الجميلة تقرأ.. الجريمة التى لم ترتكبها مارلين مونرو
- التحقت عام 1951 بدورتين أدبيتين فى برنامج التعليم الممتد بجامعة كاليفورنيا فى لوس أنجلوس
- امتلكت عند وفاتها عام 1962 مكتبة تضم أكثر من 400 كتاب
لم يكن أكثر ما يستحق التأمل فى صورة مارلين مونرو وهى تقرأ رواية «يوليسيس» لجيمس جويس هو الكتاب الذى بين يديها، بل مقدار الدهشة التى أحاطت بالصورة نفسها. امرأة يعرفها العالم بملامحها الشقراء وابتسامتها الشهيرة تجلس فى هدوء، غارقة فى صفحات رواية تُعرف بتعقيدها الأدبى، فتبدو اللقطة، فى نظر كثيرين، أقرب إلى مفارقة تستدعى التفسير. لماذا بدت القراءة فعلًا تحتاج إلى إثبات؟ ولماذا لم يكن من السهل على بعض المتلقين أن يتصوروا أن المرأة التى صنعت منها هوليوود أيقونة للجمال يمكن أن تكون لها علاقة جادة بالأدب أيضًا؟

فى عام ١٩٥٥، التقطت المصورة إيف أرنولد هذه الصورة لمونرو فى لونغ آيلاند بنيويورك. وبعد عقود، لم تفقد اللقطة قدرتها على إثارة الأسئلة، بل تجاوزت قيمتها بوصفها صورة لنجمة سينمائية إلى مساحة أوسع تتقاطع فيها الثقافة مع الشهرة، والجندر مع صناعة الصورة، والإنسان الحقيقى مع الشخصية التى يختار الآخرون رؤيتها فيه. وقد تناولت مؤرخة الفن غريزلدا بولوك الصورة فى دراسة أكاديمية نشرتها مجلة Journal of Visual Culture عام ٢٠١٦، متوقفة عند ما تحمله من دلالات تتصل بتمثيل المرأة، وبالعلاقة بين الصورة السينمائية والتصورات الثقافية المحيطة بها.
لم تكن مونرو بحاجة إلى كتاب كى تثبت أنها أكثر من صورتها الشهيرة، لكن الكتاب وضع الجمهور أمام احتمال لم يكن منسجمًا تمامًا مع الشخصية التى اعتادها. فقد أمضت سنوات فى صناعة السينما تؤدى أدوارًا ارتبطت بالمرأة الجميلة التى يسهل الاستهانة بذكائها، حتى اختلط الدور بالممثلة، وصارت الشخصية التى تقدمها على الشاشة أقرب إلى تعريف جاهز لها فى الحياة. لم يكن ذلك نتيجة اختيارها وحدها؛ فالصناعة التى منحتها الشهرة أسهمت أيضًا فى تثبيت صورتها، والجمهور الذى أحبها من خلالها لم يكن دائمًا مستعدًا لرؤية ما يقع خارج إطارها.
لكن العودة إلى تفاصيل الصورة تكشف جانبًا أكثر أهمية من مجرد التناقض الظاهرى بين نجمة الإغراء ورواية صعبة. فبحسب المادة المنشورة على الموقع الرسمى لتركة إيف أرنولد، كانت مونرو تقرأ مقطع موللى بلوم، الشخصية التى تختتم رواية «يوليسيس» بمونولوجها الشهير، فى إطار استعدادها لعملها التمثيلى مع لى ستراسبرغ. وبذلك، لا تبدو القراءة منفصلة عن مهنتها، ولا مجرد مشهد اختير لإنتاج صورة مثيرة للدهشة؛ بل ترتبط بعمل ممثلة كانت تتعامل مع النصوص والشخصيات بوصفها جزءًا من أدواتها المهنية.
