المبهـج.. مدحت صالح.. ترند الثمانينيات الأصلى
- تجربة مدحت صالح «الأنقى» والأكثر تأصيلًا لترند الثمانينيات
نهاية ثمانينيات القرن الماضى.. كانت القاهرة فى حالة قلق دائم.. لا تتوقف البيوت عن «الحكى» ولا الشوارع عن الضجيج ولا العيون عن السهر.
كنا فى الشتاء.. وبيوت الأصدقاء من صناع الموسيقى ورش عمل دائمة.. يخرج مطرب ليدخل عازف.. يخرج شاعر ليدخل موزع أو ملحن.. أو منتج أو صوت جديد يبحث عن فرصة أو عن كلمة تشجيع أو حتى «ساعة صفا وفن».
كنا فى إحدى تلك السهرات وفيما صديقى المضيف فى طريقه إلى المطبخ لصنع دور شاى جديد.. وكنا قد بدأنا حوارًا منذ ساعات ولم يتوقف عن «مدحت»، قال وهو يستدير فجأة.. «مدحت ده يغنى الدكتوراه».
لم أفهم وقتها ما يريد أن يمنحه من صفات.. كنت أظن أنه يقول إنه «يستحق الدكتوراه فى الموسيقى مثلًا أو فى قدرته على التجويد».. لكننى بعد سنوات من تلك الليلة فهمت أنه يقصد أن «صالح» يملك القدرة على غناء أى شىء وكل شىء حتى «رسائل الماجستير والدكتوراه المعقدة».

سنوات طويلة تزيد على الأربعين سنة تقريبًا وهذا الصوت حاضر فى سهراتنا.. وبيوتنا الصامتة أيضًا.
كيف لم ننتبه لذلك الحضور الفذ حتى إننا نكاد نعتبره أمرًا عاديًا تعودناه.. مثل الماء والهواء وأغنياته.
لو أردت البحث عن دراسة جادة كتبها أحدهم فى «غناء مدحت صالح».. لن تجد.. ولو أردت حوارًا مطولًا يكشف عن ملامح تجربته.. لن تجد.. هو فى كل «طلاته» التليفزيونية غالبًا يلعب دور «ابن البيت» «صاحب الدار»؛ ولذا فنحن نتجاهله لأننا فى كل الأحوال «ضامنينه» كأحد مفاتيح البهجة فى حياتنا.
البداية تعود إلى سنوات الجامعة.. وربما قبلها بعام أو أكثر.. قرر من يكتبون عن ساحة الموسيقى فى بلادنا أن يكون هناك «جيل» اسمه «جيل الثمانينيات.. وأحيانًا يلقبونه جيل الوسط».
ورغم الفروق العمرية بين أبناء ذلك الجيل.. جعلناهم متساوين فى كل شىء.. حتى فى «الذنوب».
ذلك الجيل ضم الحجار ومحمد الحلو ومنير وعمر فتحى وإيمان البحر درويش وهانى شاكر الذى يسبقهم بسنوات.. وعماد عبدالحليم أيضًا.. وقد سبقهم بالوجود فى سن صغيرة.
ورغم اختلاف الأنماط والأشكال الموسيقية التى يؤديها كل منهم.. اصطلحنا بشكل أو بآخر على أنهم أبناء تجربة واحدة.. مع اختلافات بسيطة أحيانًا تجعل بعضهم أبناء تجربة «الغناء الغربى» والآخر أبناء الشرق. وفى الحالتين «مدحت موجود».


لم أكن أعرف وأنا أتأمل أن ألبوم «السهرة تحلى» أن صاحبه من شبرا.. كنت أعرف شكله من حفلات أضواء المدينة.. شاب نحيل. خفيف الدم.. قدم ألحانًا لمحمد سطان ثم أصبح واحدًا من رسائلنا إلى حبيباتنا. أو بالأحرى صارت أغنياته كذلك.
شبرا ذلك الحى الذى لا هو قرية ولا هو مدينة، والذى يجمع القادمين من الصعيد وقد احتلوا سوق روض الفرج منذ ستينيات القرن يبيعون ويشترون والقادمين من ريف الدلتا للعمل فى المصانع القريبة.
هو أيضًا جزيرة فى وسط نهر النيل كان اسمها فى البداية جزيرة الفيل، ثم أصبحت متنزهًا للوالى محمد على فسكنها أثرياء القوم.. المدينة التى جاء اسمها من «شبرو» المصرية القديمة أصبحت «خلطة لا يمكن تحديد مكوناتها».. ولا طبيعة سكانها.
