السبت 24 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

البحث عن أبناء رفاعة؟.. استعادة وصية بهاء طاهر

حرف

- كان يرى استحالة أن يكون الإخوان ديمقراطيين فى يوم من الأيام فلا توجد ديمقراطية داخل التنظيم ومن يخرج عن السمع والطاعة يُفصل فورًا

- التأثير السلبى للإسلاميين يتمثل فى تشجيعهم المجتمع على إدارة ظهره للعصر

- فى عصر السادات تقدم ليملأ الساحة تيار التكفير الإرهابى الذى سنح له الجو ليبيض ويفرخ بالفعل عنقاء رهيبة ما زالت تخيم بجناحها الأسود فوق الجميع

- يحمل بهاء طاهر عصر السادات المسئولية كاملة فى مسألة تراجع المثقفين

جلسة واحدة جمعت بينى وبين الكاتب الكبير بهاء طاهر فى بيته بالزمالك.

وحوار صحفى وحيد أجريته معه.

كنا تقريبًا فى نهايات العام 1999، وقتها كنت أجرى مجموعة حوارات ضمت صلاح عيسى وجلال أمين وحسين أحمد أمين ومحمود أمين العالم عن المستقبل الذى تنتظره مصر، ونشرتها جميعًا فى مجلة «صباح الخير».

فى نهاية حوارى مع بهاء سألته عن أهم رواية أو مجموعة قصصية كتبها، سرح قليلًا، وقال لي: «الحقيقة أن أهم ما كتبته ليس رواية ولا مجموعة قصصية، ولكنه كتاب»، اتجه إلى مكتبته، وعاد لى بكتابه «أبناء رفاعة» الذى كان قد صدر عن سلسلة «كتاب الهلال» فى العام 1993، وضعه أمامى، وقال: «هذا هو أهم ما كتبت أو قلت على الإطلاق».

لم يكن لدى الأستاذ بهاء فى مكتبته إلا نسخة واحدة من الكتاب، فى اليوم التالى اتجهت إلى مكتبة دار الهلال فى شارع المبتديان، واقتنيت نسختى من الكتاب، وعندما قرأته، رسخ فى يقينى أن ما كتبه بهاء ليس دراسة مهمة فقط، ولكنه أقرب ما يكون إلى الوصية التى يتركها بين يدى المصريين بشأن مصر التى يريدها ويحلم بها.

كان بهاء واضحًا وصريحًا ومتجردًا فى توصيفه لجهود المثقفين المصريين منذ رفاعة الطهطاوى فى تحديث مصر وترسيخ معالم الدولة المدنية ودفاعهم عنها ضد أنصار الدولة الدينية، صحيح أنه غلبت عليه ناصريته بعض الشيء وخلافه مع الرئيس السادات فى تفسير تراجع وانحطاط دور المثقفين، لكننى عبرت فوق ذلك من أجل جوهر فكرته.

فى العام 2009 صدرت الطبعة الثانية من الكتاب عن دار الشروق، أضاف إليه بهاء بعض المقالات، كان أهمها مقاله «كيف وصلنا إلى الإخوان؟».. وهو المقال الذى نشره بعد تقدم الإخوان الملحوظ فى الانتخابات البرلمانية لعام 2005، فقد بدا له ذلك الحدث خلاصة ونتيجة لكل التطورات التى رصدها كتابه فى طبعته الأولى، حيث كان ما جرى إعلانًا واضحًا على ترنح الدولة المدنية تحت وطأة الضربات المتلاحقة لدعاة الدولة الدينية وأنصارها.

فى مقدمة الطبعة الثانية قال بهاء: «الأمل هو أن نعمل جاهدين على ألا يكون هذا الترنح إيذانًا بنهاية لكفاح مشرف خاضه شعبنا ومثقفونا على امتداد عشرات السنين».

كان وقع وصول جماعة الإخوان إلى الحكم فى 2012 صادمًا لبهاء طاهر، اعتبره هزيمة للمثقفين المصريين جميعًا، ليس من يعيشون فى ظل هذه اللحظة الكارثية، ولكن لأجيالهم التى سبقت، ولذلك لم يتردد وهو فى الـ 78 من عمره – بهاء من مواليد 13 يناير 1935 وتُوفى فى 27 أكتوبر 2022 – أن يكون فى طليعة المثقفين الذين اقتحموا مكتب وزير الثقافة الإخوانى علاء عبد العزيز فى شارع شجرة الدر بالزمالك، معلنًا الاعتصام والاحتجاج، ومطالبًا برحيل حكم الإخوان.

تحرك بهاء فى رفضه لحكم الإخوان من رؤية واضحة بأن ما تمر به مصر تحت سلطتهم يمثل خطرًا على الهوية والوعى المصرى، وهو ما جعله يعتبر ثورة 30 يونيو بمثابة الإنقاذ الكامل للدولة المدنية.

رؤية بهاء طاهر لحكم الإخوان ظهرت واضحة من خلال الحوارات الصحفية التى أدلى بها بعد ثورة يناير، وهى الحوارات التى لم يكن فيها واضحًا فقط، ولكنه كان واضحًا ومقتحمًا.

فى نهايات ٢٠١١ وبعد سيطرة الإخوان على المشهد السياسى من خلال وضع أيديهم على البرلمان، قال بهاء:

أولًا: لن أدخل فى جدل هل ساهم الإخوان فى الثورة أم لا، ولكن كل من كان فى الطليعة الثورية يؤكد أن الإخوان لم يكونوا موجودين بل كانوا معارضين للثورة، إلا أنهم استفادوا منها فى الانتخابات، وحتى من شارك فى الثورة من شباب الجماعة تم فصلهم، لأنهم خرجوا على مبدأ الجماعة وهو السمع والطاعة والانضباط الديكتاتورى.

ثانيًا: استحالة أن يكون الإخوان ديمقراطيين فى يوم من الأيام، فلا توجد ديمقراطية داخل التنظيم، من يخرج عن السمع والطاعة يُفصل فورًا، كما لديهم مركزية شديدة فى القرار، حتى إن أصدقائى يقولون لى إنه أثناء التحاور مع أحد مندوبى الإخوان كان يتصل ليأخذ الإذن يوافق أم يرفض، فمن غير المتوقع أنه بين ليلة وضحاها يتحول الإسلاميون إلى تنظيم ديمقراطى.. استحالة.

