الشاعرة المظلومة.. جليلة رضا والذين قتلوا سيرتها!
- أشعار جليلة رضا تمثّل عالمًا جميلًا ورقيقًا وبديعًا
- برعت فى الشعر الهاتف والهامس معًا وكتبت فى الشعر السردى
تعرف الحركة الأدبية ومثقفوها وأدباؤها ومبدعوها ونقادها الكثير جدًا عن الشعراء الرجال فى مصر والعالم العربى، فلا يمكن أن تسأل أحدهم عن أحمد شوقى أمير الشعراء إلا وتكون لديه شبه بانوراما كاملة عنه، منذ أن ولد «بباب إسماعيلا»، وحكاية الخديو معه عندما شاهده وهو لا يستطيع النظر إلى أسفل، فتنبأ له بأنه سيكون له شأن كبير، لأنه لم يحرف نظره إلا عندما ألقى الأمير بعض دنانير ذهبية إلى الأرض، هنا التفت الطفل إلى الدنانير عندما أحدث سقوطها على الأرض بعض الرنين.

هناك تداول واسع لأحاديث وأخبار وطرائف الشعراء والأدباء الذين يلتفون حول الأديبة النابغة «مى زيادة» وذلك فى عقد العشرينيات من القرن العشرين، منهم الدكتور طه حسين، والمفكر والشاعر والكاتب الجبار عباس محمود العقاد، والفيلسوف أحمد لطفى السيد، والأديب مصطفى صادق الرافعى، والكاتب الصحفى وا لأديب سلامة موسى، وغيرهم من أعلام تلك الفترة، ولكنهم عندما كتبوا عنها، أو تناولوا أخبارها، أخلّوا بكل مقاييس الوفاء التقليدى لواحدة بذلت الكثير من وقتها وعلمها ومالها من أجل كل هؤلاء.
فالدكتور طه حسين قال فى تأبينها بأنه ليس ملمًا فى هذه اللحظة- أى لحظة التأبين- بما أنجزته الآنسة على المستوى الأدبى، ولكنه يرى أن أعظم ما فعلته فى حياتها هو صالونها الأدبى، وهذا إجحاف متعسف، وكأنها سيدة لا قيمة لها فى الأدب والثقافة على الإطلاق، وهذا إنكار وعدم اعتراف بدور مى الأدبى والفكرى والثقافى، ومحاولة اختصارها فى المحفل الأدبى الذى كانت تقيمه فى منزلها، وكأنها سيدة احتفالات، كذلك عندما كتب عنها العقاد فى كتابه «رجال عرفتهم» مقالًا تحت عنوان «رجال حول مى»، وراح يكتب عن طرائف ونكات كانت تحدث بين هؤلاء الرجال، ولم يتطرق إلى الأبعاد الفكرية التى كانت تنطوى عليها مى، حالة استنكار مطلقة لدورها، ولكنها حالة ترتدى أقنعة مختلفة، تختلف من أديب أو كاتب أو مفكر، عن أديب أو مفكر آخر.
هذا التجاهل الذى بدا من كبار مفكرينا وأدبائنا وآباء الحركة الفكرية والثقافية المصرية فى القرن العشرين، لم يغفل دور مى زيادة فحسب، بل تجاهل دور وحقيقة دور كثيرات من الشاعرات والأديبات اللائى صنعن صحافة وثقافة شديدتى التميز، حيث إن مجلات نسوية عربية ظهرت بكثافة بين عامى ١٨٩٢ و١٩٤٠، فى القاهرة ودمشق وبيروت والإسكندرية وبغداد وحلب، حتى المهاجر الأمريكية ظهرت فيها مجلات نسوية عربية كذلك، وظهرت أسماء أديبات وشاعرات مثل «وردة اليازجى، وعائشة التيمورية، ووردة الترك، ورباب الكاظمى، وجميلة العلايلى»، وبعد عام ١٩٤٠ تم التركيز على الشاعرتين «نازك الملائكة وفدوى طوقان» لأسباب خاصة، ليس منها الانتصار للمرأة الشاعرة، وتم تجاهل شاعرات أخريات مثل «هند سلامة ومنيرة توفيق ونجاة شاهين وفتاة الفرات».. و«جليلة رضا» وهى مجال حديثنا فى هذه الحلقة.
