قبل أن ينفلت الحوار.. كيف نتحدث عن المستقبل السياسى لمصر؟
- أتمنى أن يتراجع الرئيس عن موقفه فهو لا يزال قادرًا على العمل والعطاء
بجرأته وشجاعته واتساقه مع نفسه أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى، عن أنه لا مساس بالدستور- فى إشارة إلى رغبته فى عدم تعديله- وأن فترة حكمه تنتهى فى ٢٠٣٠.
لم يفعل الرئيس ذلك مرة واحدة، بل ذكرها ثلاث مرات بشكل عام وعلنى.
المرة الأولى كانت فى الأكاديمية العسكرية فى الندوة التثقيفية الـ٤٤ احتفالًا بنصر أكتوبر، عندما أعلن عن أننا نحترم الدستور الذى قمنا بالتصويت عليه، وأنه لا مساس به، وأنه التزامًا بهذا الدستور سوف تنتهى فترة حكمه المقررة بحكم هذا الدستور فى ٢٠٣٠.
المرة الثانية كانت فى أكاديمية الشرطة على هامش نقاش أجراه مع بعض من السياسيين والمفكرين والصحفيين أثناء مأدبة إفطار بعد حضوره حفل تخرج دفعة جديدة من كلية الشرطة.
أبدى بعض الإعلاميين الذين تحدثوا مع الرئيس قلقهم من قراره بعدم الترشح لدورة رئاسية جديدة، وهو ما سيستلزم تعديل الدستور، لكن الرئيس أعلن عن تمسكه بقراره، وأنه لن يتراجع عنه.
كانت لدى الرئيس فى إصراره على قراره مرجعيتان.
الأولى دينية عندما قال إن الله يؤتى الملك لمن يشاء وينزع الملك ممن يشاء، وإن الله قدر له الحكم حتى ٢٠٣٠، وإذا فكر أحد فى تعديل الدستور لتمتد فترة حكمه أكثر من ذلك، فهو ينازع الله فى ملكه، وهو لا يريد أن يفعل ذلك.
والثانية سياسية عندما أشار إلى أنه لا يريد أن تتكرر أحداث سبقت، يمكن أن تدخل مصر فى دوامة لا أحد يريدها أو يتحملها، وساعتها لن نستطيع الحفاظ على ما حققناه خلال السنوات الماضية.
المرة الثالثة كانت فى الأكاديمية العسكرية فى حفل تخرج الدفعة الأولى من الأكاديمية، وكان الرئيس فيها أكثر وضوحًا وتحديدًا وإصرارًا على موقفه، فى رغبة منه ألا يراجعه أحد فيما انتواه ويريده، فهو مقتنع تمامًا أنه أدى كل ما عليه، وحان الوقت ليأتى رئيس آخر ليعمل ويكمل ما بدأته الدولة المصرية.
قبل أن ندخل إلى ساحة الاحتفال سألت مسئولًا كبيرًا سؤالًا واحدًا من كلمتين: وماذا بعد؟
قال لى: ما أعرفه أن الرئيس لديه رؤية كاملة.. وفى الغالب سيعلنها للناس حتى لا تكون هناك تكهنات أو افتراضات أو سيناريوهات لا أساس لها فى الواقع.
كان هذا ما فعله الرئيس بالفعل، ففى كلمته- التى يمكننا التعامل معها على أنها خارطة طريق جديدة للمستقبل- أشار إلى بعض ملامح رؤيته للمستقبل وتحديدًا فيمن سيحكم مصر.
قال الرئيس إنه ستكون هناك لجنة يتم تشكيلها من رئيس مجلس النواب ووزير التعليم العالى ووزير العدل، مع مجموعة من الخبراء والمتخصصين فى مختلف المجالات، تقوم هذه اللجنة على وضع معايير يتم بمقتضاها اختيار عدد تحدده هى للانتظام فى دورة تدريب وإعداد تستمر ثلاثين شهرًا فى الأكاديمية العسكرية تتحمل القوات المسلحة تكلفتها، على أن يكون الملتحقون بهذه الدورة من الحاصلين على درجة الدكتوراه من الجامعات المصرية أو الجامعات الأجنبية المرموقة.
بعد نهاية هذه الدورة ستكون بيننا كوادر قادرة على قيادة الدولة المصرية، يمكن أن يترشح من بينهم للرئاسة، ويكون منهم وزراء ومحافظون ومسئولون كبار فى الدولة.
