مؤسس المهرجان الدولى للطبول.. انتصار عبدالفتاح: عروض متنوعة فى الشوارع
أكد الفنان انتصار عبد الفتاح، مؤسس ومدير المهرجان الدولى للطبول والفنون التراثية، أن المهرجان انطلق عام 2013 فى لحظة فارقة من تاريخ مصر بهدف تقديم رسالة ثقافية وفنية تدافع عن الهوية الوطنية وتؤكد قيم السلام والتسامح بين الشعوب، مشيرًا إلى أن النجاح الجماهيرى الكبير الذى حققته الدورة الأولى كان دافعًا لاستمرار المشروع وتطوره حتى وصل إلى دورته الثانية عشرة.
وأضاف أن المهرجان نجح على مدار السنوات الماضية فى تحويل مفهوم الطبول من ارتباطها بالحروب إلى لغة عالمية للحوار والسلام، كما أسهم فى تعزيز الدبلوماسية الثقافية المصرية عبر استضافة فرق وفنانين من مختلف دول العالم.
وكشف عن أن الدورة الحالية تشهد العديد من الإضافات الجديدة، من بينها التوسع فى الفعاليات الجماهيرية بالشوارع والميادين المصرية.

■ بداية.. كيف نشأ المهرجان الدولى للطبول والفنون التراثية؟
- المهرجان أسسته عام ٢٠١٣، وكانت هناك ظروف خاصة جدًا فى ذلك الوقت، كانت فترة صعبة، وكان لا بد أن يكون لنا كمثقفين وفنانين موقف واضح، والحقيقة أننى اجتمعت مع وزير الثقافة الأسبق الدكتور محمد صابر عرب، والدكتورة فايزة أبوالنجا التى كانت تتولى آنذاك ملف التعاون الدولى، والدكتور أشرف العربى، وقررنا معًا أن يكون هناك حدث ثقافى كبير.
اقترحت وقتها فكرة مهرجان الطبول، وفكرة «حوار الطبول من أجل السلام»، واتخذنا قرارًا بضرورة تنفيذ هذا المشروع، وكنا فى البداية متخوفين من حجم الحضور الجماهيرى بسبب الأوضاع التى كانت تمر بها البلاد، لكننا فوجئنا بجماهير غفيرة خرجت بالأعلام المصرية فى مشهد فنى جميل متجهة إلى قلعة صلاح الدين لحضور افتتاح المهرجان.
وكانت الدورة الأولى ناجحة للغاية، وتأثرنا جميعًا بهذا النجاح، ومنذ انطلاقته كان المهرجان قائمًا على فكرة الاهتمام بالتراث، خاصة فى ظل ما كنا نراه من محاولات لطمس الهوية التراثية والشخصية المصرية، لذلك جاء المهرجان ليجمع الفنون التراثية المصرية، ويقدم صورة حقيقية لمصر وتراثها، إلى جانب الاحتفاء بلغة الطبول باعتبارها لغة للحوار والسلام، ونحن نحتفى هذا العام بمرور اثنى عشر عامًا على تأسيسه، وخلال هذه السنوات شاركت فيه دول كثيرة من مختلف ثقافات العالم.
■ شعار المهرجان هذا العام هو «حوار الطبول من أجل السلام».. كيف يمكن للموسيقى والإيقاع أن يصبحا لغة عالمية للحوار بين الشعوب؟
- اخترت هذا الشعار لأن المتعارف عليه أن لغة الطبول هى لغة حرب، لكن الحقيقة أن لغة الطبول فى الأصل كانت أيضًا لغة سلام، وبالتالى حاولت أن أحول مفهوم لغة الطبول من كونها لغة للحرب إلى مفهوم «حوار الطبول من أجل السلام»، والحقيقة أن هذا الشعار لاقى استحسانًا كبيرًا من النقاد والجماهير أيضًا.