وُلدت جليلة رضا عام ١٩١٧، وعاشت طفولتها بين القاهرة والفشن فى بيت ينتصر للذكور، وهى سمة ليست غريبة فى الحياة المصرية والعربية، ولكن الطفلة النابهة راحت تتمرد على كل ما تراه وتعيشه من ظواهر رجعية، وكانت تسعى إلى كسر عمود الاستبداد الذكورى فى البيت، إذ إنها لم تمتثل لكل الأوامر التعسفية والتعليمات التى كانت توجه إليها، وعندما دخلت مدرسة الراهبات، وكانت متمردة على كل نظام المنزل، وتوحدت مع مدرسة الراهبات، للدرجة التى ذهبت إلى مديرة المدرسة لكى تنتمى إلى هذا العالم، ولكن المدرسة اعترضت ولم توافق، لكون الفتاة جليلة لا تنتمى إلى الدين المسيحى، فأضمرت الفتاة السعى لكى تهرب، ولكن الراهبة الحكيمة أقنعتها بألا تفعل ذلك، لأنه هناك قوانين وتقاليد وأعراف مجتمعية سوف تعيدها إلى المنزل.
وظلّت الفتاة التى تتمتع بجمال فائق تقاوم كل أشكال الاستبداد، وتهرب من كل أشكال الطغيان المجتمعى والذكورى، رغم أن هذا الطغيان كان يرتدى أثوابًا وأقنعة تدّعى الرحمة والحنان ومحاولات الاستقرار، إذ إن الأب كان دومًا يضع الفتاة فى حيرة من أمرها، ويقبل عروضًا عديدة لزواجها، مرة من ابن عمها، ومرة أخرى من ابن عمتها، وهى تقاوم وتتملص وتتنكر، وترفض بطرق واضحة، حتى كلّت تلك المقاومات العديدة، واستسلمت لكى تتزوج من رجل يكبرها بسنوات عديدة، وكان هذا الرجل يعمل فى سلك القضاء، وكان مرموقًا، ولكنه حاول أن يمارس دور القاضى معها، ويحاسبها على كل شاردة وواردة، وذكرت الشاعرة ذلك فى سيرتها الذاتية البديعة التى فاقت كثيرًا من السير الذاتية التى دشنّها مثقفون ونقاد كبار، وتجاهلوا هذه السيرة الفريدة، والتى كشفت فيها جليلة عن أشياء تكاد تكون مجهولة فى المجتمع الذكورى.
أنجبت جليلة ابنة وابنًا، وكان الابن يعانى تأخرًا ذهنيًا حادًا، مما قد أثقل حياتها بكثير من المتاعب، وعجّل هذا الأمر بانفصالها عن زوجها الأول، وكان الشعر قد بدأ يغزو حياتها بقوة، ومن المدهش أنها كانت تقرض الزجل فى شبابها الباكر، وهذه إحدى النوادر التى عرفناها من مذكراتها «صفحات من حياتى»، التى صدرت عام ١٩٨٦ عن دار الهلال، وكنا قد أشرنا فى كتابنا «لماذا تموت الكاتبات كمدًا؟» إلى أن الساحة الأدبية خلت من شاعرات عامية أو زجالات، ولكننا نكتشف هنا هذا البُعد التعبيرى المدهش، والجدير بالذكر أن جليلة كانت تدخل مساجلات زجلية طريفة وبديعة مع زجالات أخريات، وقد نشرت بعض هذه المساجلات المدهشة فى مذكراتها فقط، ولكنها عندما نشرت قصائد لها نشرت شعرًا فصيحًا.
كانت أولى مصافحاتها للشعر والشعراء، عندما أرشدتها إحدى صديقاتها إلى شاعر وطبيب كانت له عيادة فى شبرا، وذهبت جليلة إلى ذلك لشاعر، وكان ذهابها فى مطلع عام ١٩٥٢، بعد انفصالها عن زوجها الأول، وهذا نوع من مقاومة الوحدة، ومواجهة الواقع الجديد، الحياة دون رجل، دون زوج، دون «راع»، وحدها تمامًا فى هذا العالم، واستقبلها إبراهيم ناجى الشاعر الكبير والمرهف والرومانسى، وعندما أسمعته بعضًا من قصائدها، ظل يطرق الأرض بقدميه، وهو تيّاه بما ألقته عليه الشاعرة، ويقول لها «مرحى مرحى.. أنت ناجى الصغير»، وراح يدخلها كل المنتديات الأدبية، ويتعامل معها كأب وراعٍ لها ولموهبتها، وسط حياة أدبية شائكة، وأدباء يتلمظون على أنوثتها بشكل فادح.