بعد أيام قليلة من دخول محمد مرسى إلى قصر الاتحادية وفى ٥ يوليو ٢٠١٢، أطلق بهاء تنبيهه إلى المثقفين المصريين عندما قال إن هناك فترة صعبة سيعيشها الإبداع والمبدعون فى مصر فى ظل حكم الإخوان.

وبعد وصول الإخوان إلى الحكم بأربعة شهور فقط، وفى سبتمبر ٢٠١٢ قال بهاء:

أولًا: التأثير السلبى للإسلاميين يتمثل فى تشجيعهم المجتمع على إدارة ظهره للعصر، وإذكاء الحلم بالعودة إلى عصر الخلفاء الراشدين، وبديهى أن القفز على التاريخ لاستعادة عصر بكل مفرداته أمر مستحيل وغير مفهوم.

ثانيًا: أنا وكل من يوصفون بالليبراليين أو العلمانيين لدينا كل الرغبة فى التعايش مع تيار الإسلام السياسى، لكن العكس غير صحيح، فأصحاب هذا التيار لا يحبون التعايش معنا، وهذا توجه قديم، فقد كان قادة الإخوان يرفضون الدخول فى حوارات مع الوفديين والسعديين وغيرهم من الأحزاب المدنية فى الأربعينات والخمسينات، ويقولون ما معناه إن «الجدل يورث الكفر».

وفى حوار أجراه معه الكاتب الصحفى سيد جبيل قدم بهاء طاهر تشريحًا دقيقًا لجماعة الإخوان ورموزها، وعدد مآخذه عليها من خلال مناقشة واضحة لأفكارها الأساسية، ويمكن أن نعدد هذه المآخذ على النحو التالي:

أولًا: هدم أسس الدولة الحديثة.. فهو يعتبر أن سيد قطب كان أبرز قيادات الإخوان وأذكاهم، وفى كتابه «معالم فى الطريق» يهدم أسس الدولة الحديثة فى كل مكان فى العالم ويصم شعوب الأرض بالجاهلية، لأنهم رضوا بغير «حاكمية الله».

ثانيًا: الإقصاء.. الذى يعتبره بهاء أخطر أفكار جماعة الإخوان، وهى فكرة سيد قطب أيضًا، حيث كان فى ذلك حاسمًا وقاطعًا وباترًا، فإما أن تكون مؤمنًا على طريقته وإما أن تكون جاهليًا.

ثالثًا: معاداة الديمقراطية.. فقد نجح حسن البنا مرشد الجماعة الأول فى خلق تنظيم قوى يحول كل عضو جديد إلى ترس فى آلة، لا يملك إلا السمع والطاعة لما يقرره مكتب الإرشاد.

رابعًا: النظرة الدونية للمرأة.. فمكتب الإرشاد لم يضم أبدًا بين أعضائه – طوال تاريخ الجماعة الطويل – سيدة، وذلك لأن البنا كان يؤمن بأن وظيفة المرأة الأساسية هى الإنجاب وتربية الأطفال، وهو ما عبر عنه بعد ذلك سيد قطب بوصف المرأة بـ«مصنع الرجال»، ولا يوجد فى فكر الإخوان وأدبياتهم.

راقب بهاء عن قرب ما قام به الإخوان، فقرر أن يكون فى طليعة الثائرين عليهم، وكان مستندًا فى ذلك إلى رؤيته المبكرة التى قدمها فى كتابه «أبناء رفاعة»، الذى كان حجر الزاوية فيه هو إبراز جهود المثقفين المصريين فى مواجهة دعاة الدولة الدينية.. وكيف تم تهميش هذا الدور لصالح هؤلاء الدعاة بعد ذلك.

نسب بهاء طاهر فى كتابه «أبناء رفاعة» المثقفين المصريين المدافعين عن الدولة المدنية والمتمسكين بها إلى أبيهم الأول وهو الشيخ رفاعة رافع الطهطاوى – ولد الطهطاوى فى ١٥ أكتوبر ١٨٠١ وتُوفى فى ٢٧ مايو ١٨٧٣ – باعتباره طليعة كوكب التنوير فى ثقافتنا الحديثة.

تحت عنوان «النور يأتى من طهطا» يتحدث بهاء عما قدمه رفاعة الطهطاوى من فكر وجهد فى ترسيخ معنى الدولة المدنية.

يرى بهاء أن مصر تدين للطهطاوى بأكبر فضل فى التغيير الثقافى الذى غير وجه الحياة فيها، فقد كان الساعد الأيمن لمحمد على فى سياسة التعليم العصرى، وهو الذى أنشأ المدرسة العليا للترجمة والإدارة التى صارت مدرسة الألسن فيما بعد، واشترك بنفسه فى ترجمة عدد كبير من الكتب والمراجع العلمية للمدارس العليا الجديدة «الطب والتمريض والمهندس خانة والإدارة»، كما أنه كان رئيس تحرير لأول صحيفة مصرية تنشأ فى القرن التاسع عشر «الوقائع المصرية»، وقبل ذلك كله ألف عددًا من الكتب التى أثرت على مجرى الفكر المصرى.

ويعتبر بهاء أن أول خطوة فى الانقلاب الفكرى الكبير الذى قام به الطهطاوى هو بعث مفهوم «الوطن» فى مقابل مفهوم «الأمة» الفضفاض، وكانت الدولة العثمانية تحكم باسم هذا المفهوم الأخير الذى يشمل الأمة الإسلامية كلها من الناحية النظرية، ولم يكن هذا القناع الدينى شيئًا أكثر من الوحدة فى نطاق العبودية، لأن تلك الدولة كانت أبعد ما تكون عن روح الدين وعن حقيقته، بما سادها من الظلم والاستبداد والفتك المنظم برعاياها.

قاد محمد على رفاعة الطهطاوى إلى هذه الفكرة.

كان محمد على – كما يوثق بهاء – قد نجح فى الاستقلال بمصر من الناحية العملية، بل وحارب الدولة العثمانية الشائخة، حتى أوشك على أن يهزمها لولا أن أنجدتها إنجلترا فتعاونتا على إرغامه على التراجع، وعلى القضاء على أمله فى قيام دولة قوية تضم الولايات العربية من الدولة المتهاوية، غير أنه استطاع على الأقل أن يحتفظ لمصر باستقلالها الذاتى.

