الخميس 15 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الرضاعة الحرام.. عن الذى لا يعرفه جيل «Z» الإخوانى

حرف

- خلقت الجماعة جيلًا يعانى اضطرابًا نفسيًا وخللًا عقليًا 

لستم فى حاجة إلى معرفة أن المواليد بين العامين ١٩٩٧ و٢٠١٢ يُطلق عليهم جيل «z»، والمواليد بين العامين ٢٠١٣ و٢٠٢٤ يُطلق عليهم جيل «Alpha».. فقد أصبح ذلك من المعلوم لديكم بالضرورة. 

ولستم فى حاجة إلى معرفة أن هناك الآن جيلين من أبناء الجماعة الإرهابية، من بينهم كثيرون لم يكونوا فى مرحلة الوعى، بحيث يدركون بأنفسهم أحداث ما جرى فى ثورة ٢٠١٣، وما ترتب عليها من طرد جماعتهم التى ينتمون إليها، ليس من مقاعد السلطة فى مصر فقط، ولكن من الوجدان المصرى بشكل يكاد يكون كاملًا. 

وهنا يأتى السؤال الذى لا بد أن نحسن الإجابة عنه، وهو: ما الذى يعرفه أبناء هذين الجيلين عما جرى؟ ما المعلومات التى وصلتهم؟ وكيف حصلوا عليها؟ وما الصورة التى تكونت لديهم؟ وما المتوقع منهم تجاه مصر التى من المفروض أنها وطنهم؟ وهل يعتبرونها بالفعل وطنهم؟ أم أنهم يتعاملون معها تعامل الجماعة التى تضع نفسها فوق الدولة وفوق المجتمع؟ فمصلحة التنظيم لديهم تسبق مصلحة الوطن. 

قد تكون الإجابة عن هذه الأسئلة سهلة جدًا، إذا تصفحتم بسرعة، وبشكل عابر، المنصات التى تم تدشينها خلال الأشهر الماضية باسم جيل «z»، والتى يدعون من خلالها إلى هز استقرار الدولة المصرية، من خلال خطاب عنيف إرهابى وتحريضى يفتقد إلى أى عقل أو منطق، ويعكس بين ما يعكس حالة من الاضطراب النفسى تصل إلى مرحلة الخلل العقلى. 

تراكمت أمامى هذه الأسئلة بعد واقعة سفارة مصر فى هولندا الأخيرة. 

ولمن لا يعرف ما حدث هناك، يمكننى أن أشير إلى أن الناشط الإخوانى المنفلت أنس حبيب كان قد توجه إلى سفارة مصر فى هولندا محتجًا وسابًا ولاعنًا ومتعرضًا لطاقم السفارة هناك، وكان المشهد لافتًا، حيث وقف إلى جواره أفراد من الأمن الهولندى فى سلبية تامة، حيث يتعرض طاقم السفارة، كما تتعرض السفارة نفسها، لاعتداء واضح وسافر من شاب سليط اللسان عديم الأخلاق. 

فى أدبيات القانون الدولى، تستند حماية السفارات والبعثات الدبلوماسية إلى اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الصادرة فى العام ١٩٦١. 

تنص قواعد هذه الاتفاقية على حرمة المقر الدبلوماسى، المادة ٢٢ منها تقول إن مبانى البعثة مصونة، ولا يجوز لموظفى الدولة المضيفة دخولها إلا بموافقة رئيس البعثة، كما تلتزم الدولة المضيفة بالحماية، حيث يقع على عاتقها واجب خاص لاتخاذ كل التدابير المناسبة لحماية مبنى البعثة من أى اقتحام أو ضرر أو إخلال بالأمن أو المساس بالكرامة، وتعتبر حماية البعثات الدبلوماسية التزامًا دوليًا ملزمًا، وليست إجراء اختياريًا يخضع للحسابات السياسية. 

قولًا واحدًا خالفت الحكومة الهولندية نصوص اتفاقية فيينا، لم تقم بواجبها المفروض والمطلوب الذى ينص عليه القانون تجاه مقر البعثة المصرية هناك، كما لم توفر الحماية لأفراد البعثة، حيث تعرضوا على يد الشاب الإخوانى المنفلت إلى المساس بكرامتهم. 

