قصيدة النثر المصرية.. التأسيس الثانى 8
إبراهيم المصرى.. الشِّعر كائنٌ بلا عمل
- «أنا صاحب فلسطين» كتاب لتأكيد حرية الشاعر فى الخيال والإنشاء والقول بعيدًا عن قمع الكليشيهات السائدة
- «اللعب الجمالى» عنصر أساسى فى شعرية إبراهيم المصرى.. نتاج الحرية فى الكتابة
- يدمج القصيدة بالمقال بالتفلسف بالنكتة لينتج نصًا عصيًّا على التصنيف
إبراهيم المصرى «1957»، شاعر من نسيج خاص فى قصيدة النثر المصرية الحديثة، شاعر صاحب طريق وخيال وموقف وأسلوب، كما أنه شاعر مُكثر أصدر حتى الآن ثلاثة عشر ديوانًا ولديه مخطوطات لدواوين ومشروعات كتب قيد الطبع، بدأ الكتابة ضمن قصيدة النثر مبكرًا، فى ذروة سطوة القصيدة التفعيلية على الشعر المصرى، تاريخ كتابة ديوانه «وجبة الماء.. وجبة الكهرمان» يعود لسنة 1984، لكنه نشر شعره متأخرًا نسبيًا، فالديوان المشار إليه نشر فى العام 2013، والدواوين اللاحقة المكتوبة فى الثمانينيات والتسعينيات مثل «الليل أسود»، «لا ينسى أكثر ولا ينسى أقل» نشرت بعد 2007، فضلًا عن بدايته الروائية، إذ كان أول أعماله روايات وتحقيقات صحفية مطولة، أضف إلى ذلك سنوات غربته الطويلة وطباعته معظم دواوين فى دور نشر عربية خارج مصر، واختياره أن يعيش فى عزلة هادئة بمدينة الإسكندرية بعد عودته من الخارج.. إذن نصل إلى النتيجة الراهنة: شاعر مهم فى غربة مركبة، بعيد عن المشهد ولا يلتفت كثيرون لتجربته المختلفة الثرية وسط الانشغال بالمعارك الزائفة حول المفاهيم والأجيال والكلام الفارغ عن تراجع الشعر فى مصر أمام سطوة الرواية.

أمامى الآن ثلاثة عشر ديوانًا لإبراهيم المصرى، منها المخطوط ومنها المنشور، حسب تاريخ كتابتها: «وجبة الماء.. وجبة الكهرمان»، «الليل أسود»، «لا ينسى أكثر ولا ينسى أقل»، «الزَّهْرَوَرْدِيَّة»، «الديوان العراقى»، «مقتطفات البيرة»، «الوعى والوجود»، و«الشعر كائن بلا.. عمل»، «مرايا نادية ومناديلها»، «ماكينة صنع القصائد»، «نهاية العالم كما نألفه»، «ساريانومات»، «أنا صاحب فلسطين».
الطريف أننا كلما بحثنا عن الشاعر إبراهيم المصرى فى «جوجل» تظهر لنا عناوين لدواوين كان ينوى إصدارها بالفعل، لكنها لم تصدر، أو ما زالت مشروعات فى الأدراج منها مثلًا: ««قهوة فاخرة لمزاجٍ عاطل»، «الديوان الإنسانى»، «عصفور يمر مخمورًا»، «نصلُ متأخرين إلى.. الموت»، «كم نبذِّر من الحياة كلَّ يوم» وغيرها، الأمر الذى يعنى أنه دائمًا مشغول بالتأليف وبالمشروعات الكتابية، سواء اكتملت أم لا، مثلما هو مشغول باستفزاز السيد القارئ وتقليب التصورات المستقرة عن قصيدة النثر، بسلاح أبيض محمىٌّ فى النار.

كنت قسمت أعمال إبراهيم المصرى إلى أربعة أقسام- ليست مراحل- القسم الأول ويتضمن دواوين مثل «وجبة الماء.. وجبة الكهرمان»، «الليل أسود»، «لا ينسى أكثر ولا ينسى أقل»، والقسم الثانى يتضمن دواوين: «الزَّهْرَوَرْدِيَّة»، «مرايا نادية ومناديلها ٢٠١٣»، «أيتها الفراشة.. يا اسم حبيبتى»، «ساريا نومات»، والقسم الثالث يتضمن: «الشعر كائن بلا عمل» و«ماكينة صنع القصائد» و«مقتطفات البيرة»، والقسم الرابع يتضمن: «الوعى والوجود»، «نهاية العالم كما نألفه» و«أنا صاحب فلسطين»، وهى أقسام تشهد تطور وعى الشاعر جماليًا بقصيدة النثر، وكيف تحول مفهومه من إنتاج القصيدة التى تبحث عن قارئ إلى إنتاج خطاب شعرى منقطع تمامًا عن مفهوم القارئ، منفتح على الخيال وعلى دمج الأنواع الكتابية بالسرعة التى تتطور بها وسائط المعرفة من حولنا. لكنى بدلًا من أن أبدأ بالقسم الأول من أعمال الشاعر، سأبدأ بالقسم الأخير الأكثر استفزازًا وتجريبًا وخصوصية، وبالطبع الأكثر جرأة وحرية.
