الأحد 25 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

العقل المعُطل.. قراءة فى كتابين عن القوانين الأساسية للغباء البشرى

حرف

- لا أستنتج أن الغباء أخطر من الفساد فى كل ظرف.. فالفساد المنظم قد يكون بالغ التدمير

- أريد تعليمًا يمنح الطفل حق السؤال ويعلمه مسئولية البحث عن الدليل

هناك كتب كبيرة فى حجمها، وهناك كتب صغيرة تترك وراءها أسئلة كبيرة. ومن النوع الثانى كتاب «القوانين الأساسية للغباء البشرى» للمؤرخ الاقتصادى الإيطالى كارلو م. تشيبولا، «وتاريخ الغباء البشرى» للكاتب والتر بيتكين.

الكتاب الأول يحمل عنوانًا قد يدعونا إلى الابتسام، لكنه يفتح بابًا للتأمل فى أسباب خسائرنا، وفى المسافة بين امتلاك المعرفة وحسن استخدامها. وما يستوقفنى فيه على نحو خاص هو خطورة سوء التقدير حين يمتلك صاحبه سلطة تمس مصائر الآخرين ، ثم يغلق أبواب المراجعة والتصحيح لغبائه.

ولد كارلو م. تشيبولا عام 1922، وتوفى عام 2000. كان مؤرخًا اقتصاديًا وأستاذًا بجامعة كاليفورنيا فى بيركلى، وحصل على جائزة بالزان فى التاريخ الاقتصادى عام 1995. وفى هذا الكتاب استخدم لغة ساخرة ونموذجًا للمكاسب والخسائر ليطرح سؤالًا عن أثر الإنسان فى نفسه وفى الآخرين.

وهذا المدخل هو ما لفت انتباهى: أن نحاول فهم السلوك من خلال ما ينتج عنه. فقد يبدو القرار محترمًا فى لغته، مقنعًا فى عرضه، صادرًا عن شخص ذى مكانة، ثم تكون حصيلته إهدار الوقت والمال والثقة.

الحكمة تقول إن أناقة التفسير لا تضمن سلامة الفعل.

يقوم كتاب «القوانين الأساسية للغباء البشرى» — The Basic Laws of Human Stupidity — على خمسة قوانين يصوغها تشيبولا بروح ساخرة:

١. نحن نقلل دائمًا من عدد الأغبياء بيننا.

٢. احتمال الغباء لا يرتبط بصفات الشخص الأخرى.

٣. الغبى يضر الآخرين دون منفعة لنفسه، وقد يخسر معهم.

٤. الناس يستهينون بقدرته على الإضرار.

٥. لذلك يراه الكاتب أخطر أنماط البشر.

ويشرح فكرته بأربعة أنماط: شخص يكسب ويحقق مكسبًا لغيره؛ وآخر يكسب على حساب الآخرين؛ وثالث يخسر بينما ينتفع غيره؛ ورابع يضر الآخرين دون أن يكسب. ويسمى هذه الأنماط: الذكى، واللص أو المستغل، والعاجز أو المغلوب على أمره، والغبى.

وتتسع المكاسب والخسائر فى نموذجه لتشمل الآثار النفسية والعاطفية، إلى جانب المنافع المادية.

الفكرة بسيطة، لكن أثرها مزعج. فقد نستطيع تفسير سلوك المستغل: إنه يريد منفعة لنفسه ولو دفع غيره الثمن. أما من يفسد مصالح الآخرين ومصلحته معهم، فيتركنا أمام سلوك يصعب فهم منطقه.

أحيانًا الغبى يرى مصلحة لحظية، ولا يتفهم أضرارًا مستقبلية. 

من وجهة نظرى لا يكفى أن تسوء النتيجة لنتهم الفاعل بالغباء.

بل أتحفظ أولًا على مساواة النتيجة السيئة بالغباء. قد يتخذ الإنسان قرارًا معقولًا وفق المعلومات المتاحة، ثم تأتى النتائج مخالفة لتوقعاته. وقد يخاطر من أجل هدف يستحق، فيخسر. وقد يضحى بمصلحة شخصية لتحقيق منفعة لأسرته أو مجتمعه. هذه أفعال لا يمكن الحكم عليها بحساب سريع للربح والخسارة.