انتبه رفاعة الطهطاوى إلى الفكرة التى كان محمد على يسعى إلى تحقيقها على الأرض، أدرك أن هذا الوطن يستحق أكثر بكثير مما آل إليه تحت الحكم العثمانى، وبدأ يرجع إلى التاريخ ويحدث المصريين عما كانت عليه بلادهم فى عصورها الزاهرة: «ففيما اختصت به مصر من بين الممالك أن كل مملكة تستنير برهة ثم تنطفئ، وتشرق بهجتها ثم تختفى، فأما مصر فأغرب شيء هو بقاء شمس سعدها وارتقاء كوكب مجدها، إنها بقيت سبعين قرنًا حافظة لمرتبتها العليا».

خلص رفاعة الطهطاوى من ذلك إلى نتيجة محددة هى أن: «حب الأوطان فضيلة جليلة، لا سيما إذا كان الموطن منبت العز والسعادة والفخر كديار مصر، فهى أعز الأوطان لبنيها وهى مستحقة برها منهم بالسعى لبلوغ أمانيها، وذلك من ناحيتين: أنها أم لساكنيها، وبر الوالدين واجب عقلًا وشرعًا على كل إنسان، والثانية أنها ودودة بارة بهم».

ركز الطهطاوى على التراث الدينى لبعث مفهوم الوطن الذى غاب عن أذهان المصريين قرونًا طويلة، ومن هذا المنطلق الدينى نفسه يوجه ضربة إلى واحد من المفاهيم المتخلفة فى المنظومة العثمانية الباغية: «فرِّق تسُد»، إذ إن وحدة الوطن تعنى بالضرورة وحدة أبنائه والمساواة بينهم أيًا كان الدين الذى يعتنقونه.

كان الطهطاوى يرى أن حكمة الله قد اقتضت أن يكون أبناء الوطن متحدين فى اللغة وفى العيش فى مكان واحد، وهذا يعنى أن الله سبحانه وتعالى قد أعدهم للتعاون على إصلاح وطنهم، وعلى أن يكون بعضهم بالنسبة إلى بعض كأعضاء العائلة الواحدة، ولكى يتحقق ذلك يجب أن تكون للمواطن حرية تامة فى المجتمع: «فانقياده لأصول بلده يستلزم ضمان وطنه له التمتع بالحقوق المدنية والتميز بالمزايا البلدية، فجميع ما يجب على المؤمن لأخيه المؤمن يجب على أعضاء الوطن فى حقوق بعضهم على بعض لما بينهم من أخوة الوطنية».

كانت هذه كلمات ومفاهيم جديدة تدخل فى الثقافة السياسية: «الوطن – الأخوة الوطنية – الحرية – المساواة»، لكن الطهطاوى كان يرى أنها مجرد كلمات، إذ يحتاج الأمر إلى وقت حتى يتخرج من المدارس عدد كافٍ من المثقفين، وحتى تظهر الصحف الوطنية المتعددة، وحتى تصهر الأحداث الوعى الوطنى وتوجهه.

وينظر بهاء إلى الجهد الهائل الذى بذله الطهطاوى فى المجالات الثقافية المتعددة «التعليم – الصحافة – التأليف» ويعتبره بمثابة اليقظة بعد السبات الطويل.

كان هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل لكى تفيق الأمة وتستوعب أقوال الطهطاوى والرعيل الأول من رواد النهضة، لم يتجاوز هذا الوقت تقريبًا ربع قرن منذ وفاة محمد على، فعندما بدأ رفاعة يكتب أعماله فى الأربعينات والخمسينات من القرن التاسع عشر، إنما كان يضع عينه على جمهور فى المستقبل، أو ينتظر بالأحرى هذا الجمهور الذى كان يتعلم أيامها فى المدارس الجديدة التى أنشأها الوالى الكبير.

لم يخب ظن رفاعة، فما إن تصل مصر إلى منتصف عصر الخديو إسماعيل إلا ويكون هؤلاء المئات من خريجى المدارس قد أصبحوا عشرات الآلاف، إلى جانب مائة ألف تلميذ تقريبًا فى المدارس، وبعد أن لم يكن فى مصر غير صحيفة واحدة هى «الوقائع المصرية»، يصبح فى القاهرة وحدها أكثر من ١٠ صحف غير رسمية تعبر عن اتجاهات مختلفة، وكان أولاها صحيفة «وادى النيل» التى أدارها عبدالله أبوالسعود الشاعر والأديب وتلميذ الطهطاوى.

ويطرح بهاء طاهر أسئلة مهمة بعد أن يعرفنا بجهود رفاعة الطهطاوى الرائدة فى مسيرة التنوير.

يقول: «ما الذى حدث بحيث أصبحت الثقافة الجديدة التى غيرت وجه الحياة فى مصر فى موقف الدفاع عن النفس؟ وكيف صار بعض الناس – يقصد الإخوان وغيرهم من جماعات الإسلام السياسى – بعد كفاح قرنين من الزمان يحنون إلى ظلام الحكم العثمانى الذى أوشكت مصر فى ظله أن تبيد؟ وكيف أصبح أقطاب التغيير منذ الطهطاوى وحتى طه حسين موضع الشك والتجريح بأقلام كتاب تقصر قاماتهم عن أن تحقق عشر معشار ما فعله هؤلاء الرواد العظام لصالح مصر؟ وكيف يجد هؤلاء آذانًا صاغية؟»

كان بهاء يعرف أن كثيرًا من الكتاب قد اجتهدوا لتقديم إجابات عن هذه الأسئلة، وأنهم قد بحثوا عن العوامل الاقتصادية والاجتماعية التى تكمن وراء هذا التطرف، ولهذه الاجتهادات قيمتها الكبيرة التى يجب أن ننتبه إليها، ولكنه اختار أن يتحدث عن عنصر واحد وهو التطور الثقافى، أو بالأحرى هو التراجع الثقافى.

