المحرر العام
محمد الباز

إحياء متولى وشفيقة.. أمير اليمانى: نعيد قراءة السيرة الشعبية بمنظور أكثر إنسانية

حرف

- الفكرة لدىّ منذ 10 سنوات والممثل وراء تأخر التنفيذ

- أطالب بعرض الأعمال المسرحية على منصات وشاشات الدولة

يحرص المخرج أمير اليمانى دائمًا على إعادة تقديم المسرح بروح معاصرة، تجمع بين التراث والانفتاح على أدوات التعبير الحديثة، بما يمنح العرض بُعدًا فكريًا وجماليًا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية.

فى هذا الاتجاه تأتى مسرحيته الجديدة «متولى وشفيقة» بوصفها تجربة لافتة تستند إلى واحدة من أشهر الحكايات الشعبية فى الوجدان المصرى والعربى، لكنها لا تُقدَم كمجرد إعادة سرد، بل كقراءة جديدة تطرح أسئلة معاصرة حول السلطة والخيانة والصراع الإنسانى بصفة عامة.

ويعيد العرض صياغة العلاقة بين الشخصيات، ويمنحها أبعادًا نفسية أعمق، مع توظيف ذكى للعناصر البصرية و«السينوغرافيا» التى تعكس رؤية إخراجية واعية. فلا تقتصر التجربة على استحضار التراث، بل تتحول إلى مساحة حوار بين الماضى والحاضر

عن المسرحية وتفاصيلها، ورؤيته التى تسعى إلى إحياء المسرح كأداة للتفكير والتأمل، لا مجرد وسيلة للترفيه، يدور حوار «حرف» التالى مع المخرج أمير اليمانى.

■ ما الذى جذبك لتقديم حكاية «شفيقة ومتولى» فى عرض مسرحى جديد؟

- تتناول المسرحية قضية اجتماعية وفكرية عميقة، وفكرتها كانت موجودة لدىّ منذ أكثر من ١٠ سنوات، إلا أن تنفيذها تأخر بسبب صعوبة اختيار ممثل قادر على استيعاب التحولات النفسية والشخصية المعقدة لشخصية «متولى». وبعد فترة طويلة، تم اتخاذ القرار بتنفيذ العمل أخيرًا.

جاء اختيار هذه القصة التراثية الشهيرة انطلاقًا من موقف واضح ضد فكرة القتل تحت أى مبرر، وضد الموروثات الاجتماعية التى تربط شرف المرأة بشرف الأب أو الزوج، بينما الحقيقة أن شرف الإنسان مسئولية شخصية.

بناءً على ذلك، يركز العرض الجديد على مناقشة المفاهيم المتوارثة التى تتداخل فيها العادات والتقاليد مع الفكر والدين بشكل قد يؤدى إلى أحكام قاسية وغير عادلة.

■ ما الرؤية الإخراجية التى اعتمدت عليها فى تحويل الحكاية الشعبية إلى نص مسرحى معاصر؟

- تقوم الرؤية الإخراجية لمسرحية «متولى وشفيقة» على معالجة مختلفة لشخصية «متولى»، باعتباره شخصًا عاد من السجن بعد قضاء عقوبته بالفعل، ومحاسبته من قبل القانون الرسمى، مقابل العرف الاجتماعى الذى يظل ينظر إليه كرجل تصرف وفقًا لمفاهيمه الخاصة عن الشرف.

من هنا تنطلق الفكرة الأساسية للعرض التى تطرح تساؤلًا مهمًا: إذا كان القانون قد أصدر حكمه، والعرف الاجتماعى لديه منطقه الخاص، فمن الذى يملك حق الحكم الحقيقى على الإنسان؟

وتأتى الإجابة المسرحية عبر رؤية رمزية، فيها تصبح جدران المنزل نفسها، بما تحمله من ذكريات وشهادات على الماضى، هى القاضى الحقيقى الذى يحاكم «متولى» نفسيًا ووجدانيًا، لتنتهى الحبكة بحبسه داخل هذه الجدران، فى إشارة رمزية إلى أن الإنسان قد يظل أسير أفعاله حتى بعد انتهاء العقوبة الرسمية.

