الجمعة 23 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

أنا وقوت القلوب الدمرداشية.. رحلة العودة إلى العربية

حرف

- كانت ترجمتى لـ«رمزة.. ابنة الحريم» فى يوليو 1999 أول أبواب دخولى إلى عالمها

- «زنوبة» فتحت أمامى بابًا آخر تتجمع عنده أسئلة الزواج والأمومة ومكانة المرأة داخل البيت

لبعض الكتب طريقة غريبة فى الوصول إلينا؛ ندخل مكتبة، فتقع أعيننا على عنوان لم نبحث عنه، ونحمله معنا دون أن نعرف أنه سيقيم فى وجداننا سنوات، ويصلنا بأشخاص وأماكن، ويفتح فى حياتنا بابًا لم يكن فى الحسبان. هكذا بدأت رحلتى مع قوت القلوب الدمرداشية، فى مكتبة بوسط مدينة ميونيخ عام 1995.

وقعت بين يدىّ النسخة الألمانية من رواية «رمزة- ابنة الحريم». يومها لم يكن اسم المؤلفة هو الذى استوقفنى، وإنما ملصق وضعته دار النشر على الكتاب يحمل اسم السيدة جيهان السادات. أثار الاسم فضولى لصلته بتجربة سابقة فى عملى؛ فقد أشرفت عام 1989 على إنتاج فيلم وثائقى عنها بعنوان «سيدة من مصر»، لحساب برنامج تليفزيونى نمساوى اسمه «كتاب الشهر».

كان البرنامج يختار كتابًا، ويسلط الضوء عليه من خلال لقاء مع مؤلفه، يصاحبه فيلم تسجيلى عن أحوال البلد الذى ينتمى إليه وعالمه الاجتماعى والإنسانى. ومن خلال ذلك العمل عرفت السيدة جيهان السادات، فدفعنى ظهور اسمها على الرواية إلى اقتنائها، ورغبت فى معرفة الصلة بينها وبين صاحبة الكتاب.

بعد عودتى إلى مصر اتصلت بها، وسألتها عن قوت القلوب، فنفت أن تكون قد عرفتها معرفة شخصية. بقى السؤال معلقًا، لكن الرواية كانت تنتظرنى. وحين بدأت قراءتها، استغرقتنى حتى لم أتركها إلا بعد أن أتممتها كاملة.

كان اسم على الغلاف قد قادنى إلى شراء الكتاب، ثم تولت الحكاية نفسها أمر البقاء معى.

استمتعت بالرواية، وأدهشنى ذلك العالم المصرى الذى أقرؤه بالألمانية: النساء والبيوت، والعلاقات التى تحكمها الأعراف، والرغبات التى تبحث عن سبيل إلى التعبير، وتفاصيل الحياة التى أعرف أصداءها فى الذاكرة والوجدان. شعرت برغبة قوية فى أن يصل هذا العالم إلى القارئ العربى، وقررت أن أترجم «رمزة».

أرسلت فاكسًا إلى دار النشر الألمانية، أطلب معلومات عن حقوق الترجمة، وما نُشر عن الرواية، وأسأل كذلك عن علاقة جيهان السادات بقوت القلوب. وفوجئت بأن الدار لم تكن لديها معلومات عن هذه العلاقة. وفهمت من ذلك أن حضور الاسم على الملصق كان لأغراض الترويج للكتاب. غير أن ما بدأ وسيلة دعائية قادنى إلى تجربة أدبية وإنسانية امتدت سنوات.

وأرسلت إلىّ دار النشر بيانات صاحب حقوق الترجمة، الدكتور محسن الدمرداش. عندئذٍ عرفت أنه ابن قوت القلوب، وأنه طبيب متخصص فى الغدد، يقيم فى فرنسا. تواصلنا واتفقنا على اللقاء، ثم توالت اللقاءات، واتسعت معها معرفتى بالكاتبة وأسرتها.

عرفت شقيقه الدكتور المهندس أحمد، الذى كان يقيم وحيدًا فى بيت العائلة بالعباسية، ويتولى مشيخة الطريقة الدمرداشية. ثم التقيت شقيقتهما السيدة زينب، التى كانت قد تزوجت من الصحفى المرموق على أمين.

وهكذا أخذ الاسم المطبوع على الغلاف يكتسب وجوهًا وأصواتًا وذكريات. أصبحت أقترب من عالم قوت القلوب عبر أبنائها، وأستمع إلى ما بقى فى ذاكرتهم من حياتها. وكانت لكل مقابلة قدرتها على فتح نافذة جديدة، وإثارة سؤال آخر، وتقريب المسافة بين الكاتبة التى أقرأها والإنسانة التى تحضر فى حديث أسرتها.