إن أعمالًا مثل «الوعى والوجود» و«نهاية العالم كما نألفه» و«أنا صاحب فلسطين»، فضلًا عن أنها أعمال جريئة من حيث تجربتها وممارسة الشاعر للحرية فى كتابتها تتضمن مجموعة من المرتكزات التى تخص تجربة إبراهيم المصرى، وأول هذه المرتكزات، أن الشاعر لا ينطلق من فكرة القصيدة المفردة وإنما ينطلق من الموضوع الشعرى، فهو عندما يلم به هاجس أو تشغله فكرة أو لقطة، يتداولها بينه وبين نفسه ويقلب جوانبها، لا ليكتبها من باب القصيدة وإنما ليصممها كمشروع كتابى ممتد، وموضوع قيد المعالجة ومجال للاختمار والإنتاج، ومن ثم ينفتح الموضوع الشعرى على اللقطات والتأملات والتفلسف والتنظير والتعقيب على ما هو رائج من أحداث وشخصيات وأخبار، كما ينفتح الموضوع الشعرى على اليوميات وعلى مزاج الشاعر وانشغاله الآنى بما يطفو على ذاكرته من أفكار أو بقايا أحلام أو صور ومجازات.
الانطلاق من الموضوع الشعرى وليس من القصيدة، يضع الشاعر فى موضع المحقق الصحفى والروائى وكاتب الإسكريبت التليفزيونى وقارئ نشرة الأخبار الملتزم بالخطوط الموضوعة، كما يضعه فى موضع المعقب على الأفكار بالتحليل المنطقى، والحال على هذا النحو، يكون لكل موضوع شعرى لغته وبلاغته وخطابه، كما يكون لكل موضوع شعرى الشكل الذى يظهر به على الصفحة البيضاء، ورغم أن الأعمال الثلاثة «الوعى والوجود» و«نهاية العالم كما نألفه» و«أنا صاحب فلسطين»، ينطبق عليها مفهوم الموضوع الشعرى إلا أنها مختلفة على مستوى البلاغة والتناول والانحياز إلى نوع محدد من الكتابة «قصيدة - مقال - يوميات - تأملات - سرد».
يصدر إبراهيم المصرى كتاب «الوعى والوجود - ميريت ٢٠٠٩» بالمقطع التالى: محض جمال خالص/ ركبة الليل/ أنفاسه/ خمائره النخامية/ محض ماء/ يغلى بانتباه الروح/ وباشتعال أفئدة/ تؤنس الفراغ/ محض نزوع إلى الشفقة/ تمسح بالعويل شعر امرأة/ وتمد الحياة بأهوالها. ثم ينطلق من هذا التصدير المغلق على نفسه إلى تيار من المقاطع المتتابعة فى ثلاثة أقسام: الباب - الباب الخلفى - الخروج، وفى هذه الأقسام الثلاثة يحاكم إبراهيم المصرى الوعى الإنسانى شعريًا على جميع الجرائم التى ارتكبها فى حق الإنسان نفسه وفى حق الوجود.
قد يتساءل البعض وهو محق، أهذا ديوان شعر أم كتاب فلسفى؟ هل يمكن أن يتصدى شاعر مثلًا لاختبار السؤال القديم: أيهما أسبق الوعى أم الوجود شعريًا؟ وهل يمكن أن يتصدى شاعر على مدى ثلاثمائة صفحة لتبرئة الوجود مما اقترفه الوعى الإنسانى من جرائم لتزييف الوجود الحقيقى، وصناعة وجود زائف من التصورات والاستعارات؟ هل يمكن أن ينشئ شاعر خطابًا شعريًا لتمحيص مقولة فلسفية شديدة الصعوبة والتركيب؟
«أنجب الوعى.. لا الوجود/ خلاصات قذرة/ حين ائتلف الذكاء الاصطناعى مع مربع الدائرة/ ميكنة الروح قامةٌ/ تدب مع الطين فى الكمبيوتر/ وفى التلسكوب العظائى لمشاعرنا/ أين للوجود أن يثغو/ مهيض النعومة بالصواريخ وناقلات النفط/ مفتتًا فى بدائل أقراص مدمجة وشرائح إلكترونية/ تدجن للواقع الافتراضى واقعه/ قلت ينتصر الوعى فى هجاء الحضارة/ كيف والمشاعر خاثرة/ بافتراض الحليب من المنجنيز».
