الخميس 27 أغسطس 2026
المحرر العام
محمد الباز

أميرة لا تموت.. روح ديانا فى القصر الملكى البريطانى

حرف

رغم أنهن من بين الأشهر فى العالم، تُعد نساء العائلة المالكة البريطانية الأكثر تعرضًا لسوء الفهم والغموض، فعلى مر التاريخ، تمّ تجميل صورة «زوجات وندسور» وتقديسهن من قِبل المعجبين، وتشويههن من قِبل النقاد ووسائل الإعلام، فهل هن قديسات أم مذنبات؟ أميرات مثاليات أم دوقات مغرورات؟ منقذات أم مُدمرات للنظام الملكى.

عدة كتب صادرة حديثًا حاولت الإجابة عن هذه التساؤلات، بداية من «زوجات وندسور الأربع: القصة الداخلية لديانا وكاميلا وكاثرين وميجان»، و«فرق تسد: اكتشف الحياة الحقيقية لنساء العائلة المالكة» و«كاثرين وديانا»، والتى يتزامن صدورها مع أكثر من ذكرى للأميرة ديانا، من بينها عيد ميلادها وزواجها وذكرى وفاتها.

 

نشر سيمون فيجار، أحد أقدم المراسلين الملكيين فى التليفزيون البريطانى، سيرة ذاتية مُجمعَة للقوة الحقيقية وراء العائلة المالكة البريطانية فى العصر الحديث، تحمل عنوان: «زوجات وندسور الأربع: القصة الداخلية لديانا وكاميلا وكاثرين وميجان»، الصادرة عن دار نشر «بنجوين راندوم هاوس»، فى ٣٠ يوليو المنقضى، وجاءت ضمن قائمة صحيفة «صنداى تايمز» للكتب الأكثر مبيعًا.

ويكشف المؤلف، فى كتابه المكون من ٣٤٥ صفحة، الكثير من التغييرات التى ارتبطت باسم «الأميرة ديانا» داخل النظام الملكى، واصفًا إياها بـ«أكبر مُغيّرة»، فحتى عندما توفيت، غيّرت طريقة تعبير العائلة المالكة، وعامة الناس، عن حزنهم علنًا.

يقول عن ذلك: «هناك تذكير مادى يومى بـ(ديانا)، وهو علم المملكة المتحدة فوق قصر باكنجهام، والذى لم يكن ليُرفع لولا ما حدث فى الأسبوع الذى تلى وفاتها. أسميه (علم ديانا)، لأنه لولا كل ذلك الغضب والصدمة والحزن، لما كان علم المملكة المتحدة موجودًا اليوم».

ويوضح أن الملكة إليزابيث رفضت تغيير البروتوكول المتبع بوضع العلم فى القصر الملكى عندما لا يكون الملك مقيمًا فيه، وبالتالى تنكيسه، قبل أن تخضع الملكة لضغوط شعبية هائلة لإظهار اهتمام العائلة المالكة، وتغيّر رأيها عشية الجنازة.

ويقول المؤلف، الذى عمل مراسلًا لشئون العائلة المالكة فى القناة الخامسة البريطانية لنحو عقدين، إن «الأميرة ديانا»، التى توفيت ٣١ أغسطس عام ١٩٩٧، كان لها أثرٌ بالغٌ على النظام الملكى الذى انضمت إليه بزواجها من الملك تشارلز، ولى العهد آنذاك، قبل ٤٥ عامًا، فى ٢٩ يوليو ١٩٨١.

ويشرح: «ديانا كانت تشعر بأن القدر يحيط بها، بصفتها الأرستقراطية الوحيدة بين النساء الأربع. كانت على دراية واسعة بالقصر، فقد نشأت فى بارك هاوس فى ساندرينجهام، وكانت على معرفة بالعائلة المالكة. كما أن أختها الكبرى كانت على علاقة بتشارلز. هى صاحبة التأثير الأكبر، وتجلّى ذلك بشكل أساسى فى أسلوبها الودود مع العامة، وفى تربية ابنيها، الأميران ويليام وهارى».