وهنا تكتسب الحكاية معناها الأعمق. فالمشكلة ليست أن امرأة جميلة تقرأ رواية صعبة، بل أن الصورة التى رسختها السينما عنها جعلت بعض الناس يتعاملون مع هذا المشهد باعتباره أمرًا غير متوقع. وكأن الجمهور لا يكتفى بأن يقرر ما يحب أن يراه فى النجم، بل يضع له حدودًا غير مكتوبة، ثم يستغرب عندما يتحرك خارجها. لقد كان من السهل قبول مونرو فى الشخصية التى ألفها الجمهور، أما الاعتراف بتعدد اهتماماتها فكان يحتاج إلى استعداد للتخلى عن صورة مريحة، حتى لو كانت ناقصة.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند النظر إلى ما نعرفه عن علاقتها بالكتب. ففى مراجعة نشرها Los Angeles Times فى ٢٥ مايو ٢٠٢٦ لكتاب غيل كروثر «Marilyn and Her Books: The Literary Life of Marilyn Monroe»، أشار الناقد مارك أثيتاكيس إلى أن مونرو التحقت عام ١٩٥١ بدورتين أدبيتين فى برنامج التعليم الممتد بجامعة كاليفورنيا فى لوس أنجلوس. كما امتلكت، عند وفاتها عام ١٩٦٢، مكتبة تضم أكثر من ٤٠٠ كتاب، واحتوت بعض الكتب على تعليقات وكتابات بخط يدها، فضلًا عن وجود فواتير شراء وشهادات عن اهتمامها بأعمال أدبية متنوعة.
هذه التفاصيل لا تمنحنا نافذة كاملة على عالمها الداخلى، لكنها تجعل اختزال علاقتها بالقراءة فى لقطة عابرة أمرًا يصعب الدفاع عنه. فهناك فرق بين إثبات امتلاك الكتب وإثبات قراءة كل كتاب من الغلاف إلى الغلاف، وبين الأمرين مساحة لا ينبغى ملؤها بالتخمين. وتشير المراجعة نفسها إلى أن بعض الشهادات، ومنها ما أورده زوجها الثالث آرثر ميلر فى مذكراته، شككت فى مدى إتمامها قراءة الكتب التى كانت تقتنيها. وفى المقابل، تطرح الأرشيفات والملاحظات والشهادات الأخرى صورة أكثر تعقيدًا من الحكم القاطع بأنها كانت تقرأ لمجرد الاستعراض.
والأهم أن هذه المساحة غير المحسومة ليست نقطة ضعف فى الحكاية، بل جزء من دلالتها. فنحن لا نملك سجلًا كاملًا يتيح لنا الجزم بما قرأته مونرو كله، ولا نحتاج إلى امتلاك هذا السجل كى نعترف بأن علاقتها بالأدب كانت جديرة بالبحث. ما يستحق الانتباه هو أن قدرتها على القراءة ظلت موضع تشكيك واسع، بينما لم يُمنح هذا الجانب من حياتها دائمًا الاهتمام نفسه الذى حظيت به تفاصيل مظهرها وعلاقاتها وأدوارها السينمائية. ويشير كتاب كروثر، كما تعرضه المراجعة، إلى أن الصحفيين لم يسألوها بما يكفى عن قراءاتها، رغم أن حياتها كانت مليئة بالأسئلة التى تتعلق بصورتها العامة.
لعل هذا هو الخيط الذى يصل بين مونرو ومجتمعنا اليوم: نحن لا ننظر إلى الأشخاص بالطريقة نفسها التى ننظر بها إلى صورهم. الصورة تختصر، أما الإنسان فيقاوم الاختصار. وحين تتكرر ملامح معينة لشخص ما فى الأفلام والمجلات والإعلانات، يصبح من السهل أن نعاملها بوصفها حقيقة كاملة، وأن ننظر إلى أى تفصيل يخالفها باعتباره استثناءً يحتاج إلى تفسير. وهكذا لا تعود المشكلة فى غياب المعرفة وحده، بل فى استعدادنا أحيانًا لرفض المعرفة التى لا تتفق مع توقعاتنا.
لم يكن جمال مونرو هو العائق أمام ثقافتها، ولم يكن اهتمامها بالأدب بحاجة إلى أن يُقدَّم باعتباره اكتشافًا مذهلًا. الذى يستحق المساءلة هو المعيار الذى يجعل الجمال والفكر يبدوان، فى بعض الأذهان، صفتين متنافستين. فهذا المعيار لا يظلم امرأة مشهورة فحسب، بل يكشف عن طريقة أوسع فى تصنيف البشر: نمنح كل شخص دورًا فى أذهاننا، ثم نندهش عندما يتصرف بما يتجاوز ذلك الدور.
