديث قصير عن كون المرء معشوقًا
يومًا تلو يوم
أفكر فيكَ فور أن أصحو.
وكأن أحدهم رصع الهواء بصداح الطيور!







