السبت 31 أكتوبر 2026
المحرر العام
محمد الباز

عاشق «هن».. الفنان التشكيلى جلال جمعة ينحت المرأة من حديد: «الست كل شىء فى الدنيا»

حرف

المرأة فى الفن ليست مجرد ملامح تُجسَّد، أو هيئة تُصاغ فى كتلة صامتة، بل عالم متنوع من المشاعر والتجارب والحكايات، تتعدد قراءاته بتعدد الرؤى الفنية وزوايا النظر.

هنا تبرز خصوصية النحت بوصفه فنًا يمنح المادة حضورًا حيًا، ويعيد تشكيل العلاقة بين الجسد والفراغ، وبين الملمس والظل، ليترك للمتلقى مساحة لاكتشاف ما وراء الصورة والتفاعل مع العمل وفق تجربته الخاصة.

وفى معرض «هُنَّ» تتجه الأنظار إلى الرؤية الفنية للنحات والفنان التشكيلى الكبير جلال جمعة، وكيفية مقاربته للمرأة من خلال أدوات النحات ولغته التشكيلية، وما يمثله هذا المعرض فى مسيرته الإبداعية، فضلًا عن علاقة التجربة بالقضايا الإنسانية والجمالية التى تشغل الفن التشكيلى المعاصر.

فى هذا الحوار، نقترب من كواليس تجربة النحات جلال جمعة وفلسفتها، ونتوقف أمام دلالات العنوان، وخيارات الخامة والتكوين، ومكانة المرأة فى عالمه الفنى. كما نناقش رؤيته لمستقبل النحت، فى تجربة تدعو إلى التأمل وإعادة اكتشاف ما يمكن للفن أن يقوله حين تصبح الكتلة لغة، ويغدو الصمت مساحة للتعبير.

■ يحمل معرضك الأخير عنوان «هُنَّ»، والذى يضع المرأة فى قلب التجربة الفنية.. ما الفكرة الأساسية التى ينطلق منها المعرض؟ وما الذى أردتَ التعبير عنه؟

- فكرة المعرض تتمحور حول المرأة، لأننى أعتبرها كل شىء فى الدنيا، فهى الأم والزوجة والأخت والصديقة، وهى أدوار كثيرة لا يمكن حصرها. المرأة جميلة بما وهبها الله من صفات، مثل الحنان والحب، بما تمتلكه من قدرة على تحمّل أصعب المسئوليات، بدايةً من الحمل والولادة، ورعاية الأبناء وتربيتهم، وتولى مسئولية شئون المنزل.

من هنا جاءت فكرتى، فأنا أحببت المرأة وقررت التعبير عن هذا الحب بطريقتى الخاصة، من خلال النحت والتشكيل بالسن، وهو المجال الذى أعمل فيه، وأتمنى أن يستطيع الناس تقدير المرأة ورؤية قيمتها كما أراها وأقدّرها.

■ هل تتعامل مع المرأة باعتبارها موضوعًا بصريًا وجماليًا أم بوصفها حالة إنسانية وثقافية تحمل أبعادًا أعمق؟

- فى الحقيقة، أتعامل مع المرأة من المنظورين معًا؛ فهى جميلة، وقد خلقها الله بجمال خاص وصفات كثيرة تجذب الإنسان إليها وتلامس قلبه. فجمال المرأة لا يقتصر على ملامحها وعيونها، بل تكفى ابتسامتها لتترك أثرًا جميلًا فى النفس.

والمرأة لها مكانة كبيرة فى حياتى منذ الصغر، فمنذ أيام المدرسة كنت أحب الحديث مع البنات والتواصل معهن، وحتى بعد الزواج كنت أتمنى أن يرزقنى الله ببنت. لذلك فالمرأة بالنسبة لى ليست مجرد موضوع جمالى أتناوله فى أعمالى النحتية، بل جزء أساسى من حياتى ووجدانى، وهو ما يجعلنى أعبّر عنها من خلال فنى.

■ إلى أى مدى يسعى المعرض إلى تقديم صورة مختلفة عن المرأة بعيدًا عن التمثيلات التقليدية التى اعتادها المتلقى فى الفنون البصرية؟

- حاولت فى المعرض التركيز على الجانب الإنسانى للمرأة، وعلى تأثيرها فى المجتمع بمختلف جوانبه، فهى مؤثرة فى المدرسة والبيت وفى كل مكان، وتأثيرها واضح ويشعر به الجميع، لكننى شعرت بأن المرأة لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافى الذى يُبرز جمالها وقيمتها ويقدمها بصورة تليق بمكانتها.

من هنا جاءت رغبتى فى إقامة هذا المعرض، لأُسلّط الضوء على هذه الجوانب من خلال أعمالى النحتية، وأقدم المرأة بصورة فنية تحتفى بجمالها وإنسانيتها وتأثيرها فى الحياة، بعيدًا عن الاكتفاء بتصويرها فى إطار جمالى تقليدى.

■ كيف يمثل معرض «هُنَّ» امتدادًا لتجربتك النحتية السابقة؟ وما الذى يضيفه إلى مسارك الفنى؟ 

- المعرض أضاف لى أشياء كثيرة جدًا، أولًا أننى لم أكن أعمل بهذا الأسلوب من قبل بهذا القدر، فأنا أعتمد على استخدام خط واحد لتشكيل المجسم ثلاثى الأبعاد، من دون أى لحام، وهو ما يمثل تحديًا وتجربة مختلفة بالنسبة لى فى النحت.

