الأحد 25 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

من «علاء الدين» إلى «موانا».. مذكرات أشهر مخرج فى «ديزنى»: قررت أن أصبح فنانًا للرسوم المتحركة وأنا فى التاسعة

حرف

- رون كليمنتس يصدر مذكراته عن 45 عامًا فى كواليس الشركة الشهيرة

بمجرد سماعنا نغمات «عالم جديد بالكامل»، الأغنية الرئيسية فى فيلم الرسوم المتحركة الشهير «علاء الدين»، الصادر عام 1992، والحائز على «أوسكار» فى دورتها الـ65، نستحضر فورًا شعور الأمان الذى تمنحه الحكايات، وروعة الخيال الطفولى، والبهجة الخالدة لمغامرات أفلام «ديزنى». وعادة ما تثير هذه الأفلام فينا ذكريات دافئة لأوقات أكثر بساطة قضيناها أمام الشاشة، منغمسين تمامًا فى عوالم مليئة بالقصص بعيدًا عن الواقع، وتجعلنا نستعيد ما كنا عليه حين شاهدناها لأول مرة، لتصبح تلك الأعمال الخالدة بمثابة سجلٍ حيٍ لذاكرتنا الجماعية وخيالنا المشترك، مع ما تتمتع به من سحر فريد يتجاوز حدود الزمن، ويغمرنا بدفء الحنين. وككل عشاق أفلام «ديزنى» للرسوم المتحركة، نشعر أحيانًا بالفضول لمعرفة ما وراء العمل، الذى عادة ما يستغرق 90 دقيقة على الشاشة، بدءًا من مراحل تطوير الفكرة، والرحلات البحثية، إلى عمليات اختيار الأصوات والمقطوعات الموسيقية.

وبالتأكيد هناك كتب ودراسات تحدثت عن تلك الجهود الكبيرة حتى يصل الفيلم إلى المشاهدين، لعل أحدثها كتاب «صناعة سحر ديزنى من حورية البحر إلى موانا: حكايات مخرج فى استديوهات ديزنى للرسوم المتحركة»، الذى صدر الثلاثاء ١٣ أكتوبر الجارى، عن دار نشر «راندوم هاوس»، وتستعرض «حرف» تفاصيله فى السطور التالية.

كتاب «صناعة سحر ديزنى من حورية البحر إلى موانا: حكايات مخرج فى استديوهات ديزنى للرسوم المتحركة» من تأليف رون كليمنتس، مخرج ومنتج وكاتب أفلام الرسوم المتحركة المعروف.

ويعد الكتاب بمثابة مذكرات لـ«كليمنتس»، يكشف فيها مسيرته كصانع أفلام مبدع يقف وراء ٤٥ عامًا من سحر أفلام الرسوم المتحركة لـ«ديزنى».

ويستعرض المؤلف كواليس صناعة العديد من أفلامه الناجحة، التى أخرجها بالتعاون مع جون ماسكر لصالح «ديزنى»، مثل «علاء الدين» و«الأميرة والضفدع» و«هرقل» و«حورية البحر» و«موانا».

وخلال صفحات الكتاب، يأخذ «كليمنتس»، البالغ من العمر ٧٣ عامًا، القراء فى رحلة داخل استديوهات والت ديزنى للرسوم المتحركة، بدءًا من أدواره الأولى فى السبعينيات، مثل أفلام «وينى الدبدوب»، وصولًا إلى شراكتته الإخراجية التاريخية مع جون ماسكر فى الأعمال الكلاسيكية البارزة مثل «حورية البحر» و«علاء الدين» و«هرقل» و«كوكب الكنز»، و«الأميرة والضفدع»، و«موانا».

ويتناول المؤلف ثنائيته مع «ماسكر»، وكيفية مساهمة أسلوبهما المشترك بالكتابة والإخراج فى إطلاق «نهضة ديزنى» خلال أواخر الثمانينيات والتسعينيات، ودورهما فى الدفاع عن استمرار فن الرسوم المتحركة المرسوم يدويًا.

يقع الكتاب فى ٥٠٠ صفحة، ويضم أكثر من ١٠٠٠ عمل فنى وصورة من الأرشيف بالألوان الكاملة، ويقدم قصصًا من خلف الكواليس، وتفاصيل خفية ومشاهد محذوفة وحقائق ممتعة عن الأفلام التى شارك فيها المؤلف، بمن فى ذلك الأشخاص الذين عملوا مباشرة على الأفلام وكان لهم تأثير فى صناعتها، ورحلات البحث وعمليات اختيار الفنانين والمؤدين الصوتيين وكُتّاب الأغانى، ومراحل كتابة السيناريو وتطوير الشخصيات وبناء العوالم الخيالية.