استعرض بهاء طاهر العلاقة الممتدة بين حكام مصر والمثقفين بعد عهد رائد التنوير الأول طه حسين، وخرج من رصده هذا ليقول: «هان أمر المثقفين على الحكام فهان أمرهم على الناس، قيل لهم إن كل المثقفين الذين كانوا يوقرونهم هم حفنة من الشيوعيين والملحدين والعملاء، وأزيح المثقفون من المنابر المؤثرة وحل محلهم مجموعة من الهجائيين والمداحين حسب أوامر النظام، فانصرف الناس عن الثقافة جملة حين فقد المثقفون مصداقيتهم لدى الجمهور، وكان من الطبيعى جدًا أن تصدر الكتب والمقالات فى الهجوم على العلمانيين وعلى قاسم أمين وطه حسين وكل المفكرين الذين أخرجونا من منظومة العصر العثمانى إلى ما صرنا إليه، ثم كانت الخطوة التالية أن يوصف العلمانيون بأنهم دنيويون، ثم يقال صراحة إنهم كفار، ولِمَ لا؟ لقد بدأت الحكومة بتكفير خصومها من المثقفين، فلماذا لا ينسحب التكفير على المثقفين جميعًا؟ كانت تلك فرصة العمر لأنصار التتريك وقد باركها أنصار التغريب الذين كانوا يزعمون من قبل أنهم حماة حرية الرأى».

ترتب على ذلك شيء آخر بالغ الأهمية – كما يرصد بهاء – وهو تدنى مستوى ثقافة الجمهور العام، وذلك لسببين: فقد غابت القيادات الفكرية الحقيقية التى كانت تملك القدرة على التأثير والإقناع أولًا، ثم فرض الحكم ثانيًا مكانهم مجموعة من أنصاره وصمم على أن يجعل منهم قيادة فكرية للمجتمع دون أن يكون لهم أى مؤهلات للقيادة أو الفكر، ولم ينجح هؤلاء سوى فى بلبلة الجماهير وصرفها عن أى ثقافة حقيقية، وأصبح هناك تسطيح كامل للوعى العام، وأصبحت أكثر الأفكار قابلية للانتشار هى أكثرها بساطة وسذاجة، وأكثر الكُتّاب والفنانين رواجًا هم أكثر بدائية وتخلفًا.

وفى توصيف صادم يقول بهاء: «باختصار فقد عشنا نكسة ثقافية على مستوى الوعى العام».

ويخرج من هذا التوصيف ليقول: «فى ظل هذا التراجع الثقافى فمن الطبيعى ألا تروج أفكار تلاميذ الطهطاوى، ذلك الفكر الذى يدعو إلى حرية الفرد ومسئوليته، بل الطبيعى أن ينتشر الفكر المضاد لذلك تمامًا، الذى ينزع عن الفرد صفتى الحرية والمسئولية، لكى يوجهه كيفما شاء، ومن الطبيعى أيضًا أن ينتهز خصوم نهضة مصر تلك الفرصة لإعادتها إلى ما كانت عليه قبل أن تتبلور منظومتها الثقافية المصرية».

ينتقل بنا بهاء طاهر إلى تشريح ظاهرة انتشار جماعات الإسلام السياسى وآثارها المجتمعية ودورها فى تراجع دور المثقفين المصريين فى ترسيخ وتأكيد معالم الدولة المدنية.

فقبل قرون طويلة انتبه ابن خلدون – أعظم المؤرخين والمفكرين العرب – إلى أن الفتن التى تتخفى وراء قناع الدين تجارة رائجة جدًا فى عصور التراجع الفكرى للمجتمعات، ورددها ابن خلدون إلى أصولها وأسبابها الحقيقية، فقد تتبع هذه الفتن فى المشرق العربى وفى المغرب على السواء.

ينقل بهاء عن ابن خلدون حكاية واحدة من فتن عصر الدولة العباسية.

فقد قام رجل من سواد أهل بغداد يعرف بـ«سهل بن سلامة» الأنصارى، ويُكنى أبا حاتم ودعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاتبعه الناس كافة وقال: «أقاتل كل من خالف الكتاب والسنة كائنًا من كان»، وذلك فى سنة إحدى ومائتين، وجهز له إبراهيم بن المهدى العساكر فغلبه وأسره وانحل أمره سريعًا وذهب ونجا بنفسه، ثم اقتدى بهذا العمل بعده كثير من الموسوسين، يأخذون أنفسهم بإقامة الحق ولا يعرفون ما يحتاجون إليه فى إقامته من العصبية، ولا يشعرون بمغبة أمرهم ومآل أحوالهم، والذى يُحتاج إليه فى أمر هؤلاء إما المداواة، وإما العقاب.

يعلق بهاء طاهر على هذه الحكاية بقوله: «ولا يطاوعنى قلبى بعد ذلك على أن أنقل عن ابن خلدون ما يقترحه من أساليب للمداواة أو للعقاب، فالقسوة فى رأيى ليست هى الحل للمشكلة».

لكن المهم فى تحليل ابن خلدون كما ينقل بهاء أن أكثر المنتحلين لمثل هذا تجدهم يطلبون بمثل هذه الدعوة رئاسةً امتلأت بها جوانحهم وعجزوا عن التوصل إليها بشيء من أسبابها العادية، فيحسبون أن هذا من الأسباب البالغة بهم إلى ما يؤملونه من ذلك ولا يحسبون ما ينالهم فيه من الهلكة بما يحدثونه من الفتنة، وأمثال ذلك كثير.

يخرج بهاء من عند ابن خلدون دون أن يترك فكرته، بل يتأملها ويستعين بها فيما يخص مصر.

يقول: «من حسن الحظ ومما يدعو إلى الأمل أن ابن خلدون يستثنى مصر من أن تكون أرضًا للفتن، فهو حين يستقرئ تاريخها يقول ما يلي: «أما ملك مصر فهو فى غاية الدعة والرسوخ لقلة الخوارج وأهل العصائب، إنما هو سلطان ورعية»».

بتأمل بسيط لما قاله ابن خلدون عن مصر، يقول بهاء: «الاستقرار والنظام والعدل هى تلك الثوابت فى مجتمعنا المصرى الزراعى العريق، وهى ثوابت يستحيل اقتلاعها مهما بدا لنا عكس ذلك، فهو يقول إن مصر سلطان ورعية، وهى الصيغة التى عاشتها مصر قرونًا فى ظل الحكم المملوكى – العثمانى الجائر، إنما هو حاكم قوى وعادل وديمقراطى ومواطنون أحرار ومسئولون، كما علمنا قادة الفكر المصرى الحديث ما ينبغى أن يكون عليه أمرنا، وينبغى السعى إلى أن يتحقق ذلك بحذافيره».

لم يكن ما قاله بهاء كافيًا فى طبعة الكتاب الأولى، فعاد إلى تفسير تراجع دور المثقفين من أبناء رفاعة بإسهاب وتفاصيل أكثر، فحاول فى الطبعة الثانية تعميق رؤيته فى تصوير الفجوة التى وجد المثقفون أنفسهم فيها، ورصد أسباب بعدهم عن التأثير فى المجتمع.