فى ذلك الحى .. عام ١٩٦٠ تحديدًا ولد محمد صالح وهبة.. لرجل يعمل فى مجال التجارة.. كان أخًا لتسعة أبناء رزق بهم الرجل الذى يحب الأزهر.. وصوت «مصطفى إسماعيل ومحمد رفعت والحصرى».
فى الدوران .. دوران شبرا.. لعب محمد صالح الكرة الشراب لكنه اكتشف أنه يحب الغناء أكثر من الكرة.. ولأنه «ملول» لا يحب الثبات فى عمل بعينه.. قرر أن يكون حرًا.. ولأنه خجول على عكس ما يبدو على المسرح قرر ألا يعتمد على والده فى جلب المال.. فراح يتنقل بين محلات شبرا بائعًا للبويات والحدايد مرة.. عاملًا فى مخبز مرة.. وفى مجال التجارة الذى يعمل به إخوته وأهله أيضًا.
عرف «محمد» مبكرًا لغة «السوق» وأجادها فى نفس الوقت الذى اكتشف فيه حلاوة «اللغة» التى يعلمها له «المشايخ».. مشايخ شبرا ومشايخ الأزهر.
فى شوارع شبرا عرفت أقدام صالح بيوت عماد عبدالحليم وطارق فؤاد.. كلاهما كان يسبقه بسنوات موسيقية.. فالأخير عرف الطريق إلى الحفلات مبكرًا بفضل وجود شقيقه محمد على سليمان وتبنى عبدالحليم حافظ له.. وطارق فؤاد عرف الطريق إلى معهد الموسيقى العربية طالبًا فيما كان «محمد صالح» لا يزال طالبًا بالثانوية الأزهرية.
درس مدحت.. «التاريخ والحضارة» مثلما أدرك سر «الحروف» ومشتقاتها.. فأخذ من المشايخ ما وافق هواه.. وكان قد عرف الطريق إلى ماسبيرو بعد أن ذهب به يوسف شوقى إلى «أبلة فضيلة» وحواديت برنامجها الشهير.. نفس البرنامج الذى احتضن بدايات على الحجار.. الذى ذهب بصحبة منير ومحمد الحلو وعمر فتحى إلى ملهى «شاليمار» فى آخر شارع الهرم.
حكى لى «مدحت صالح» فى يوم ما فيما كنت أزوره بالاستديو الخاص به فى أحد شوارع المهندسين أنه كان لا يملك ثمن تذكرة دخول «شاليمار»؛ لذلك كان «يستقر فى سيارة أحد معارفه» بجوار الملهى حتى يصل إليه صوت الموسيقى التى يؤديها ذلك الفريق الذى خطفه مثلما خطفته ألحان الشيخ زكريا أحمد والشيخ سيد مكاوى.
والدة مدحت صالح.. كانت تمتلك صوتًا جميلًا.. تغنى فى بيتها أغانى محمد قنديل وفايزة أحمد أحيانًا، وكثيرًا ما تصحح «لمحمد صالح» الذى أحب غناءها ما يردده من كلمات «مغلوطة» فى أغنياته أحيانًا.
كبر الطفل الذى «امتص» وكأنه «سفنجة» كل ما يسمعه فى راديو المنزل الخشبى.. وأصبح مطربًا «مافيش سطوح بيت فى شبرا وما حولها ما غنش فيه».
الشاب الذى اعتاد النظر من أعلى أسطح المنازل إلى النيل أصبح فجأة موظفًا فى مسرح البالون.
لكنه لا يطيق «الروتين والحضور والانصراف» فكان من الطبيعى ألا يستمر فى الوظيفة سوى ثلاث سنوات ليتركها غير آسف إلى براح الموسيقى التى فتنته وقادته إلى محمد سلطان وسمير الطائر، اللذين قدما له ألبومه الأول.. وقد تضمن ثلاث أغنيات «طربية».. حد يقول لحبيبى.. زى ما قالوا عنيك.. وحاولت أبعد.
كان ألبومه الأول.. ليتبعه بـ«سبعة عشر ألبومًا» آخرها صدر على جزأين بداية من أول يناير ٢٠٢٦.
ولكن عبر «المنصات الإلكترونية» هذه المرة. وما بين «زى ما قالوا عنيك».. و«أنت وبس».. جرت فى النهر مياه كثيرة.. أطاحت بعشرات التجارب والمطربين وأشباه المطربين أيضًا.. لكنها صنعت أحد أهم ملامح تجربة «الثمانينيات» التى ينتمى إليها «صالح».