علينا أن نسأل: ماذا كان يعرف صاحب القرار وقت اتخاذه؟ وما البدائل التى كانت متاحة له؟ وهل أدرك المخاطر؟ وهل راجع موقفه عندما ظهرت معلومات جديدة؟

فالخطأ احتمال ملازم للحياة. وما يثير قلقى أكثر هو أن يتحول الخطأ إلى إصرار، وأن تصبح حماية صورة صاحبه أهم من إصلاح نتائجه. قد نخطئ لأننا لم نعرف، ثم نستمر لأننا لا نريد الاعتراف. وهنا يصبح الخلل أعمق من نقص المعلومات.

أتفق مع تشيبولا فى أن المكانة العلمية أو الاجتماعية لا ينبغى أن تمنعنا من تقييم السلوك. قد يكون الإنسان متفوقًا فى تخصصه، ثم يظن أن هذا التفوق يؤهله للحكم فى كل شأن.

لكننى أختلف مع نزعة الكاتب إلى اعتبار الغباء صفة فطرية ثابتة، وإلى تعميم استقلاله عن التعليم. هذه أطروحات يعرضها ضمن منطقه الساخر، ولا أتعامل معها بوصفها قوانين علمية مثبتة.

فالتعليم الذى يدرب الإنسان على السؤال ومراجعة الأدلة وتقدير العواقب يمكن أن يمنحه أدوات أفضل للحكم. أما التعليم الذى يكتفى بالحفظ واستعادة الإجابة المتوقعة، فقد ينتج معرفة واسعة دون قدرة مماثلة على استخدامها.

وأرى أن أحد اختبارات العقل هو موقف صاحبه من الدليل الذى يخالفه. هل يفحصه، أم يبدأ فورًا فى البحث عن وسيلة لإبعاده؟ ليس من الضرورى أن أعرف كل شىء. الضرورى أن أعرف متى أحتاج إلى التعلم، ومتى ينبغى أن أستمع.

ما يستوقفنى فى تعريف تشيبولا للغباء هو أثره حين ينتقل من العلاقات الفردية إلى صناعة القرار فى الأمم. فإذا كان الغباء، وفق تعريفه، سلوكًا يُلحق الضرر بالآخرين دون أن يحقق لصاحبه منفعة، وقد يضر صاحبه أيضًا، فإن خطورته تتسع بقدر اتساع السلطة التى يملكها الإنسان.

قد يبدد الفرد ماله، أو يفسد علاقة، أو يعطل عملًا محدودًا. أما صانع القرار فقد يبدد موارد أمة، ويضعف مؤسساتها، ويغلق أمام أجيال كاملة فرصًا كان يمكن أن تتاح لها. هنا يتحمل ملايين البشر نتائج حكم لم يشاركوا فى تكوينه، وقد تستمر هذه النتائج بعد رحيل صاحبه.

وفى الدول العظمى قد يؤدى تصرف صاحب القرار الغبى الى سقوط هيبة الأمة، ويمحى أثرها الإيجابى فى جمع البشرية حول الحقوق الإنسانية وضياع قيادتها التى ترسخت عبر ستة عقود متتاليه كحالة الولايات المتحدة هذا الزمن . 

ولهذا أرى أن تقييم عقلانية القرار العام يجب أن يبدأ بثلاثة أسئلة: ما المنفعة المتوقعة؟ ومن يتحمل التكلفة؟ وكيف سنعرف أن القرار يحتاج إلى تعديل؟

لنتصور قرارًا يستنزف الموارد فى مشروعات لا تتناسب مع احتياجات الناس أو قدرة الاقتصاد، رغم وجود بدائل أكثر نفعًا. فإذا أضعف القرار الخدمات، وزاد الأعباء، ثم أضعف فى الوقت نفسه ثقة المواطنين فى صانعه وقدرته على تحقيق أهدافه، اقتربنا من تعريف تشيبولا: ضرر للآخرين دون مكسب لصاحب الفعل، وربما مع خسارة له أيضًا.

وقد يتخذ صانع القرار إجراءً بقصد حماية الاستقرار، لكنه يغلق به قنوات التعبير، فيحرم نفسه من معرفة ما يجرى فى المجتمع. تتراكم المشكلات دون أن تصله إشاراتها، ويصبح علاجها أصعب وأكثر تكلفة. عندئذ يكون قد أضعف بقراره الاستقرار الذى أراد حمايته.

لكن علينا أن نتأنى فى الحكم. فالمنفعة قد تكون خفية، أو قصيرة الأجل، أو محصورة فى دائرة ضيقة. وما يبدو خسارة للجميع قد يحقق مكسبًا لشخص أو جماعة. وهنا يصبح التمييز بين الغباء والاستغلال ضروريًا.

