الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

الناشرة الروائية.. عزة طويل: ما يصل إلى القارئ الغربى من الأدب العربى لا يشكّل أكثر من نصف فى المئة مما ننتجه

حرف

- أدعو إلى عقد مؤتمر جامع حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعى فى الأدب

- أؤمن بكتابةٍ حرةٍ وصادقة تخضع لتحريرٍ يزيل ما يفيض من خطاب ومحاضرات أخلاقية

- تفضيلات الناشر تؤثر فى لجم الأصوات الإبداعية الجديدة.. ولستُ من جماعة الترند فى الأدب

من عالم النشر الذى أمضت فيه سنوات طويلة، إلى الكتابة الروائية التى بدأت مع روايتها الأولى «لا شىء أسود بالكامل»، ثم «عيون بيروت»، الصادرة حديثًا، تتشكل تجربة الكاتبة والناشرة اللبنانية عزة طويل، تلك التى جمعت بين معرفة عميقة بصناعة الكتاب وعلاقة أكثر خصوصية بفعل الكتابة. فقد عملت «طويل»، التى تقيم حاليًا فى كندا، فى مجال النشر والتوزيع، وتولت إدارة «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» فى لبنان، ثم أسست مؤسسة «أزل للمحتوى الإبداعى»، المعنية بالتدريب على الكتابة ودعم المؤلفين فى تطوير أعمالهم ونشرها.

فى هذا الحوار، نتوقف مع عزة طويل عند انتقالها من صناعة الكتاب إلى كتابته، وعلاقتها ببيروت والكتابة عنها، كما نتحدث عن تجربتها فى النشر، وعن موقع الأدب العربى فى المشهد الثقافى بالخارج.

■ صدرت لكِ حديثًا رواية «عيون بيروت»، هى الثانية بعد «لا شىء أسود بالكامل»، وفى كلتا الروايتين تحضر بيروت بما تحمله من ذاكرة وتحولات وتجارب إنسانية.. ما الذى تمثله بيروت لكِ روائيًا؟ وكيف غيّرت المسافة علاقتكِ بالوطن؟ هل منحتكِ موقعًا مختلفًا لرؤية ما يصعب رؤيته من الداخل؟

- الهوية موضوعٌ أساسى لى، والانتماء جزء من هوية المرء. أنا أنتمى إلى بيروت، بحلوها ومرّها. أنتمى إلى تلك الحروب، وإلى رائحة الكاوتشوك المحترق، وإلى صوت الرصاص وارتفاع الآذان وغياب صوت القطار. غصبًا عنى أنتمى إليها، كما أنتمى إلى الفرح، والحبّ، والأغانى الثورية، والجنون والموسيقى الكلاسيكية والروك والشيخ إمام. هذا المزيج كله هو ما صنع العين التى رأت «لا شىء أسود بالكامل» و«عيون بيروت». لولا بيروت، لما كنتُ أنا، ولما كانت روايتاى هاتان. 

أما كندا، فما زلت أشتغل على الانتماء إليها. هى المنفس والضاغط، هى نقيض بيروت، ومثلُها فى الثنائية والتضاد الحاد وإن فى مواضع أخرى، كما أنها نقيض ما أعرفه، والميزان الذى أصبحت أقيس عبره توازنى. 

لم تتغيّر نظرتى الى لبنان حين غادرته. ما زال البلد الذى يجعل عينىّ تلمعان، والبلد الذى يجعلهما تدمعان أيضًا. ما تغيّر ليس هو فهمى المفاجئ أن الحياة ليست هى، فى مكانٍ آخر، بل فهمى المفاجئ جدًّا لى بأننى لستُ أنا نفسى فى المطرحَين. 

■ قلتِ إن «عيون بيروت» تنطلق من فكرة السرديات المتناقضة. فكيف انعكست هذه الفكرة على بناء الشخصيات وعلاقاتها، وعلى الطريقة التى تتكشف بها الحقيقة داخل الرواية.. ولماذا كان هذا المنطلق هو الأكثر جاذبية بالنسبة إليكِ؟