«ثقافة الكاسيت فى مصر» عنوان مهم لدراسة مهمة أجراها باحث أمريكى اسمه «أندروسايمون» وصدرت عن دار نشر جامعة ستانفورد.. الدراسة التى تستعرض تاريخ «شريط الكاسيت» وآثاره وعلاقته بسياسة الانفتاح الاقتصادى تكشف عن أن عدد شركات الكاسيت فى مصر تحول من ٢٠ شركة عام ١٩٧٥ إلى ٣٦٥ شركة فى عام ١٩٨٧م.
ذلك العام تحديدًا كان بداية انفجار مدحت صالح بألبومه البديع «كوكب تانى» وفى ذلك الوقت حسب الدراسة ذاتها «مكنت تقنية الكاسيت عددًا غير مسبوق من الناس من خلق الثقافة ونشر المعلومات».. وتمكن المواطنون من أن تكون لهم اختياراتهم الخاصة كان مدحت صالح أحد اختياراتنا المهمة.
قبل ذلك التاريخ وفيما كان مدحت صالح يغنى على أحد مسارح تركيا، ما كتبه طبيب شاب اسمه مدحت الجمال معلنًا سخطه ورغبته فى أن يعيش فى عالم آخر.. كان عدد من جنود الأمن المركزى يعلنون تمردهم بسبب شائعة سرت بينهم تفيد بأن سنوات تجنيدهم الإجبارى أصبحت خمس سنوات كاملة بدلًا من ثلاث سنوات هى مد خدمتهم المعروفة.
انتهت الشائعة بإعلان حظر التجوال ونزول الجيش للسيطرة على الشوارع، وأهمها شارع الهرم الذى احترق بعض محلاته وملاهيه وإقالة وزير الداخية وقتها اللواء أحمد رشدى.
عاد الهدوء مجددًا للشارع الأشهر فى عالم الطرب.. وعاد مدحت صالح من رحلته بجائزة شهيرة.. وأصدر ألبومه الأهم «كوكب تانى» حاملًا أبرز ملامح تجربة مدحت صالح التى بدأت من قبلها مع جيل جديد من نجوم التلحين والكتابة أبرزهم سامى الحفناوى، الذى قدم فى نفس العام أغنيته الصدمة «لولاكى» مع على حميدة.
كوكب تانى.. لم يكن مجرد إعلان «تمرد» جيل على الغناء القديم بشكله «الحليمى» الذى استقر لسنوات طالت. بل كان رسالة جيل جديد ورؤيته لعناوين كثيرة.. الحب.. الوطن.. الحياة.
ضم الألبوم ثمانى أغنيات.. جمعت بين البساطة والعمق.. الشرق والغرب.. التوزيع الموسيقى بشكله الجديد بعد تجربة على إسماعيل وميشيل المصرى ومنير الوسيمى.. عماد الشارونى بطل تلك التجربة مع نجوم الكتابة مدحت الجمال، وائل هلال، عماد حسن، عوض بدوى ونجوم التلحين سامى الحفناوى، فاروق الشرنوبى ومحمد ضياء الدين وحسن أبوالسعود وعلى رضا.
ربما كانت المرة الأولى التى نستمع فيها إلى كلمات من عينة «خاصمت الشوارع».. أو «رسمت قلبى بألف جناح».. أو «بحلم على قدى بشراع يعدينا».
موضوعات الألبوم جميعها لم تتجاوز العلاقة الأزلية بين رجل وأنثى.. لكن لغة الخطاب كانت جديدة تمامًا.. وكان من الطبيعى أن تكون الموسيقى كذلك.. هى نفس المقامات التى نهل منها الملحنون من أجيال سابقة الحجاز والصبا والبياتى والعجم والنهاوند لكن صياغتها أيضًا كانت جديدة تمامًا. ومبهجة أيضًا وكأنها ذلك البرواز الحريرى الذى احتضن «صوتًا لامعًا مبهجًا وشجيًا فى آن واحد».
جاء فاروق الشرنوبى من الإسكندرية وبحرها على جناح مدحت صالح ومنه إلى الحجار وعشرات النجوم وكذلك جاء شقيقه صلاح الشرنوبى؛ لتكون أغنيته الأولى «تحت السماء والقمر عايشين عباد الله».
ثم انضم أبناء شبرا وائل هلال ورضا أمين إلى شعراء الإسكندرية عوض بدوى وعماد حسن ومعهمها ابن مصر القديمة جمال بخيت ثم رياض الهمشرى وإبراهيم عبدالفتاح لتتوالى فتوحات ذلك الصوت الذى لم يعد هامسًا.