وقولًا واحدًا أثبتت الحكومة الهولندية أنها تكيل بمكيالين، فبعد أيام من محاولة أنس حبيب اقتحام السفارة المصرية والاعتداء على طاقمها الدبلوماسى والإضرار به، حاول بعض المصريين تنظيم وقفة تضامنية مع طاقم السفارة، جاءوا من دول مختلفة من أوروبا، وقبل الوقفة ألقى الأمن الهولندى القبض على الشاب المصرى أحمد ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج، المشارك فى الوقفة، دون أن تعلن سببًا قانونيًا واضحًا لذلك. 

والسؤال: ما الذى دفع أجهزة الدولة الهولندية إلى التصرف بهذه الطريقة التى تحمل وجهين متناقضين تمامًا؟ 

فهى مرة تتسامح مع الشاب الإخوانى، تمنحه الفرصة كاملة لأن يأتى بأفعال شائنة ضد السفارة المصرية، تقف متفرجة عليه، وكأنها تبارك ما يقوم به وتدعمه وتشجعه عليه. 

ومرة ثانية تتعنت مع شاب مصرى حاول، من خلال وقفة سلمية قام بتنظيمها، رد العدوان عن السفارة المصرية، من خلال رسالة واضحة لطاقهما بأنه ليس وحده، ولكن هناك من يرفض ما يحدث معهم، خاصة أن تصرف أنس حبيب لم يكن الأول، بل فعل ذلك أكثر من مرة وبنفس الوقاحة والانحطاط. 

قد يكون لدى الحكومة الهولندية ما تقوله، رغم أن ما يمكن أن تدافع به عن نفسها لن يكون مبررًا لدى الحكومة المصرية التى تحركت، وطالبت من خلال وزير خارجيتها، الدكتور بدر عبدالعاطى، الذى تواصل مع وزير خارجية هولندا، بإيضاح لما جرى مع أحمد ناصر، ومؤكدة ضرورة الإفراج عنه. 

موقف هولندا، حتى الآن، مؤسف ومرتبك فى آن واحد، فمهما كان ما لديها، فإنها بالنسبة لنا توفر حماية لإرهابى، ولا أشك لحظة فى أنها تعرف الجماعة التى ينتمى إليها، وكيف تنظر إليها مصر على أنها جماعة إرهابية، لكنها تحاول أن تتعامل مع الموقف بالفلسفة الأوروبية التى تطنطن كثيرًا بما تقول عنه إنه حرية رأى وتعبير، ما يجعلها ترى أن ما يفعله أنس حبيب هو بعض من حرية التعبير عن رأيه وموقفه، وأنها لا يمكن أن تحول بينه وبين ما يريد أن يفعله. 

ولو فرضنا أن هذه هى حجة هولندا، فالسؤال يظل قائمًا: لماذا منحت أنس حبيب الشاب الإخوانى المنفلت حرية الفعل وحمته ودعمته، وفى الوقت نفسه حجبت نفس الحق عن أحمد ناصر؟ 

السؤال سيظل معلقًا برقبة الحكومة الهولندية ولا بد أن تجيب عنه، إذا كانت تهمها علاقتها بمصر وشعبها. 

أقول شعبها، ولا أقول الدولة المصرية الرسمية، لأن ما فعلته هولندا فى الحقيقة تسبب فى هز صورتها لدى الشعب المصرى الذى تحرك أفراد منه، ونظموا وقفة احتجاجية أمام السفارة الهولندية بالقاهرة، رافضين ما جرى أمام السفارة المصرية فى هولندا، ومحملين الدولة الأوروبية المسئولية كاملة، بل واصفين إياها بأنها دولة تحمى الإرهابيين، ولا أدرى كيف كان وقع هذا الاتهام على المسئولين فى هولندا؟ 

لقد حاول البعض تشويه الوقفة الاحتجاجية المصرية أمام السفارة الهولندية بالقاهرة، فقالوا مرة إنها مدفوعة، وقالوا مرة إن هؤلاء مجموعة من المواطنين الشرفاء- وقد تحولت الكلمة لديهم إلى تهمة- الذين لم يتحركوا من تلقاء أنفسهم، لا يعبرون إلا عن أنفسهم، لكن من قالوا هذا الكلام غير المسئول ولا الحقيقى لم يلتفتوا إلى حالة الاحتفاء الشعبية الكبيرة بهذا التصرف، الذى يثبت به الشعب المصرى موقفه الواضح، والذى لا يحتمل لبسًا مما فعلته الحكومة الهولندية، وكأنى بالجميع كانوا يريدون أن ينضموا إلى هذه الوقفة. 

لقد وصلت الرسالة بوضوح إلى الحكومة الهولندية، وهى رسالة شعبية، وأعتقد أنها يجب أنها تضعها فى اعتبارها، فالشعب هنا هو الذى يتحدث، وليس الحكومة المصرية وحدها. 

