آن كارسون.. العالم الخفى لـ«شاعرة نوبل»
- كاتبة نوبل تتعامل مع اليونان القديمة بوصفها طرفًا فاعلًا فى الحوار لا إحالة ثقافية تُستدعى للزينة
- أثبتت أن الأدب لا يزال من أقوى الوسائل التى تتيح لنا مواجهة ما يبدو بعيدًا أو عصيًا على الفهم
- أعمالها برهنت على عمق الصلة بين الدراسات الأكاديمية والكتابة الإبداعية
- كارسون تكشف أن التراث القديم ينطوى على انقطاعات تقاوم النزوع الحديث إلى الاكتمال
فى الثامن من أكتوبر الجارى، أعلنت الأكاديمية السويدية عن فوز الشاعرة والناقدة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل فى الأدب لعام 2026، تقديرًا لأعمالها الجريئة والمبتكرة التى أقامت حوارًا متجددًا مع التراث الكلاسيكى، وفتحت آفاقًا جديدة أمام أشكال الكتابة المعاصرة.
على امتداد أربعة عقود، تنقّلت كارسون، البالغة من العمر ستة وسبعين عامًا، بين الشعر والمقالة والنقد والترجمة، مستندةً إلى معرفة عميقة بالأدب اليونانى القديم والفلسفة الكلاسيكية، وإلى حساسية أدبية تتجاوز الحدود المألوفة بين الأجناس، ليصير الماضى فى أعمالها مدخلًا لإعادة قراءة الحاضر، واختبار اللغة، واستكشاف أسئلة الحب والرغبة والغياب والوجود.
وقبل نيلها جائزة نوبل، حصدت كارسون عددًا من الجوائز الأدبية البارزة، من بينها جائزة جريفين للشعر وجائزة تى. إس. إليوت، فيما ظل مشروعها الأدبى متأرجحًا بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمى، وبين استدعاء النصوص القديمة ومساءلة التجربة الإنسانية المعاصرة.
فى هذا الملف، نقترب من تجربة «كارسون» الإبداعية والنقدية، عبر عدد من المقالات التى سعت لإضاءة ملامح تجربتها فى إعادة كتابة التراث، ومزج الشعر بالفكر، وتوسيع إمكانات اللغة والسرد.

محطات بارزة فى تجربة إبداعية ونقدية
سلّط تقرير نُشر فى موقع «CBC» الضوء على أبرز المحطات فى مسيرة الكاتبة الكندية آن كارسون، متوقفًا عند مجموعة من أعمالها التى تكشف عن خصوصية مشروعها الأدبى، والتى أسهمت فى ترسيخ مكانتها بوصفها واحدة من أكثر الأصوات الأدبية المعاصرة ابتكارًا.


قد يكون هذا العمل، الصادر عام ١٩٩٨، أشهر أعمال الكاتبة. فبالجمع بين القصيدة والرواية، تستعيد كارسون جانبًا من الأسطورة اليونانية عن جيريون وهيراكليس، وتدمجها بقصة معاصرة عن النضج واكتشاف الذات.
يُروى العمل فى صورة سيرة ذاتية يكتبها جيريون نفسه. وهو وحش ذات أجنحة حمراء يهرب من أسرته القاسية بحثًا عن العزاء فى التصوير الفوتوغرافى. وحين يلتقى شابًا يُدعى هيراكليس، يقع فى حب عميق له، قبل أن يتركه الأخير محطمًا برحيله. لكن عودة هيراكليس المفاجئة بعد عام تدفع جيريون إلى مواجهة رغبته والانطلاق فى رحلة مهمة نحو النضج.