تحت عنوان «الاستغناء عن الثقافة» يبدأ بهاء بقول أفلاطون: «إذا ظهر فى جمهوريتنا شاعر بارع فسوف ننحنى له تبجيلًا واحترامًا، وكأنه مقدس رفيع، سنسكب على وجهه العطور ونزين جبينه بالأكاليل، ولكننا سنقول له بعد ذلك: إننا لا نحتاج إلى أمثاله.. ثم نرحله إلى دولة أخرى».

يأخذ بهاء من كلام أفلاطون دليلًا ومرشدًا لما يريد أن يقوله.

فقد كان الفيلسوف اليونانى العظيم ينظر إلى الشعر والأدب، كان من رأيه أن الشعراء والأدباء يقلقون استقرار الجمهورية الفاضلة التى حلم بإنشائها، وهم يفعلون هذا حقيقة، إذ إنهم يرفضون السكون والجمود ويتطلعون دائمًا إلى التغيير نحو الأفضل، ولكن أفلاطون كان يريد جمهوريته المثلى راسخة لا يصيبها التعديل والتبديل، وربما كان هذا هو السبب فى أن تلك الجمهورية الفاضلة لم تقم لها قائمة على مدى التاريخ.

ويقول بهاء: «الحياة ترفض الجمود، ومتى أقصينا الشعراء الساعين إلى تغييرها، فنحن كمن يحاول أن يكبل بالأغلال تلك الحياة الطليقة بطبعها، غير أننا نحن بالذات قد نجحنا بكل أسف فى أن نطبق أسوأ وصايا أفلاطون، فمنذ سنوات طويلة ونحن نتكلم عن الثقافة «نظريًا» بكل احترام، ولكننا نضعها فى الحقيقة على هامش حياتنا، لسبب ما فقدت الثقافة وظيفتها كدعوة للتقدم بالمجتمع، وأصبحت مجرد حيلة وزينة، ولهذا من الطبيعى جدًا أن يتقدم العالم من حولنا شرقًا وغربًا بخطوات لاهثة من اليابان مرورًا بأوروبا إلى أمريكا، وأننا نتلكأ نحن فى أحسن الحالات فى مشاكل القرن التاسع عشر».

ما يبعث على الحزن حقًا – كما يرى بهاء – هو أننا فى مصر كنا قد بدأنا الطريق الصحيح منذ بدأت صحوتنا الحديثة، وكانت الثقافة فى قلب الحوار، وهو ما بدأه رفاعة الطهطاوى.

قبل رفاعة وما فعله دعاة التحضر والاستنارة من المثقفين كان شكل مصر مثيرًا للشفقة.

يدعونا بهاء إلى أن نقرأ الجبرتى لنعرف كيف كانت صورة حياتنا قبل رفاعة، لنقرأ عن صور الجهل الفادح والاستبداد المروع والمجاعات التى جعلت الناس يأكل بعضهم بعضًا بالفعل لا بالمجاز.

يدعونا كذلك إذا كنا لا نحب التاريخ الصرف، فلنقرأ رواية جمال الغيطانى «الزينى بركات» كوثيقة تاريخية إلى جانب متعتها الأدبية الكبيرة لنتعرف على وجه الحياة المستحيل فى ذلك العصر، فقد كان من أبسط الأمور قاطبة أن يصدر الحكام أمرًا على أى مخالف له بأن «يخوزق ويوسط»، أى أن يُشك جسده فى خازوق من الحديد ثم يضرب وسطه بالسيف، وتظل جثته معلقة على باب زويلة حتى تجيف وتنتن.

عندما سافر رفاعة الطهطاوى إلى فرنسا فى أول بعثة أرسلها محمد على أذهله ما تعانيه مصر من تخلف وهو ينظر حوله ويقارن حالنا بالعالم المتحضر، وفى سنة ١٨٣٤ نشر كتابه «تخليص الإبريز» مقدمًا لمواطنيه لأول مرة هذه الحضارة الحديثة.

يشير بهاء إلى أنه يتحدث عن رفاعة الطهطاوى لأنه رمز وضع الأساس الفكرى لحركة التحضر واللحاق بالعصر، وكان هناك جيل يطلق عليه بهاء «الرفاعيين»، وهو يضم أولئك المثقفين العظام الذين أسسوا لمصر لأول مرة مدرسة الطب والمهندسخانة ومدرسة الحقوق.

كانت المرحلة الأولى – مرحلة رفاعة – هى الصحوة وإزالة الركام.

وكان محور المرحلة الثانية هو الاستقلال، الخروج من التبعية الاقتصادية لأوروبا فى مرحلة العرابيين، ثم السعى بعد ذلك للتخلص من الاحتلال ومن الاستغلال الاستعمارى.

بعد رفاعة الطهطاوى ظهر الشيخ محمد عبده الذى كان له جهد فى جلاء تراثنا الإسلامى والكشف عما فيه من قيم باقية وخالدة تواكب التطور مع العصر بل وتحض على هذا التطور، وفعل الشيء نفسه – كل على طريقته – د. هيكل والعقاد وطه حسين فيما وضعوه من تاريخ حديث للتراث الإسلامى.

ينتمى طه حسين بكتبه عن التاريخ الإسلامى إلى هذه المرحلة، ويمثل حلقة وصل مع مرحلة جديدة فى الثقافة المصرية تضم المرحلتين السابقتين «اللحاق بحضارة العصر والاستقلال عن أوروبا»، ولكنها تضيف إلى المشروع المصرى بُعدًا جديدًا قُدِّر له أن يستمر لعشرات السنين وهو السعى إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

يجمع بهاء طاهر ملامح أبناء رفاعة فى هذه المرحلة، ويشير إلى أنهم التفتوا إلى الواقع الاجتماعى وخاضوا معركته إلى جانب معركة الاستقلال، وتوزعت كتاباتهم لعشرات السنين بين هذين المحورين، مثل أعمال نجيب محفوظ فى أعماله الأولى: الفرعونية التى تدعو إلى الاستقلال، والواقعية التى كرسها لفضح الفساد السياسى والظلم الاجتماعى، وتستمر هذه الثنائية نفسها فى مضمون أعمال يوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوى وغيرهما من الكُتّاب خلال السنوات الأولى من ثورة يوليو فى معاركها من أجل الاستقلال.

