ريما إبراهيم تكتب: إطار
أمام النافذة أظل، لأراقب ما تسمح به الستائر، كل منا تطل على الأخرى، هى تسمح لى ببعض النهار والليل كله، وأنا أقدر لها ذلك بابتسامة عريضة.
كان يصحو تمام الساعة السادسة يوميًا، يجلس بينى وبين النافذة، وجهه لى وظهره لها، يرشف قهوة الصباح وهو يقرأ فى كتاب ما، ثم يلملم أوراقه الكثيرة التى سهر على الخربشة فيها باللون الأحمر يضعها فى حقيبته.. يقترب منى، يطبع قبلة على وجنتى اليسرى، يلمس الأخرى يهمس باسمًا:
- سلام يوم.
لا يعود إلا بعد الظهر بدفاتر كثيرة تحتل الطاولة الصغيرة، ينام دون أن يأكل شيئًا، يصحو على طَرق الباب، تمد له أخته صينية الطعام، يضعها فوق دفاتره، يلوك اللقمة فى فمه طويلًا.
ينسى أنه يأكل وعيناه عالقتان فى صفحة من كتاب جديد، وبعد أن تمر ساعة كاملة على بدء وجبته يقول لى:
- فى طبخها نَفَسُك يوم.
أبتسم، أحاول أن أفرد ابتسامتى أكثر، لكن المرآة كانت بعيدة لأتأكد من نجاحى فى ذلك.
منذ سنوات لا أذكر عددها، صار بين حين وآخر- خاصة فى تلك الأيام المجنونة- يجلس أمامى تحت النافذة تمامًا، ظهره لى ووجهه لها، أو يترك لى جانبًا والجانب الآخر لخشبها القديم، يرفع رأسه كلّ دقيقتين، يزحف على الأرض محاولًا ألا تكشف الستائر الخفيفة ظله للخارج.
حين يهدأ القصف أو يختفى القنّاص، يعود لكرسيه تاركًا للنافذة ظهره.
فى الأيام الأخيرة من هذه السنة كانت دفاتره تقل، لم أرَ فى يده القلم الأحمر، صار يُغرق الورق كله بالأزرق، أو يتركها لأسابيع ويختفى، وحين يعود يقف أمامى بوجهه النحيل وشعره الأشعث:
- شلونك يوم؟
يلمس وجنتى.. طرف شالى.. يبتسم، فأشعر بالدمع يجرى على وجهى، أبتسم أكثر فأفشل.
بعد كل غياب يحبس أنفاسه أمامى، يتأمل صمتى بوجه جامد بارد، يتقلب طوال الليل مبحلقًا فى بقعة ضوء قمرية اختارت السقف سريرًا، يغمض عينيه لساعة واحدة، تبدأ بعد أن تزعق ساعة الحائط وتنتهى فى زعيقها التالى تمامًا.. لينتفض قائمًا من فراشه، يحبس أنفاسه مرة أخرى، يزحف على الأرض ويختبئ.
صار يدخن، غضبت، حينها أدار ظهره لى، رأيت الدخان سحابة فوق رأسه، فتح النافذة، اقتحم الهواء البارد الغرفة، مد جسمه للخارج، ارتجفتُ، نفث دخانه بعنف، صاح:
- يلعن أبوكم كلكم.
أكمل سيجارته بصق من النافذة فى الشارع وعاد إلى كرسيه، مدّ قدميه فوق كومة كتب قديمة، أرجع رأسه للوراء ونام جالسًا، ابتسمتُ، لم أكن قادرة إلا على ذلك.. أحاول ضم شفتىّ؛ فتصيران أوسع، أجرّب أن أنطق؛ فيجرحنى الزجاج فوقهما.
قبل ثلاثة أيام تمامًا اقتحم الغرفة، سحب عن ظهر الخزانة حقيبة سوداء فتحها، دس فيها كل ما استطاع من ملابس، غسل وجهه سريعًا، وقف أمامى لدقائق، مسح بطرف كمه دمعة صامتة، همس:
- اعذرينى يوم.. لا أستطيع أخذكِ معى.. مكانكِ كان هنا وسيظل.. ربما لن أعود أبدًا.
قبلنى مرتين فى جبينى وخرج.
منذ ثلاثة أيام كانت النافذة هنا، الحائط بجانبى الأيمن، الباب على يسارى، الشارع تحت النافذة.
منذ ثلاثة أيام مر مقاتلون تحتى، تأرجحتُّ فى إطارى الأسود، اهتز الحائط خلفى، ارتخى المسمار الذى يحملنى، حين وقف مقاتل تحتى تمامًا يرفع علامة النصر بأصابعه السوداء لآخر يصوره قفزت فوق رأسه فصاح متألمـًا.. تفتت الإطار حولى فهربت منه، أبحث عنه.
يوم: أمى باللهجة الحلبية.