نحن إذن أمام خطاب نبيل، ثورى، فى هجاء الحضارة الغربية المادية التى وصلت إلى آخر أطوار انحطاطها، وبلغت من السطوة والطغيان أنها تتجبر وتفرض طورها المنحط الأخير على العالم بأسره، سواء فى تحويل الإنسان من كائن أسمى إلى شىء، وتحويل القيم الروحية إلى مجرد سلعة فى الأسواق وتبرير البربرية والهمجية والعدوان، وتفريغ المنجز الحضارى الإنسانى على مدار التاريخ من مضمونه وصولًا إلى أن يعاقب الهمجى المعتدى هيئات القانون الدولى، نعم هو خطاب ثورى نبيل، وهو جديد فى توجهه، فلم أعرف شاعرًا تصدى لمحاكمة الوعى الإنسانى المجرم والانتصار للوجود الفعلى أمام الوجود الزائف الذى يصنعه الوعى الإنسانى، لكننا لا بد أن نسأل هنا ونحن نتناول تجربة شعرية: إلى مَن يتوجه الشاعر؟ إلى قارئ الشعر أم دارس الفلسفة؟
أكاد أسمع إبراهيم المصرى وهو يصرخ: القارئ وهم والشاعر حر، القارئ ليس موجودًا والشاعر ليس فى فيلم إنسبشن، القارئ أحد القيود التى صنعها الوعى الزائف حتى يسمح بتدجين الخيال والكتابة على منوال بعينه، القارئ إحدى الوسائل الخفية لكبت حرية الكاتب والشاعر، لكبحه ومنعه من الجنون والاختلاف والطيران والانشقاق والتمرد إلى آخر الأفعال الفردية المجيدة.
نعم، لكنى مع ذلك أقول إن إبراهيم المصرى فى كتابه «الوعى والوجود» قد تبنى بلاغة ومجازًا وسبكًا لغويًا ينتمى إلى قصيدة النثر المعروفة، كما أنه توسع فى المعجم ليضم عناصر العلوم من فيزياء وجيولوجيا وفلك ورياضيات إلى أطراف الفلسفة من ظاهرية وبنيوية على غرار حفريات ميشيل فوكو، لكن يظل سؤالنا مفتوحًا: إلى أين أوصله خطابه النهائى، إلى التفلسف أم إلى إنتاج شعرية جديدة؟ بمعنى آخر، هل كان الشافعى فى قوله «شَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظى/ فَأرشَدنى إِلى تَركِ المَعاصى/ وأخبرنى بِأنَّ العلمَ نورٌ/ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعاصى» فقيهًا أم شاعرًا؟


خاضت قصيدة النثر الحديثة معارك جمالية ضارية بحثًا عن استقلالها، والاستقلال هنا ليس عن القصيدة التفعيلية فقط وميراثها فى الأذن العربية وفى التلقى المشاع الذى يريد الرقص مع الشعراء والتصفيق على إيقاعاتهم، وإنما عن قصيدة النثر أسيرة الينابيع التى تستمد منها قصيدة التفعيلة إيقاعاتها الأصلية مثل القرآن الكريم ونصوص الكتاب المقدس وميراث القصيدة العربية، وأيضًا الاستقلال عن النصوص النثرية ذات الإيقاعات اللغوية العالية من زخرفة وجناس وتوشية واحتكام إلى نهايات الجميل المتشابهة.
هل يمكن القول إذن إن قصيدة النثر قد نجحت فى اكتشاف إيقاعات تخصها بمعزل عن ميراث القصيدة العربية وتاريخها الممتد؟ نعم استطاعت قصيدة النثر المصرية اكتشاف إيقاعات مختلفة ومتعددة تميزها وتفرض حضورها بمعزل عن الميراث الشعرى، وأول مرتكزات إيقاع قصيدة النثر هو الانحياز إلى الكتابية والانقطاع عن الشفاهية، فالكتابية تستلزم القراءة وأداتها الرئيسية العين، أما الشفاهية فتستلزم السماع وأداتها الرئيسية الأذن، والعين القارئة تعمل مع الخيال على إعادة إنتاج العالم الشعرى الذى تترجمه العين من الصفحة المكتوبة، أما الأذن فتوقظ الحواس الخارجية للإنسان وصولًا إلى تحقق الانتشاء والطرب لما يروقه مما يسمع، سواء كان أداء دراميًا من الشاعر أو تضخيمًا وتفخيمًا للألفاظ أو تركيزًا وضغطًا على القوافى وتقطيعًا منغمًا للتفعيلات المنشئة للمعانى.