يُعد «إيروس.. الحلو المر» أول كتاب لكارسون فى النقد الأدبى، وقد صدر للمرة الأولى عام ١٩٨٦.
وفى هذه المجموعة من المقالات، توظّف كارسون، المتخصصة فى الدراسات الكلاسيكية، أطروحتها للدكتوراه التى أنجزتها عام ١٩٨١، لدراسة مفهوم» إيروس» كما يظهر فى الفلسفة والأدب الكلاسيكيين.
واختارت مكتبة «مودرن لايبرارى» الكتاب ضمن قائمتها لأفضل مائة كتاب غير روائى على مر العصور عام ١٩٩٩.
وأشار عبدالرحيم يوسف، المترجم للطبعة العربية من الكتاب، فى مقدمته للترجمة العربية له، إلى أنه كتاب عن الأدب وعن الحب، تربط فيه كاتبته بحس شعرى بين أسئلة الحب والرغبة وأسئلة الأدب، بين مسعى العشاق ومسعى الكتاب والقراء، تنظر إلى تأثير القراءة والكتابة على الأدب وعلى النظرة إلى الحب والزمن.


يضم كتاب كارسون الصادر عام ١٩٩٥ قصيدتها الشهيرة «مقالة الزجاج» «The Glass Essay»، التى تتجاوز ثلاثين صفحة، وتروى انتهاء علاقة عاطفية من خلال قراءة شعر إميلى برونتى.
وفى حفل نوبل، أشادت الأكاديمية السويدية بالكتاب لإظهاره «إمكانات القصيدة الطويلة حين تتلاشى الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبية».


فازت كارسون بأولى جوائز جريفين للشعر عام ٢٠٠١ عن هذا الكتاب، الذى يجمع شخصيات تاريخية وأدبية تمتد من أوديب والشاعرة الأمريكية إميلى ديكنسون إلى القديس أوغسطين، ويمزج الماضى بالحاضر.
توظّف آن كارسون مزيجًا من المتناقضات: الكلاسيكى والحديث، والسينما والكلمة المطبوعة، والسرد والشعر. ومن خلال إعادة ابتكار شخصيات متباينة، تقيم كارسون مقارنات مفاجئة. وفى مقالة أخيرة، تتأمل وفاة أمها حديثًا.
يحتفى الكتاب بما هو غير متوقع، وينطلق من إدراك أن حقيقة الأمر بالنسبة إلى البشر هى النقص، ليكشف عن شاعرة ذات صوت فردى خاص.


هذا العمل مقالة تخييلية تتألف من ٢٩ مقطعًا تسميها كارسون «رقصات تانجو»، وتتناول فكرة الشاعر الإنجليزى جون كيتس القائلة إن الجمال هو الحقيقة، من خلال تصوير زواج وهو يتداعى وينهار.
قالت كارسون فى مقابلة عام ٢٠١١ على إذاعة «سى بى سى»: «أعتقد أن الجمال مثال رومانسى يتخذ أشكالًا مختلفة فى علاقات متنوعة. إنها الأسطورة التى ترغب فيها، تلك التى اخترعتها بنفسك، لا الشخص الموجود بالفعل».
وبفضل جمال الزوج، أصبحت كارسون أول امرأة تفوز بجائزة تى. إس. إليوت للشعر فى إنجلترا. كما فاز الكتاب بجائزة لوس أنجلوس تايمز للكتاب وجائزة إيه. إم. كلاين للشعر.


تُعرف كارسون على نطاق واسع بوصفها باحثة بترجماتها للشاعرة اليونانية القديمة سافو. ويجمع كتاب «إن لم يكن، فالشتاء» ترجماتها لشذرات شعر سافو، مع وضع النص اليونانى القديم فى الصفحات المقابلة للترجمة.
وفى مقابلة عام ٢٠١٦ قالت كارسون عن تجربة الانغماس فى الترجمة: «إنها أشبه بالوقوف على سطح ملىء بالشقوق، والنظر من خلالها إلى شىء يشبه عالمًا آخر فى الأسفل، عالم بالكاد تراه، بالكاد تستطيع التعبير عنه، لكنك لا تتمكن من ذلك تمامًا».