- اخترت السرديات المتناقضة ربما لأن الأسود والأبيض لوناى المفضّلان «استعاريًا». فيهما حدود هذا العالم، وما بينهما امتداداته. السرديات المتناقضة تتابعٌ لرؤية الأسود والأبيض، وإن أخليناها كليًّا من بساطة ثنائية الخير والشرّ. لعلّى أعبّر أو حتى أفكّر فى هذا الأمر للمرة الأولى هُنا معكِ: نعم، لربما تكون «عيون بيروت» فى هذا الجانب امتدادًا لـ«لا شيء أسود بالكامل». على صعيد البناء، الرواية كلها قائمة على الحيلة، فالسردية حيلة منطقية ولغوية وتخييلية، قائمة على الواقع. هذا يرى الواقع من منظارٍ محدد يريد أن يقنعنا به، وهذا يعرف واقعه لكنه يريد أن يقنعنا بصورةٍ مغايرةٍ يروق له تصديقها، وتلك تريد أن ترى العالم عبر عدسة الحبّ أو التفهّم لكنها فى النهاية إنسانٌ خاضع لمشاعر البشر، والأخرى تعرف أن الحقيقة، إن وُجدت، قائمةٌ فى بعضٍ قليلٍ من كلّ هذه السرديات. أما الكاتبة، فتدرك تمامًا أن العالم الذى يمكن التحكّم فى كلّ مفاصله هو عالمٌ «روائىّ، وفعلىّ» باهت. 

■ فى روايتكِ الأولى اشتغلتِ على تكثيف حكايات الموت والحياة فى مساحة محدودة بينما اتخذت «عيون بيروت» بناءً تتداخل فيه مستويات السرد. فكيف تتحدد علاقتكِ بالشكل الروائى.. هل تنطلقين من تصور مسبق للبناء، أم تكتشفين شكل الحكاية فى أثناء كتابتها؟

- لى تجربتان روائيتان فقط، لذا أشعر بأن الوقت مبكرٌ، أو ربما التجربة مبكرة، لتحديد علاقتى مع الشكل الأدبى. فى التجربة الأولى، كنتُ حرّةً ومغامرةً كما أنا بشكلٍ عام فى حياتى، وفيها مغامراتى تأتى ضمن إطارٍ عام أتمادى ما شئت ضمنه. كانت جملتى محمّلةً، تحمل شخصياتها معها بل تحمل خلاصة تلك الشخصيات. ورغم ذلك كنتُ أطير، كما وصفَتْ بطلتى علاقتها بالطيران، والطيران فى الأدب وفى الحياة خطر، لكن الخيال يمنح الكلمةَ جناحًا، فيما لا أجنحة لنا على أرض الواقع. 

أما فى «عيون بيروت»، فعشتُ تجربةً مختلفة. كانت تلك العيون تحدّقُ إلىّ، وكنتُ أحدّق إليها. وبوجود معادلةٍ كهذه، تحتّم ارتباطًا متواصلًا بين نقطتين، يتّخذ الشكلُ بناؤه فطريًّا. 

فى ما كتبته منذ «عيون بيروت» مسودّاتُ فصولٍ حرّة، وفكرة أولية لروايةٍ ذات خطّ زمنىّ واضح. ما سأفعله بهذه المقاطع والفصول وبهذا المخطط، قد يساعد أكثر فى تحديد علاقتى بالشكل الأدبى. لا أعرف، قد أرمى بها كلّها فى البحيرة الكبيرة هُنا. 

أحيانًا أتساءل أو يسألنى أحد: لو نشرتُ «عيون بيروت» أولًا، ثم «لا شىء أسود بالكامل»، هل كان التفاعل مع كتاباتى ليختلف بسبب اختلاف الشكل؟ هذا هو نوع الأسئلة التى تحدّنا فى الكتابة، لذا كلما خطر لى أُسكِته، ذلك أن الأدب «والطيران» يحتاج إلى اندفاعة، وهذه الأسئلة تُثقلنا أرضًا لأنها تحمّلنا وزر المتلقّى. 

■ على ذِكر المُتلقى، إلى أى حد تفكرين فى القارئ أثناء الكتابة؟ وهل تتركين له مساحة واسعة للتأويل، أم أن لديكِ دائمًا تصورًا محددًا لما تريدين أن يصل إليه؟

- من الصعب الإجابة عن هذا السؤال دون الوقوع فى فخّ الأجوبة الجاهزة. لكننى فى الواقع لا أفكر فى القارئ أثناء الكتابة بل أثناء التحرير. التحرير الذاتى نصف العمل، وهنا، نقرأ بوصفنا قرّاء لا كتّابًا، ولهذا من الضرورى الابتعاد عن العمل كليًّا، لشهر على الأقل، للتموضع أمام نصّنا. 

■ من واقع تجربتك فى الكتابة وكذلك فى التدريب عليها.. كيف تستطيع الرواية أن تعقد موازنة محسوبة بين خطابها الفكرى وسؤالها المحورى وبين اشتغالها الفنى والبنائى دون أن يطغى هاجس منهما على الآخر؟ 

- لا أؤمن بكتابةٍ مصنوعة ومحسوبة فقط. أؤمن بكتابةٍ حرةٍ وصادقة، تخضع لتحريرٍ بعد الكتابة يزيل ما يفيض من خطابٍ، أو معلوماتٍ فى غير محلّها، أو محاضرات أخلاقية وغيرها.