■ ما أبرز الاستعدادات التى تنطلق منها الدورة الثانية عشرة للمهرجان هذا العام؟
- تنطلق الدورة الحالية أولًا تحت رعاية وزارة الثقافة، وهناك اهتمام كبير من الدكتورة جيهان زكى، وزيرة الثقافة، بهذا المهرجان، والحقيقة أن الدكتورة جيهان كانت مهتمة منذ فترة بالأنشطة التى قدمناها، سواء من خلال فرقة «رسالة سلام» التى قدمناها فى إيطاليا، أو من خلال فرقة الطبول النوبية، وكذلك مشروع «حوار الطبول بين الشرق والغرب» الذى قدمناه فى الأكاديمية المصرية فى روما، لذلك فهى متحمسة جدًا للمهرجان وقدمت دعمًا كبيرًا له، ومن بين الأفكار التى أصرت عليها هذا العام أن تخرج فعاليات المهرجان إلى الشارع المصرى، وهو ما نعمل عليه بالفعل.
وسبق لنا أن قدمنا عروضًا فى ممر بهلر وحولناه إلى ممر ثقافى وفنى من خلال مهرجان الطبول ومهرجان سماع، بالإضافة إلى ملتقى إبداع وفنون الشارع المصرى، وخلال هذه الدورة سننزل إلى الشوارع والميادين، سواء فى منطقة وسط البلد، أو فى شارع المعز بمنطقة الحسين، إلى جانب المسرح الموجود فى «منطقة جمال الشاعر»، وذلك بهدف الوصول إلى جمهور أوسع ونشر الفنون التراثية بين المواطنين بشكل مباشر.

■ ما الذى يميز الدورة الثانية عشرة على مستوى الرؤية والبرنامج الفنى؟
- الحقيقة فكرة المهرجان نفسها مستمرة، وكل عام لدينا إضافة جديدة، وتحمل الدورة الحالية أمور جديدة، منها أن حفلى الافتتاح والختام سيقامان فى ساحة دار الأوبرا المصرية، وذلك باختيار ودعم من الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، وهو أمر جديد يضيف للمهرجان مساحة أكبر وحضورًا أوسع، أما الأمر الثانى فهو التأكيد على التواجد فى الشارع المصرى، نحن مهتمون جدًا بأن يكون المهرجان قريبًا من الناس، وأن تكون الجماهير نفسها جزءًا من الفعاليات.
أنا شخصيًا أؤمن بدور الجمهور فى صناعة الفن، وذلك اكتشفت العديد من المواهب من بين الجماهير المصرية، وقد كونت «كورال الجماهير» من الأشخاص الذين كانوا يحضرون فعاليات مهرجان سماع، ومهرجان الطبول والفنون التراثية، وهذا يؤكد أن الجمهور ليس غريبًا عن المهرجان، بل هو جزء أساسى منه.
فالجماهير تحتضن هذا المهرجان بشكل كبير، ولذلك أنا لا أعتبره مجرد مهرجان، وإنما احتفال شعبى كبير يشارك فيه الناس من مختلف المحافظات والأقاليم، كثيرون يأتون خصيصًا لحضور الفعاليات والالتقاء معًا فى أجواء من الفن والمحبة، وفى النهاية نوجه جميعًا رسالة سلام ومحبة إلى العالم أجمع.
■ إلى أى مدى يسهم مهرجان الطبول الدولى والفنون التراثية فى تعزيز الدبلوماسية الثقافية المصرية مع مختلف دول العالم؟
- عندما حضر المهرجان الدبلوماسى عمرو موسى، وهو رجل طبعًا له باع كبير فى الدبلوماسية وتقلد مناصب مهمة جدًا، قال جملة لخصت المسألة كلها: «إحنا بقالنا سنين طويلة بنتكلم ونتكلم، وإنتوا جيتوا فى ٤٥ دقيقة لميتوا كل العالم فى محبة وتسامح وسلام».
■ هل ترى أن الأجيال الجديدة أصبحت أكثر اهتمامًا بالفنون التراثية مقارنة بالأعوام الماضية؟
- الشباب مهتم جدًا بالمهرجانات التى أقدمها، كما يقومون بعمل دعاية مجانية لها عبر وسائل التواصل الاجتماعى، فالشباب المصرى واع وفاهم ومثقف، لذلك أنا متفائل جدًا بهم، لأنهم مدركون لقيمة هذه الفنون وأهمية الحفاظ على التراث، ويحرصون على المشاركة والتفاعل مع هذه الفعاليات بشكل كبير.
■ إذا كان هدف المهرجان هو الحفاظ على التراث، فكيف يتم تقديم هذا التراث للجمهور بصورة جاذبة ومعاصرة؟
- نحن نحافظ على التراث المصرى العظيم ونقدمه برؤية فنية احتفالية تجمع الجماهير فى حالة من الاحتفال المشترك، الفكرة الأساسية هى أن نحتفل معًا بالثقافة والفن والإبداع، وأن نجعل الناس جزءًا من هذا الاحتفال، وتشهد دورة هذا العام مشاركة فرق متنوعة من مختلف الأقاليم المصرية، كما أننا نعمل على اكتشاف فرق جديدة ومواهب جديدة من بين الجماهير نفسها، سواء فى العزف أو الغناء أو حتى الرقص الشعبى.
أتذكر موقفًا جميلًا حدث فى ميدان روكسى بمصر الجديدة، حين رأيت رجلًا يبلغ من العمر نحو تسعين عامًا يرقص بالعصا بكل شموخ وفخر، كانت صورة معبرة جدًا عن الشخصية المصرية المرتبطة بتراثها، وكان يلوح بالعصا ويرقص بثقة واعتزاز، بينما يحيط به الأطفال، وتتعالى الزغاريد من كل مكان. كانت لحظة مليئة بالبهجة وتعكس ارتباط الناس الحقيقى بتراثهم.