خلال تلك المرحلة أيضًا كان الأدب فى قلب العصر، وكان الأدباء بأقلامهم طليعة الدعوة إلى التغيير والتقدم، دفعوا من أجل ذلك ثمنًا كبيرًا، ولكن رسالتهم كانت تصل فى النهاية، فحين جاء عباس باشا الأول حاكم مصر بعد محمد على حاول أن يوقف مسيرة التغيير، لأن «الشعب الجاهل أسلس قيادًا من الشعب المتعلم» على حد ما تلخصت فلسفته، وهكذا فقد أغلق المدارس التى فتحها رفاعة وصحبه، ثم نفى هذا الرائد العظيم إلى السودان مثلما شرد رفاقه من دعاة التنوير والتحضر.

وفى مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال وبعد الثورة العرابية طلب الخديو الخائن توفيق – بوصف بهاء – رأس عبد الله النديم خطيب الثورة وكاتبها، فهرب النديم واحتضنه الشعب سنوات طويلة، أما محمد عبده فنُفِّذ حكم النفى لسنوات، وفى تاريخ لاحق نفى الإنجليز شوقى من مصر، وفى مرحلة الدعوة إلى الديمقراطية دخل العقاد السجن مرة، وطُرد طه حسين من مناصبه مرات، ومن أجل الدعوة إلى العدالة الاجتماعية دخل معظم الكُتّاب السجن، ولم يُنْجِ نجيب محفوظ إلا رحمة ربك، فلو التفت الرقيب فى العصر الملكى إلى المضمون الثورى لأعمال مثل «بداية ونهاية» أو «زقاق المدق» لكان قد رسف مع زملائه فى الأغلال.

ومع هذا الثمن الذى دفعه أصحاب الأقلام فقد كانت رسالة الأدب تصل إلى جوهر المطلب الوطنى وتقود الخطى إلى التغيير والتقدم طوال العصور، غير أنك لا تستطيع بعد ذلك – مع الأسف – أن تتحدث عن اتصال المسيرة، إذ فجأة حدث انقطاع، ولم يعد الحوار بين الأدب والمجتمع قائمًا، وتستطيع أن تحدد فترة ما، ربما هى النصف الأخير من الستينات ومطلع السبعينات، بدأت بعدها تلك الفجوة بين الكاتب وجمهوره.

بعد هذا الرصد يعيد بهاء سؤاله عما جرى، يقول: «ترى ماذا حدث؟.. هل قصر الأدباء عن أداء رسالتهم؟ ألم يستطيعوا أن يضعوا أيديهم على المطلب الحقيقى لمجتمعهم ويتصدوا له مثلما فعل أسلافهم العظام؟ هل افتقد الكُتّاب القدرة والموهبة؟ أم أنها «الديكتاتورية» الناصرية التى يتشدق بها البعض كعلة كل معلول؟ أو هى النكسة التى أصبحت بدورها مشجبًا نعلق عليه كل خطأ وكل تقصير؟ أو تراه التليفزيون الذى سحب البساط من الكلمة المكتوبة؟».

ويجيب بهاء: «حاولت أن أحصر كل التبريرات الممكنة لتلك الفجوة، ولكن واحدًا منها لا يقدم الرد ولا كلها مجتمعة، ثمة شيء بالفعل قد حدث، ولكنه يختلف كل الاختلاف عن هذه المقولات الجاهزة».

يعيد بهاء النظر فى الأدب نفسه الذى يتحدث عنه، فى محاولة للوصول إلى جوهر الخطاب الذى تضمنه.

يقول: «عُرف هذا الأدب باسم أدب الستينات، وهى تسمية لا تدل على شيء، وكان القصد منها فى وقت من الأوقات – إلى جانب الحديث عن أدب الشباب والأدباء الشباب – حصر هذا الأدب وعزله عن جمهوره الطبيعى، ولكنك إذا ما تركت التقسيمات المصطنعة حسب الأجيال، إذا ما رفضت تجميد الأدب فى تصنيفات شكلية لا تعنى شيئًا فسترى أنه كانت هناك فى تلك السنوات حركة أدبية زاخرة».

خريطة هذه الحركة الأدبية تبدو كالتالى:

أولًا: فى الشعر صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى وأمل دنقل وصلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودى وفاروق شوشة ومحمد عفيفى مطر.

ثانيًا: فى القصة إدوارد الخراط وصنع الله إبراهيم وجمال الغيطانى ويحيى الطاهر عبد الله وسليمان فياض وعبد الحكيم قاسم وجميل عطية وإبراهيم أصلان.

ثالثًا: فى النقد الأدبى إبراهيم فتحى وصبرى حافظ ورجاء النقاش وجلال العشرى وسامى خشبة وفاروق عبد القادر.

وكان هؤلاء المبدعون وغيرهم كثير بالنسبة لبهاء طاهر يواصلون باقتدار وكفاءة تلك المسيرة الثقافية التى تناقلتها الأجيال من أيام رفاعة، فقد كان ثمة إدراك أو نداء اجتماعى مستمر يقول إن الاستقلال والعدالة الاجتماعية ليسا غايتين فى ذاتهما، بل هما وسيلتان لهدف أسمى، تحقيق كرامة الفرد وحريته، وكان هذا النداء هو محور الخطاب فى أعمال الحركة الأدبية التى حملت أمانة التعبير الأدبى فى الستينات.

ويخلص بهاء إلى أن هؤلاء المبدعين استطاعوا من خلال حوار وصراع متصلين مع السلطة الوطنية فى الستينات أن يحققوا شيئًا، كانوا فى بعض الأحيان يُبعدون أو يُصادرون وفى أحيان أخرى تُفتح لهم منابر التعبير على مصاريعها، ولكنهم تمكنوا على أية حال من الوصول إلى الجمهور بواسطة المسرح والثقافة الجماهيرية، وكذلك المجلات والصفحات الأدبية والثقافية التى كان يشرف عليها مثقفون حقيقيون مثل يحيى حقى وعبد الفتاح الجمل، ولكن فى مطلع السبعينات تغير وضع الثقافة فى مصر تغيرًا فادحًا، ودفعنا كمجتمع ثمنًا أفدح لهذا التغيير.