يعود هذا العمل، الذى يتبع «سيرة ذاتية للأحمر»، إلى حكاية جيريون فى الميثولوجيا اليونانية بعدما أصبح بالغًا فى القرن الحادى والعشرين.
ويتتبع الكتاب رحلته مع حبيبه «ساد»، وهو محارب سابق خاض الحرب وكان يُعرف من قبل باسم هيراكليس، ومع الفنانة إيدا، إلى أماكن قريبة وبعيدة، من المراعى الخضراء إلى عيادة للأمراض النفسية.
وقالت كارسون فى مقابلة عام ٢٠١٦ متحدثة عن عودتها إلى شخصيتى جيريون وهيراكليس: أردت فقط أن أدفعهما معًا إلى تلك الحالة الذهنية التى يطوى فيها المرء صفحة الأمل. بعد أن تدرك أن الأمل موجود ليشعل أرواحك، ستتغير نظرتك إلى المغامرة وإلى خوض تجارب جديدة. أردت أن أجعلهما أكثر حذرًا قليلًا، وأكثر تشككًا بعض الشىء، وأن أمنحهما مشكلات الكبار.
فاز «وثيقة حمراء» بجائزة جريفين للشعر للمرة الثانية لكارسون عام ٢٠١٤. وكتبت لجنة التحكيم فى بيان لها: «ما يُستأنف هنا، وهو أكثر أهمية من مجرد تحديث لكتاب السيرة الذاتية للأحمر، هو قدرة كاتبة مهيبة على تطويع اللغة بطريقتها الخاصة».


يجمع هذا العمل الشعرى بين أسطورة هيلين الطروادية وشخصية مارلين مونرو، امرأتان تفصل بينهما آلاف السنين، منحتهما جاذبيتهما الجسدية القوة والنفوذ، لكنهما دفعتا ثمنًا باهظًا لذلك.
فاز الكتاب بجائزة الحاكم العام الكندية للأدب فى فئة الشعر عام ٢٠٢٠. وأشادت لجنة التحكيم بتوظيفه «اللامبالاة التهكمية لإدراج تصوراتنا عن الزمن والمكان والذات، ثم تقويضها».


صدر أحدث كتب كارسون «نورما الخطأ» عام ٢٠٢٤، وفاز بجائزة دائرة نقاد الكتب الوطنية فى فئة الشعر.
ويضم الكتاب مجموعة من النصوص النثرية المتباينة فى موضوعاتها، من جوزيف كونراد إلى الثلج ووالد كارسون. وكما تكتب فى الكتاب: لا رابط بين هذه القطع. ولهذا أطلقت عليها اسم «الخطأ».
الأساطير القديمة طريقة لقراءة الحاضر
فى مقال نُشر بوكالة الأنباء اليونانية، تتبّع الكاتب ملامح المشروع الأدبى لآن كارسون، الممتد بين الشعر والمقالة والدراسات الكلاسيكية والترجمة والسرد، متوقفًا عند الطريقة التى تستعيد بها التراث الإغريقى القديم وتعيد إدماجه فى حوار مع العالم المعاصر.
يشير المقال إلى أن كارسون تتعامل مع اليونان القديمة بوصفها طرفًا فاعلًا فى هذا الحوار، لا أثرًا محفوظًا فى متحف أو إحالة ثقافية تُستدعى للزينة. فمن شذرات الشعر والأساطير، فهى تستخرج أسئلة لا تزال وثيقة الصلة بالحاضر، تتصل بالحب والغياب والرغبة والحداد والعنف والفقد، وبالعلاقة بين الذاكرة واللغة.
منذ كتابها «إيروس، الحلو المر»، بلورت كارسون مقاربتها للأدب الإغريقى القديم، مستكشفةً الحب بوصفه مفارقة تنشأ فيها الرغبة من المسافة، ومن حضور ما يغيب ويستعصى على الامتلاك الكامل. وبهذه الصورة، تتحول النصوص القديمة فى كتابتها إلى نقطة انطلاق لتأمل شعرى وفلسفى يتجاوز سياقاتها الأولى، ويعيد طرح أسئلتها فى ضوء التجربة الإنسانية المعاصرة.
وفى «سيرة ذاتية للأحمر»، تعيد كارسون تشكيل شخصية جيريون، الواردة فى الميثولوجيا الإغريقية، لتمنحها حياة جديدة فى هيئة مراهق معاصر يخوض تجارب الحب والوحدة واكتشاف الذات والانتقال إلى النضج. تعيد الكاتبة بناء الأسطورة من داخل الحاضر، كاشفةً عن إمكانات جديدة للشخصية القديمة فى سياق مختلف.
وتتجلى صلة كارسون بالتراث الإغريقى على نحو أكثر مباشرة فى ترجماتها، التى تشمل نصوصًا شعرية ومسرحية لعدد من أبرز كتّاب اليونان القديمة، فقد ترجمت مسرحية «إلكترا» لسوفوكليس، ثم أصدرت كتاب «إن لم يكن فالشتاء.. شذرات من سافو»، الذى جمعت فيه ترجماتها لشذرات الشاعرة الإغريقية. وتوالت أعمالها فى هذا المجال مع «دروس الحداد: أربع مسرحيات ليوربيديس»، و«أوريستيا»، و«إيفيجينيا فى طوريس»، ثم ترجمتها مسرحية «أنتيجون» لسوفوكليس، ومسرحية «عابدات باخوس» ليوربيديس.
تمثل الترجمة لدى كارسون، حسبما يشير المقال، امتدادًا لمشروعها الإبداعى، ووسيلة لإعادة إتاحة هذه النصوص أمام قارئ معاصر، من دون أن تفقد ما تنطوى عليه من التباس وتوتر وأسئلة مفتوحة، إذ تولى اهتمامًا خاصًا بمنح الأصوات القديمة فرصة جديدة للكلام، وبوضع القارئ أمام تجارب إنسانية لم تفقد قدرتها على مساءلة الحاضر.