لم يبدأ الحوار حول مستقبل مصر السياسى بعد إعلان الرئيس عن خارطة الطريق، بدأ من اللحظة الأولى التى أعلن فيها عن أنه سيلتزم بالدستور، وأن نهاية فترة حكمه ستكون فى ٢٠٣٠، ولكنه أصبح أكثر زخمًا بعد إعلانه عن تصوره فيما يخص الدورة التدريبية وما يخص المشتركين فيها.
عن نفسى كانت الرؤية واضحة أمامى تمامًا، فما قاله الرئيس لا لبس فيه أبدًا.
فسوف يكون من حق من ينتظمون فى هذه الدورة التدريبية الترشح فى انتخابات الرئاسة المقبلة فى ٢٠٣٠، سيكون لدينا «مرشح» من بينهم، لكنه لن يكون «المرشح» الوحيد، والفارق بين أن يكون هناك «مرشح» و«المرشح» كبير جدًا.
وجود مرشح معنى أنه سيكون من بين مرشحين آخرين، وهو ما يعنى أن التدريب فى الأكاديمية العسكرية سيكون مسارًا واحدًا من المسارات التى سيأتى منها المرشحون، والمسارات الأخرى مفهوم أنها ستكون من الأحزاب السياسية العاملة فى مصر وكذلك من بين المستقلين الذين يمكن أن يروا فى أنفسهم القدرة على قيادة الدولة خلال المرحلة المقبلة.
أما لو كان القادم من الأكاديمية العسكرية- كما تصور البعض خطأ- هو المرشح، فإننا بذلك نخالف الدستور، الذى سيحتاج إلى تعديل فى هذه الحالة، وطالما أن الرئيس قال إنه لا مساس بالدستور، فلا مكان لاحتمال تعديله من أجل إضافة شروط جديدة للترشح للرئاسة.
شرط الحصول على الدكتوراه الذى تحدث عنه الرئيس أيضًا سيكون لمن يلتحقون بدورة الأكاديمية العسكرية المؤهلة لمناصب الدولة العليا، وليس شرطًا للترشح للرئاسة، فمن حق أى مواطن أن يترشح للرئاسة طبقًا للشروط التى أقرها الدستور.
المادة ١٤١ من الدستور تحدد هذه الشروط، فيجب أن يكون المرشح لرئاسة الجمهورية مصريًا من أبوين مصريين، وألا يكون قد حمل أو أى من والديه أو زوجه جنسية دولة أخرى، وأن يكون متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، وأن يكون قد أدى الخدمة العسكرية أو أعفى منها قانونًا، وألا يقل عمره يوم فتح باب الترشح عن ٤٠ سنة ميلادية، ومن بين الشروط أيضًا أن يكون حاصلًا على مؤهل عالٍ، وألا يكون قد صدر ضده حكم فى جناية أو جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة حتى لو كان قد رد إليه اعتباره، كما يشترط أيضًا ألا يكون المرشح مصابًا بمرض بدنى أو ذهنى يؤثر على أدائه لمهام رئيس الجمهورية، مع تقديم تقرير طبى صادر عن الجهة التى تحددها الهيئة الوطنية للانتخابات لإثبات نتيجة الكشف الطبى.
السؤال الذى طرحته على نفسى، وأعتقد أن كثيرين راودهم هذا السؤال: لماذا فكر الرئيس فى تدريب من سيكون عليهم قيادة الدولة؟ لماذا وضع هذا الإطار؟ فإذا كان الرئيس قرر ألا يترشح مرة أخرى ويصر على ذلك، فلماذا لا يترك الأمر والدستور قادر على تنظيمه؟ لماذا يضع إطارًا معينًا يكون مسارًا من مسارات الترشح فى الانتخابات الرئاسية؟ كان يمكنه أن يعلن عن قراره ثم يترك الأمر يسير طبقًا لما تقتضيه متطلباته وضروراته؟
ما أعتقده وأثق فى أنه صحيح، أن الرئيس فعل ذلك انطلاقًا من مسئوليته عن الدولة المصرية، وهى مسئولية لا يستطيع أحد أن يشكك فيها.