وعن أسلوب «الأميرة ديانا» فى تربية أبنائها، يقول مؤلف الكتاب إنها حاولت تربيتهم بشكل طبيعى قدر الإمكان رغم الظروف الاستثنائية، موضحًا أنها جعلت العائلة المالكة أقرب إلى الناس وأكثر ودًا، وكان تأثيرها هائلًا.

ويتطرق إلى اختيار «ديانا» المدرسة لأبنائها، موضحًا أن التحاقهم بكلية «إيتون» كان قرارًا شخصيًا لها، إذ درس شقيقها ووالدها هناك، وبالطبع، كانت أقرب بكثير إلى منزلهم من «جوردونستون»، حيث لم يكن «تشارلز» سعيدًا على أى حال بهذا القرار.

لكن حتى بعد وفاتها بما يقرب من ٣ عقود، أثر ذلك على اختيار ابنها الأمير ويليام والأميرة كيت للمدرسة لابنهما الأكبر، الأمير جورج، الذى سيبدأ دراسته أيضًا فى «إيتون»، خلال سبتمبر المقبل.

ويُحلل «فيجار»، فى كتابه، الأثر الذى أحدثته «الأميرة كيت»، زوجة ولى العهد، فقد كان لعائلتها، بقيادة والديها «كارول» و«مايكل»، دورٌ محورىٌ، ولا تزال تضطلع بدورٍ أساسى فى تربية الجيل القادم من العائلة المالكة، بمن فيهم «الأمير جورج» البالغ من العمر ١٣ عامًا، والذى يُتوقع له أن يصبح ملكًا فى يومٍ من الأيام.

يقول عن «كيت»: «أدركت الملكة إليزابيث الثانية مبكرًا مدى أهمية دورها، وكانت عائلة ميدلتون هى الركيزة الأساسية لذلك. كان ويليام يُحب الذهاب إلى باكليبيرى، مسقط رأس كيت، لتناول غداء يوم الأحد التقليدى»، مضيفًا: «يمكن ملاحظة ذلك فى طفولة جورج وشارلوت ولويس الحالية. فهى طفولةٌ خاصةٌ فى معظمها، باستثناء مناسباتٍ مثل الظهور فى استعراض الألوان وحفل الترانيم السنوى».

ويضيف: «لقد استخلصت العائلة المالكة العبر من تجربة ديانا. كيت أيضُا ليست من النوع الخجول، بل لديها أفكارها الخاصة، وتطرح أسئلةً قيّمةً فى الخفاء»، مشيرًا إلى أن «كيت» و«ويليام»، إلى جانب «الأمير هارى» وميجان ماركل، أزواجٌ «حبهم مختلف عن حب تشارلز وديانا».

ويشير كاتب السيرة إلى أن علاقة «تشارلز» و«ديانا» تميزت باختلاف جوهرى عن علاقات أبنائهما، مبينًا أن الأزواج الأصغر سنًا «كانوا مغرمين بطريقة لم تكن عليها علاقة تشارلز وديانا».

ويضيف: «أسهم نهج والدتهما الأميرة ديانا المبتكر فى تمهيد الطريق لزوجتى ابنيها كيت ميدلتون وميجان ماركل، لذا ما حاولوا فعله هو تحسين حياتهم الأسرية، ثم العمل على صورتهم العامة، وهذا يختلف تمامًا عن كيفية تنظيم النظام الملكى فى الأجيال السابقة. ديانا هى صانعة التغيير التى جعلت ذلك ممكنًا».

