سناء.. هبة عبدالغنى: حين سبّنى رجال الإخوان تساءلت كيف لمن يتحدث بالدين الخوض فى عرض امرأة؟!
- ضايقتنى الشتائم التى وصلت إلى حد الإساءة لوالدتى «رحمها الله»
- قررت ألا أحذف التعليقات المسيئة حتى يدركوا أن شتائمهم لا تؤثر
- تلقيت تهديدات من نوع «لما نمسك الحكم تانى هتشوفى»
- النبى وصحابته لم يسبّوا خصومهم يومًا ولم يطعنوا فى شرفهم
نجحت الفنانة هبة عبدالغنى فى ترسيخ حضورها داخل المشهد الفنى بفضل موهبتها المتزنة وقدرتها على التنقل بسلاسة بين أنماط درامية متعددة، مقدمةً شخصيات تحمل عمقًا إنسانيًا وتفاصيل دقيقة جعلتها قريبة من الجمهور وقادرة على ترك بصمة واضحة فى كل عمل تشارك فيه، سواء على شاشة التليفزيون أو خشبة المسرح.
وفى موسم رمضان الماضى، تألقت فى مسلسل «رأس الأفعى» الذى ناقش جرائم جماعة الإخوان الإرهابية، حيث قدّمت دورًا مختلفًا أحدث زخمًا واسعًا، وتعرضت على إثره لحملات من الإرهاب الإلكترونى.
وفى أحدث تجاربها، خاضت تحديًا جديدًا عبر المسرحية الموسيقية «أداجيو»، مقدمةً أداءً يجمع بين التمثيل والإحساس الحركى فى عرض يعتمد على الإيقاع والتعبير البصرى، ليكشف عن حرصها الدائم على خوض تجارب متنوعة تثرى رصيدها الفنى وتبرز جوانب جديدة من قدراتها.
عن هذه التجارب ومسيرتها الفنية، كان لـ«حرف» مع هبة عبدالغنى هذا الحوار.

■ فى البداية دعينا نتحدث عن «رأس الأفعى».. ما الذى حمسك للمشاركة فى المسلسل؟
- كنت أتحدث مع والدتى وقت عرض مسلسل «الاختيار» عن أن الدراما لا تقتصر على الترفيه أو تقديم عمل جيد للجمهور، بل تحمل رسالة تعليمية وتوعوية، إذ تمنح الناس فرصة لاستخلاص معلومة أو رؤية أنفسهم داخل الأحداث، أو إسقاط الأفكار والعلاقات على حياتهم، بما يفتح أمامهم أبواب الإلهام أو يجيب عن أسئلة تشغلهم.
ولنا فى حرب أكتوبر مثال بارز، حيث أنتجت السينما والتليفزيون أعمالًا عديدة جسدت صمود الجيش وظروف الأهالى والتضحيات والشهداء، ببطولة نجوم كبار مثل محمود ياسين.
وهذه الأعمال بقيت حية عبر الزمن، وأتاحت لنا نحن الصغار أن نعيش بعض تفاصيل تلك المرحلة ونشعر بها، وهو ما ترك أثرًا عميقًا فى وجداننا.
اليوم، وبعد مرور سنوات على أحداث ٢٠١١، أعتقد أن الوقت مناسب لرؤيتها من بعيد، لتحليلها ودراستها، خاصة أن هناك أجيالًا جديدة لم تشهد تلك الوقائع ولا تعرف حجم التخريب الذى مررنا به.
لذلك من الضرورى أن نحكى ونوثق، فى المدارس والكتب والأفلام والمسرحيات، وأن نناقشها باستمرار، لأن الأفكار والأيديولوجيات ما زالت تتكرر فى عالم مفتوح عبر السوشيال ميديا والوثائق والتطبيقات.
الجماعات مثل الإخوان لم يعد لها وجود فعلى على الأرض، حتى من يعيش خارج مصر أصبح أضعف بكثير، لكنهم ما زالوا يحاولون الترويج لصورة المظلومية وكأنهم أصحاب الحق، وهو ما قد يؤثر على الأجيال الصغيرة التى لم ترَ الحقيقة.
لهذا أرى أن أعمالًا مثل «رأس الأفعى» و«الاختيار» يجب أن تستمر سنويًا، لا أن تكون مجرد تجربة عابرة، لأن الدراما والموسيقى والفنون كلها أدوات لنقل الوعى وتجسيد التجربة، حتى يعرف القادمون ما الذى واجهناه وكيف تجاوزنا تلك المرحلة الصعبة.