يحمل بهاء طاهر عصر السادات المسئولية كاملة فى مسألة تراجع المثقفين، ويحكى لنا ما يؤكد وجهة نظره، والحكاية بطلها هو المسرحى الكبير محمود دياب، يقول بهاء:

«فى عام ١٩٧١ كنت عضوًا فى المكتب الفنى للمسرح القومى، وكانت البروفة النهائية لمسرحية محمود دياب «باب الفتوح» على وشك الانتهاء عندما صدر أمر مفاجئ بوقف عرضها، وفعل محمود دياب كل ما استطاعه لكى ترى مسرحيته النور، ذهب لمقابلة الوزير المختص ثم عاد ليقول لى وهو بين الضحك والبكاء، إن الوزير أبلغه بأن السبب فى وقف عرض المسرحية هو أنها تهاجم عبد الناصر، وأما المضحك المبكى فهو أن ذلك لم يكن صحيحًا، وأن العهد الذى كان يمثله الوزير – عهد السادات – كان منهمكًا فى هذا الهجوم بالذات، وفى محاولة أخرى ذهب محمود دياب إلى رئيس هيئة المسرح وانتظر مقابلته عند مدير مكتبه، ودخل هذا الرئيس وكان ضعيف الإبصار فلم يلحظ وجود محمود ولكنه سمع مدير مكتبه يقول إن مؤلف «باب الفتوح» يريد أن يراه لبحث مسألته، فقال رئيس الهيئة وهو يشير بيده إشارة حاسمة: «موضوع باب الفتوح انتهى وكل أبواب الفتوح انتهت.. انتهى عصر المسرحيات الشيوعية التى تقلق الناس، ما لها مسرحيات الحب والفراق والجواز؟ من الآن فصاعدًا كله مسرحيات فرفشة»، ومرة ثانية فإن المضحك المبكى هو أن رئيس الهيئة الذى قال هذه العبارة كان هو أول من يعلم أن محمود دياب ليس شيوعيًا، ولكن تلك كانت كلمة السر للقضاء على كل من يُراد القضاء عليه، على أن ما قاله رئيس الهيئة قد تحقق بحذافيره، اختفت من على خشبة المسرح أعمال محمود دياب وغيره من الأعلام، وحلت محلها أسماء كُتّاب لم يسمع بهم أحدٌ، ولم تكن أعمالهم تقنع جمهورًا للمسرح بل وجمهورًا من رياض الأطفال، وهكذا فجأة وبالأمر انصرف الجمهور وأظلمت أنوار المسرح الذى عرف من أواخر الخمسينيات وحتى مطلع السبعينيات فترة من أزهى عصور تحقق خلالها اللقاء المباشر بين المثقف والجمهور».

تحميل بهاء طاهر لعصر السادات المسئولية كاملة عما جرى من تراجع للثقافة ودور المثقفين يحتاج إلى مزيد من التفصيل، وهو ما لم يبخل علينا به فى الحقيقة.

يقول بهاء: «منذ أواخر الستينيات كان هناك جناح قوى فى السلطة الثقافية يعارض كل خطى التقدم للمجتمع، ويدافع عن استمرار الامتيازات القديمة، كان هذا الجناح يرى أيضًا مثل عباس الأول أن الشعب الجاهل أسلس قيادًا من الشعب المتعلم، فوجه ضرباته إلى المبدعين الحقيقيين الذين كانوا يؤيدون ثورة يوليو فى خطوطها العريضة، وإن انتقدوا بكل أمانة ما فيها من سلبيات ودفعوا ثمن ذلك، ثم أتيح لهذا الجناح الذى يدافع عن الجهل والفرفشة أن يكون مؤثرًا وفعالًا فى أوائل السبعينات، فشرع فى ممارسة مهمته المقدسة، ثم بإغلاق كل المجلات والمنابر الثقافية الحقيقية، وتم بالأمر استبعاد كل المبدعين الحقيقيين».

ويضيف: «كانت الحيلة والوسيلة فى معظم الأحيان هى اتهام هؤلاء الكُتّاب بالشيوعية من جانب أقوام ينتسبون للأدب زورًا، ظلت حرفتهم الوحيدة والمربحة هى توجيه الاتهام، وهكذا صودرت الثقافة فى مصر، وجاء وقت فى السبعينات كان من الممنوع فيه نشر أى أعمال لأهم كُتّاب مصر، بل ومن الممنوع مجرد ذكر أسمائهم فى الصحف أو الإشارة إليها، ومن هذه الأسماء التى مُنعت أمل دنقل ورجاء النقاش وألفريد فرج ومحمود دياب، والقائمة طويلة وتضم تقريبًا كل اسم له قيمة».

وفيما يبدو تبريرًا من جانب بهاء الذى كان من بين هؤلاء الكُتّاب الذين مُنعوا لما جرى، يقول: «تحتم على مبدعى مصر الحقيقيين أن يهاجروا بأقلامهم أو بأجسادهم ليكتبوا فى الصحف التى تصدر خارج مصر، والتى فتحت لهم أبوابها بكل ترحاب، وفى الداخل نشطت السلطة الثقافية وافتتحت مجلات ومنابر لم تجد من يشغلها بعد طرد الجميع باستثناء أشباه الكُتّاب، وعبثًا حاولت أن تنفخ فى هؤلاء الروح، ذلك أنهم برغم ارتفاع أصواتهم وصخبهم وافتعالهم للمعارك لم يكن لديهم ما يقولونه بالفعل غير أن يكفروا بالباطل أصحاب الأقلام، وأن يدفعوهم بقوة السلطة وبطشها إلى الهجرة، ومع ذلك فقد اكتشف الجمهور خواءهم، فأدار لهم ظهره وتركهم يصرخون فى البرية، وهكذا غاب عن الساحة من حملوا رسالة التنوير التى بدأها رفاعة الطهطاوى فى الزمن الأول، فخيم ظلام الفكر على مصر، وفى عصر مسرحيات الفرفشة والخواء الفكرى تقدم ليملأ الساحة تيار التكفير الإرهابى الذى سنح له الجو ليبيض ويفرخ بالفعل عنقاء رهيبة ما زالت تخيم بجناحها الأسود فوق الجميع».