ولا يعنى هذا أن كل صورة لامرأة تقرأ تحمل بالضرورة رسالة احتجاج، أو أن كل تشكيك فى علاقة شخص بالكتب نابع من تحيز متعمد. فالصورة وحدها لا تكشف عن نيات المصورة أو مونرو، كما لا تسمح لنا بالتعميم على كل من علّق عليها. لكن تكرار الدهشة والسخرية من اجتماع الجمال والقراءة يفتح بابًا مشروعًا للسؤال عن جذور هذه التصورات، وعن الطريقة التى تؤثر بها الصور النمطية فيما نعدّه ممكنًا أو مقنعًا أو مستحقًا للتصديق.
وهنا تنتقل الحكاية من هوليوود إلى الثقافة نفسها. فالثقافة التى يُفترض أن توسع نظرتنا إلى العالم قد تتحول، فى بعض الممارسات، إلى علامة اجتماعية نتباهى بها. لا يعود الكتاب وسيلة لفهم تجربة إنسانية أو اكتشاف فكرة جديدة، بل يصبح جزءًا من صورة نرغب فى تقديمها عن أنفسنا. نستعرض أسماء الكتّاب، ونستدعى الاقتباسات، ونستخدم المصطلحات المعقدة لإثبات المعرفة، بينما قد لا يترك كل ذلك أثرًا يُذكر فى طريقة حديثنا عن الآخرين أو أحكامنا عليهم.
ولا يمكن اختزال الثقافة فى عدد الكتب التى نقرأها، كما لا يمكن قياسها بقدرتنا على اجتياز اختبار فى الأدب. قد يقرأ المرء أعمالًا عظيمة ويبقى أسير التعصب، وقد يمتلك شخص لم يدرس الفلسفة معرفة إنسانية عميقة اكتسبها من التجربة والتأمل والإصغاء. ما تمنحه القراءة فى أفضل حالاتها هو فرصة لمراجعة المسلّمات، والاقتراب من تجارب تختلف عن تجاربنا، واكتشاف أن العالم أكثر تعقيدًا من الأحكام السريعة التى نرتاح إليها.
من هذه الزاوية، لا تحتاج مونرو إلى أن تتحول إلى أيقونة ثقافية مضادة لأيقونتها السينمائية، ولا إلى أن نثبت أنها كانت قارئة مثالية كى ننصفها. فذلك سيعيد إنتاج الاختزال نفسه، لكن فى اتجاه معاكس: سنستبدل صورة المرأة الجميلة التى لا يُنتظر منها التفكير بصورة المرأة المثقفة التى يجب أن تثبت جدارتها باستمرار. أما الإنصاف الحقيقى فيبدأ من قبول أن الإنسان لا يحتاج إلى أداء دور محدد كى يستحق أن يُنظر إليه بجدية، وأن اهتماماته لا ينبغى أن تتحول إلى امتحان يقرره الآخرون.
ولعل الصورة التى التقطتها إيف أرنولد بقيت حية؛ لأن السؤال الذى تطرحه لم ينتهِ. فبعد مرور أكثر من سبعة عقود، ما زلنا نناقش ما إذا كانت مونرو تقرأ حقًا، وما إذا كانت تعرف ما بين يديها، وما إذا كان اهتمامها بالأدب جادًا بما يكفى. وفى المقابل، لا تتوقف صورتها الأشهر عن الدوران فى الذاكرة العامة، حاملة معها الشخصية التى عرفها العالم وأحبها. وبين الصورتين تظهر المسافة التى يمكن أن تفصل الإنسان عن الانطباع الذى يستقر عنه.
ربما كل ما فى الأمر أننا عرفنا مارلين مونرو من صورتها أكثر مما عرفناها هى نفسها. انشغلنا طويلًا بشعرها الأشقر وأدوارها السينمائية، حتى بدا غريبًا أن نجدها تقرأ «يوليسيس». لكن ما الغريب فى أن تكون امرأة جميلة ومهتمة بالأدب فى الوقت نفسه؟ ربما الحكاية أبسط مما تصورنا، وربما نحن من اعتدنا أن نرى الناس من زاوية واحدة، وننسى أن لكل إنسان جوانب لا تظهر فى الصور، مهما كانت شهرته.