كما يكشف، أيضًا، عن العملية الإبداعية بدءًا من لوحات القصة والابتكارات التقنية، مرورًا بتسجيل الأصوات والرسوم المتحركة، ثم اللقطات النهائية، والعروض الأولية، وكيفية التعامل مع الملاحظات وإجراء التعديلات بناءً عليها، والجولات الصحفية، والعروض الافتتاحية، وحفلات الاستقبال، ومواسم الجوائز، وتطوير إرث «ديزنى».

ويستعرض «كليمنتس» رحلته، بدءًا من بداياته المتواضعة فى ولاية آيوا، حيث نشأ فى كنف أم عزباء، وصولًا إلى عمله كرسام ومخرج فى استديوهات «ديزنى»، بعدما قرر أن يصبح فنانًا للرسوم المتحركة فى الشركة الشهيرة وهو فى التاسعة من عمره، وذلك بعد مشاهدته نسخة مُعاد عرضها لفيلم «بينوكيو» عام ١٩٤٠، فى دار عرض محلية بمسقط رأسه فى مدينة «سيوكس سيتى».

وفى عام ١٩٧٤، وهو فى الـ٢٠ من عمره، قُبل فى برنامج تطوير المواهب التابع لاستديوهات «والت ديزنى» للرسوم المتحركة، الذى كان قد أُنشئ حديثًا آنذاك، وفيه عمل تحت إشراف نخبة من كبار فنانى الرسوم المتحركة.

لاحقًا، شارك كفنان رسوم متحركة فى أفلام مثل: «المنقذون» عام ١٩٧٧، و«تنين بيت» فى نفس العام، و«الثعلب والكلب» عام ١٩٨١. كما عمل فنانًا للوحات القصص المصورة فى فيلم «المرجل الأسود» عام ١٩٨٥، وشارك فى إخراج فيلم «المحقق الفأر العظيم» عام ١٩٨٦.

بدأ «كليمنتس» بعد ذلك شراكة إبداعية مع زميله المخرج جون ماسكر، وشارك فى تأليف وإخراج أفلام: «حورية البحر» عام ١٩٨٩، و«علاء الدين» عام ١٩٩٢، و«هرقل» عام ١٩٩٧، و«كوكب الكنز» عام ٢٠٠٢، و«الأميرة والضفدع» فى ٢٠٠٩، و«موانا» فى ٢٠١٦.

وعن فكرة الكتاب، قال رون كليمنتس إنه فى الأصل جاء كمشروع كُلف به هو وصديقه «ماسكر» لتوثيق تاريخ قسم الرسوم المتحركة فى «ديزنى»، بدءًا من وفاة والت ديزنى عام ١٩٦٦ وحتى العقد الثانى من القرن الـ٢١.

لكن مع تقاعد «ماسكر» من «ديزنى» عام ٢٠١٨، بعد مسيرة امتدت لـ٤٠ عامًا، تحول المشروع إلى مذكرات شخصية، علمًا بأن «كليمنتس» تقاعد من «ديزنى» عام ٢٠١٦، قبل أن يعود إلى الشركة فى ٢٠٢٥ بصفته مستشارًا.

رون كليمنتس
رون كليمنتس

عن اختيار الصوت لشخصية «جنى المصباح» فى فيلم «علاء الدين» عام ١٩٩٢، كشف «كليمنتس» أن السبب فى اختيار النجم الراحل روبن ويليامز للأداء الصوتى لم يكن لأنه كان ممثلًا مشهورًا ومحبوبًا فى تلك الفترة، بل بفضل بطولته لعمل فنى فى «ديزنى وورلد».

ويوضح «كليمنتس» أن «ويليامز» كان نجمًا سينمائيًا كبيرًا فى ذلك الوقت، لكن هذا لم يكن السبب إطلاقًا وراء اختياره لدور «الجنى» فى فيلم «علاء الدين»، مشيرًا إلى أن السبب الحقيقى هو بطولته لفيلم قصير عُرض فى «ديزنى وورلد» أظهر مهاراته الكوميدية المذهلة فى تقمص الشخصيات، وهى مهارات بدت مثالية للرسوم المتحركة.

الفيلم المقصود هو «عودة إلى أرض الأحلام»، الذى عُرض عام ١٩٨٩ ضمن جولة حول فنون الرسوم المتحركة فى استديوهات «ديزنى» بفلوريدا آنذاك، هو ما أقنع «كليمنتس» و«ماسكر» بأن «ويليامز» هو الاختيار الأمثل لدور «الجنى».