صدرت فى ٢٣ يونيو الماضى سيرة ذاتية مجمعة بعنوان «فرق تسد: اكتشف الحياة الحقيقية لنساء العائلة المالكة فى الماضى والحاضر» (Divide and Rule: Discover the Real Lives of Royal Women Past and Present)، عن دار نشر هاربر كولينز، من تأليف الكاتبة الصحفية كاثرين ماير. يتناول الكتاب حياة الشخصيات النسائية المحورية فى عائلة وندسور، مثل آن بولين، وإليزابيث الأولى، وفيكتوريا، وإليزابيث الثانية، وديانا، وكاميلا، وكيت، وميجان.

تكشف المؤلفة فى نحو ٤٥٠ صفحة كيف وُضعت النساء الملكيات عبر التاريخ ـ بما فى ذلك الأميرة ديانا، فى مواجهة بعضهن البعض، وكيف أُسىء فهمهن وقُيّدن من قبل وسائل الإعلام والمؤسسة الملكية البريطانية. 

وتسلط الضوء على تأثير تعاطف ديانا وأعمالها العامة البارزة، مثل مصافحتها لمرضى الإيدز، وكيف أعادت تشكيل التصور العام عن العائلة المالكة، بينما عرّضها ذلك لضغوط شخصية وإعلامية شديدة.

وترى المؤلفة أن عاطفة ديانا ومثاليتها الرومانسية، رغم أنها أكسبتها مكانة فى قلوب الملايين، أثرت على حياتها وزواجها، وتتابع جذور تعاطفها منذ أيام الدراسة وحتى عملها الرائد مع مرضى الإيدز، مستعرضة مفاهيم الحب الخيالية التى تبنتها فى مراهقتها، والشكوك التى راودتها قبل زواجها من الأمير تشارلز عام ١٩٨١.

وتقول: «قبل أن تُصبح (أميرة الشعب) بزمن طويل، يتذكر أصدقاء ديانا شابةً تميزت بتعاطفها. ففى المدرسة، كُلفت ديانا وزميلاتها بأدوار تطوعية فى المجتمع المحلى، وكان دورها زيارة امرأة مسنة. بينما اكتفى العديد من معاصريها بالحد الأدنى المطلوب، كرّست ديانا ساعات إضافية، حتى إنها كانت تتغيب أحيانًا عن الحصص الدراسية لزيارة من ترعاهم».

وتكتب المؤلفة: «تقول إحدى أقدم صديقاتها: كانت بلا شك من أكثر الناس رأفة وتعاطفًا ممن قابلتهم فى حياتى. منذ جولاتها الأولى، كانت تتواصل مع الغرباء الذين يمدّون لها يد العون. فى عام ١٩٨٧، أمسكت بيد مريض بالإيدز، فى مشهد شهير يُظهر تحدّيها للخرافات المحيطة بانتقال المرض».

وتشير «كاثرين» إلى أن ديانا لم تدرك أن تشارلز عاجز عن منحها الحب الذى كانت تتوق إليه، وأن هذا الحب لم يكن سوى خيال معاصر للحب العذرى. قبل أن تلتقى بزوجها المستقبلى، نشأت لديها مشاعر حب من بعيد تجاه أحد إخوته، إذ كانت ترسل لـ«أندرو» بطاقة عيد الحب كل عام حتى بلغت الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، دون الكشف عن هويتها، ما اعتبرته المؤلفة من أغرب ما كشفه الكتاب.

وتوضح أن «تشارلز» كان يشبه شخصيات رجال «روايات كارتلاند» فى جانب واحد: عجزه عن التعبير عن مشاعره، فصمت أبطالها يخفى معاناة الوحدة، إذ يقيدهم الماضى والتقاليد، حتى تأتى امرأة صالحة قادرة على فتح قلوبهم، وهى فكرة متكررة فى رواياتها البالغ عددها ٧٢٣ كتابًا، وفى مختلف أدبيات الرومانسية، بما فى ذلك نسخ قصة سندريلا.

وتكشف المؤلفة أن مخاوف ديانا ظهرت فى الأيام الأخيرة قبل الزفاف الملكى، إذ أخبرت شقيقاتها فى اللحظة الأخيرة أنها تريد إلغاء الزفاف، فأجبنها بأنه فات الأوان. 