وفق تصنيف تشيبولا، من يكسب على حساب الآخرين أقرب إلى نمط المستغل. أما من يضر الآخرين دون أن يكسب، فهو أقرب إلى نمط الغبى.

وفى إدارة الأمم قد يتداخل النمطان. فقد يحقق صاحب القرار منفعة شخصية عاجلة، لكنه يضعف المؤسسة التى تحميه، أو الاقتصاد الذى يمول سلطته، أو الثقة التى يستند إليها حكمه. يكسب اليوم، ويهدم شروط بقائه غدًا.

لهذا ينبغى أن نحدد الزمن الذى نقيس فيه النتائج. فقرار يبدو نافعًا لصاحبه خلال أشهر قد يتحول خلال سنوات إلى مصدر خسارة له وللمجتمع.

ومع ذلك، لا أستنتج أن الغباء أخطر من الفساد فى كل ظرف. فالفساد المنظم قد يكون بالغ التدمير. ما أراه هو أن حسن النية وحده لا يمنح المجتمع حماية كافية؛ إذ يستطيع مسئول مخلص لأهدافه أن يسبب ضررًا واسعًا إذا أخطأ فهم الواقع، ثم رفض مراجعة نفسه.

الأمم تحتاج إلى نزاهة من يديرها، وإلى كفاءته، وإلى نظام يستطيع تصحيح أخطائه.

لا أعد كل قرار فاشل دليلًا على غباء صانعه. فالحكم يجرى وسط معلومات ناقصة ومصالح متعارضة وظروف متغيرة. وقد يكون الاختيار معقولًا وقت اتخاذه، ثم تأتى النتائج على غير المتوقع.

لكن الفارق يظهر بعد ذلك: ماذا يفعل صاحب القرار حين تكشف الوقائع قصوره؟ إذا راجع الفرضيات وعدّل المسار، فقد مارس مسئوليته. أما إذا أخفى النتائج، أو غيّر معايير النجاح، أو اتهم كل من ينبهه إلى الضرر، فإنه يحول خطأً قابلًا للإصلاح إلى سياسة مستمرة.

وهنا تصبح حماية صورته عبئًا على الأمة. قد تُنفق موارد إضافية لإثبات صحة قرار سابق، مع أن هذه الموارد كان يمكن أن تعالج آثاره. وقد يُستبعد أصحاب الخبرة، لأنهم حذروا من الخسارة، فتفقد الدولة المعرفة التى تحتاج إليها للخروج منها.

وأرى أن إحدى أخطر لحظات الحكم هى اللحظة التى يصبح فيها الاعتراف بالخطأ أصعب على المسئول من تحميل الناس تكلفة استمراره.

صانع القرار لا يستطيع أن يعرف كل شىء. لكنه مسئول عن الطريقة التى تصل بها المعرفة إليه.

إذا أحاط نفسه بمن يوافقونه، واعتبر السؤال اعتراضًا على مكانته، فقد ينتهى إلى اتخاذ قراراته داخل صورة ناقصة صنعها نظامه نفسه. يسمع عن النجاح أكثر مما يسمع عن التعثر، وعن رضا الناس أكثر مما يسمع عن معاناتهم.

وقد لا يحتاج أحد إلى الكذب الصريح؛ يكفى أن يعرف العاملون أن نقل الأخبار السيئة يضر بمستقبلهم، حتى يبدأوا فى انتقاء ما ينقلونه. عندئذ تصبح السلطة أكثر ثقة كلما أصبحت أقل معرفة.

وتلك مفارقة خطرة: فالثقة التى ينبغى أن تأتى من اختبار القرار تأتى من غياب الأصوات التى تختبره.

فى القرارات العامة لا تقتصر الخسائر على المال الذى أُهدر. هناك فرص لم تتحقق، وخبرات غادرت، ومؤسسات فقدت قدرتها، وثقة يصعب استعادتها.

قرار تعليمى ضعيف قد يؤثر فى جيل كامل قبل أن تظهر حصيلته. وإضعاف مؤسسة بحثية قد يحرم المجتمع سنوات من القدرة على الابتكار. وتجاهل تدهور خدمة أساسية قد يجعل إصلاحها لاحقًا أشد تكلفة.

لذلك لا يصح أن نقيس القرار بما افتتح أو أعلن وحده. علينا أن نسأل أيضًا: ما الذى أصبح الناس قادرين على فعله؟ وهل زادت قدرة المجتمع على التعلم والإنتاج والتكيف؟ قد يكون النجاح ظاهرًا فى الصورة، بينما تكون الخسارة متراكمة فى حياة الناس.