كلما استعدت هذه البداية، تأملت كيف ساقتنى الأقدار إلى الرواية: مكتبة فى ميونيخ، وملصق يحمل اسمًا أعرفه، ومكالمة فى القاهرة، ثم قراءة لم أستطع التوقف عنها، وفاكس قادنى إلى ابن الكاتبة. لم أكن أعرف وأنا أشترى الكتاب أننى أخطو أولى خطوات هذه الرحلة.

صدرت ترجمتى لـ«رمزة.. ابنة الحريم» فى يوليو ١٩٩٩، ضمن سلسلة «روايات الهلال»، ثم تبعتها «زنوبة» فى نوفمبر ٢٠٠٠، وبين هذين التاريخين، وما سبقهما من عمل، عشت صحبة طويلة مع شخصيات قوت القلوب وأجوائها، ومع الأسئلة التى تطرحها الترجمة فى كل صفحة.

كانت «رمزة» أول أبواب دخولى إلى عالمها. جذبتنى فيها حياة النساء خلف أبواب البيوت الكبيرة، حيث تخفى مظاهر الثراء تفاوتًا عميقًا فى المكانة والقدرة على الاختيار. ومع توالى الصفحات تتكشف العلاقات التى تنظم هذا العالم: سلطة الأب، ومكانة الزوجة، ومصائر الجوارى، وحدود الحركة المسموح بها لكل امرأة.

وتمنح الرواية مساحة لتفاصيل تجارة الجوارى وشرائهن وعرضهن وفحصهن؛ وهى صفحات ثقيلة بما تكشفه عن تحويل الإنسان إلى موضوع للمساومة والتقدير. يتأمل القارئ كيف يُختزل مصير امرأة فى عمرها وملامحها وما يُنتظر منها، بينما تبقى حياتها الداخلية، بما تحمله من خوف ورغبات وذكريات، بعيدة عن حسابات من يقررون مستقبلها. وقد استوقفتنى هذه الصفحات طويلًا أثناء الترجمة؛ إذ كان علىّ أن أنقل قسوة المشهد بالدقة التى تمنحه أثره، دون أن أضيف إليه ما يغنيه النص عن قوله.

ومن داخل هذا العالم تتشكل شخصية «رمزة»، ويكبر سؤالها عن حقها فى أن تختار حياتها. شدّتنى قدرتها على القلق والسؤال والمواجهة، حتى وهى تتحرك فى مجتمع يملك إجابات جاهزة عما ينبغى للمرأة أن تفعله. وحين تتصل حكايتها بماهر، وتنتقل علاقتهما إلى ساحة القضاء، تتسع الرواية لتكشف أثر الأعراف والسلطة العائلية والقانون فى علاقة تبدو، فى بدايتها، شأنًا بين شخصين.

وفى فصل «القضية»، يتابع القارئ مسار رمزة وماهر أمام المحكمة، وصولًا إلى الحكم ببطلان الزواج. هنا تبلغ الحكاية إحدى أكثر لحظاتها إيلامًا؛ فما عاشته الشخصية تجربةً ورغبةً واختيارًا يصبح موضوعًا للمرافعات والأحكام. وكنت أقرأ هذه الصفحات وأنا أفكر فى المسافة بين ما يشعر به الإنسان فى داخله وما يملك أن يقرره لنفسه فى واقعه.

أما «زنوبة» فقد فتحت أمامى بابًا آخر، تتجمع عنده أسئلة الزواج والأمومة ومكانة المرأة داخل البيت. فى عالم الرواية يصبح الإنجاب شأنًا تتدخل فيه الأسرة وتراقبه العيون، وتُحمَّل المرأة تبعات الانتظار والخوف وخيبة الأمل. وتتردد عبارة «الويل لمن لم ينجب»، كأنها تلخص ضغطًا يلاحق الشخصيات، ويجعل حياتها معلقة بقدوم طفل.

وتحيط بزنوبة شخصيات تحمل كل منها تاريخًا مختلفًا من الاقتلاع والانتماء؛ نرجس الإثيوبية التى اشتُريت من سوق الجوارى، وجوليسار الشركسية التى جاءت من إسطنبول. ومن خلال وجودهما، تتسع صورة البيت المصرى لتكشف عن نساء وصلن إليه من أماكن بعيدة، وحملن معهن ملامح أوطانهن، ثم وجدن أنفسهن داخل علاقات تحدد لهن أدوارًا ومصائر جديدة.