■ هل واجهت الدورة الثانية عشرة تحديات فى ظل ظروف التقشف الحالية؟ وكيف تعاملتم معها؟
- لا أعتبرها تحديات بالمعنى المباشر، لكن فى الحقيقة كل عام كان هناك إقبال كبير جدًا من الفرق الدولية الراغبة فى المشاركة بالمهرجان، وكانت تصلنا طلبات من دول وثقافات مختلفة حول العالم للمشاركة فى مهرجان الطبول تحديدًا.
هذا العام كان من الصعب استقبال هذا العدد الكبير من الفرق المقبلة من الخارج بسبب ظروف التقشف والاعتبارات الاقتصادية، لذلك استعنا بعدد من الفرق التابعة للجاليات المقيمة فى مصر، وهو ما أتاح لنا الاستمرار فى تقديم التنوع الثقافى الذى يميز المهرجان، وحاولت أن أضع رؤية فنية تؤكد حضور الثقافات المختلفة وتبرز مفهوم الفنون التراثية ورسالتها، بحيث يظل المهرجان محافظًا على هويته ودوره الثقافى رغم هذه الظروف.
■ أعلنتم عن قائمة المكرمين فى الدورة الحالية، فما المعايير التى اعتمدتم عليها فى اختيارهم هذا العام؟
- نحرص دائمًا على اختيار الشخصيات التى تستحق التكريم فى مجالات مختلفة مرتبطة بالتراث والفنون الشعبية، فقد يكون المكرَّم عازفًا على آلة شعبية مميزة، أو مطربًا يقدم الأغنية الشعبية، أو باحثًا أسهم فى توثيق ودراسة التراث الشعبى والحفاظ عليه.
اختياراتنا تقوم على حجم العطاء والتأثير فى مجاله، ومدى إسهام صاحبه فى خدمة التراث والفنون التقليدية، فعلى سبيل المثال، تضم قائمة المكرمين هذا العام من مصر شخصية محبوبة وقدمت الكثير للفن والثقافة، وهو الموسيقار عمر خيرت، كما تضم القائمة شخصيات من دول مختلفة، من بينها جنوب إفريقيا والمكسيك وكوريا الجنوبية، فى إطار حرص المهرجان على الاحتفاء بالتجارب المتنوعة التى أسهمت فى الحفاظ على التراث والفنون الشعبية فى بلدانها.
■ ما أبرز التحديات التى تواجه المهرجان فى الوقت الحالى؟
- الحقيقة لا أحب أن أسميها تحديات، لأن المهرجان يتمتع بسمعة دولية ومحلية جيدة جدًا، كما أن الجمهور مهتم به بشكل كبير، ويحرص على حضوره والتفاعل معه، بل ويسهم فى إنجاحه وكأنه شريك فى تنظيمه.
كذلك تحظى فعاليات المهرجان بدعم من وزارة الثقافة، التى تولى اهتمامًا كبيرًا به، وهو أمر يسعدنى كثيرًا، لذلك أستطيع القول إننى لا أواجه تحديات بالمعنى التقليدى، بل على العكس، هناك اهتمام حقيقى ومتزايد بالمهرجان، وهذا يمنحنا دافعًا للاستمرار وتقديم المزيد.

■ ما أبرز الإنجازات التى تعتز بها فى مسيرة المهرجان منذ انطلاقه؟
- أهم ما يميز المهرجان اعتماده على ما أسميه «الورشة الدولية»، والمقصود بها أن كل فرقة مشاركة تقدم ثقافتها الخاصة، لكننا لا نكتفى بذلك، بل نجمع هذه الثقافات المختلفة فى حوار فنى واحد، حيث تشارك فرق من دول متعددة إلى جانب فرق من مختلف المحافظات المصرية، ومن خلال رؤية فنية محددة نجعل الجميع يدخلون فى حالة من التفاعل الإبداعى المشترك، حيث ترد كل فرقة على الأخرى موسيقيًا وفنيًا، فى تجربة حية تتم أمام الجمهور.
ومن المشاهد التى أعتز بها كثيرًا ما حدث فى شارع المعز، عندما نظمنا مسيرة فنية ضخمة شاركت فيها جميع الفرق. تحول الشارع وقتها إلى احتفال جماهيرى هائل، وانضم الجمهور إلى الفرق فى مشهد استثنائى عكس قوة الفن وقدرته على جمع الناس، كانت رسالة مهمة للعالم كله تؤكد أهمية التراث ودوره فى نشر قيم التفاهم والتقارب بين الشعوب من قلب القاهرة التاريخية.
كما أعتز بتجربة تفعيل ما أطلقنا عليه «الممر الثقافى والفنى» فى ممر بهلر، حيث قدمنا من خلاله فعاليات متنوعة ضمن مهرجان الطبول، ومهرجان سماع الدولى للإنشاد والموسيقى الروحية، وملتقى الإبداع وفنون الشارع المصرى، وامتدت هذه التجربة إلى مناطق أخرى مثل روكسى والكوربة بمصر الجديدة.