بفرد ضلوعى لحد جرحك يا صديق
وبقيد شموعى عشان أصاحبك
على الطريق
وبمد شوقى مركبة.. واحلم بضله قريبة
يجمعنا من تانى الغنا عن طير برىء..


لم يرتبط «مدحت» بجيل واحد.. أو شاعر واحد.. أو ملحن أو موزع واحد.. ولا حتى شركة إنتاج واحدة. رغبته المستمرة فى «التنقل» والاحتفاظ بحريته.. لم تكن سببًا فقط فى تعدد زيجاته كما يحلو لبعض الفارغين أن يكتبوا.. بل هى سمة أساسية فى تجربته الغنائية.
عرف الطريق إلى الأسطى الكبير إمام المنشدين والشعراء الأب فؤاد حداد فى مسلسله الأول «أيوب البحر» من خلال الموسيقار مختار السيد، والموزع الحقيقى لنشيد مصر القوى «بلادى بلادى».. المسلسل أخرجه أحد رواد فن الدراما الكبار.. إسماعيل عبدالحافظ وتضمن مجموعة كبيرة من الأغنيات التى تحتاج إلى «حس درامى» يمتلكه صالح بالتأكيد. المسلسل أنتج فى عام ١٩٨٢ فى ٢٧ حلقة ليستمع أهل التليفزيون إلى «شجن مختلف» لم تسمح به «أشرطة الكاسيت» أو حفلات «أضواء المدينة».
«يا أيوب البحر
مالك يا أيوب
راح تنحت ف الصخر
ولا ناوى تتوب
يا حالف ما تغمض لا القلب ولا العين
يا أيوب والسيد يا عواض وحسين
شدو حبال المركب م الفجر للمغرب
شمس بتغرق.. شمس تشق
قلبى بيعرق.. قلبى يدق
عمره ما يبقى اتنين
قولى قلبك فين
قلبى طاير.. شايل طيرى
قلبى بيعرق تحت صديرى
من غزل المحبوب.. من غزلك يا زين.!
الكبير فؤاد حداد بمفرداته وعالمه البديع الواسع كان بوابة الدخول.. وتلاه كبار كثيرون.. سواء من ذلك الجيل المتمرد أو من جيل الكبار أحمد فؤاد نجم، عمار الشريعى، عبدالرحيم منصور، سيد حجاب، عبدالرحمن الأبنودى، ياسر عبدالرحمن، محمود طلعت، وأيمن بهجت قمر.

بوابة الدراما.. لم تكتف بصوت مدحت صالح الشجى المبهج.. لكنها وجدت فيه «الممثل أيضًا.. الممثل القادم من عالم المسرح.. من سطوح المنازل فى شبرا.. ومن الأوبرا. تعتق كثيرًا.. وإن لم يقتنع هو شخصيًا بأنه ممثل.
السينما البوابة الأكثر توثيقًا لم تتركه أيضًا ندهته.. فكانت الأغنيات التى تجاوزت حدود الثمانينيات إلى أنباء الألفية الجديدة.. فكانت «النور مكانه فى القلوب» زى ما هى حبها.. بحبك موت، حبيبى يا عاشق، ليه خايفة منى.. أنا مش بعيد وغيرها.
ومثلما منح المسرح والتليفزيون ابن شبرا براحًا كان فى حاجة إليه.. إلا أنه أخذ منه أيضًا.. بل وعطله فى بعض الأحيان.. فإذا كان تراث المسرح يحفظ له «المهر.. حزمنى يا.. قشطة وعسل» فإنه فى الوقت ذاته كان سببًا فى ابتعاده عن عالم الكاسيت وتراجع مبيعاته وحيرته ما بين شخصيات مختلفة ابتعدت به فى بعض الأحيان عن عوالم تجربته ومفرداتها.. بل وكانت سببًا فى أن يتوقف البعض عند تجربة «تندهينى» ويعتبرونها آخر أيام «الثمانينيات».
يملك صالح وعيًا اكتسبه من «عالم السوق» يجعله يجيد إجراء المراجعات من حين لآخر.. فالرجل الذى لم يتورط فى عالم السياسة يومًا.. سوى باتهام مشبوه عند إقامته بعض الحفلات لعرب ٤٨ فى فلسطين يعرف كيف «يسايس» تلك السوق وما أصابه من متغيرات.