■ هل ترى أن قصة «شفيقة ومتولى» ما زالت تعكس واقعًا اجتماعيًا فى الوقت الحالى؟

- القصة لا تتعلق فقط بالفعل الظاهر أو الخطأ المباشر، بل تمتد إلى أشكال أعمق من الانتهاك الإنسانى. فى الطرح الدرامى، لم تكن «شفيقة» مجرد فتاة ارتكبت خطأ، بل كانت ضحية لاغتصاب فكرى وعاطفى، بعد أن تعرضت للتأثير والاستغلال النفسى الذى دفعها إلى مصيرها. وبالتالى يسعى العرض إلى تسليط الضوء على أن مثل هذه الممارسات ما زالت موجودة حتى اليوم، بأشكال متعددة، قد تكون أقل وضوحًا من الاعتداء الجسدى، لكنها لا تقل خطورة فى تأثيرها على الإنسان وحياته.

■ كيف تعاملت مع قضية الشرف والانتقام بشكل يناسب جمهور اليوم؟

- تناول العرض قضية الشرف من منظور مختلف عن الطرح التقليدى، فلم يقدم «متولى» باعتباره القاتل المباشر لشقيقته، بل قدم معالجة درامية تجعل «شفيقة» هى من تنهى حياتها بنفسها. جاء هذا الاختيار الفنى ليعكس تعقيد العلاقة الإنسانية بين الأخ وأخته، ويبرز أن الرابط العاطفى بينهما ظل قائمًا حتى فى ذروة الصراع.

هذا التناول يهدف إلى مخاطبة جمهور اليوم برؤية أكثر تعقيدًا وإنسانية، بحيث لا يتم التركيز فقط على جريمة القتل، بل على الظروف النفسية والاجتماعية التى تصنع المأساة، إلى جانب تفكيك مفاهيم الشرف التقليدية، وإظهار كيف يمكن للأعراف المجتمعية أن تدفع الإنسان إلى اتخاذ قرارات قاسية، حتى دون أن يرتكب الفعل بيده مباشرة.

■ إذن هل حاولت إعادة طرح الشخصيات بشكل أكثر إنسانية؟

- يطرح العرض إمكانية إعادة قراءة السيرة الشعبية من منظور أكثر إنسانية، بعيدًا عن التناول التقليدى الذى يختزل الشخصيات فى أدوار ثابتة بين الجانى والضحية. من هذا المنطلق تمت إضافة أبعاد جديدة لشخصية «متولى»، أبرزها الجانب العاطفى والإنسانى الذى لم يكن حاضرًا بوضوح فى الروايات أو المعالجات السابقة.

فى هذه الرؤية لا يظهر «متولى» فقط كرجل تحركه مفاهيم الشرف أو الغضب، بل كإنسان طبيعى يمتلك مشاعر معقدة، ويعرف الحب، ويعيش صراعات داخلية بين عاطفته وموروثه الاجتماعى وضغوط مجتمعه.

هذا البُعد الإنسانى يفتح المجال لفهم أعمق للشخصية، ويطرح تساؤلات حول ما بعد لحظة الجريمة: كيف يعيش الإنسان مع فعلته؟ وكيف يواصل حياته وهو يحمل عبء الدم والندم؟ كما نركز على أن الإنسان بطبيعته لا يمكنه تجاوز فعل القتل بسهولة دون صراع نفسى داخلى، إلا إذا فقد إنسانيته بالكامل.

■ هل تعتبر «متولى» بطلًا أم ضحية لثقافة مجتمعية معينة؟

- طرحنا قراءة إنسانية معقدة لشخصية «متولى»، تقوم على فكرة أن الإنسان لا يتحرك بدوافع مطلقة أو ثابتة، بل يعيش دائمًا داخل منطقة من التناقض بين إنسانيته الداخلية وما يفرضه عليه المجتمع من عادات وتقاليد.