إمكانات جديدة فى اللغة
فى مقال نُشر بموقع «ذا كونفرسيشن»، أبرزت لورا يانسن، الأستاذة المشاركة فى الدراسات الكلاسيكية والأدب المقارن بجامعة بريستول ملامح التجريب والتجديد فى تجربة آن كارسون الإبداعية، والدور الذى أدته أعمالها فى استكشاف إمكانات جديدة فى اللغة نفسها.
تقول كاتبة المقال إن أكثر ما يلفت الانتباه فى تجربة كارسون، ليس أصالة أعمالها على المستوى الشكلى، على ما تنطوى عليه من تميّز استثنائى، وإنما قدرتها على تحويل التفكير نفسه إلى حدث أدبى.
فى وقت كثيرًا ما تُعامل فيه الدراسات الأكاديمية والكتابة الإبداعية باعتبارهما مجالين منفصلين، برهنت كارسون على عمق الصلة بينهما، فأعمالها تذكّر بأن الفكر والخيال يثرى أحدهما الآخر باستمرار، وهو ما ينتج تجربة كتابة تجمع بين العمق الفكرى والجرأة الإبداعية.
تعود كارسون فى كتاباتها إلى أسئلة المسافة، بين العشاق، وبين اللغات، وبين الأحياء والموتى، وبين ما يمكن معرفته وما يظل عصيًّا على الإدراك.
نادرًا ما تتخذ الرغبة فى أعمال كارسون شكل السعى إلى الامتلاك، إنها مواجهة مع الغياب، كما تنشغل كتاباتها بالفجوات والمسافات الفاصلة التى تشكّل التجربة الإنسانية، فترى فيها مصدرًا للألم وإمكانًا لآفاق جديدة فى آنٍ واحد.
لا تنفصل عناية كارسون بالمسافة عن تجريبها الجذرى فى الشكل الأدبي، فالتفكيك إلى شذرات، والاقتباس، والمونتاج، والكولاج، كلها أدوات تستعين بها لاستكشاف الذاكرة والرغبة والفقد. وفى أعمالها تتحدى توقعات القراء بشأن ماهية القصيدة أو المقالة أو الترجمة أو الكتاب، ومع ذلك، لا تبدو ابتكارات كارسون الشكلية تجديدًا من أجل التجديد، إذ تنبع من طبيعة الموضوعات التى تتناولها ومتطلباتها، فالشكل عندها ليس زينة، وإنما وسيلة للاستقصاء.
ترى كاتبة المقال أن ما يميز آن كارسون عن كثير من أبناء جيلها هو الجمع بين الجرأة الفكرية وضبط الانفعال، فهى تتناول اللغة والأدب والتجربة الإنسانية بجرأة استثنائية، ومع ذلك تظل أعمالها مشبعة بحساسية عميقة تجاه الغياب والشك وما يتعذر التعبير عنه بالكامل. ومن ثم، فهى تتطلب من قرائها قدرًا كبيرًا من الانتباه، إذ يشعر القارئ لأعمالها بأنه أمام كاتبة تكتشف إمكانات جديدة داخل اللغة، فيما تظل واعية بحدودها فى الوقت نفسه.
وتختم الكاتبة مقالها قائلة: كثيرًا ما كرّمت جائزة نوبل كتابًا وسّعوا فهمنا لما يمكن أن يكونه الأدب، وتنتمى آن كارسون بوضوح إلى هذه الفئة، فقد أعادت أعمالها تشكيل العلاقة بين الشعر والدراسات الأكاديمية، وبين العصور القديمة والحداثة، وبين الفكر والشعور، والأهم من ذلك أنها أظهرت لعدد لا يُحصى من القراء أن الأدب لا يزال من أقوى الوسائل التى تتيح لنا مواجهة ما يبدو بعيدًا أو عصيًّا على الفهم أو مختلفًا عنا.