ما يشغلنى أكثر هو ما فعله الشاب الإخوانى المنفلت الذى تضعه الجماعة الإرهابية على رأس حركة جيل» z» الإخوانى، ويصدرونه على أنه الوجه الذى يقودها، وذلك ليس لخطورة الفعل نفسه، فقد أفسد الشباب المصرى عليه ما يخطط له قبل ذلك، وهم قادرون فى كل مرة على أن يفعلوا ذلك، ولكن الخطورة تكمن فيما يحمله هذا الشاب من أفكار، وفيما يحمله رفاقه من تصورات عن الوطن وعن الصراع مع جماعتهم. 

مثل أنس حبيب كثيرون كانوا مجرد أطفال صغار فى أحداث ٢٠١١ وثورة ٢٠١٣، لم يكونوا فى مرحلة الوعى التى يمكن أن تساعدهم فى تكوين رأى خاص بهم، ولو تمكنوا من ذلك أعتقد أنهم ما كانوا ليبقوا يومًا واحدًا فى صفوف جماعتهم الإرهابية. 

والشاهد عندى فى ذلك أن آلافًا من الشباب الذين كانوا ينتمون إلى جماعة الإخوان وكانوا فى مرحلة الوعى والإدراك عندما وقفوا على ما فعلته الجماعة خلال ٢٠١١ وما تبعها من أحداث، وراقبوا أداءها بعد وصولها السلطة فى ٢٠١٢، قرروا أن يتركوا الجماعة غير آسفين عليها، فقد خذلتهم وظهرت أمامهم على حقيقتها، جماعة غير وطنية، تأخذ من الدين سُلمًا للصعود إلى السلطة، وبعد أن حققت ذلك لم يعد للدين عندها مكان. 

مَن يتشككون فى ذلك يمكنهم أن يراجعوا فقط أرشيف الصحف واليوتيوب وصفحات هؤلاء الإخوان السابقين الشخصية على منصات التواصل الاجتماعى؛ ليعرفوا عن قرب لماذا ترك كل هؤلاء جماعتهم، وتحولوا إلى أكبر الناقدين لها، والرافضين لما تفعله، والمحذرين للآخرين من الانزلاق إلى مستنقع الجماعة.. فهم يعتبرون أن ما كانوا فيه كان مستنقعًا عفنًا بالفعل. 

الجيل الذى ينتمى إليه أنس حبيب وكل مَن يسيرون على طريقه خرجوا إلى الدنيا، فوجدوا الجماعة مطرودة وملعونة ومستبعدة ومشردة ومشتتة ومحاصرة من الشعب المصرى بحقيقتها، لكن الجماعة تلقفتهم، ربتهم على عينها، زرعت فيهم كل ما يجعلهم كارهين لمصر وأهلها وشعبها ومسئوليها ومؤسساتها، لم يتمكنوا من أن يبحثوا بأنفسهم، أو يكونوا صورة لما حدث من خلال ما يعرفونه، تركوا أنفسهم لآخرين لديهم ثأر واضح مع مصر وأهلها، ولأن الرغبة فى الثأر لا تخلّف وراءها إلا الحقد والكراهية والضغينة، فقد رضع هذا الجيل من صدر الجماعة كل الحقد والكراهية والضغينة التى تمكنت منها خلال السنوات الماضية لكل ما يرمز إلى مصر. 

لقد خلقت الجماعة جيلًا مشوهًا تمامًا، وبسبب هذا التشويه كان طبيعيًا أن يخرج لنا جيل يعانى اضطرابًا نفسيًا وخللًا عقليًا، يقوده إلى أن يفعل أى شىء، فهو يعتقد أنه على حق، ولذلك لا يتردد فى أن يفعل كل ما يُطلب منه من جماعة لا تعرف إلا السمع والطاعة. 

إن تنشئة الإخوان لهذا الجيل على هذه الشاكلة جريمة أخرى يمكن أن نضيفها إلى جرائم الإخوان الكثيرة التى ارتكبتها فى حق الوطن، فقد أخرجت لنا كائنات مشوهة غير عاقلة، عابثة لا تدرك قيمة لوطن أو تحترم شعبًا. كل همهم هو الانتقام، وإذا حاصرتهم بوضوح وسألتهم: ممن ينتقمون؟ ولماذا؟ أغلب الظن ستجدهم يدخلون بك إلى حالة من الهزيان التى لا عقل فيها، فهم لا يملكون خطابًا متماسكًا. 