أما التدريب على الكتابة فهو مصطلح معتمد عالميًّا وأعتمده بنفسى نتيجةً لذلك، لكنه يستوجب التوقف عنده لأن التدريب ليس فعليًّا على الكتابة، بل على كيف تسمح لصوتك بأن يظهر، كيف تحافظ على منطقية البناء والحبكة، كيف لا تكون كاتبًا مُكرّرًا، كيف تحرّر نصك، كيف تحمى نصك من الهزال…، وفيه لا أعمل أساسًا مع متدرّبين يتخذون من الكتابة هدفًا يؤدى إلى هدفٍ آخر، فهؤلاء عادةً ما يكثر عندهم الخطاب المباشر. 

■ لكِ باع طويل فى صناعة النشر، فى حين تأخّر ظهور أعمالك الأدبية إلى ما قبل عامين فقط. كيف انعكس اشتغالك فى مجال النشر على علاقتك بالكتابة؟ هل جعلك أكثر حذرًا وترددًا.. أم كان عاملًا مساعدًا فى تحديد ما تريدين قوله وكيف تريدين تقديمه إلى القارئ؟

- انعكس سلبًا من ناحيتين: الانشغال التام الذى لا يتيح مجالًا كبيرًا للإبداع، لا سيما فى ظلّ متابعة رسالة الدكتوراه حينها والأمومة فى الوقت نفسه، هذا أولًا، والخوف ثانيًا من تقديم ما لا يُضيف شيئًا. لكن عملى فى النشر انعكس إيجابًا من نواح مهمة جدًّا: القراءات الكثيرة جدًّا لأعمالٍ بشتى اللغات، والتجربة التحريرية الطويلة، والصبر. 

■ إلى أى مدى تسهم اختيارات دور النشر، وما تفضّله من موضوعات وأشكال أدبية على حساب غيرها، فى تحجيم التجارب والأصوات الإبداعية؟ وبالنسبة إليكِ، ما المعايير التى ترفضين التخلى عنها فى اختيارك لما تنشرين من أعمال؟ 

- أرفض التخلّى عن حدّ ما من المستوى، كما أرفض التقليد بكل أنواعه. هناك موجاتٌ أدبية تحدث على امتداد العالم، من مثل نشر كتبٍ ورواياتٍ حول موضوعٍ محدّد. لا أشارك عادةً فى هذه الموجات، ذلك أننى لستُ من جماعة الترند فى الأدب. تفضيلات الناشر تؤثر حتمًا فى لجم الأصوات الإبداعية الجديدة، لكن بوجود النشر الذاتى والجوائز المتاحة للأعمال غير المنشورة، والنقّاد «النظاف»، والنشر الذاتى، يتنقّل المفتاح بين الناشر ولجان الجوائز والنقّاد والقارئ ولا تستحوذ عليه جهة واحدة وهذا صحىّ وينبغى تطويره أكثر بعد. 

■ من واقع تجربتك فى عالم النشر، ما أبرز التحديات التى تواجهينها اليوم؟ وكيف تتعاملين معها؟

- تحديات عالم النشر كثيرة جدًا، يواجهها الكاتب كما الناشر كما القارئ. الناشر يريد الاستمرار ما يصعّب الأمر أمام التجارب الجديدة. غيرها يريد لعمله أن يبرز ويُواجه بواقع الحال، والقارئ يريد وصولًا سهلًا للكتاب بأسعار مناسبة، وهو يريد أيضًا من يساعده «فى البداية على الأقل» فى اختيار أعمالٍ تضيف إليه. 

■ كيف ترين ما آلت إليه الأمور مع دخول الذكاء الاصطناعى إلى قلب معادلة النشر فى كل ما يخص الكتاب.. وكيف تتعاطين مع الأمر؟ 

- بصفتى كاتبة وناشرة وأكاديمية وبحكم عملى المستجدّ فى مجال الذكاء الاصطناعى، أدعو من خلالكم جميع الناشرين والجامعات والمعنيين بالأدب والنقابات إلى عقد مؤتمرٍ جامعٍ حول استخدام الذكاء الاصطناعى فى النشر وفى الأدب. وبنتيجته، استخلاص ورقة عمل «قابلة للتطوير» تفيد بـ ما يمكن نشره وما لا يمكن نشره، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعى فى الأدب، وحدود استخدام الذكاء الاصطناعى فى الأعمال غير الأدبية، والوسائل المعتمدة والمتاحة حاليا للكشف. سيساعد مؤتمر كهذا فى تنظيم الجهود الإبداعية على أكثر من صعيد. وحبّذا لو كان ذلك مشاركةً مع اتحادات دولية.