الكتابية فى قصيدة النثر تسعى إلى إثارة الذهن والخيال لا الحواس الخارجية، وإثارة الذهن إنما تتأتى من الصور الجديدة وحشد العوالم والشخصيات والأزمنة على الصفحة، مع الاستفادة القصوى من الفنون البصرية مثل التشكيل والسينما وكذلك الوعى بجغرافيا الصفحة والعلاقة بين البياض/ الفراغ والسواد/ الكلام، ولنقرأ معًا النص الأول من كتاب إبراهيم المصرى «نهاية العالم كما نألفه - دار المتوسط ٢٠٢٠»:
«يمدُّ زوربا الشاطئَ طويلًا لأقدامِكم، ويدعوكم إلى فتنةٍ يسبقُنا الصباحُ إليها، وقد رافقتُه طيورٌ سلَفُها الأعلى سَنطورٌ قديم. والمجدُ للشجاعةِ وقد حملَ صاحبُها مُخيِّلةً غريبةَ الأطوار، تهجرُ عَالَمًا، وتستقبلُ آخرَ بالرقصِ والموسيقى، أو تستقبلُ البحرَ حاضنةً لنقراتِ الحياة، على طبلٍ مُحيطُه أعشاشٌ تسكنُها كائناتٌ قَلِقَة. ويا حضراتكم.. المُغامرُ والمُتعلِّمُ والجاهلُ وعازفُ السَّنطور، تمرُّ القرونُ تلوَ القرونِ والعَالَمُ فى انسجامِه مع المُغامرة، يُجِّدُ المعرفةَ أو الجهلَ أحيانًا، وأحيانًا يُجِّدُ طيورًا سلَفُها الأعلى سَنطورٌ» - ص١١.
نتوقف هنا أمام مجموعة من السمات الأولية، ومنها توزيع السطور على الصفحة البيضاء، فالشاعر اعتمد مفهوم المقطع الدوار أو الكتلة بديلًا عن السطر الشعرى المكون من عدد قليل من الكلمات، وفى ذلك إخفات للإيقاع الشفاهى لأدنى درجة ممكنة مقابل إعلاء من الإيقاع الكتابى المعتمد على تفاعل العين والذهن والخيال مع ما يتلقى. أيضًا استخدام الشاعر الرموز أو الشخصيات الأيقونية ليربط بينها وبين قصيدته، أو ليحضرها بمحمولها البصرى وما تتضمنه الذاكرة المتلقية عنها لتكون هذه الشخصية الأيقونية إشارة للمتلقى بالذهاب إلى عالم محدد، ونحن هنا أمام شخصية «زوربا» اليونانى كما جسدها كازانتزاكس فى الرواية، وكما جسدها أنتونى كوين فى فيلمه الشهير بإخراج مايكل كاكويانيس وسيناريو كازانتزاكس نفسه، ولنا أن نتساءل ما ضرورة حضور زوربا اليونانى هنا فى النص؟ أهو مجرد الترصيع ؟ تزيين الكلام بأعلام ومشاهير؟ أم أن زوربا هنا يمثل الصراع بين المعارف المستقاة من الكتب والمعارف والخبرات الحياتية المتحصلة من سنوات الشقاء والحرية والمتعة؟ زوربا فى النص الشعرى حاضر ومعه عالم غرائبى من الكائنات والمتلقين أيضًا منهم المغامر والمتعلم والجاهل وعازف السنطور، وكأن هذا التشكيل هو مفردات العالم عبر الزمن، إلا أن الشاعر ما يلبث أن يضىء هذا التشكيل بجملة مفتاحية تنتصر للمغامرة التى يمثلها زوربا على التقليد الذى يمثله التحصيل الأعمى.