حاول، ولو بشكل عابر، أن تستمع إلى أمثال أنس حبيب من الشباب الصغار، ستجدهم يرددون كلام قيادات الجماعة، ويروجون لما تنشره قنواتها، يسهمون فى تعميمه عبر عملهم فى اللجان الإخوانية، دون أن يتأملوه أو يفكروا فيه، فهم يقولونه لأن الجماعة تريدهم أن يفعلوا ذلك. 

إن الخامة التى تتشكل منها الأجيال الجديدة خامة عبقرية، لعبت التكنولوجيا الدور الأهم والأكبر فى تنشئتهم، مصادر المعرفة لديهم أكبر وأكثر تنوعًا من الأجيال التى سبقتهم، لديهم سماتهم الخاصة التى تجعلهم أكثر انفتاحًا من غيرهم، لكن الجماعة قررت أن تصادر شبابها إلى ما تريده، ولذلك كان طبيعيًا أن يصبح هذا الجيل داخل الجماعة أقرب إلى «الزومبى»، فهم يتجهون إلى تحقيق هدف يريده لهم الآخرون، يفعلون ذلك دون عقل ولا تفكير ولا محاولة لمراجعة الذات. 

تابع الشباب الإخوانى ستجدهم قلقين ومتوترين وعصبيين بأكثر مما ينبغى، وهى سمات كلها تترجم عملية التربية الموجهة التى تربوا بها، فلم ينشأوا فى بيئة طبيعية، ولكنها بيئة تسيطر عليها الكراهية والحقد والرغبة فى الانتقام وسفك الدماء والعنف والتخريب ونشر الفوضى. 

من سنوات وأنا أقول إن هذا الجيل هو الأخطر فى تاريخ جماعة الإخوان، من سنوات وأنا أحذر من الوحش الذى تربيه الجماعة فى حجرها، وستدفع به فى وجوهنا حتى تُشبع نهمها فى شرب دمائنا ورغبتها فى تدمير كل شىء لأنها خرجت من المعادلة. 

عندما ظهر رفاق أنس حبيب- وأنا أكرر اسمه هنا ليس لأهميته، ولكن لأنه يرمز لكل ما هو قبيح فى هذا الجيل- تأكدت أن الجماعة نجحت فى مهمتها، أو لأقول فى جريمتها الجديدة، فقد خرجت من أعشاشها هذه الفراخ المحشوة بالقنابل التى ستنفجر فينا، وبالرصاص الذى يستهدف صدورنا. 

هؤلاء الشباب الذين شوهتهم الجماعة لا أمل فيهم على الإطلاق، من الصعب التفاهم معهم لأنهم تعرضوا لأكبر عملية غسيل مخ فى التاريخ، ولن يستطيعوا أن ينجوا منها أبدًا، ما يستوجب أن نفكر فيما يجب أن نفعله معهم لوقف نمو أفكارهم وعدم تأثيرها على ما يقابلهم من أجيال الشباب الذين لا ينتمون إلى الجماعة، وبالكاد يعيشون فى مصر منصرفين عن الحياة السياسية، وهؤلاء يمكن أن يتعرضوا إلى أفكار هذا الجيل الإخوانى المشوه. 

إننى مطمئن إلى أن هناك جيلًا من الشباب على درجة عالية من الوعى بوطنه وقضاياه وتحدياته، وقد جلست إلى كثيرين منهم، وقدرت فيهم هذه الدرجة العالية من النضج الوطنى، لكننى أتحدث عمن هم خارج دائرة هذا النضج، هؤلاء الذين يمكن أن نجدهم منجذبين فى لحظة إلى دائرة عصابة أنس حبيب، وكل من على شاكلته. 

أعتقد أن لدينا مهمة كبيرة فى تحصين شبابنا، الالتفات الحقيقى لهم بعيدًا عن العبارات الإنشائية والخطابية الفخمة التى لا تحمل معنى ولا فكرة، فإذا كانت الجماعة حرصت على إرضاع شبابها كل هذه الكراهية لتحولهم إلى سيوف يطعنون بها الوطن، فلا أقل من أن نقوم بإعداد شبابنا ليكونوا دروعًا تصد هذه السيوف وتبطل مفعولها. 

إن لم نفعل ذلك فلن يكون هناك مستقبل تنعم فيه مصر بالاستقرار والأمن.. وأعتقد أنه لا أحد يريد هذا لوطن من حقه أن يستقر بعد كل هذه المعاناة.