صوتان تحت الجلد.. ثريا بوغانمى: لا أؤمن بالإجابات الجاهزة
تُعد المخرجة التونسية، ثريا بوغانمى، واحدة من الأصوات المسرحية العربية التى تنتمى إلى جيل يؤمن بالمسرح كمساحة للتأمل فى الإنسان وأسئلته الوجودية العميقة. واستطاعت عبر تجاربها الإخراجية بلورة رؤية جمالية تقوم على توظيف الجسد والحركة والصورة المسرحية بوصفها أدوات تعبير موازية للكلمة، بما يمنح عروضها طابعًا إنسانيًا وشعريًا خاصًا.
وحلت المخرجة التونسية ضيفة على الدورة التاسعة من مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائى، من خلال العرض المسرحى «صوتان تحت الجلد»، تأليف نور الدين الهمامى، وإنتاج فرقة «ميروار للأعمال المسرحية».
العرض يستكشف أسئلة الوجود والأمل والفقد، من خلال مواجهة إنسانية بين شخصيتين تتحركان فى فضاء مشحون بالتوتر النفسى والوجدانى، معتمدًا على المزج بين الأداء الحركى والكلمة الشعرية فى بناء عالمه المسرحى.
وتبرز تجربة ثريا بوغانمى فى هذا العمل من خلال سعيها إلى تجاوز الحكاية التقليدية نحو الاشتغال على الحالات الإنسانية المُركَبة، مع ترك ترك طبيعة العلاقة بين الشخصيتين مفتوحة على التأويل، بما يمنح المتلقى فرصة المشاركة فى إنتاج المعنى واكتشاف أبعاد النص والعرض.

■ بداية.. ما الذى جذبك إلى نص «صوتان تحت الجلد» ودفعك لتقديمه على خشبة المسرح؟
- الفكرة كانت سابقة لنص، ثم كُتب النص حسب متطلبات الفكرة وبنية العمل. ما جذبنى إلى هذا العمل هو عدم اعتماده على الحكاية التقليدية بقدر ما يقترب من الإنسان فى لحظات هشاشته القصوى. شعرت بأن النص يفتح مساحة واسعة للبحث فى الصمت، الخوف، والأصوات التى نخفيها داخلنا ولا نقولها مباشرة. كما أن طبيعة العمل الجسدية والشعرية منحتنى حرية كبيرة فى الاشتغال على الصورة والإحساس أكثر من الحدث المباشر.
■ يحمل عنوان العرض دلالات رمزية عديدة.. ماذا تقصدين بـ«الصوتين» الكامنين تحت الجلد؟
- الصوتان بالنسبة لى ليسا شخصيتين فقط، بل هما حالتان داخليتان تسكنان الإنسان، ربما هما صوت الرغبة والخوف، أو الحياة والموت، أو الذاكرة والنسيان. اخترنا أن يكون العنوان مفتوحًا لأن كل متفرج يمكن أن يجد «صوتيّه» الخاصين داخل العرض. أما «تحت الجلد» فتحيل إلى الأشياء العميقة والمخفية التى لا تظهر بسهولة لكنها تتحكم فينا من الداخل. أنا أؤمن بأن حقيقة الإنسان وكيانه أقرب الى اهتزازات الاعصاب وهواجس الروح أكثر من ما يظهر فى الصوت المسموع.
■ العمل لا يقدم حكاية تقليدية بقدر ما يطرح حالات إنسانية، كيف تشكلت هذه الرؤية الإخراجية؟
- من البداية لم يكن هدفى أن أروى قصة بخط درامى واضح، بل أن أخلق تجربة حسية وشعورية يعيشها المتفرج، لذا اشتغلنا على اللوحات، والانتقالات، وبناء حالات إنسانية مرتبطة بالاختناق والعزلة، والبحث عن الآخر والذات فى هذا الوضع الراهن، وهذه التقلبات الاجتماعية التى يمر بها الإنسان المعاصر. كنت مهتمة بأن يشعر الجمهور بما يحدث أكثر من أن يفسره بشكل مباشر.
■ تركتِ طبيعة العلاقة بين الشخصيتين مفتوحة للتأويل، لماذا فضلتِ عدم منح الجمهور إجابة حاسمة؟
- لأننى أؤمن بأن المسرح ليس دائمًا مكانًا للإجابات الجاهزة. العلاقة بين الشخصيتين يمكن أن تُقرأ كعلاقة حب، أو كصراع داخلى، أو حتى كصوتين داخل الشخص نفسه. ترك هذا الباب مفتوحًا يمنح المتفرج حرية المشاركة فى بناء المعنى، ويجعل التجربة أكثر قربًا من كل شخص حسب إحساسه وتجربته الخاصة.
■ يعتمد العرض بشكل كبير على الجسد والحركة، كيف اشتغلتِ على بناء هذا الخط التعبيرى؟
- الجسد فى هذا العمل ليس مجرد عنصر جمالى، بل لغة كاملة. اشتغلنا كثيرًا على الذاكرة الجسدية، وعلى كيفية تحويل المشاعر الداخلية إلى حركة. أحيانًا كانت الحركة تقول ما تعجز الكلمات عن قوله. حاولنا أن يكون لكل تفصيل جسدى معنى. حتى السكون والأنفاس والاهتزازات نفسها كانت جزءًا مهمًا من التعبير.
■ كيف وازنتِ بين الصمت والحوار والإيقاع الحركى داخل العمل؟
- كنت أتعامل مع الصمت كأنه نص موازٍ للكلمات. فى بعض اللحظات يصبح الصمت أكثر قوة من الحوار، لذلك حاولت خلق توازن بين لحظات الكلام والانفجار الحركى ولحظات التوقف والهدوء، حتى يبقى الإيقاع نابضًا دون أن يفقد حساسيته. الفكرة كانت أن يتنفس العرض مثل كائن حى.
■ كيف تعاملتِ مع «السينوغرافيا» لتكون جزءًا من الحكاية لا مجرد خلفية للأحداث؟
- «السينوغرافيا» فى العرض هى امتداد للحالة النفسية للشخصيتين. اشتغلنا على فضاء بسيط لكنه يحمل دلالات الاختناق والعزلة والهشاشة. حتى العناصر القليلة الموجودة على الركح لها وظيفة درامية وحركية، وليست مجرد ديكور. كنت أريد أن يشعر المتفرج بأن المكان نفسه يعيش مع الشخصيات ويتغير معها.
■ يطرح العرض سؤالًا: ماذا يبقى من الإنسان حين يفقد صوته؟ كيف تقرئين هذا السؤال اليوم؟
- أعتقد أن هذا السؤال أصبح أكثر حضورًا اليوم، لأن الإنسان يعيش الكثير من أشكال الصمت، سواء القسرى أو الداخلى، وحين يفقد الإنسان صوته لا يفقد فقط القدرة على الكلام، بل ربما يفقد جزءًا من هويته ووجوده. لكن العرض يحاول أيضًا أن يقول إن الجسد والذاكرة، وحتى الصمت نفسه، يمكن أن تتحول إلى وسائل مقاومة وتعبير.