وتزداد وطأة هذا العالم مع شخصية عبدالمجيد وتعدد زيجاته، ومع ما يحيط بالحمل والولادة من توقعات وتدخلات. وتبلغ القسوة مداها فى تدبير ما شاء الله إجهاض حمل زنوبة؛ إذ يصبح جسد المرأة موضعًا لصراع تتداخل فيه المصالح والمخاوف والسلطة. وقد احتاجت هذه الصفحات منى إلى عناية خاصة، حتى تصل مأساتها إلى القارئ من خلال دقة العبارة وحركة المشهد.

ومن أكثر ما منح «زنوبة» حضورها فى نفسى تلك التفاصيل التى تنسج الحياة اليومية: أصوات الندابات، وطعام العزاء، وطقوس الزواج، والخيط الذى تلفه امرأة حول المقص، والأغانى المرتبطة بميلاد البنات. تبدو هذه الجزئيات صغيرة حين تُذكر منفردة، لكنها حين تجتمع فى الرواية تكشف كيف يحيط الموروث بالإنسان منذ ميلاده، وكيف يتسرب إلى أحكامه على نفسه وعلى الآخرين.

وتأتى رحلة الأهرام، بما يرتبط بها من طقوس وأمل فى الإنجاب، لتضىء مقدار ما يمكن أن يدفع إليه الانتظار. فحين تضيق السبل، يتمسك الناس بوعد تناقلته الحكايات، أو بمكان يظنون أن فيه استجابة لأمنية طال تأخرها. وتتيح لنا الرواية الاقتراب من هذا الرجاء الإنسانى، وفهم حاجته إلى ما يسنده فى مواجهة العجز.

كنت أرى، وأنا أترجم العملين، أن «رمزة» تضع سؤال الاختيار فى الواجهة، بينما تتوغل «زنوبة» فى الثمن الذى تدفعه المرأة حين تُقاس مكانتها بقدرتها على الإنجاب. وبين السؤالين تتكشف حياة واسعة: نساء يرغبن ويخفن ويقاومن، ورجال يخضعون بدورهم لموروث يشاركون فى فرضه، وبيوت تحفظ تفاصيل عصر كامل فى كلماتها وعاداتها وصمتها.

ولعل هذا ما أبقى الروايتين قريبتين منى. فقد دخلت إليهما مأخوذًا بالحكاية، ثم وجدت نفسى أمام بشر يحتاجون إلى إصغاء وصبر. وكان أملى أن تحمل العربية أصواتهم إلى القارئ، فيشعر بوجودهم، ويتوقف عند مصائرهم، كما توقفت أنا حين قرأت «رمزة» للمرة الأولى.

كنت أترجم عن الألمانية، ولذلك احتاجت الرحلة إلى إصغاء مضاعف. أمامى نص عبر من الفرنسية إلى الألمانية، وفى أعماقه بيئة مصرية ينبغى أن تصل إلى العربية واضحة الملامح. كان علىّ أن أصون معنى النص، وأجد له إيقاعًا عربيًا يستطيع أن يحمل مشاعر شخصياته وتفاصيل حياتها.

أحيانًا كانت جملة واحدة تستغرق وقتًا يفوق ما تستغرقه صفحة كاملة. أفهم معناها، لكننى لا أطمئن إلى نبرتها. أعيد قراءتها، وأغيّر ترتيب كلماتها، وأحاول أن أسمعها فى فم الشخصية قبل أن أثبتها على الورق. وحين تستقيم، أشعر بذلك الفرح الصغير الذى يعرفه المترجم حين يجد، أخيرًا، العبارة التى كان يبحث عنها.

فالترجمة الأدبية تحتاج إلى معرفة اللغات، وتحتاج معها إلى خبرة بالحياة وإحساس بالناس. لا تكفى معرفة معنى الخوف كى ننقل خوف امرأة تنتظر قرارًا يتعلق بمصيرها؛ علينا أن نفهم موضعها فى الحكاية، وما تستطيع قوله، وما تضطر إلى كتمانه، وما يحيط بصوتها من صمت.

وحملت الكلمات المحلية مسئولية خاصة فى عملى؛ فالحرملك، والمشربية، والمأذون، والداية، والزار، وكتب الكتاب، مفردات تحيط بها صور وممارسات وعلاقات. وقد لفتنى القاموس الملحق بالطبعة الألمانية، الذى امتد إلى نحو خمس صفحات، يشرح كلمات ومفاهيم احتاج القارئ الألمانى إلى التعرف إليها. كنت أتأمل كيف عبرت هذه المفردات إلى لغة أخرى، وأبحث عن الطريقة التى تستقر بها من جديد فى سياق عربى حى.