لقد تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى رئاسة مصر فى ظرف صعب واستثنائى بكل المعايير والمقاييس، ولسنا فى حاجة للتدليل على ذلك، فقد عشنا هذه الفترة ونعرف ما كان فيها من تحديات، لقد كانت الدولة المصرية على شفا الانهيار وحافة السقوط، وكانت مهمة الرئيس هى استعادة الدولة المصرية مرة أخرى، وهو ما جرى، وبعد استعادته كان عليه تثبيتها، وهو ما جرى أيضًا، ثم كانت المهمة الثالثة هى الانطلاق بهذه الدولة من خلال أكبر عملية بناء وتنمية شهدتها مصر خلال عصرها الحديث.
تجربة الرئيس السيسى فى حكم مصر مختلفة بالفعل، كان يمكنه أن يكتفى بمواجهة الإرهاب الذى ضرب مصر بقوة بعد أحداث ٢٥ يناير، لكنه بالتوازى مع مواجهة الإرهاب قرر أن يبنى ويُعمر ويعيد مصر إلى رونقها وتألقها، وخلال ذلك أعاد لمصر دورها الدولى والإقليمى من خلال نسج علاقات خارجية، تم تتويجها بزيارة الرئيس دول آسيا الثلاث «كوريا وماليزيا وإندونيسيا».. وهى الزيارة التى بدا فيها كيف يتم استقبال مصر وكيف يتم تقدير رئيسها.
هذه التجربة أورثت الرئيس عبدالفتاح السيسى قناعة راسخة بأن هذه الدولة لا بد من الحفاظ عليها، ولأنه بحكم التجربة والواقع والعطاءات المميزة ليس مجرد رئيس، ولكنه زعيم بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات وتجليات، فهو ومن واقع هذه الخبرة والمسئولية يشارك فى الحوار حول مستقبل مصر السياسى بما يضمن الحفاظ على الدولة، وعدم إهدار ما جرى على يديه.
عندما يشارك الرئيس فى هذا الحوار، فهو لا يفرض أى وصاية من أى نوع.
لقد اعتقد البعض أن الرئيس عندما تعمد خلال كلمته فى حفل تخرج الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية قراءة المادة ٢٠٠ من الدستور، والتى تقول: القوات المسلحة ملك للشعب، ومهمتها حماية البلاد، والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، وصون الدستور، والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة وبنيتها المدنية، ومكتسبات الشعب وحقوق وحريات الأفراد، كان يحاول أن يضع القوات المسلحة فوق المؤسسات، أو أنه كان يفرض وصاية المؤسسة العسكرية على الدولة كلها.
هذا تفسير خاطئ تمامًا، ولا أساس له من الصحة أو ظل له فى الواقع.
فهذا هو الدستور الذى وافق عليه المصريون، والقوات المسلحة بهذه الصلاحيات تلعب دور الحامى والضامن لمدنية الدولة والحفاظ على مكتسبات الشعب، وذلك حتى لا يتكرر ما جرى على يد جماعة الإخوان عندما وصلت إلى الحكم، فقد أرادت أن تغير هوية الدولة وتعبث بثوابتها، وهو ما كان لا بد له من رد، ولما لم يكن هذا النص موجودًا فى الدستور، فقد اضطر الشعب لأن يقوم بهذه المهمة بنفسه عندما نزل بالملايين إلى الميادين ليحمى هوية الدولة من عبث الجماعة الإرهابية.
انطلاقًا من هذه المسئولية وضع الرئيس بوصفه قائدًا أعلى للقوات المسلحة هذا المسار الذى تحقق به القوات المسلحة المادة ٢٠٠ من الدستور، لكن هذا لا يعنى أنه المسار الوحيد، ولكنه المسار الذى تفضله أو تنصح به المؤسسة العسكرية، على وعد بأنها ستقوم بدورها إذا ما جاء رئيس للجمهورية من مسار آخر، والمسارات كثيرة ومتعددة.
الحوار حول مستقبل مصر السياسى من قِبل الرئيس عبدالفتاح السيسى وكذلك من قبل القوات المسلحة واضح وصريح ومحدد، لمن يريد أن يفهم، لكن المؤسف أن الحوار خارج هذه الدائرة لم يكن على مستوى الحدث الكبير الذى شهدته مصر على هامش إعلان الرئيس عن نهاية فترة حكمه فى ٢٠٣٠.
لقد كانت الأقدار متصالحة تمامًا مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، فقد دخل إلى الحكم بمجد المنقذ للدولة من إرهاب الإخوان والمنحاز إلى الشعب ضد من أرادوا له وبه الشر، وها هو يقرر أن يغادر هذا الحكم بمجد جديد، فهو أول رئيس مصرى يقرر أن يترك الحكم، معلنًا عن تداول حقيقى للسلطة.