هذا الاستخلاص لا يمكن أن يتأتى تحت الإيقاع الراقص أو البحث عن التطريب والتناغم اللفظى، وإنما يتأتى من تفاعل الذهن والخيال لدى المتلقى مع النص الشعرى المقروء، وهو جوهر الكتابية التى انحازت إليها قصيدة النثر المصرية، يقول إبراهيم المصرى فى المقطع رقم ٣١٦ والأخير من الكتاب:
«بَدءًا وخِتامًا، أنا إبراهيم المِصرى وبالسخريةِ اللازمةِ لمنازلةِ الأشباحِ، كتبتُ هذا الكتابَ عن (نهايةُ العَالَمِ كما نَأْلَفُه). وبالتقويم الجريجورى، سقطتُ من الظَّنِّ إلى اقتباسِ الحرير يوم ٧ أكتوبر عام ١٩٥٧ ولا أضاعفُ منزلةَ الأرقامِ بالرأسِ الضخمِ للقَدَرِ كما لو كان ثورًا ينطحُ أمِّى، فكنتُ أنا الدليلَ الوحيدَ على كتابةِ كتابٍ كهذا. ولا يوجدُ فى جوفِ الأرضِ ما يُغرى بالمواتِ الشِّعرى، وإنَّما الإنسانُ أيضًا بأورامِه الغليظةِ من زمنٍ رقيقٍ إلى زمنٍ أَرَق. وقد علمنا أنَّ وسائلَ المواصلاتِ مُشبَّعةٌ باليود، والفجر باقتباسِ نافذةٍ على ظهرِ حصانٍ يركضُ نحو الأفق، كما سأركضُ إلى عملى صباحًا وقد اكتفيتُ من المعرفةِ بشمسِها، ومن العَالَمِ بأنَّه أنا وقد نِمتُ مشجوجَ الفؤاد، والمِلحُ يُلطِّخُ أحلامى، كما لو كنتُ سآتى لكم بالشمسِ من المغرب، وهذا لن يحدث. وما سوف يحدثُ.. آنساتى سيداتى سادتى.. أنَّ هذهِ فى الوهجِ الدمويِّ للسُّلطةِ والقِنانة، نهايةُ العَالَمِ كما نَأْلَفُه»- ص ١٦٦.
إذن نحن أمام عالم ممسوخ حاضر فيه كائن كافكا الشهير جريجور سامسا بطل المسخ الذى استيقظ فوجد نفسه صرصارًا كبيرًا، وتحت هذا الضوء يسحبنا الشاعر وسط زحمة من الإشارات إلى هذا العالم الكابوسى المستمر والمتفاقم، وحيث لا مفر أمام الشاعر الذى يلهث فى الدائرة الجهنمية للعالم الممسوخ إلا أن يواجه المأساة التى عبر عنها كافكا بالسخرية اللاذعة ومزيد من الاستهانة بكل ما يجرى.

يستطيع إبراهيم المصرى أن يدهشنا دائمًا بانفلاته الجمالى واختباراته القاسية لحريته فى القول والإنشاء، فعل ذلك فى «مقتطفات البيرة»، والسعى إلى الكتابة فى غرض شعرى عربى قديم وهو الخمريات وقدم لنا ديوانًا جميلًا للغاية فى أفراح البيرة وأتراحها، فى تفاعلها وتأثيرها على الشاعر، فى ضرورتها لتمرير العقبات والمرارات وإحراز التوازن الكافى للبقاء على قيد الحياة.
الديوان الصادر عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة ٢٠٠٨، ويتضمن ٢٣٠ مقطعًا شعريًا فى ٢٤٠ صفحة من القطع المتوسط، تشير بوضوح إلى أن التجريب فى غرض عربى راسخ مثل الخمريات ممكن بلغة راهنة وذائقة معاصرة وطرافة شاعر صعلوك يعى جيدًا أبعاد حريته ويحافظ عليها ويختبرها باستمرار.
يقول إبراهيم المصرى فى «مقتطفات البيرة»:
«البيرةُ.. زورق/ ينسابُ ناعمًا فوق نهرٍ هادئ/ لا تعرف البيرةُ عن أوصافها
كلَّ هذا الجمال/ لكنها تؤدى مهمتها بكفاءة/ وأكثر من ذلك/ تدعونى إلى الرقص.
ويقول أيضًا:
Cristy
Margarita
Ramonethe
Rheymel
Mary
نادلاتٌ ساهمن بالكثير/ الكثير من الابتسامات/ وبدفع البيرةِ إلى التدفق على مائدتى
وأنا أكتب هذا الكتاب/ لندعو لهن/ بأزواج صالحين ومحبِّين للبيرة - ص ٢٠٧.