حين يلتقى العالم القديم بأدب ما بعد الحداثة
فى مقال آخر نُشر بموقع «ذا كونفرسيشن»، تحدث كريستوف بريما، أستاذ الدراسات الكندية والثقافية بجامعة ستوكهولم، عن الكيفية التى استطاعت بها كارسون الدمج ما بين تقاليد التراث القديم وتقنيات الأدب ما بعد الحداثى.
وانطلاقًا من إشادة لجنة نوبل بالمنجز الجرىء والمبتكر للكاتبة، وبحوارها مع التراث الكلاسيكى وابتكار أشكال جديدة للأدب المعاصر، يكشف الكاتب عن مفارقة أساسية فى كتابات كارسون، ففى رأيه تنبع حداثة كارسون الأدبية من عودتها المستمرة إلى العصور القديمة، بوصفها خزانًا مفتوحًا من الصور والأصوات والشذرات التى لم يكتمل معناها، والقادرة على زعزعة التجربة المعاصرة وإرباك تصوراتنا عنها.
يلفت كاتب المقال إلى أن شذرات النصوص القديمة التى تحتل مكانة متميزة فى العالم الأدبى لآن كارسون تعقد صلة بين البقاء المادى للنصوص القديمة والأشكال المتقطعة التى ارتبطت بالكتابة الحديثة وما بعد الحداثية. ففى كتاب «إن لم يكن، فالشتاء»، على سبيل المثال، تحافظ كارسون على الفجوات والانقطاعات الموجودة فى الشذرات الأصلية، عوضًا عن محاولة إخفائها عبر إعادة بناء تخمينية للنصوص. وتُظهر القصائد الناتجة عن هذا النهج أثر الغياب، فتتيح للصمت والانقطاع المشاركة فى إنتاج المعنى.
يكشف هذا الاهتمام بما ظل ناقصًا عن تقارب غير متوقع بين الشعر القديم والتجريب الأدبى الحديث،
فإن كان التجزؤ يرتبط غالبًا بأزمة التمثيل فى أدب القرن العشرين، فإن كارسون تكشف أن التراث النصى القديم ينطوى بدوره على انقطاعات تقاوم النزوع الحديث إلى الاكتمال.
وفى «إيروس.. الحلو المر» يشكّل التناقض الظاهرى الكامن فى العنوان نقطة انطلاق للبحث فى بنية الرغبة، التى تقوم على المسافة والنقص واستحالة امتلاك موضوع الرغبة امتلاكًا كاملًا.
وتستكشف كارسون طبيعة الرغبة، فهى تنشأ فى المسافة الفاصلة بين المحب والمحبوب، وهذه المسافة هى التى تولّد شدة الانجذاب والمعاناة المرتبطة بالغياب.