■ كيف استعددتِ للدور؟
- دخلتُ فى تفاصيل الشخصية بشكل كامل، وبعد أن تواصلت معى الشركة المنتجة بدأنا مناقشات موسعة حولها. بصراحة، شعرت ببعض القلق، إذ كنت أخشى أن تظهر الشخصية بصورة مبالغ فيها أو على عكس توقعات الجمهور، وهو ما قد يضر بالمشروع كله، لأن أى خلل فى اتساق الشخصيات قد يفقد العمل مصداقيته لدى المشاهدين، لذلك كنت فى حالة تركيز وحذر شديدين.
كنت أطرح الكثير من الأسئلة حول كل تفصيلة صغيرة، لأننى أردت أن أجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الشخصية، حتى لا تبدو أى جزئية معقدة أو غير محسوبة، وتعاملت مع كل خطوة بحذر بالغ، حرصًا على أن يخرج الدور بصورة حقيقية ومقنعة.
وأنا اليوم متحمسة وفخورة جدًا بمشاركتى فى «رأس الأفعى»، كنت أنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل، ولم يكن حجم الدور هو ما يشغلنى، بقدر ما كان يهمنى أن تظهر الشخصية واقعية وصادقة أمام الجمهور.

■ هل تلقيت أى تهديدات بسبب دورك فى المسلسل؟ وكيف تعاملتِ معها؟
- جماعة الإخوان تقول شيئًا وتفعل شيئًا آخر؛ فهم يزعمون أنهم أصحاب رسالة دينية يسعون للحكم وفق قيم الإسلام، بينما هم أبعد ما يكونون عن أى مظهر من مظاهر الإيمان بالله. سيدنا محمد وصحابته لم يسبّوا خصومهم يومًا، ولم يطعنوا فى شرفهم أو أعراضهم، ولم يلعنوا أحدًا بالباطل.
لذلك لا أفهم كيف يمكن لمن يتحدث باسم الدين أن يرتكب مثل هذه الجرائم، وأن يسىء إلى عِرض امرأة لا يعرف عنها شيئًا.
فى البداية أثارتنى الشتائم التى وصلت إلى حد الإساءة لوالدتى- رحمها الله- لكن بعد تفكير قررت ألا أحذف التعليقات أو أخفيها، رغم أن الناس الصائمة حينها لا يجب أن ترى هذا المستوى من الانحطاط، وفى الوقت نفسه أردت أن أترك لهم مساحة ليدركوا أن هذه الشتائم لا تؤثر. بل على العكس، بدأت أتعامل معها باعتبارها «سكريبت جديد»، ومع الوقت اكتشفوا أن الشتائم لم تحقق أى نتيجة.
أنا لم أنزعج، بل استخدمت «هاشتاجاتهم» نفسها، وشاركت مشاهد من المسلسل مع تعليقات محددة، فاضطروا إلى تغيير أسلوبهم، ثم تحول الأمر إلى تهديدات من نوع «شوفى ربنا هيعمل فيكِ إيه» أو «بكرة الثورة جاية»، و«لما نمسك الحكم تانى هتشوفى»، لكننى تجاهلت كل ذلك، لأنه فى النهاية مجرد إرهاب إلكترونى، وأنا لا أخاف منه.

■ بعد نجاحك فى «رأس الأفعى».. ما المعايير التى تعتمدين عليها فى اختيار أعمالك؟
- بالتأكيد هناك مسئولية أكبر، وهذا أمر طبيعى جدًا، لأن الجمهور بات لديه توقعات وينتظر مستوى معينًا أو «ستاندرد» محدد، بل وربما اعتاد على شكل معين مما أقدمه، وهذا يضعنى أمام إحساس متزايد بالمسئولية وضغط إضافى، لكنه فى الوقت نفسه يمنحنى دافعًا مهمًا لتقديم شىء مختلف، أو شخصية غير متوقعة، والسعى إلى إخراجها بأفضل صورة ممكنة.
الفكرة الأساسية بالنسبة لى أن أكون أكثر حرصًا فى اختيار نوع الشخصية التى أقدمها، مع الحفاظ فى الوقت ذاته على العفوية وروح التجربة، لأن هذا التوازن هو ما يجعل العمل صادقًا وقادرًا على الوصول إلى الجمهور.