وصف الخمر وحاملها من جميلات النساء جزء من الغرض الشعرى الذى يتواصل من امرئ القيس والمنخل اليشكرى وأبى نواس وحتى إبراهيم المصرى، وإنى لأجد «المصرى» فى هذا الديوان امتدادًا أصيلًا لأبى نواس المجدد الأكبر فى غرض الخمريات الشعرى، وأول شاعر يؤنسن الخمر ويحاورها ويدافع عنها وينزلها منزلة فكرية وروحية عالية، وانظروا لقوله: «عاذلى فى المدام غيرَ نصيح/لا تَلُمنى على شقيقة روحى/ لا تَلُمنى على التى فتنتنى/وأرتنى القبيحَ غيرَ قبيح/ قهوةٌ تتركُ الصحيحَ سقيمًا/ وتُعيرُ السقيمَ ثوبَ الصحيح» بينما يقول المصرى: «البيرةُ والحزن نديمان/ حتى وإنْ جاء أحدهما من الحنطة/ والآخر من أعصابى/ أشربُ البيرةَ لتحمينى من الحزن/ فيقف كلٌّ منهما إلى جانب الآخر/ ويتناوبان صفعى» - ص ١٤٨.
ونقرأ أبيات المنخل اليشكرى وفيها ما تفعله الخمر بالشارب، وبعدها نرى ماذا قال «المصرى» فيما فعلته به البيرة:
«ولقد شربتُ من المدامة بالصغير وبالكبير/ فإذا انتشيتُ فإنّنى ربُّ الخَوَرنق والسّدير/ وإذا صحوتُ فإنّنى ربُّ الشويهة والبعير- المنخل اليشكرى»، بينما يقول إبراهيم المصرى: «كلما توغلتُ فى البيرة/ تطفو غابةٌ أمامى/ ليس حفيفُ أشجارها/ ما يدل على الحياة/ إنما البيرةُ تروى الغابة/ فتورق الأشجارُ والحياة».
......
«أشرب البيرةَ أحيانًا/ خلفَ زجاجٍ يسقط عليه المطر/ و.. رويدًا.. رويدًا /تحولنى البيرة/ إلى أنْ أكون أنا/ الزجاجَ والمطر»- ص٨٨.
يحسب لإبراهيم المصرى سعيه إلى التجديد فى غرض مهجور من أغراض الشعر العربى مثل الخمريات، بل والتجريب فى هذا الغرض الشعرى لينضم إلى الأراضى المكتسبة فى قصيدة النثر المصرية، وهو يفعل ذلك بروح عصرية ولغة رائقة سهلة والتقاطات ذكية، ترفع البيرة إلى مستوى الصديق والكنز الذى يفتح طاقة التعبير أمام الشاعر، والباب الذى يفضى إلى كثير من الصور الجميلة.


لعل أشهر تعريف للشعر العربى ما زال حيًا فى قاعات الدرس على الأقل، هو تعريف قُدامة بن جعفر «٣٣٧هـ»، قبل أكثر من ألف عام بأن الشعر «قول موزون مُقفى يدل على معنى»، وهو التعريف الذى فتح بابًا للجدل لم يغلق حتى الآن، وبعد قدامة بنحو مائة وعشرين سنة، اقترح ابن رشيق القيروانى «٤٥٦هـ»، تعريفًا جديدًا أسماه «حد الشعر»، وفيه يقوم الشعر على أربعة أشياء: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية، ويسبق هذه الأشياء الأربعة نية الشاعر قرض الشعر وليس مجرد تقفية الكلام، كما أن دافع الشعر بحسب ابن رشيق أربعة أيضًا وهى «الرهبة والرغبة والغضب والطرب» مما يرتبط وثيقًا بالأغراض الشعرية، وبعد قدامة بن جعفر وابن رشيق القيروانى بأكثر من ألف عام، أصدر الشاعر الراحل توفيق صايغ مجموعته الشعرية «ثلاثون قصيدة» - بيروت ١٩٥٤، فقامت الدنيا ولم تقعد منذ ذلك الحين، لأن توفيق صايغ قدم كلامًا جديدًا تمامًا، قدرة فذة على الإمساك بالمعنى من خلال التراكيب والصور المستمدة من تلاقح ذاكرتين ذاكرته العربية الزاخرة بالتراث العربى التقليدى وذاكرته الإنجليزية المشحونة بعيون الشعر المكتوب بالإنجليزية من أستراليا حتى الولايات المتحدة وبين القارتين كبار الشعراء الإنجليز، وتلقفت مجلة شعر البيروتية الكرة وطفق أدونيس فى ترجمة كتاب سوزان برنار «حول قصيدة النثر» من بودلير إلى أيامنا، وصار ينسب لنفسه نحت مصطلح قصيدة النثر، ونشر أنسى الحاج والماغوط أعمالًا رائدة فى هذا المجال وتوالت التعريفات إلى أن وصلنا إلى الشاعر إبراهيم المصرى الذى أصدر ديوانين مدهشين موضوعهما الشعر وقصيدة النثر، الأول بعنوان: «الشعر كائن بلا عمل- دار بدايات - دمشق ٢٠١٠»، والديوان الثانى بعنوان «ماكينة صنع القصائد - مخطوط».