حتى عند تقديمه فى لحظة ارتكاب الفعل لم يقدم كشخص مجرد من المشاعر، بل كإنسان يظل بداخله صراع بين ما يؤمن به فطريًا كإنسان، وبين ما يدفعه إليه المحيط الاجتماعى من مفاهيم الشرف والانتقام والضغط الجمعى.

وبالتالى، فإن «متولى» فى هذه الرؤية لا يُختزل فى كونه قاتلًا فقط، بل يُفهم كشخص تم دفعه إلى الجريمة بفعل منظومة اجتماعية وفكرية، مع بقاء الجانب الإنسانى بداخله فى حالة صراع مستمر، وهو ما يخلق التناقض الذى يشكل جوهر الشخصية دراميًا.

■ كيف تم اختيار فريق العمل؟

- اختيار الفنانة يسرا المنسى لتجسيد شخصية «شفيقة» جاء بترشيح من الفنان سامح بسيونى، مدير فرقة مسرح «الطليعة»، الذى أشاد بموهبتها، وحصولها على جائزة أفضل ممثلة بالمهرجان القومى للمسرح المصرى. أما الفنان محمد فريد فقد شاهدته فى عرض مسرحى يقوم بإخراجه والتمثيل فيه معًا.

والعرض لم يكن نتيجة جهد فردى، بل كان ثمرة عمل جماعى متكامل، شارك فيه فريق كامل من المبدعين، بدءًا من المخرج والممثلين، وصولًا إلى مهندس الديكور، ومصمم الإضاءة، ومصمم الأزياء، ومؤلف الموسيقى، وكل العناصر الفنية والإنتاجية.

النجاح الحقيقى للعرض لم يكن نجاح شخص واحد، بل نجاح رؤية جماعية آمن بها الجميع، وأبدع كل عنصر فى تقديم دوره بأفضل صورة ممكنة، حتى ظهر العمل فى صورته المتكاملة أمام الجمهور.

■ وماذا عن فترة التحضير للعرض؟

- فترة التحضير كانت ممتدة ومكثفة، واستمرت «البروفات» بشكل شبه يومى، مع وجود متابعة دقيقة لكل تفاصيل المشاهد أثناء التنفيذ. قمنا بالعديد من المحاولات فى عملية تفكيك وبناء المشاهد، مع إعادة صياغتها أكثر من مرة حتى الوصول إلى الشكل النهائى المناسب. التنفيذ شهد الاستعانة بعدد كبير من الرسومات التخطيطية «سكيتشات»، بالإضافة إلى إعداد عدة نماذج تصميمية «ماكيتات» للديكور.

■ كيف كانت ردود أفعال الجمهور؟

- فوجئت بتفاعل الجمهور مع التفاصيل الدقيقة داخل المسرحية. لم يكن التوقع أن يلتفت المتفرج العادى إلى بعض الجزئيات الصغيرة، لكن حدث العكس تمامًا، وأظهر الجمهور وعيًا وتفاعلًا كبيرًا مع كل تفصيلة داخل العرض.

كما أن بعض المشاهدين تواصلوا معى بعد العرض لمناقشة تفاصيل دقيقة فى الأحداث، وهو ما يعكس درجة من التركيز والتلقى لم تكن متوقعة. أيضًا من اللافت أن فئات عمرية مختلفة من الأطفال والكبار تفاعلت مع العمل بطريقتها الخاصة، وحاول كل متفرج تفسير ما شاهده وفقًا لوعيه وخبرته.

■ هل لاحظت اختلافًا فى تفاعل الأجيال المختلفة على العرض؟

- التفاعل لم يكن مقتصرًا على فئة عمرية واحدة، بل شمل أجيالًا مختلفة من الأطفال والكبار، نظرًا لتنوع الجمهور داخل القاعة. هذا التنوع العمرى ساعد على خلق أكثر من مستوى لتلقى العمل وفهمه، خاصة مع تقديم شخصية «شفيقة» التى تبلغ من العمر ٧ سنوات بشكل يجعل الأطفال قادرين على التفاعل معها، حتى لو لم يدركوا الخلفية التراثية أو القصة الأصلية بشكل كامل.