بهاء طاهر فى اعتصام وزارة الثقافة عام ٢٠١٣
بهاء طاهر فى اعتصام وزارة الثقافة عام ٢٠١٣

يصف بهاء ما جرى بأنه خسارة حلت بالوطن حين استغنينا عن الثقافة وحين استبدلنا بالمثقفين أدعياء وبالفعل الفرفشة، فهل ندهش بعد هذا حين نرى ثقافتنا العامة وقد نكصت على عقبيها – أو كادت – إلى ما قبل عصر رفاعة؟ وهل ندهش حين نقرأ حنينًا شاعريًا إلى عصر الاستعمار التركى الأسود الذى خيم على مصر قرونًا «بما فيه خوزقة وتوسيط» لمجرد أن ما تلاه كان توجهًا نحو حضارة الغرب كما يقال؟ ما عاد أحد يذكر أن هذه الحضارة بعلومها وفنونها هى حضارة عصر بأكمله، وأنها ثمرة كل الحضارات السابقة عليها بما فى ذلك حضارتنا الإسلامية فى عصر ازدهارها، والتى نقل عنها الغرب أيام النهضة، ترى ماذا كانت أوروبا ستصبح لو أنها رفضت أن تنقل عن المسلمين علومهم وفنونهم لمجرد أنها حضارة الشرق؟ بل وهل ندهش حين تنشر إحدى الصحف قائمة بأسماء العلمانيين الذين يجب رفضهم ومحاربة أفكارهم وحين يتصدر هذه القائمة اسم رفاعة نفسه، ثم أسماء كل الكُتّاب المصريين من بعده تقريبًا؟ وهل ندهش أن نقرأ فى صحيفة لأستاذة جامعية محترمة هجومًا شنيعًا على الثورة الفرنسية التى وجهت العالم نحو شعارات الحرية والإخاء والمساواة كمثل عليا؟

يسأل بهاء بعد ذلك كله: «ما المخرج من هذا؟».

ويجيب: «لا أظننى أنافق أحدًا حين أقول إن ثمة بادرة أمل، لأننا نعيش الآن حرية فكرية حقيقية وغير مسبوقة، ولكننى لا أظن أيضًا أن مثقفينا ومبدعينا يفيدون كما يجب من هذه الحرية، فنحن ما زلنا أسرى لتقاليد المرحلة السابقة التى أرادت أن تأسر الأدب وأن تقيد تأثيره على المجتمع، وما زلنا نقبل بعزل الأدب والفكر فى معازل المجلات الأدبية المحدودة الانتشار والصفحات الأدبية والبرامج المرئية والمسموعة التى من آفاتها أيضًا أنها تتعالى على الجمهور بلغة الخطاب، ونحن ما زلنا نقع فى فخ تقسيم الأدب إلى أجيال تنتسب إلى عقود «الأربعينات والستينات والسبعينات»، وبهذا نكرس عزلة مصطنعة بين الأجيال، ونكرس انعدام الحوار فيما بينها، ونحن ما زلنا عاجزين عن إقامة المؤسسات الثقافية التى تعبر عن وجهنا الحقيقى، وما زلنا أيضًا نضع حسابات معقدة تجعلنا نكتب بحرية أكبر عندما ننشر فى مجلات الخارج وصحفه، ونراجع أنفسنا كثيرًا قبل أن نقول هذا الكلام الذى تمس الحاجة إليه فى الداخل».

ويختم بهاء رؤيته بقوله: «باختصار نحن ما زلنا أسرى تقاليد مرحلة الاستغناء عن الثقافة مع كل ما جرته من بلايا».

لن أتوقف هنا عند تحامل بهاء طاهر على الرئيس السادات وتحميله وحده مسئولية قطع خيط التنوير لصالح الجماعات الظلامية، ذلك لأكثر من سبب:

الأول أن الرئيس السادات يحمل عبئًا كبيرًا بالفعل فى هذه المسألة، والإنصاف يقتضى أن نقر بذلك، لكن المشكلة أن بهاء يحصر المسئولية فى عنق السادات وحده.

الثانى أن شهادة بهاء فى السادات مجروحة، فرغم تصريحه أكثر من مرة بأنه يتحدث عنه بتجرد ولا يتأثر بما جرى له خلال عصره، إلا أنه من الطبيعى أن تكون فى حلقه غصة، فقد كان من بين من مُنعوا وأُجبروا على الحياة فى المنفى لسنوات طويلة بسبب سياسات الرئيس السادات، ولا شك أن هذا ترك أثرًا كبيرًا فى نفس وقلب وعقل بهاء.. ولذلك يمكننا أن نتعامل مع مقاله على أنه رأى ليس مجردًا بنسبة مائة بالمائة.

الثالث أن بهاء فى حواراته الصحفية المختلفة لم يكن يحمل السادات وحده المسئولية، بل كان يضعها فى عنق عصر عبد الناصر أيضًا.

ومن بين ما قاله: «نكسة ٦٧ لعبت دورًا كبيرًا فى المد الدينى، فطوال الخمسينيات كان هناك زهو بالدولة المدنية وما حققته من إنجازات، ورغم أن الإخوان حاولوا جاهدين العمل فى هذه الفترة إلا أنه لم يكن من السهل ضرب الدولة المدنية فى مقتل، لأنه كان هناك نوع من الانحياز إلى الفكر التحررى، لكن نكسة ٦٧ قضت على هذا وكان رد الفعل الطبيعى أن يتجه الناس إلى الله ليطلبوا منه العون، وقد لاقى هذا صدى لدى أنصار الدولة الدينية».

البداية لدى بهاء نفسه من هنا إذن، لكن أنصار عبدالناصر الذين يأخذون من بهاء أيقونة لهم يلتفون حوله يخفون ما قاله عن مسئولية عصر عبدالناصر عن المد الدينى وتمهيد الطريق أمام الجماعات الدينية، ويكتفون بإبراز لومه للسادات.

على أية حال ليست هذه هى القضية الأساسية، فليس مهمًا الآن من المسئول، بقدر ما هو مهم دراسة ما بين أيدينا من مخلفات هذه الجماعات، وهو ما يستدعى سؤالًا واضحًا جدًا، فإذا كان هذا جهد أبناء رفاعة الذين ساهموا فى تحديث مصر، وقاوموا على قدر ما يستطيعون، فهل عقم فكر الرائد الأول للتنوير عن إنجاب أبناء جدد، أم أن المثقفين المصريين يستريحون الآن للجلوس فى مقاعد المتفرجين؟.

أعتقد أننا لكى ننهض فلا بد أن نبحث عن أبناء رفاعة الطهطاوى الجدد، لا نبحث عنهم فقط، بل نمكنهم من إكمال طريقهم.. فلا نهضة إلا بهذا الفكر.. ولا مستقبل إلا بهذه الروح.

اقرأ من الكتاب:

خلاصة ونتيجة.. كيف وصلنا إلى الإخوان؟