كما تصدر سيرة ذاتية مزدوجة بعنوان «كاثرين وديانا: القصة الكاملة لكيفية تأثير أميرتى ويلز على النظام الملكى الحديث» (Catherine & Diana: The Inside Story of How the Princesses of Wales Shaped the Modern Monarchy)، فى سبتمبر المقبل عن دار نشر هاشيت، من تأليف الكاتبة الصحفية الأكثر مبيعًا إنجريد سيوارد المتخصصة فى شئون العائلة المالكة. 

يكشف الكتاب حياة اثنتين من أشهر حاملات لقب «أميرة ويلز» وأكثرهن شعبية: ديانا وكيت، حيث يُعد هذا اللقب، المستخدم منذ أكثر من ٧٠٠ عام، أحد أرفع المناصب فى العائلة المالكة البريطانية.

وتوضح «إنجريد» فى كتابها المكوّن من ٣٠٠ صفحة أنه على الرغم من أن ديانا وكيت لم تتح لهما فرصة اللقاء، فإنهما تزوجتا من أسرة واحدة هى «العائلة المالكة». 

وتروى القصة الكاملة لعلاقتهما بالتاج منذ طفولتهما ومراحل دراستهما وحتى زفافهما الملكى وما بعده، من خلال مقارنة واستكشاف حياتهما وعلاقاتهما العاطفية، وما حدد دورهما كأميرتين، وجوانب شخصية كل منهما قبل وبعد انضمامها إلى «آل وندسور».

وتقارن المؤلفة بين حياة كاثرين وديانا، أميرتى ويلز، وأدوارهما العامة وتجارب كل منهما، مبرزة أوجه التشابه بينهما، فكلتاهما من خلفيات غير ملكية، واضطرتا للتعامل مع الحياة داخل المؤسسة الملكية، وكيف شكّل الضغط الشعبى والإعلامى مساريهما داخل النظام الملكى البريطانى. ورغم أن كيت وديانا لم تلتقيا وجهًا لوجه، فإن إرثهما لا يزال متشابكًا بعمق فى نظر العامة.

وتشير السيرة الذاتية المزدوجة إلى وجود تشابه كبير بينهما فى أدوارهما كأميرتين شهيرتين لويلز وأمهات لملوك بريطانيا المستقبليين، إلى جانب اختياراتهما المتقاربة فى الأزياء الكلاسيكية. ومع ذلك، هما شخصيتان مختلفتان تمامًا، لكل منهما نشأتها وطباعها ومسارها الخاص داخل العائلة المالكة؛ فديانا نشأت فى الطبقة الأرستقراطية البريطانية ولها صلات تاريخية بالعائلة المالكة رغم خلفيتها العائلية المضطربة، بينما نشأت كيت فى أسرة متماسكة من الطبقة المتوسطة العليا ذات جذور تجارية عصامية.

وترى المؤلفة أنهما تتشابهان أيضًا فى أسلوب الأمومة الدافئ وتفاعلهما المتعاطف مع العامة، حيث تُظهر كلتاهما نهجًا فعّالًا فى تربية أطفالهما الملكيين مع إعطاء الأولوية للحياة الطبيعية.

إلا أن كيت تتمتع بثقة أكبر واتزان أوضح تحت ضغط الإعلام، مقارنة بعلاقة ديانا المضطربة مع الصحافة و«الباباراتزى»، إذ تدير كيت صورتها العامة وخصوصية عائلتها بنشاط عبر وسائل التواصل الاجتماعى الحديثة، بينما تعاملت ديانا مع الإعلام بشكل أكثر عشوائية. وترى إنجريد أن ديانا كثيرًا ما كانت تخفى مخاوفها بالسخرية من الذات أو التعليقات اللاذعة، متجسدة فى صورة «أميرة الشعب» المتقلبة، فيما بنت كيت شخصية ملكية مستقرة ومنظمة ومتزنة.