وعندما رحل الشاعر الكبير، وجدت نفسها بلا سند، وبلا رعاية أمينة، ومن ثم بدأت سلسلة مضايقات كانت غريبة، وكانت تلك المضايقات تجعلها تفكر فى الانعزال اجتماعيًا، ومقاطعة الندوات والمحافل الأدبية، وتكتب وتنشر فقط، ولكن هذا الانقطاع له ثمن أيضًا، وكان بعض الشعراء يطاردونها بقسوة ملحوظة، قسوة تواطأ معها كل الوسط الثقافى آنذاك، وكان الشاعر الذى طاردها هو «محمد مفتاح الفيتورى» الذى كان يصغرها بسنوات، وعندما لم تستجب له، كتب ما يقترب من ديوان كامل ليهجوها، وفى الديوان قصيدة شرسة عنوانها «الأفعى»، وهى منشورة فى ديوانه الأول «أغانى إفريقيا».
ورغم ذلك لم تستسلم، وظلّت تقاوم، وتكتب، وتنشر، وتقرأ قصائدها فى المحافل الأدبية الكبرى، حتى التقت فى إحدى الندوات أحد الشعراء الذين هاموا بها هيامًا، وهو الشاعر عبدالله شمس الدين، وهو صاحب نشيد «الله أكبر»، هذا النشيد الذى سمعته واستجابت له قطاعات من ملايين المصريين، وانتشر انتشارًا واسعًا صنع له شهرة كبيرة، وكان هذا النشيد من أكثر الأناشيد تحريضًا لعزيمة الناس فى حرب ١٩٥٦ أثناء العدوان الثلاثى.
وللأسف ما حدث قديمًا للشاعرة ملك حفنى ناصف، مع زوجها عبدالستار الباسل، والذى زعم أنه ليس متزوجًا، وليست لديه عائلة، حدث مع جليلة رضا وعبدالله شمس الدين، وهى لم تذكر اسمه فى سيرتها الذاتية، ولكن البعض من الكتّاب والصحفيين ذكروا تلك العلاقة بتفصيلات متعددة.
ظلّ شمس الدين يحاول إقناع الشاعرة بالزواج، وزعم أنه كان متزوجًا، ثم انفصل عن زوجته، ونشأت صداقة ما بينها وبينه، وكانت هى تحتاج إلى هذه الصداقة لكى تنأى عن المضايقات التى كان المجتمع الثقافى الذكورى يسببها لها، خاصة أن صاحب نشيد «الله أكبر» كان أحد أبطال المصارعة، وفى أحد الأيام ذهب الشاعر المصارع إلى بيتها، واقترح إليها بأن تخرج معه، وبالفعل خرجت معه، وركبت معه السيارة، وهى لا تعرف إلى أين يذهبان، حتى ذهبا إلى المأذون، وتم الزواج دون أدنى علاقة حب، لأنها كانت قد أفرغت كل عواطفها الجيّاشة قبل زيجتها الأولى، ذلك المعشوق الذى لم توافق عليه الأسرة، وفضّلت عنه القاضى.
عاشت جليلة مع الشاعر الثائر دون أى حب، وكان كالزوج السابق يغتاظ جدًا لنشاطها الأدبى العارم، حيث إنها ترأست جماعة شعرية اسمها جماعة «النهر الخالد»، وبالتالى كانت تتحاور مع هذا وذاك، وبدأ اسمها يلمع، وبدأت قصائدها تشرق هنا وهناك، وكانت قصائدها تنشر جنبًا إلى جنب مع مقالات طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد مندور فى مجلة «الرسالة الجديدة»، مما أزعج شمس الدين غيرة عليها ومنها أيضًا، وكانت العلاقة نوعًا من جحيم، حتى حسمها وأودى إلى نهايتها حدث آخر، إذ حدث ذات يوم أن حضرت إلى منزل الزوجية سيدة جميلة ولطيفة عراقية، واكتشفت جليلة بأن هذه السيدة هى زوجة الشاعر، وما زالت زوجته رغم زعمه بأنه غير متزوج، وليس له أولاد، وكان له من تلك السيدة ولدان، وهى كاتبة قصة عراقية، وكان هذا الحدث هو آخر ما بينهما، وتم الانفصال فى هدوء، ولكن ما حدث بعد ذلك لم يكن هادئًا، إذ إنه ظلّ يطاردها بقصائد هجائية مزعجة ولا تليق بشاعر «الله أكبر».