إنه وبقناعة تامة يدخل بمصر إلى ساحة جديدة كانت خارج السيناريوهات جميعها، وأعتقد أنه بما يملكه من زخم وخبرة وتجربة وإخلاص كامل للدولة المصرية، كان هو الوحيد القادر على فعل ذلك.
ينقلنا هذا إلى المجال العام والحوار الذى دار بعد إعلان الرئيس.. وما لاحظته أن هناك حالة من انفلات الحوار أتمنى ألا تستمر.
لقد كانت هناك حالة من التربص لدى القوى السياسية الموجودة فى مصر، كانت تتحسب لمسألة تعديل الدستور، وتجهز نفسها لمقاومة ذلك ومواجهته، فإذا بالرئيس يعلن عن أنه لا تعديل للدستور ولا مساس به، ناقلًا بذلك هذه القوى السياسية إلى مساحة جديدة تمامًا، أعتقد أنها لم تتوقعها أو تستعد لها أو تعمل لها حسابًا.
الآن على القوى السياسية أن تجهز نفسها، أن تستعد للمرحلة الجديدة، لقد ظلت هذه القوى لسنوات طويلة تطرح رؤى نظرية حول حكم مصر وإدارتها، وقد جاءت الفرصة لتقنع الشعب أنها يمكن أن تمثل بديلًا صالحًا لقيادة الدولة والحفاظ عليه.
ما تابعته من حوارات ونقاشات آتية من هذه القوى يخبرنى بأن المسافة بعيدة جدًا، وأن هذه القوى أنفقت وقتها كله فى الاعتراض دون أن تكون لديها فرصة لتكوين كوادر يمكن أن تكون قادرة على القيادة.
إننى لا أصادر على أحد حقه، لكن ما نراه أمامنا لا يبشر بخير، أحدهم ذكر مرشحين يصلحون كرؤساء لمصر، وقد أثار حديثه سخرية هائلة على شبكات التواصل الاجتماعى، بما يعنى أن الناس أصبحت قادرة على الفرز ومعرفة من يصلح ومن لا يصلح، وهو ما يستدعى أن تعيد القوى السياسية النظر فيما تقوله أو تعلنه، فالجميع الآن تحت نظر الشعب وتقييمه.
إننا نريد حوارًا جادًا حول مستقبل مصر السياسى، حوارًا يليق بمرحلة جديدة، يضع فى اعتباره جيدًا أهمية أن يكون المرشح لرئاسة مصر قادرًا على الحفاظ على الدولة والمضى بها إلى الأمام، فحكم الدول ليس بالكلام المرتب كما قال الرئيس، ولكنه بالرؤية الواضحة والعمل الجاد والأدوات المكتملة، وغير ذلك فإننا نكون قد دخلنا مرحلة الهزل، والدول لا تُبنى أبدًا بالهزل.

سألنى صديق عن رأيى فيما أعلنه الرئيس من أنه سينهى فترة حكمه فى ٢٠٣٠؟
- قلت له وهذا هو رأيى الذى أعلنه بقناعة تامة: أنا أقدر تمامًا ما أعلنه الرئيس وأعتبره من تمام زعامته التى سيذكرها التاريخ ويخلدها، لكننى فى الوقت نفسه أتمنى أن يتراجع الرئيس عن موقفه، فهو لا يزال قادرًا على العمل والعطاء، وهو ما يجب أن نستغله ونستفيد به، فأنا أنتمى لمشروع دولة ٣٠ يونيو الذى قاده الزعيم عبدالفتاح السيسى باقتدار وجدارة، وأرجو أن يكون بيننا طالما أنه قادر على العطاء، حتى لو اقتضى ذلك تعديل الدستور، فالدستور ليس كلامًا مقدسًا، بل يمكن النظر فيه بما تقتضيه المصلحة الوطنية.. والمصلحة الوطنية تحتم أن يظل الرئيس بيننا ما دام قادرًا على مواصلة عمله.. هذا رأيى الذى أتبناه بقناعة تامة، وإن كان هذا لا يدفعنى إلى نقد آراء الآخرين أو رفضها أو مهاجمتها.. فبالحوار نعيش.. وبتعدد الآراء نستمر.