أما الجمهور الأكبر سنًا، خاصة من لديهم معرفة سابقة بقصة «شفيقة ومتولى»، فقد تفاعلوا مع العرض من زاوية مختلفة. ورغم اختلاف الفئات كان التأثير العاطفى حاضرًا لدى الجميع، وتفاعل المشاهدون مع القصة بشكل واضح، ما يدل على أن العمل استطاع الوصول إلى المتلقى بمختلف فئاته العمرية.

■ كيف كان شعورك بعد نجاح «متولى وشفيقة»؟

- أشعر بالفخر تجاه هذه التجربة المسرحية، خاصة أننى لم أتوقع أن يخرج العمل بهذا الشكل المتكامل، أو أن يلقى هذا القدر من التفاعل الإيجابى من الجمهور. ردود أفعال الناس، سواء أثناء العرض أو بعده، كانت عنصرًا مهمًا فى تعزيز هذا الإحساس بالنجاح. التجربة رغم ما فيها من ضغط وإرهاق، تركت أثرًا إيجابيًا قويًا لدى، خاصة مع الإحساس بأن العمل وصل إلى الجمهور بشكل حقيقى ومؤثر، وهو ما أعتبره مكسبًا مهمًا على المستويين الفنى والإنسانى.

■ هل ما زال المسرح قادرًا على منافسة المنصات الرقمية؟

- الاهتمام بتوثيق المسرح وتسجيله بالصورة أصبح ضرورة مُلِحّة، خاصة إذا عُرِض عبر شاشات الدولة، لما يمتلكه المسرح المصرى من عقول إبداعية قادرة على المنافسة محليًا وعربيًا، بل ومواكبة مهرجانات المسرح فى الدول العربية. غياب التوثيق يخلق فجوة كبيرة للباحثين ودارسى المسرح، إذ يصعب عليهم الوصول إلى تجارب مخرجين وعروض مهمة لم يتم تسجيلها أو حفظها بشكل منظم.

هناك تجارب ومبادرات سابقة حاولت دعم فكرة «الأرشفة المسرحية»، وهى خطوات تمثل نواة مهمة لبناء أرشيف مسرحى مصرى حقيقى، شبيه بما هو موجود فى التليفزيون من مكتبات للدراما والأعمال المصورة.

المسرح المصرى قادر على إنتاج أشكال متعددة من العروض، مثل المسرح الحديث، والمسرح التجريبى، ومسرح التعبير، وغيرها من الاتجاهات، ما يعكس تنوعًا فنيًا كبيرًا يحتاج فقط إلى توثيق وعرض منظم ليصبح متاحًا للجمهور والباحثين.

■ بعد «متولى وشفيقة».. ما المشروع الذى تتمنى تقديمه؟

- لدىّ رغبة فى تقديم مسرحية حول دراما الحضارة المصرية، خاصةً أن لدينا ثراءً هائلًا داخل التاريخ المصرى يمكن تحويله إلى أعمال درامية معاصرة، ليس باعتباره سردًا تاريخيًا مباشرًا، بل كمواد إنسانية قابلة للمعالجة الدرامية، تعكس حياة الناس وصراعاتهم وقضاياهم بشكل قريب من الجمهور.

المشكلة ليست فى غياب المادة بل فى طريقة تقديمها، فالهدف ليس تقديم التاريخ كمعلومات أو توثيق، وإنما إعادة صياغته كدراما حية، يمكن أن يتفاعل معها المشاهد المعاصر فى عام 2026 وما بعده.

تقديم الدراما المستوحاة من التاريخ لا يعنى تحويلها إلى مادة تعليمية، بل إلى تجربة إنسانية فنية قادرة على الربط بين الماضى والحاضر من خلال رؤية معاصرة ومؤثرة.