فى الديوان الأول «الشعر كائن بلا عمل» يسعى إبراهيم المصرى إلى التعريف بالشعر شعرًا، من خلال قصيدة النثر، وعن طريق وعيه الجمالى بالقصيدة فى اللحظة الراهنة، وهو ينزع بالطبع إلى المجاز فى تعريفاته الشعرية للشعر، وعلى سبيل المثال يقول متقاطعًا مع قول عنترة «هل غادر الشعراء من متردَّم/ أم هل عرفت الدار بعد توّهم»: كمْ من الشعر مُكدسٌ على الأرصفة/ ولا نراه/ فقط.../ حينما يهطل المطر/ يجد الشعرُ مرآته التى/ تضيئه فى عيوننا» -ص٥.
ويواصل تعريفاته للشعر:
«ما هو الشعر؟/ إن لم يكن حائطًا/ يسقط عليه ضوءٌ خافت/ حيث تُفرطُ المَسرَّة/ فى صيدِ الأرانب/ وتُفرطُ ريحٌ عابرة فى الشهيق»- ص٧.
«الشعرُ...غرائز آلهة/ تتعالى أو تخجل/ من الحديث عنها هكذا.../ على مرأى من الحياة/ولهذا تكلف بشرًا/ بتدوين الغرائز- ص١١.
«إن أخذنا الشعرَ على محمل الجد/ فلنكن مستعدين لدفع الأرض/ مثل سيارةٍ مُعطَّلة/ إلى أقصى نقطةٍ فى الكون» - ص٩.
«الشعرُ تجسيدٌ للقتل/ إذا أحسن الشاعر/ إطلاق مخيّلته/ نمورًا مذعورة/ وسكاكين تلمع بين أسنانها» -ص١٠.
الشاعر يلعب إذن بتركيب صور فى خياله، بمحاولة الإمساك بتجليات القصيدة، تلك القوة الغامضة التى تأتى مثل وميض البرق أو المرأة الجميلة بعطرها النفاذ، وهو يلعب لأنه فى سبيله للتحرر، حتى يصل إلى أقرب نقطة ممكنة من تلك القوة الغامضة التى يمكن أن تسيطر على العقل، وتملى علينا كلماتنا، ولا ضير من اللعب إذا كان فى اتجاه الشعر.
«يعمل الشعرُ مُضمِّدًا لجروحٍ/ يُولد بها الإنسان/ أمَّا الجروح التى تصيبه فى الحياة/ فيمكنه علاجها/ فى أقرب مستشفى» - ص٩٨.
«الخيرُ والشر قرينان للشعر/ الذى يصبح فى الشر/ وجهًا مرشوشًا بماء النار/ ولا تجدى معه/ كل عمليات التجميل» - ص١٠٣.
إن مفهوم اللعب كما يراه الفلاسفة، ليس مجرد تسلية عابرة أو نشاط ترفيهى بل هو الحالة الجسدية والروحية الوحيدة التى تجعل الإنسان إنسانًا، فإذا كان دافع الحس الذى ينبع من الوجود المادى للإنسان، يدفع صاحبه إلى التغيير وتلبية الحاجات الطبيعية والانقياد للمؤثرت الحسية فى زمنه، وإذا كان دافع الشكل الذى ينبع من الطبيعة العقلانية للإنسان يدفع صاحبه إلى النظام والبحث عن الثابت المستقر من القوانين والانقياد للواجبات والمؤثرات العقلية، فإن دافع اللعب يقوم بدور الوسيط بين دافع الحس ودافع الشكل من خلال الدمج بين العاطفة والعقل وبين الحرية والضرورة، والتحرر كذلك من كل أنواع الإكراه والواجبات بهدف الوصول تصور للجمال أو جوهر الفن أو «الشكل الحى» بتعبير شيللر.