وأرى أن المسئولية الأخلاقية لصانع القرار تتضاعف حين لا يتحمل بنفسه معظم تكاليف قراراته.

فقد يقرر إجراءً اقتصاديًا لا يمس مستوى معيشته، بينما تعيد الأسر بسببه ترتيب الطعام والعلاج والتعليم. وقد يؤخر إصلاح خدمة يستطيع هو الحصول على بديل عنها، بينما لا يملك المواطن هذا البديل.

ولهذا ينبغى أن يسمع تقييم الضرر من الذين يعيشونه. لا يملك صاحب القرار أن يقرر وحده أن التكلفة محتملة، إذا كان غيره هو الذى يدفعها.

إن احترام الإنسان يقتضى إدخال تجربته فى حساب القرار، وإتاحة فرصة حقيقية له للتعبير عن أثره.

فى تقديرى، لا تكون الحماية بالبحث عن قائد معصوم، وإنما ببناء نظام يجعل الخطأ قابلًا للاكتشاف والتصحيح.

تعدد مصادر المعلومات، واستقلال الخبرة، وحرية النقاش، ووضوح المسئوليات، وقياس النتائج، كلها وسائل تحد من امتداد سوء التقدير. كذلك فإن تجربة السياسات على نطاق محدود، متى كان ذلك ممكنًا، تسمح بالتعلم قبل تعميم الضرر.

والمحاسبة العادلة تحتاج إلى التمييز بين قرار اتُّخذ بعناية ثم أخفق، وقرار تجاهل الأدلة أو استمر رغم ظهور أضراره. إذا عاقبنا كل إخفاق، شجعنا إخفاءه؛ وإذا أعفينا كل مسئولية، شجعنا تكراره.

وأرى أن الدولة القوية هى التى تستطيع أن تغير قرارًا دون أن تهتز مؤسساتها، وأن تستمع إلى النقد دون أن تعتبر وجوده أزمة.

وأعود من هنا إلى التعليم، لأنه المكان الذى يمكن أن يتعلم فيه الإنسان كيف يختلف، وكيف يراجع نفسه.

حين نعاقب الطفل على السؤال، ثم نطلب منه عند الكبر أن يكون مبتكرًا، فإننا نطالبه بقدرة، ضيقنا عليها منذ البداية. وحين نجعل تغيير الإجابة علامة ضعف، فإننا ندربه على الدفاع عن الخطأ.

أريد تعليمًا يمنح الطفل حق السؤال، ويعلمه مسئولية البحث عن الدليل. تعليمًا يربط الحرية باحترام الآخرين، والثقة بالنفس بالاستعداد للتعلم. فالتواضع أمام المعرفة لا ينتقص من الإنسان؛ إنه يوسع قدرته على الفهم.

أخطر قراءة لهذا الكتاب أن نخرج منه بقائمة من الأشخاص الذين نراهم أغبياء، ونحن مطمئنون إلى أننا خارجها. أما القراءة التى أجدها أكثر فائدة، فتبدأ بالسؤال عن أنفسنا: كم مرة تمسكت برأى دفاعًا عن صورتى؟ وكم مرة تجاهلت تكلفة قرارى على غيرى؟ وكم مرة اعتبرت اختلاف الرأى نقصًا فى الفهم، قبل أن أمنحه فرصة؟

إننى لا أريد أن أستخدم هذا الكتاب لإدانة البشر، بل لفحص ما نفعله، وكيف نبنى مؤسساتنا، وكيف نربى أبناءنا.

وحين أقرأ تشيبولا من زاوية مصائر الأمم، أجد أن السؤال الأهم يتجاوز ذكاء رئيس حكومة أو مسئول: هل يسمح نظام الحكم للمعرفة بأن تصل إليه، وللخطأ بأن يظهر، وللقرار بأن يتغير؟

فالقدرات الفردية، مهما بلغت، لا تكفى وحدها لحماية مجتمع. وقد يصبح المسئول واسع المعرفة مصدر ضرر إذا اعتقد أن معرفته تغنيه عن الاستماع والمراجعة.

ولهذا أضيف إلى تعريف الغباء فى المجال العام معنى أراه ضروريًا: أشد صور سوء التقدير خطرًا هى التى تملك سلطة واسعة، وتُحمّل الآخرين تكلفتها، ثم تغلق أبواب تصحيحها.