■ ننتقل لمسرحية «أداجيو».. كيف استقبلتِ ردود الأفعال عليها؟
- الجمهور العادى أكثر حساسية مما كنت أتوقع، كنت أظن أن الناس، بحكم كثرة ما يشاهدونه من أخبار وأفلام أو بسبب تجارب شخصية مع المرض والفقد، لن يتأثروا بهذه الدرجة، لكننى أرى يوميًا ردود أفعال عميقة. كثيرون يخرجون من العرض وهم يقولون إننا وصفنا حالة يعيشونها أو تجربة مرّوا بها.
وأنا شخصيًا عشت تجربة مشابهة لبطل العرض «سامر»، بعدما فقدت والدتى قبل عدة أشهر، فمررت بنفس مشاعر الفقد التى جسدها فى الرواية. العرض يناقش العلاقة بين الزوج وزوجته، وأيضًا مشاعر الابنة والصديقة ومساعدة المنزل ويقدم لوحة إنسانية راقية.
■ هل قرأتِ الرواية الأصلية للكاتب إبراهيم عبدالمجيد؟ وكيف استعددتِ للدور؟
- لا لم أقرأ الرواية، لأن والدتى توفيت فى شهر يوليو الماضى، والرواية بها جرعة أكبر من المشاعر والألم، فكاتب الرواية شرح فيها كل شىء بالتفصيل، وتطور حالة البطلة «ريم»، وأيضًا وصف الألم الذى يشعر به البطل «سامر» وهو يخسر زوجته أمام عينيه، لذلك تم تغيير بعض المواقف والتفاصيل فى المسرحية، لكن فى المجمل حالة الفقد عميقة والكاتب إبراهيم عبدالمجيد شرحها بشكل عميق ومؤلم، ومن الممكن أن أقرأ الرواية بعد خمس أو عشر سنوات، ربما يكون شعور فقدان والدتى أخف.

■ ما الذى جذبكِ للمشاركة فى «أداجيو»؟
- بالطبع اسم إبراهيم عبدالمجيد كان حاضرًا فى ذهنى، وصراحة لم أرغب أن أقضى العيد بمفردى بعد رحيل والدتى، فهذا أول عيد يمر علىّ بدونها. عندما جاء أول يوم فى رمضان كان الأمر صعبًا جدًا علىّ، لكن الحمد لله تصويرى لمسلسل «رأس الأفعى» خفف عنى بقية الشهر. وعندما عُرضت علىّ المسرحية فى بداية رمضان وافقت فورًا، حتى أظل مشغولة فى أيام العيد.
إلى جانب ذلك، كان وجود الفنان رامى الطمبارى كبطل العرض مهمًا جدًا بالنسبة لى، عندما أقدم دورًا مثل شخصية «ريم»، أفكر دائمًا فى الممثل الذى سأقف بجانبه. ففى التصوير يمكن أن تتحملى يومًا أو يومين أو ثلاثة، ثم ينتهى الديكور، لكن المسرح مختلف تمامًا، إذ يفرض تقاربًا مكثفًا بين الممثلين، لذلك لا بد أن يكون شريكًا أستطيع التعامل معه وأحب طريقته فى التمثيل، وأن تكون بيننا كيمياء خاصة.
■ هل ترين أن مسرحية «أداجيو» تخاطب جمهورًا بعينه أم إنها عمل إنسانى عام؟
- العرض إذا قُدِّم فى بلد لا يتحدث العربية سيحظى بتفاعل واسع، لأنه عمل إنسانى وعالمى بالدرجة الأولى، لا يقتصر على حالة ذاتية أو واقع محدد، بل يتناول مرضًا ينهش البشرية جمعاء، ويطرح قضية الفقد التى يتجاهلها الكثيرون رغم خطورتها، إذ تجعل الإنسان يفقد اتزانه عند رحيل شخص عزيز دون أن يجد من يرشده أو يواسيه.
وبرأيى، العرض مناسب لجميع الفئات، ودائمًا ما نستقبل ضيوفًا من الأطفال الذين يتفاعلون معه بشكل كبير، خاصة أننا نقدم لهم توعية مهمة حول كيفية تجاوز تجربة الفقد. الرسالة الأساسية التى نحرص على إيصالها هى أن الفقد أمر خارج عن إرادتنا، فهو بيد الله وحده، لكن ما نستطيع فعله هو أن نترك وراءنا ذكريات جميلة، وأن ننفذ وصايا الأحبة الذين رحلوا، لنحافظ على حضورهم فى حياتنا بروح من الوفاء والإنسانية.