لا أريد الاسترسال فى تعداد ما مرّت به الشاعرة من ظروف عائلية قاسية، وجدير بالذكر أن جليلة رضا ظلّت تقاوم كل تلك المعاناة القاسية، وراحت تقف بقوة فى الحياة الأدبية، وتكتب شعرًا ناضجًا وجميلًا، ولا يقلّ عما يكتبه أقرانها من الشعراء الرجال، ولكننا نُكبنا بمن لا يضع أى تقدير للمرأة الشاعرة أو الكاتبة أو القاصة أو الروائية، فكما أغفل المفكرون والأدباء الكبار مثل مى زيادة وعائشة التيمورية وملك حفنى ناصف وغيرهن من نابغات وشاعرات فى القرن العشرين، أغفل النقاد ومؤرخو الحركة الأدبية الشاعرة الجليلة جليلة رضا التى قدمت للحركة الشعرية عدة دواوين مهمة، من عيون الشعر العمودى، غير أنها كانت تتابع نقديًا كثيرًا من الإصدارات الشعرية، وصدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. فى مجلدين، ولكن لم ينتبه لهما أحد من النقاد كما هو معتاد.
صدر ديوانها الأول «اللحن الباكى» عام ١٩٥٤، وأهدته إلى ابنها: «إلى من لا يدرك أننى أمه، ولكن حياتى وقف عليه..!، إلى ولدى الوحيد، أهدى الشىء الوحيد الذى وجدت فيه عوضًا منه»، وكتب له الأستاذ محمد ناجى «رئيس رابطة الأدب الحديث» مقدمة قصيرة، جاء فيها: «والواقع أن هذا الديوان الجديد امتداد لمدرسة ناجى الثقافية الشاعرية التى بذر بذورها فى حياته، وها هى ذى قد أينعت وأثمرت، وهو يعنى أن هذا الديوان امتداد طبيعى وشرعى لمدرسة الديوان، وتعد الشاعرة جليلة رضا بالفعل، متممة لمدرسة أبوللو فى العصر الحديث، وقامت باستكمال دور الشاعرة جميلة العلايلى التى سنتحدث عنها لاحقًا.
كانت المقدمة الثانية لشاعر الشباب أحمد رامى الذى أفصح فى بداية مقدمته عن أول لقاء رآها فيه، وهو تأبين أستاذها إبراهيم ناجى، وكانت تقف خاشعة، مطرقة الرأس، غائمة العين كما وصفها، ترسل أبياتًا من الشعر ترتلها فى صوت خافت يذوب فى أسى وحزن، وراح يستعرض نشاطها وحيويتها الفائقة على المستوى الثقافى، وعندما تحدث عن شعرها قال: «أما الديوان فهو حياة حافلة بالأحاسيس والمعانى فى شتى نواحى الشعور، تقرأه فكأنما تنصت إلى لحن حزين أو تنظر إلى شمس غاربة أو تودع شراعًا مصفقًا يغيب فى ثنايا الموج، وليس من شأننا هنا أن نستعرض ما رآه رامى، فهو قد استرسل بطريقته الحالمة الرومانتيكية فى وصف الخلجات والتطوحات التى تناثرت فى الديوان، بينما جاء الديوان الأول للشاعرة، وكأنه طلقة رصاصة حاسمة فى معركة عنيفة، حيث راحت تنافس أساتذة فى الشعر من الرجال مثل صالح جودت وحسن كامل الصيرفى وكامل أيوب وعزيز أباظة والعوضى الوكيل وعباس العقاد ذاته وغيرهم من شعراء كانوا مرموقين قى ذلك الوقت، وكان هؤلاء من فرسان القصيدة العمودية آنذاك، هذا الشعر الذى أغفله الدارسون والنقاد فيما بعد بقسوة، وكأنه شرّ كله، وانتبهوا للشعر الحر وقصيدة التفعيلة، وكأن القصيدة العمودية لم تكن موجودة، أو لم تؤدِّ إلى قصيدة التفعيلة والشعر الحر، وهذا سلوك شديد العوار فى التاريخ الثقافى والأدبى، الجديد ينفى القديم، وليس امتدادًا له، فما بالك بأن يكون هذا القديم من صنع الشاعرات أو الكاتبات؟.