إن الأمم تدفع ثمن القرار الخاطئ، لكنها تدفع ثمنًا أكبر حين يصبح استمرار الخطأ شرطًا لحماية هيبة صاحبه.

فحين نتأمل تاريخ الإنسان، نميل إلى روايته من خلال الاكتشافات الكبرى، والحضارات التى نشأت، والأفكار التى غيرت العالم. لكن هناك تاريخ آخر يسير إلى جواره: تاريخ الأخطاء التى تتكرر، والفرص التى تضيع، والقرارات التى يدفع البشر ثمنها رغم أنهم كانوا يملكون وسائل أفضل للفهم والاختيار.

هذا الجانب هو ما يثيره كتاب «مقدمة قصيرة لتاريخ الغباء البشرى» للكاتب الأمريكى والتر ب. بيتكين. عنوان ساخر فى ظاهره، لكنه يطرح سؤالًا يستحق التوقف: لماذا لا يؤدى اتساع المعرفة دائمًا إلى تحسن الحكم على الأمور؟

ولد والتر ب. بيتكين عام ١٨٧٨، وتوفى عام ١٩٥٣. عمل بتدريس الفلسفة وعلم النفس فى جامعة كولومبيا، ثم أستاذًا فى كلية الصحافة بها. وكتب فى موضوعات متعددة تتصل بالتعلم والسعادة والكتابة والحياة، ومن أشهر كتبه «الحياة تبدأ فى الأربعين».

ويمنح هذا التنوع مدخلًا لفهم اهتمامه بالغباء: إنه يتناول الإنسان بوصفه كائنًا يفكر ويتعلم ويتواصل، ثم قد يعجز عن استخدام هذه القدرات استخدامًا نافعًا.

وأرى أن هذا السؤال يظل حاضرًا فى حياتنا: ما الذى يحدث بين امتلاك القدرة وممارستها؟ ولماذا يستطيع الإنسان أن يكون بارعًا فى مجال، ثم شديد القصور فى مجال آخر؟

صدر كتاب A Short Introduction to the History of Human Stupidity عن دار سايمون وشوستر عام ١٩٣٢، ويبلغ عدد صفحاته ٥٧٤ صفحة، وهو ما يجعل وصفه بأنه «مقدمة قصيرة» مفارقة لافتة منذ البداية.

فى المقتطفات المتاحة، ينبه بيتكين إلى الأثر المتراكم للأخطاء والتحيزات والتعصب، حين تصدر عن أعداد كبيرة من البشر لا يعانون بالضرورة اضطرابًا عقليًا. ويرى أن خطورة الغباء الاجتماعية تأتى من انتشاره، ومن وجود أصحاب سلطة يتصفون به، ومن إمكان اجتماع قدرات مرتفعة مع قصور شديد فى الحكم.

ويستحضر عالم السياسة والمال والصناعة والصحافة، وينتقد قرارات مالية وإنتاجية سيئة، وإخفاء الحقائق المؤلمة، فى سياق يشير فيه إلى أزمة عام ١٩٢٩.

وهنا يختلف مدخله عن مدخل تشيبولا الذى ناقشناه من قبل. فتشيبولا يقدم نموذجًا محددًا للمكاسب والخسائر، بينما تفتح مقتطفات بيتكين سؤالًا أوسع عن القصور البشرى وآثاره الاجتماعية. ولذلك لا أنقل تعريف أحدهما إلى الآخر، ولا أتعامل مع الكتابين باعتبارهما نظرية واحدة.

فمن وجهة نظرى القدرة ليست ضمانًا للحكمة.

أهم ما يستوقفنى فى طرح بيتكين هو إمكان اجتماع القدرة العالية مع سوء التقدير.

قد يمتلك الإنسان ذاكرة قوية، ولسانًا فصيحًا، ومهارة فى الحساب، لكنه لا يحسن تقدير أثر قراره على غيره. وقد ينجح فى تخصص دقيق، ثم يتحدث فى شئون المجتمع بثقة تتجاوز معرفته.

وأرى أن مصدر الخطر هنا هو انتقال الثقة من مجال إلى كل المجالات. فالنجاح يمنح صاحبه مكانة مستحقة، لكنه قد يغريه بالاعتقاد أنه لم يعد يحتاج إلى السؤال.

من حق العالم أن يُحترم فى علمه، ومن واجبه أن يدرك حدود هذا العلم. ومن حق المسئول أن يقرر فى نطاق مسئوليته، ومن واجبه أن يستمع إلى المعرفة التى لا يملكها.