لكن الإشكالية أنهما لم يعرفا ما إذا كان سيبدى اهتمامًا بالمشاركة أم لا فى فيلم رسوم متحركة طويل يتطلب جهدًا مختلفًا ومساحة من الوقت، ففى «علاء الدين»، الذى تدور أحداثه حول شاب فقير يعثر على مصباح سحرى يمنحه ٣ أمنيات، يتحول «الجنى» (بصوت ويليامز) إلى شخصيات متنوعة، بدءًا من «بينوكيو» و«إد سوليفان»، وصولًا إلى «رودنى دانجرفيلد» و«جاك نيكلسون»، فى مزيج من محاكاته العديدة للمشاهير خلال الدور. وحتى فى نهاية الفيلم، يرتدى «الجنى» زيًا يشبه ذلك الذى ظهر به فى «عودة إلى أرض الأحلام» كمحاكاة أيضًا لشخصيته فى الفيلم. وحسب ما أكده «كليمنتس»، كتب هو و«ماسكر» شخصية «الجنى» خصيصًا من أجل روبن ويليامز. وبعد عرض فكرة الفيلم عليه، مدعومةً بتجربة تحريك أُرفقت بمقطع صوتى من أحد ألبوماته الكوميدية، وافق روبن ويليامز على الفور.

وكشف المؤلف عن أنه فى مرحلة ما، ساد شعور بأن المفاوضات مع روبن ويليامز قد تواجه صعوبات، مشيرًا إلى أن مسئولى «ديزنى» طلبوا منه ومن «ماسكر» اقتراح بدائل أخرى لأداء دور «الجنى».

ورغم أنهما قدما قائمة بأسماء بديلة، لم يرد الثنائى التفكير فى أى شخص آخر لأداء هذا الدور سوى «ويليامز»، وقالا لمسئولى «ديزنى»: «يجب أن يكون روبن»، معتبرين أنه «من الصعب تخيل أى شخص آخر بدور الجنى».

كشف «كليمنتس» عن أن «هاديس» وهو شخصية الشرير فى فيلم «هرقل» الذى عُرض عام ١٩٩٧، كُتبت خصيصًا للنجم جاك نيكلسون ولكنه لم يحصل على الدور.

ويوضح أنه بعد اجتماع إيجابى، لم تتوصل «ديزنى» و«نيكلسون» إلى اتفاق بشأن العقد، وفى النهاية، وقع الاختيار على جيمس وودز، الذى أضفى لمسته الخاصة على شخصية «هاديس» الذى يُعد من أشهر وأبرز الأشرار فى تاريخ أفلام الرسوم المتحركة، من خلال إضافة حوارات ارتجالية. وعلى الرغم من أنه هو و«ماسكر» كتبا شخصية «هاديس» لـ«نيكلسون» فى الأصل، فإنه من الصعب الآن تخيل أى شخص آخر غير جيمس وودز فى دور «هاديس».

وكان من الممكن أن يؤدى نجم آخر هذا الدور لولا خلاف واحد، فعندما كان المخرجان رون كليمنتس وجون ماسكر يضعان الخطوط العريضة لفيلم الرسوم المتحركة الكلاسيكى «هرقل»، رأى «ماسكر» أن جاك نيكلسون سيكون مثاليًا لتجسيد دور الشرير، حتى إنه رسم تصميمًا أوليًا للشخصية يشبه «نيكلسون» فعلًا.

واعتقد «ماسكر» أن صوت «نيكلسون» سيكون ممتازًا لشخصية «هاديس»، إله العالم السفلى المظلم، وبعد ترتيب لقاء، بذل فريق العمل قصارى جهدهم لإقناعه، حيث أعد فنان الرسوم المتحركة أندرياس ديجا- الذى شارك فى ابتكار شخصيات مثل «جعفر» فى «علاء الدين»، و«سكار» فى «الأسد الملك»، و«هرقل» نفسه- عرضًا خاصًا مستوحى من أحد أشهر أعمال «نيكلسون» لجذب اهتمامه. وبالفعل أخذ «كليمنتس» و«ماسكر» جملة حوارية لـ«نيكلسون» من فيلمه الشهير «بضعة رجال أخيار» للمخرج روب راينر، وطلبوا من «أندرياس» تنفيذ اختبار تحريك لشخصية «هاديس» لتتناسب مع تلك الجملة، ونظرًا لاحتواء الحوار على ألفاظ جريئة، كانوا يعلمون أنهم لا يستطيعون عرضه علنًا، لكنهم ظنوا أن «جاك» قد يجد الأمر طريفًا ومسليًا.