من جهة أخرى، فإن تناول كارسون لإيروس يكشف، كذلك، عما يمكن تسميته نزوعًا عتيقًا داخل كتابتها المنتمية إلى ما بعد الحداثة، شريطة أن نفهم هذا النزوع بوصفه استمرارًا لتجارب إنسانية أساسية تقاوم الوصول إلى نهاية حاسمة، لا حنينًا إلى ماضٍ مثالى متخيّل، إذ تعود الرغبة والهشاشة ومواجهة الغياب عبر الاستعارات القديمة، فيما تتجدد باستمرار أشكال التعبير الأدبى عنها من خلال صيغ معاصرة.
ومن هذا المنظور، تبدو كارسون فيلسوفة تعمل بالاستعارات، وتتيح للغة الشعرية إنتاج المفاهيم، بدلًا من الاكتفاء بتوضيح أفكار صيغت سلفًا فى مواضع أخرى.
وبالنظر إلى كتاب «سيرة ذاتية للأحمر» يرى الكاتب أن المؤلفة تستند إلى الشذرات الباقية من أعمال الشاعر اليونانى ستيزيخوروس، الذى تنتمى روايته عن جيريون إلى تقليد أسطورى يتمحور حول مآثر هيراكليس البطولية. لكن كارسون تنقل منظور السرد إلى جيريون نفسه، عوضًا عن إعادة إنتاج المواجهة المألوفة بين البطل المنتصر وخصمه الوحشى، بما يحوّل شخصيةً عُرّفت تقليديًا من خلال هزيمتها إلى بطل، ومن ثم استكشاف الهوية والرغبة والهشاشة العاطفية.
تكتسب هذه المفارقة أهميتها لأنها تغيّر البنية الأخلاقية والسردية للأسطورة القديمة، فالوحش يصبح ذاتًا قادرة على التذكّر والمعاناة والحب والتأمل فى اختلافها عن الآخرين، ولم يعد مجرد تجسيد لخطر خارجى تتحدد الهوية البطولية فى مواجهته.
فمن خلال منح جيريون صوتًا يروى به سيرته، تشكك كارسون فى سلطة الحكايات الموروثة وفى الكيفية التى يوزّع بها التراث الكلاسيكى حق الظهور وإسماع الصوت بين شخصياته.
ويعزّز الشكل الشعرى للرواية هذه السيولة، من خلال الجمع بين كثافة التعبير الغنائى وتطور السرد والصور البصرية والتأمل فى فعل التمثيل نفسه.
فى نهاية مقاله، يقول الكاتب إن وصف أعمال كارسون بأنها تنتمى إلى ما بعد الحداثة قد يبدو مفارقة للوهلة الأولى، نظرًا إلى المكانة المركزية التى يحتلها الأدب اليونانى القديم فى تكوينها الفكرى. لكن هذا التناقض الظاهرى تحديدًا هو ما يمنح كتابتها خصوصيتها، فهى تستخدم بعض أبرز تقنيات أدب ما بعد الحداثة، مثل التناص والأجناس الأدبية الهجينة واضطراب التسلسل الزمنى وعدم استقرار سلطة السرد، لإعادة تفعيل تجارب وبنى رمزية موروثة من العصور القديمة. وبهذه الطريقة، تعيد النظر فى تجارب تواصل حضورها داخل الثقافة المعاصرة، من الرغبة والفقد والعنف إلى الاختلاف وحدود اللغة.