أصدرت الشاعرة سلسلة دواوين شعرية، وهى على التوالى: اللحن الباكى، واللحن الثائر، والأجنحة البيضاء، وأنا والليل، ومسرحية شعرية خدش فى الجرة، ورواية وحيدة هى «تحت شجرة الجميز»، بالإضافة إلى كتابين نقديين، تابعت فيهما مجموعة من دواوين الشعرالتى كانت تصدرعلى مدى ثلاثة عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، عدا مجموعة دراسات متفرقة لم تنشر فى كتاب، ولكنها ما زالت قابعة فى بطون الصحف والمجلات.
لم تكتب جليلة رضا الشعر الباكى فقط، ولم تكتب الشعر الاجتماعى والعاطفى فحسب، ونحن نضع تصنيفًا للشعر حسب مضامينه، كما درج النقاد والباحثون القدامى على ذلك، ولكنها أيضًا انخرطت فى الحياة المتمردة، لتكتب ما درج بتسميته الشعر الوطنى، وكانت شديدة الانتماء إلى جمال عبدالناصر والعروبة والمصرية، وسافرت لتمثل مصر عام ١٩٥٩ إلى دمشق، عندما كانت الوحدة السورية المصرية، وكما كتبت الشعر الهامس والناعم والمتسلل إلى الروح، كتبت الشعر الهاتف والصارخ، حسب المرحة التى يأتى فيها الشعر، ولكن كل ما كتبته الشاعرة كان يأتى فى إتقان وإحكام كبيرين، ولكن الحركة النقدية أغفلت كل ذلك، وكأنه لم يكن موجودًا.
وكما برعت فى الشعر الهاتف والهامس معًا، وكتبت فى الشعر السردى- إذا صح التعبير-، إذ إن لها قصيدة عنوانها «إسكندرية فى الشتاء»، تقول فيها:
«إسكندرية! ما أصابك؟ إنها نفس الحكاية
هى قصة امرأة بدت فى حسنها الصيفى آية
لم يبق للعشاق بعد شتائها أمل وغاية
أو تلك خاتمة الحسان الغيد؟ يا بؤس النهاية
دارت بك الدنيا ويا ويل الجمال من الزمان
حملتك من دفء العذوبة للبرودة والهوان
فبكيت شاحبة الجبين، بكيت ضائعة الأمانى
وملأت بالمستنقعات السود أحشاء المكان»
أشعار جليلة رضا تمثّل عالمًا جميلًا ورقيقًا وبديعًا، ربما لا يروق الأذواق المعاصرة، ولكنه لا ينفصل بأى شكل من الأشكال عن التاريخ الشعرى فى مصر والعالم العربى، وجدير بالذكر أن الشاعرة كتبته تحت سلسلة من أشكال المعاناة التى تواجه المرأة الكاتبة، ولكنها بكل ما كتبته، استطاعت أن تتحدى الزمن والسلطة الاجتماعية الطاردة لوجود المرأة كقيمة أدبية وفكرية وسياسية، وقدمت ما يمكن عَده لا يقل بأى حال من الأحوال عن كل ما قدمه مجايلوها من الشعراء الرجال، ولكن التاريخ الأدبى السائد لا يزال يطرد المرأة الكاتبة من جنته الناقصة، آمل بعد استعراض حياتها ومعاناتها أن أتناول منجزها الأدبى والنقدى لاحقًا قبل أن تنمحى ملامح مرحلة كانت ولا تزال- فى نظرى- شديدة الثراء والغنى الأدبى والثقافى والإبداعى.