■ هل يحمل عنوان «هُنَّ» دلالة تتجاوز الإشارة إلى المرأة بوصفها مفردًا بصريًا ليصبح احتفاءً بتعدد التجارب النسائية واختلافها؟

- أرى أن المرأة جميلة بطبيعتها، ولديها الكثير من التفاصيل التى تمنحها تميزًا خاصًا، فجمالها لا يقتصر على الشكل فقط، بل يمتد إلى ما تحمله من مشاعر وصفات إنسانية تجعل لها حضورًا مؤثرًا فى حياة الإنسان. ومن خلال النحت أحاول التعبير عن هذا الجمال بطريقتى الخاصة، وإبراز ما أراه فى المرأة من تفاصيل وملامح تستحق أن نتوقف أمامها ونتأملها.

■ كيف تتعامل مع العلاقة بين صلابة الخامة وما قد تحمله الأعمال من مشاعر إنسانية مثل الهشاشة والقوة والحنين والمقاومة؟

- العمل بالحديد ليس سهلًا، لأن الحديد خامة صلبة وجامدة، ومن الصعب أن تمنحك إحساسًا بالنعومة أو الرشاقة أو الرقة، لكننى حاولت من خلال أعمالى أن أُخرج من هذه الخامة الصلبة مشاعر إنسانية مختلفة، تجمع بين النعومة والقوة، بل وحتى الخوف.

كان التحدى بالنسبة لى هو أن أجعل الحديد، رغم صلابته، قادرًا على التعبير عن مشاعر وأحاسيس مختلفة، وأن أجعل المتلقى يشعر بهذه المعانى من خلال العمل النحتى. الفكرة الأساسية هى أن أصل إلى الإحساس الإنسانى باستخدام خامة تبدو فى ظاهرها بعيدة تمامًا عن هذه المشاعر.

■ هل تنطلق فى بناء العمل النحتى من تصور ذهنى مكتمل أم تترك للخامة أثناء العمل دورًا فى توجيه الشكل النهائى؟

- أبدأ بدراسة العمل الذى أريد تنفيذه جيدًا قبل البدء فيه، وأحرص على أن تكون لدىّ رؤية واضحة للتفاصيل التى سأعمل عليها. أدرس الجوانب التشريحية ونِسَبها، وأراعى القواعد والأسس التى تحكم تشكيل العمل، لأن كل هذه التفاصيل تحتاج إلى دراسة وفهم مسبقين حتى أستطيع الوصول إلى النتيجة التى أطمح إليها.

كما أننى أهتم بأن أصل إلى نتيجة أشعر بالرضا عنها شخصيًا قبل أن أقدمها للآخرين. أما الخامة فقد أحببتها كثيرًا، وأشعر بأن بينى وبينها علاقة خاصة، وكأنها هى الأخرى أحبتنى، وهذا ما يجعلنى قادرًا على التعبير من خلالها عن رؤيتى الفنية.

■ هل شهدت رؤيتك للنحت وتحولات الشكل والكتلة تطورًا خلال السنوات الماضية؟ وكيف يمكن رصد ذلك فى أعمال المعرض الجديد؟

- بدأت كهواية، ولم تكن لدىّ الخبرة التى تمكّننى من الوصول إلى الأسلوب الذى أعمل به حاليًا، والقائم على تشكيل العمل من خلال خط واحد، إلا بعد نحو ٣٠ أو ٤٠ عامًا من الممارسة والتجربة.

بالتأكيد، حدث تطور كبير فى أسلوبى على مدار هذه السنوات. كما أننى أقمت العديد من المعارض فى أماكن مختلفة، سواء المعارض الفردية أو مشاركاتى فى المعارض الجماعية. كما شاركت فى المعرض العام ٤ مرات، وأنا حريص دائمًا على تطوير نفسى، وأن يحمل كل معرض جديد اختلافًا ومفاجأة للمتلقى.

وأحاول فى كل تجربة أن أغيّر شيئًا ما، سواء فى الأسلوب أو أحجام الأعمال أو أقطار الحديد الذى أستخدمه، أو حتى الفكرة نفسها، وأميل دائمًا إلى البحث عن التحديات الصعبة التى تدفعنى إلى اكتشاف إمكانات جديدة فى النحت، وهذا هو جوهر التطور بالنسبة لى، ألا أكرر نفسى، وأن أقدم فى كل معرض تجربة مختلفة تضيف إلى مسيرتى الفنية.

■ ما الذى يجعل العمل النحتى قادرًا على الاحتفاظ بحضوره وتأثيره فى زمن الصورة السريعة والاستهلاك البصرى؟

- أعتقد أن العمل النحتى الحقيقى يستطيع أن يترك أثرًا فى المشاهد منذ النظرة الأولى، إذ تنشأ بينه وبين القطعة الفنية علاقة خاصة، تجعل العمل يظل حاضرًا فى ذاكرته ولا ينساه بسهولة.

منحنا الله صفة جميلة، وهى قدرتنا على حب الجمال واكتشافه، بل واستخراجه من القبح، طالما أن الإنسان محاط بالجمال، وقادر على رؤيته وتقديره فى تفاصيل الحياة، فإن الأعمال الفنية التى تحمل هذا الجمال وتترك أثرًا إنسانيًا فى النفس، تستطيع أن تبقى فى الذاكرة لسنوات طويلة، مهما تسارعت الصور من حولنا.

ما الذى تتطلع إليه من طموحات خلال الفترة المقبلة؟

- هذا الأسلوب فى النحت أعتبره تجربة خاصة ومميزة فى مسيرتى الفنية، ولا أرى أن هناك كثيرين يعملون به بالطريقة نفسها، وما يشغلنى هو مدى استمرارية هذه التجربة، وأن يكون لها امتداد فنى فى المستقبل، حتى لا تظل مجرد تجربة فردية تنتهى بانتهائى من العمل بها.