سعادتى شخصية بصدور ديوان «أنا صاحب فلسطين» للشاعر إبراهيم المصرى - دار المتوسط ٢٠٢٦، لمجموعة من الأسباب تخص فن الشعر وتطور قصيدة النثر المصرية وازدهارها، فقد ظللت على مدى ثلاثين عامًا أنادى بضرورة اكتساب الشاعر لحريته واستقلال خياله بعيدًا عن الكليشيهات الشائعة حول مواصفات قصيدة النثر ما بعد الحداثية، وكم ناديت بأن الشاعر حر فى الكتابة عن الفيزياء النووية أو السحر فى القرون الوسطى، عن مثلث برمودا أو عن حركة الفهود الحمر، عن المريخ أو عن اكتشاف المياه على الزهرة، وأن المعيار الوحيد هو قدرة الشاعر على الإتيان بالشعر وأن يدهشنا.
فى ديوان «أنا صاحب فلسطين» يكسر إبراهيم المصرى كيتش قصيدة النثر «التفاصيل الصغيرة وعذابات الذات التى تمارس الكفّ والإخصاء على خيالها، ويشرح فى كتابة حرة فى موضوعها حرة فى خيالها حرة فى اختيارها للشكل الذى يجمع بين مختلف أشكال القول، حرة فى الاسترسال والثرثرة والبوح والتعاطف والتصوير والاعتراض والبصق على وجه القبح.
الديوان الذى يتضمن ٧١ نصًا فى ١٣٦ صفحة من القطع المتوسط، هو ممارسة للحرية ونزوع للتجريب الجمالى بإنشاء نص منفتح على كل أشكال الكتابة وخالٍ من العنصر الوحيد المتعارف عليه فى الشعر المكتوب عن قضية راهنة: الغنائية.
«الدليلُ إلى تحريرِ فلسطين»: أوَّلًا: لا تُخطِئ فى النَّحو/ ولا تظنُّ اللغةَ سائبةَ الاستخدامِ فى غيرِ مقاصدِها، كأن تكتبَ كلمةَ «مقاومة»، ثمَّ تعفى ضميرَكَ من أكياسِ الدمِ التى يحتاجُها المقصوفون، هذا إن عاشُوا حتَّى يصلَهُم دمُك. أو إذا ازدحمَتْ مدرسةٌ بالنازحين، فهل ستذهبُ وتُوزِّعُ الماءَ والبسكويت؟ أم تكتفى بمناشدةِ الضميرِ العالمى وأنتَ تعلمُ أنَّه طعنةٌ فى الظَّهر!/ فاجلسْ صامتًا لا تفتحْ فمَكَ واسمعِ الدليلَ إلى تحريرِ فلسطين/ أوَّلًا: تستحمُّ وترتدى ملابسَ نظيفةً وتُمشِّطُ شَعرَك/ فلسطينُ تأبى أن يكونَ مُحرِّرُوها أجسادًا تنضحُ بالعَرَقِ إلَّا فى ساحاتِ القتال/ أم تظنُّ أنَّكَ ببطالةِ المُناضلِ، بأُغنيَّتَين للشيخ إمام وقصيدتَين لمحمود درويش و«لا تُصَالِحْ» لأمل دُنْقُل، أو بكتابٍ كهذا ستُحرِّرُ فلسطين؟/ يلزمُكَ أيضًا تمارينُ قاسيةٌ فى الرشاقةِ، وقدرةٌ دائمةٌ على الابتسامِ، وفيضٌ من مودَّةٍ لا تتحوَّلُ مع سجائرِكَ الرخيصةِ، إلى هُراءٍ شَعبَوى/ وكتدريبٍ مبدئى على تحريرِ فلسطين، فَكِّرْ فى تحريرِ عقلِكَ، فى إهداءِ صديقِكَ كتابًا، زوجتِكَ قُبلةً، وأُمِّكَ شالًا جديدًا.
لغة مشحوذة وخيال رحب وتعاطف جذرى مع القضية وليس مع مظاهرها الاستهلاكية أو استخداماتها السياسية، وابتعاد عن البكائيات المجانية أو محاولات اللحاق الكلامى بأذيال الموقف والقضية.
وإذ يسعى الشاعر إلى التصدى لقضية أصبحت ملء الشاشات والأسماع والأبصار بصورها البليغة ومأساتها الأفدح من كل عدوان، إنما يتجاوز كل أشكال الإخصاء والكفّ الذاتى والكَبْت الشائعة فى قصيدة النثر المصرية الراهنة، ويلوذ بأمر واحد: حرية القول.. حرية التشكيل.. حرية التجريب.. حرية الخطأ.. حرية تعبيد الطريق دون ضمان الوصول.. حرية الانشقاق عن كل الصفوف.