وكانت العبارة، حين يثور جاك نيكلسون- فى دور العقيد ناثان جيسوب- فى وجه الملازم كافى الذى يؤدى دوره توم كروز، قائلًا بحدة: «انتبه لنبرة صوتك يا قائد.. أنا رجل منصف، لكن هذا الضغط أو التوتر يجعلنى أفقد صوابى تمامًا»، وبالفعل بدا «نيكلسون» مستمتعًا بالعرض التوضيحى للرسوم المتحركة، كما عرضوا عليه مشهدًا كاملًا يُقدّم شخصية «هاديس» ومساعديه.

ولأنهم كانوا يعلمون أنه من معجبى أول فيلم رسوم متحركة طويل من إنتاج «ديزنى»: «سنو وايت والأقزام السبعة»، فقد أحضروا أيضًا رسومات أصلية بالقلم الرصاص من ذلك الفيلم ليعرضوها عليه وعلى ابنته «لورين»، التى حضرت وهى ترتدى زىّ الشخصية، وقدموا له حقيبتين مليئتين بمنتجات ديزنى، كانت عبارة عن «دمى محشوة»، وبدا أن الأمور تسير على ما يرام، لكنهم واجهوا عقبة.

وكانت تلك العقبة أن ديزنى لم تتوصل مع «نيكلسون» إلى اتفاق بشأن العقد، لم يكن الأمر يتعلق بالأجر والمال فحسب، فقد أراد «جاك» حصة من أرباح المنتجات التجارية المرتبطة بالفيلم، وهو أمر حصل عليه فى فيلم «باتمان» للمخرج تيم بيرتون عام ١٩٨٩ عندما جسد شخصية «الجوكر».

وكشف «كليمنتس» أن نيكلسون طلب أجرًا يتراوح بين ١٠ و١٥ مليون دولار مقابل الدور آنذاك، بالإضافة إلى حصة قدرها ٥٠٪ من أرباح المنتجات التجارية الخاصة بشخصية «هاديس»، وبالنسبة لديزنى، كان هذا شرطًا مرفوضًا تمامًا، ما اضطره هو و«ماسكر» للبحث عن بديل.

وعلى الرغم من أن جيمس وودز انضم لاحقًا إلى العمل وقدم أداءً ممتعًا للغاية للشخصية، محولًا الحوار- الذى كان يتسم ببطء الإيقاع والسخرية على غرار أسلوب جاك نيكلسون إلى مزيج يجمع بين «بائع سيارات مستعملة ووكيل مواهب فى هوليوود»- فإن صناع الفيلم قرروا المضى فى اتجاه مختلف.

بعد ذلك، استعان فريق العمل بجون ليثجو دون إجراء تجربة أداء، لاعتقادهم بأنه يمتلك «تلك النبرة الساخرة والتهكمية» حيث صُممت الشخصية فى الأصل لتناسب جاك نيكلسون، وذلك بعد مشاهدة لقطات تجريبية للرسوم المتحركة مدمجة مع حوار مأخوذ من أحد أفلامه.

وعندما جاء جون ليثجو لتسجيل دوره، أدى المهمة بشكل جيد، لكنه لم يكن جاك نيكلسون، وغادر كليمنتس وماسكر الجلسة وهما يشعران أكثر فأكثر بأنهما ارتكبا خطأً، فلم يكن الخطأ خطأ ليثجو، بل كان خطأهما فى اختيار الممثل غير المناسب لهذا الدور تحديدًا، رغم أن الممثل المناسب كان أمام أعينهما مباشرة.

وبعد أن فشل أداء «ليثجو» فى إقناع مايكل آيزنر، الرئيس التنفيذى لشركة ديزنى آنذاك، خلال عرض خاص، قرروا الاستغناء عنه للبحث عن بديل، وفى وقت لاحق، شارك «ليثجو» فى الأداء الصوتى لشخصية «اللورد فاركواد» فى فيلم «شريك» عام ٢٠٠١، تحت إشراف جيفرى كاتزنبرج، المسئول التنفيذى السابق فى الشركة.

وبعد رفض «نيكلسون»، واستبعاد «ليثجو»، سُعد جيمس وودز بتلقى اتصال من كليمنتس وماسكر بعد فترة طويلة من الانتظار، ووافق على قبول الدور فورًا، وأضفى لمسته الخاصة تمامًا على الشخصية، حيث أدخل جملًا إرتجالية لم تكن فى النص حتى، وهو يعتبر هذا الدور واحدًا من أكثر الأدوار متعة التى قدمها على الإطلاق.