■ لديك بعض المشاركات فى الغناء.. فهل تفكرين فى طرح أغنية «سنجل»؟
- شاركت مؤخرًا مع فرقة «إيجيبادور»، وهى مجموعة من العازفين القادمين من فرنسا وإيطاليا، وكان بينهم الدكتور محمد أبو زيد من كلية الموسيقى.
وقدموا حفلة خصصوا عائدها لدعم الغارمات، وطلبوا منى أن أشاركهم بأغنيتين لفيروز وأخرى لعبدالحليم، فوافقت على الفور، وكانت التجربة مليئة بالروح الجميلة.
كما شاركت مع فرقة «كاريزما» فى حفلة بساقية الصاوى، كما تعاونت مع فرقة «بلاك تيما» بقيادة أمير صلاح الدين وبحر ومحمد عبده، فى عودتهم إلى المسرح بعد توقف سنوات، حيث طلبوا منى المشاركة فوافقت. هذه التجارب تحمل بالنسبة لى حنينًا كبيرًا للغناء أكثر من كونها خطوات احترافية، لكنها تظل محطات مهمة فى مسيرتى الفنية.
وأفكر هذه المرة بشكل جدى، بالتعاون مع الملحن رفيق جمال، فى إنتاج فيديو موسيقى جديد عقب الانتهاء من المسرحية، ليكون خطوة مختلفة تعكس شغفى بالغناء وتجربتى المتراكمة مع الفرق الموسيقية.
■ بعد مشاركتك فى «أداجيو».. هل تنوين تكرار تجربة المسرح مجددًا؟
- بالتأكيد أنا أعيش لحظة تاريخية فى حياتى، فنجاحى فى رمضان مع مسلسل «رأس الأفعى» كان أكبر مما توقعت، وكأنه خرج عن السيطرة.
لكن حين عدت إلى خشبة المسرح شعرت بأننى أبدأ من جديد، كأننى وُلدت مرة أخرى، وكأننى عدت عشرين عامًا إلى الوراء، وكأننى اجتزت عشر دورات تدريبية فى التمثيل دفعة واحدة. عندها فهمت معنى الاستمرار، وفهمت لماذا كان الفنان نور الشريف- رحمه الله- والدكتور يحيى الفخرانى، رغم ظروفه الصحية، يصران على الوقوف فوق الخشبة وتقديم المسرح.
كنت أتساءل سابقًا، لماذا يرهقان نفسيهما بعدما حصدا النجاح والحب؟ لكن حين وقفت على المسرح أدركت أن الرواية تمنحك إحساس الحياة، لا مجرد تقديم عمل فنى. المسرح يجعلك تشعر أنك موجود، أنك تتنفس وتتجدد.
وأرى أن هناك ممثلين مثل الدكتور يحيى الفخرانى يفعلون ذلك لأنهم يريدون أن يشعروا بأنهم أحياء، لا لمجرد النجاح أو العمل، بل من أجل الإحساس بالحياة ذاته.
كنت أتعجب فى الماضى من تمسك الممثلين بالمسرح رغم أن السينما والمسلسلات أسهل وأوسع جماهيريًا، لكن بعد التجربة فهمت أن المسرح له إحساس مختلف، وإذا جربته مرة ستجد نفسك ترغب فى العودة إليه دائمًا، وهذه أول مرة أصرح بها، إن شاء الله سأحاول أن أعود إلى المسرح كل عام أو كل عامين، ما دمت أستطيع.

■ هل ما زال المسرح يحتفظ بسحره؟
- رغم تطور المنصات الرقمية والتكنولوجيا، وحتى مع إمكانية المشاهدة المباشرة عبر الشاشات أو الجدران، سيظل المسرح محتفظًا بسحره الخاص. فإذا توقفت حفلات الموسيقى سيتأثر المسرح، لأن الجمهور، مهما تقدمت الوسائل، يظل بحاجة إلى التجربة الحية.
الناس يأتون إلى الحفلات والعروض ليعيشوا لحظة التفاعل المباشر، وليشعروا بالأدرينالين والسعادة والرغبة فى تلقى شىء جديد أو مختلف، أو حتى لتغيير المزاج.