■ سبق أن تحدثت عن حلمك بإطلاق «قافلة السلام» لتجوب العالم من خلال المهرجان. هل ما زالت هذه الفكرة قائمة حتى الآن؟
- بدأنا بالفعل فى تنفيذ جزء من هذا الحلم، فقد قدمنا مشروع «رسالة سلام» الذى يجمع بين التراث الإسلامى فى الإنشاد والتراث القبطى، واستطعنا من خلاله أن نحمل رسالة السلام المصرية إلى عدد من دول العالم، حيث قدمنا عروضًا فى ألمانيا، وحققت رسالة السلام صدى واسعًا ونجاحًا كبيرًا، كما حظيت باهتمام إعلامى لافت من القنوات ووسائل الإعلام الألمانية.
كما قدمنا عروضًا فى فرنسا، وتحديدًا فى باريس داخل كنيسة سان جيرمان، وشاركت معنا الفنانة العالمية كارولين دما، فى تجربة فنية أكدت أهمية الحوار الثقافى بين الشعوب، كذلك قدمنا عروضًا فى الفاتيكان، وفى عدد من المواقع الدينية والثقافية المهمة، كما زرنا إنجلترا وحققنا هناك نجاحًا كبيرًا.
لكننى أعتبر كل ما تحقق حتى الآن مجرد بداية، فما زالت فكرة «قافلة السلام» حاضرة بقوة، وهناك رغبة حقيقية فى استكمالها وتوسيع نطاقها خلال الفترة المقبلة، فالعالم اليوم يحتاج أكثر من أى وقت مضى إلى رسائل السلام والتقارب الإنسانى.

■ هل توجد شراكات أو مؤسسات داعمة للمهرجان تساعد على توسعه وانتشاره محليًا ودوليًا؟
- هناك عدد من الجهات والمؤسسات التى تدعم هذا التوجه، وفى مقدمتها مؤسسة «حوار» للفنون وثقافات الشعوب التى أسسناها، كما لا يمكننى الحديث عن مسيرة المهرجان دون الإشارة إلى شريكة حياتى السيدة سهام إسماعيل، المدير التنفيذى للمهرجان، والتى تعد شريكًا أساسيًا فى النجاح الذى تحقق، فهى تتولى إدارة الجوانب التنظيمية والإدارية للمهرجان، وأنا أركز بشكل أساسى على الرؤية الفنية والإبداعية، وهو دور بالغ الأهمية يتيح لى التفرغ للتفكير والتخطيط الفنى، ولذلك فهى شريك حقيقى فى كل ما تحقق من إنجازات، وأيضًا كان لوزارة الثقافة دور داعم ومهم، وأخص بالذكر الدكتورة جيهان زكى التى قدمت دعمًا كبيرًا خلال هذه الدورة.
■ هل ترى أنك حققت جزءًا كبيرًا من الحلم الذى راودك منذ تأسيسه؟
- حققنا أشياء كثيرة جدًا على مدار اثنى عشر عامًا من عمر المهرجان، لكننا دائمًا نقول إننا ما زلنا فى البدايات، فما زالت هناك أشياء كثيرة جدًا يمكن أن نكتشفها ونتعلمها معًا، فالتراث المصرى العظيم، والتراث العربى، والتراث الإنسانى بشكل عام، لا ينتهى أبدًا، فهو عالم واسع وممتد، وكلما تعمقنا فيه اكتشفنا جوانب جديدة تستحق التقديم والاحتفاء، ولذلك رغم ما تحقق من إنجازات، فإن الحلم ما زال مستمرًا، والطموح ما زال قائمًا، وهذه هى عظمة الإبداع وعظمة التراث؛ أنهما يفتحان دائمًا آفاقًا جديدة للاكتشاف والتطوير والتواصل مع الناس.