إن الحكمة تتطلب إدراك حدود القدرة، إلى جانب امتلاكها.

وأجد فى فكرة تراكم الأخطاء معنى بالغ الأهمية.

فنحن نلاحظ الكارثة حين تقع، لكننا قد لا ننتبه إلى القرارات الصغيرة التى مهدت لها: تحذير لم يُقرأ، ومعلومة حُجبت، وإجراء استمر رغم فشله، وصاحب خبرة ابتعد لأنه لم يجد من يسمعه. كل واقعة تبدو محدودة إذا نظرنا إليها وحدها. لكنها حين تتكرر، تتحول إلى طريقة فى العمل.

ومن وجهة نظرى، فإن تدهور المؤسسات يبدأ أحيانًا من اعتياد القصور. يصبح التأخير طبيعيًا، وتصبح الشكوى إزعاجًا، ويصبح البحث عن السبب تهديدًا لمن اعتاد الوضع القائم.

ثم تأتى أزمة كبيرة، فنظن أنها ظهرت فجأة، بينما كانت تتكون فى تفاصيل تجاهلناها طويلًا. لكننى أتحفظ على بيتكين، لأنى لا أرى أن نقد الغباء يبرر احتقار الإنسان.

وتظهر فى بعض مقتطفات بيتكين لغة حادة تصنف بشرًا تصنيفًا ينتقص من إنسانيتهم، وتصور العلاقة بينهم وبين الآخرين فى صورة صراع إقصائى. وهذه لغة أتحفظ عليها، مهما كانت حدة النقد الذى يريد الكاتب توجيهه.

فإذا تحول الحديث عن الغباء إلى تقسيم الناس إلى بشر يستحقون الاحترام وآخرين أدنى قيمة، فقد أنتجنا تحيزًا جديدًا ونحن ننتقد التحيز.

وأفضل أن نحدد الفعل الذى نراه قاصرًا، والأسباب التى أدت إليه، والأثر الذى ترتب عليه، وفرصة تصحيحه. هذا أدق من إطلاق حكم شامل على الإنسان.

كما أرفض أن تصبح الكلمة تفسيرًا جاهزًا لكل ما لا نفهمه. فقد يكون وراء السلوك خوف، أو تضارب مصالح، أو معلومات ناقصة، أو نظام يكافئ الطاعة ويعاقب المبادرة. ولكل سبب معالجة تختلف عن الآخر.

أرى أن المجتمع يحتاج إلى مؤسسات تستطيع تحويل الخطأ إلى معرفة.

يتطلب ذلك أن تكون النتائج قابلة للفحص، وأن تصل المعلومات إلى أصحاب القرار، وأن يستطيع أهل الخبرة الاختلاف معهم، وأن توجد مسئولية واضحة عن تجاهل الأدلة.

ويتطلب أيضًا تعليمًا يدرب الطفل على التفكير فى أسباب إجابته، وعلى تغييرها حين يظهر دليل أقوى. فإذا ربطنا التفوق منذ الصغر بتكرار ما يقوله صاحب السلطة، فلا ينبغى أن نفاجأ لاحقًا بضعف الاستقلال فى الحكم.

والحرية، فى هذا السياق، تمنح المجتمع وسيلة لاكتشاف قصوره. فالرأى المختلف قد يكشف تكلفة لم يرها صانع القرار، أو بديلًا لم يضعه فى حسابه.

لا أريد أن أخرج من كتاب بيتكين أكثر استعدادًا لوصف الآخرين بالغباء. أريد أن أخرج أكثر انتباهًا إلى إمكان قصورى أنا، وإلى الشروط التى تجعل هذا القصور قابلًا للتصحيح.

فالأداة الحديثة تستطيع تنفيذ القرار بسرعة، لكنها لا تضمن سلامة الغرض الذى اختيرت من أجله. وكلما اتسعت قدراتنا، احتجنا إلى عناية أكبر بما نستخدمها فيه.

ولهذا فإن السؤال الذى أراه أهم من سؤال عدد الأغبياء هو: هل نبنى مجتمعًا يسمح للعقل بأن يراجع نفسه، أم مجتمعًا يكافئ اليقين حتى حين تكذبه النتائج؟

إن تقدم الأمم يحتاج إلى المعرفة، وإلى شجاعة الاعتراف بما لم نعرفه، وإلى مؤسسات تمنع أن يصبح خطأ إنسان واحد قدرًا لا يستطيع الآخرون تغييره.