أدرك صالح.. أن شكل الموسيقى يذهب باتجاه «المقسوم» فكانت تجربته «وعدى» باستلهام واضح لموسيقى شمال إفريقيا.. أدرك أن هناك جيلًا جديدًا. لم يعد جديدًا الآن.. فكان أن جرب التعاون مع وليد سعد فى عشرات الأغنيات «الأسمرانى.. ولا تهونى.. واقفة جنبى» وغيرها.. ومع محمد رحيم أيضًا وخالد عز، الذى قدم له تجربة ملهمة فى مسلسل «أبوالعروسة» وتامر على وعزيز الشافعى.


يملك محمد صالح وهبة الذى أعرفه قدرة عجيبة على التسامح والتصالح مع الذات.. لا يمكنك أن تضبطه ناقمًا أو حاقدًا.. ربما يغضب قليلًا لكنه سرعان ما يعود لاستكمال ما كان يفكر فيه وهو فى الغالب حفل جديد أو لحن جديد.
هذه القدرة جعلته يتعامل مع كل أشكال الغناء باعتبارها روافد لنهر كبير.. هو مطرب شعبى وقت أن يشاء.. فأساتذته الذين يعشقهم فى مقدمتهم الموسيقار محمود الشريف «أبوالشعبى».. ومن أغنياته المفضلة أغنية عزت عوض الله مطرب الإسكندرية المظلوم الذى اشتهر بصوت «عدوية» يا زايد فى الحلاوة.. ولهذا لم يستنكر مدحت وجود أشكال غنائية مختلفة عما يقدمه سواء تلك الآتية من عالم الأندر جراوند أو من عالم المهرجانات، بل إنه شارك كثيرًا بالغناء مع عدد من أبناء الفرق المستقلة التى ظهرت فيما بعد يناير ٢٠١١.
هذه المرونة.. وتلك الخبرة.. هى التى مكنت صالح من إقامة حفل شهرى تقريبًا فى دار الأوبرا يستعيد من خلاله أغنيات أجيال «الأساتذة» قنديل ورشدى وكارم محمود ومحرم فؤاد وفريد الأطرش.. حليم وأم كلثوم وعبدالوهاب ورغم اختلاف كل تلك المدارس فهو فى كل حالاته يقدمها بطريقته.. من يشاهده فى تلك الحفلات يدرك أنه فى حالة «سلطنة» مستمرة وكأنه يستعيد أيامه الأولى فى «جزيرة بدران».


إلى وقت قريب لم يكن مدحت صالح من محبى «واتس آب».. وكان يستعجل الأغنيات الجديدة من رفاق تجربته من خلال «البريد الإلكترونى».. لكن شغفه بعالم الاستديوهات.. وولعه بالجيل الجديد ومفرداته واقترابه من عالم ابنيه «هنا.. وأدهم» جعلته يحاول اختراق ذلك العالم ومسايرة متطلباته وذوقه.. وهذا الأمر ليس غريبًا عليه فقد كان أول من قدم «الفيديو كليب» بأغنية «المليونيرات» من إخراج جمال عبدالحميد.. وكان من أوائل الذين استخدموا مفردات السينما فى تصوير كليباتهم أيضًا.. ولأنه كثيرًا ما ينتج أعماله بنفسه فهو يتابع كل تفاصيلها وكان من الطبيعى أن يعرف الطريق إلى هذا العالم.
وقد قدم مؤخرًا دويتو «ناقصك إيه» مع ابنه أدهم صالح.. والأهم أنه يتعاون فى تجربته الجديدة التى تصدر خلال أيام فيما يحتفل بعيد ميلاده السادس والستين مع مجموعة من أحدث المنتمين إلى عالم الموسيقى والغناء، سواء فى عالم الكتابة أو التلحين.. ومنهم.. محمد غنيم، معاذ زين، أحمد يوسف، محمد الحلفاوى، نادر زكريا، أحمد سليم وعبدالستار محمد وأحمد يوسف.
أربعون عامًا مضت.. كيف يمكننى أن ألخصها فى تلك السطور.. بالطبع لا يمكن.. لكننى أستعيد بعض شوارعها معتذرًا «حقك على عينى».. وربما يحتاج أبناء الجيل الجديد من النقاد إلى وقت إضافى لاستعادة تفاصيل وملامح تلك التجربة التى أعتبرها «الأنقى» والأكثر تأصيلًا لترند الثمانينيات إذا كنا نحِنُّ إليه فعلًا:
«تندهينى الشمس تطلع
وطيور م الغربة ترجع
والخطاوى لبكرة توسع
والحياة تخضن سنينى».