■ ما الذى يكشفه عملك فى النشر عن الفجوة بين «الكتاب الجيد» و«الكتاب القابل للنشر».. وهل هما الشىء نفسه؟

- ليسا الشىء نفسه بكل تأكيد، مع أخذ الذائقة فى الاعتبار. هناك كتب تُنشر بسبب كاتبها، وهذه قد تخضع أحيانًا لتصنيف «الكتب القابلة للنشر». أحكى عن الذائقة لأنه يهمّنى عدم «تمييع» الفارق بين «العمل الجيد» و«العمل القابل للنشر» تحت مسمّى الذائقة. 

■ إلى أى حد أصبح نجاح الكتاب فى صناعة النشر الحالية مرتبطًا بقدرة الكاتب على تسويق نفسه، لا بجودة الكتاب وحدها؟

- كثيرًا. لم نشهد تدافعًا على شراء كتابٍ لسنواتٍ متتاليةٍ طويلة، ثم فجأة رأينا قرّاءً شبابًا يتدافعون فى توقيع كاتبٍ لا يعرفه أحد فى الجوّ الثقافى. لم تكن هذه صدمة ثقافية، بل صدمة تسويقية، أو حتى تكنولوجية. ما زال العرب يكررون خرافة أن العربيّ لا يقرأ. هذه خرافة. التسويق والجودة إذا اجتمعا، يحدثان تأثيرًا. للأسف التسويق وحده قادر على اجتراح تأثير، وهذا ما يعمل الجادّون ضدّه قدر الإمكان. وللأسف أيضًا، الجودة وحدها لا تكفى فى مفهوم «السوق». 

■ من خلال وجودكِ فى كندا كيف وجدتِ حجم حضور الأدب العربى وصورته لدى القارئ الغربى؟ وهل هناك موضوعات أو أصوات عربية تجدين أنها أقرب إلى اهتمامه من غيرها؟ 

- القارئ الغربى لا يعنيه أى أدب عربى لم يترجم إلى لغته، وما يصله من الأدب العربى لا يشكّل أكثر من نصف فى المئة ربما مما ننتجه. ولهذا وجهان، واحدٌ سلبى وآخر إيجابى. من يفهم عالم النشر يعرف أن إيصال عمل عربى إلى متلقٍّ من ثقافة مختلفة لا يتم بمجرّد ترجمة الكتاب عبر الذكاء الاصطناعى وطباعته ورقيًّا، فهذا وصولٌ صُوَرىّ، احتمالات تأثيره ضعيفة جدًا جدًا. القارئ الغربى يتلقّى ما يصله عبر القنوات التى يقبلها هو والتى تشبهه وتتفاعل معه. المجال الأدبى الكندى متعطّش للتجارب المختلفة، للأصوات التى تخترق المسافات، ولكاريزما تلك الأصوات أمام غيرها. 

■ تتحدثين عن محاولات فردية لترجمة الأدب العربى إلى الإنجليزية، تظل محدودة الانتشار فى ظل غياب الدعم المهنى والمؤسسى.. كيف يمكن تجاوز هذه المحاولات الفردية، وبناء جسور مستدامة للتبادل بين سوق النشر العربى ونظيره الكندى؟

- علينا العمل على مشروعٍ جدّىّ يسهم فى بناء جسور متينة. عندى مخطّط كامل لذلك عملتُ عليه العام الماضى وما زلت أطوّره كى يخرج مكتمل الرؤية. بالطبع نحن بحاجة إلى دعم مؤسسى، والكنديون، بالتجربة، جاهزون لدعم المبادرات الجادة التى تفيد الكنديين أينما كانوا، ونحتاج إلى الدعم العربى الذى يفيد العرب أينما كانوا، وأى مبادرة بهذا الاتجاه موضع ترحيبٍ وامتنان.

■ هل تعتقدين أن وسائل التواصل الاجتماعى غيّرت مفهوم الكاتب نفسه؟

- ليس مطلوبًا من الكاتب أن يسوّق لنفسه بالضرورة، لكننى وبشكلٍ شخصى أطلب من كلّ كاتبٍ ألا يقبل بالخجل. الخجل مفهوم مجتمعى يفرض على الكاتب أن يلتزم الصمت حيال كتاباته، وهذه حرية شخصية لا يحق لأحد أن يفرضها على أحد. على الكاتب أن يسهم فى حضور كتاباته، بالطريقة التى يراها مناسبة والتى تعبّر فعليًّا عنه، وإذا كان مصرًّا على تفادى الحضور الشخصى، يمكنه أن يحضر عبر وكيلٍ أدبى، أو شركة تسويق، أو غيرهما.