وأعانتنى لقاءاتى بأفراد الأسرة على توسيع معرفتى بالمناخ الإنسانى المحيط بالكاتبة. وأتذكر مشاركتى فى الحضرة التى كان يقيمها ابنها المهندس أحمد، وما تركته فى نفسى من أثر: أصوات الذكر، وحضور المشاركين، وذلك الإحساس بالزمن وهو يهدأ قليلًا، مفسحًا مكانًا لتجربة روحية مشتركة.

منحتنى هذه الخبرات قربًا من بعض الأجواء التى أقرأها، مع بقاء الرواية فى استقلالها الفنى. فللذكرى طبيعتها، وللشخصية الروائية وجودها الذى تصنعه الكاتبة، وللخيال حريته فى إعادة تشكيل ما يأخذه من الحياة.

ومع كل صفحة كنت أزداد يقينًا بأن للمترجم الأدبى حضورًا يتكون من اختيارات صغيرة متتابعة: فعل يفضله على آخر، وإيقاع يراه أقرب إلى الموقف، وتعبير يمنح الشخصية صوتها. يبقى أمينًا لعالم المؤلفة، ويضع معرفته وحساسيته فى خدمة وصول هذا العالم إلى قارئ جديد. وربما لهذا أرى فيه كاتبًا ثانيًا يعمل فى الظل؛ يفرح حين تستقيم الحكاية فى لغته، وينشغل بأن يشعر القارئ بقربها وحيويتها.

ثم جاءت لحظة خروج الترجمة إلى القراء. ولتلك اللحظة طعم خاص؛ فالكتاب الذى لازم المترجم طويلًا يغادر مكتبه إلى بيوت ومكتبات وأيدٍ لا يعرف أصحابها. وقد يجد قارئ فى مشهد ما خبرة تشبه حياته، أو تستوقف باحثًا إشارة لم ينتبه إليها سواه. عندئذ يشعر المترجم بأن العمل بدأ حياة أوسع من صحبته الفردية معه.

أسهمت دار الهلال فى إتاحة هذه الفرصة. نُشرت «رمزة» فى حلقات بمجلة «المصور» قبل صدورها فى «روايات الهلال»، وحملت طبعتها غلاف الفنان حلمى التونى. ثم أُعيد نشرها سنة ٢٠٠٤ ضمن مشروع «مكتبة الأسرة»، فى سلسلة «إبداع المرأة»، بسعر جنيه ونصف الجنيه. وكان يسعدنى أن تجعل هذه الطبعة الرواية فى متناول عدد أكبر من القراء، وأن تمنح شخصياتها فرصة للقاء جمهور جديد.

كنت أشعر بالرضا كلما وجدت من قرأ الروايتين، أو اهتم بالتعرف إلى صاحبتهما. فقد أردت لهذا الجهد أن يسهم فى تقريب أدب قوت القلوب من القراء العرب، وأن يجد مكانه فى مكتباتهم وأحاديثهم وأسئلتهم. وللكتاب حين يصبح متاحًا قدرة على مواصلة رحلته بوسائل لا يتوقعها صاحبه؛ قراءة تقود إلى دراسة، أو فقرة تستدعى ذكرى، أو شخصية تظل عالقة فى الوجدان.

وأحسب أن هذه من أجمل ثمار الترجمة: أن توسع مجال اللقاء بين الناس والأزمنة والثقافات. كاتبة مصرية كتبت بالفرنسية، قرأتها بالألمانية فى كتاب اقتنيته من ميونيخ، ثم صحبت عالمها إلى العربية، لتستقر الرواية بين يدى قارئ قد يجد فيها شيئًا من ذاكرته وأسئلته.

بعد هذه السنوات، ما زلت أستعيد رحلتى مع قوت القلوب بامتنان. أتذكر مشقة العمل، وأتذكر معها ما منحنى إياه من متعة ومعرفة وصلات إنسانية. وأعود أحيانًا إلى إحدى الصفحات، فأرى الكلمة التى ترددت فيها، والجملة التى أسعدنى اكتمالها، ثم أمضى فى القراءة حتى أنسى جهدى، وأجدنى مرة أخرى مأخوذًا بالحكاية.

عندها أتذكر ذلك اليوم فى ميونيخ، والكتاب الذى حملته من المكتبة دون أن أعرف ما ينتظرنى بين صفحاته. وأدرك أن بعض الكتب تواصل رحلتها فى حياتنا طويلًا بعد أن نبلغ صفحتها الأخيرة.