حوار.. مأمون الخطيب: نفتح مساحة للتأمل فى هشاشة الإنسان
يفتح المخرج السورى، مأمون الخطيب، فى عرضه المسرحى الجديد «حوار»، مساحة للتأمل فى مصائر الفنانين والإنسان عمومًا أمام تقلبات الزمن، من خلال لقاء مشحون بالمشاعر بين مخرج مسرحى وممثلة فرّقت بينهما سنوات الغياب والمنفى والأسئلة المؤجلة.
ويعد «حوار» بمثابة عمل يتجاوز الحكاية الشخصية ليطرح قضايا أوسع، تتصل بالخذلان والذاكرة، والبحث عن المعنى، وسط التحولات العاصفة التى شهدها المجتمع السورى خلال السنوات الأخيرة.
وحظى العرض باهتمام نقدى كبير، خلال مشاركته فى الدورة التاسعة من مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائى، لما يقدمه من معالجة إنسانية عميقة، ويتسم به من ثراء تعبيرى وتدرج درامى قائم على الحوار النفسى المكثف بين الشخصيتين.
يأتى عرض «حوار» تأكيدًا لقدرة المسرح على مساءلة الواقع، واستعادة الأسئلة الكبرى للإنسان، عبر لغة مسرحية توازن بين الحس الإنسانى والجماليات الفنية، وتمنح الحوار مكانته بوصفه أداة للكشف والمواجهة والبحث عن الحقيقة.

■ ما الفكرة الأساسية التى يسعى عرض «حوار» إلى إيصالها للجمهور؟
- الفكرة الأساسية تنطلق من سؤال بسيط لكنه عميق: هل لا يزال الحوار ممكنًا بين البشر بعد كل ما راكمته الحياة من خيبات وصدمات وتحولات؟ العرض يحاول أن يكشف كيف يصبح الحوار أحيانًا محاولة للنجاة، وأحيانًا مواجهة مؤجلة مع الذات قبل الآخر. نحن لا نقدّم أجوبة جاهزة، بل نفتح مساحة للتأمل فى هشاشة الإنسان وقدرته على إعادة اكتشاف نفسه.
■ لماذا اخترت عنوان «حوار» تحديدًا؟ وما الدلالات التى يحملها داخل العرض؟
- العنوان يبدو مباشرًا، لكنه يحمل مستويات متعددة، فالحوار هنا ليس مجرد تبادل كلامى بين شخصيتين، بل حوار مع الذاكرة، مع الغياب، مع الخسارات التى تراكمت داخل الإنسان العربى المعاصر، وهو أيضًا سؤال مفتوح: هل نحن حقًا نتحاور، أم أننا فقط نؤجل الصمت؟
■ كيف تعاملت مع محدودية الشخصيات فى المسرح الثنائى لتحافظ على التشويق والإيقاع؟
- المسرح الثنائى ليس محدودًا بقدر ما هو مكثف. اشتغلنا على تصاعد داخلى مستمر، وعلى التحولات النفسية الدقيقة بين الشخصيتين. الإيقاع لم يُبنَ على الحدث الخارجى، بل على الانكشاف التدريجى لما هو مخفى داخل كل شخصية.
■ كيف وظفت الإضاءة و«السينوغرافيا» لخدمة الحالة النفسية للشخصيتين؟
- «السينوغرافيا» فى العرض ليست ديكورًا توضيحيًا، بل امتداد للحالة النفسية، لذا اعتمدنا على فضاء بصرى مقتصد يترك للممثل حضوره الكامل. بينما جاءت الإضاءة كأداة لتشكيل الذاكرة والعزلة والانكشاف، وكأنها تكشف ما تحاول الشخصيات إخفاءه.
■ ما الذى يميز أداء الممثل فى المسرح الثنائى مقارنة بالعروض الجماعية؟
- فى المسرح الثنائى لا يوجد مكان للاختباء، الممثل هنا مكشوف بالكامل، وعليه أن يبنى حضوره من التفاصيل الدقيقة جدًا. الإصغاء يصبح مهارة مركزية، لأن العلاقة الحية مع الشريك هى التى تصنع نبض العرض.
■ هل هناك مشهد تطلب جهدًا أكبر من الممثلين أثناء التحضير؟
- مشاهد المواجهة والتصاعد كانت الأصعب، لأنها تتطلب طاقة داخلية مركزة جدًا وطاقة جسدية وإحساسًا عاليًا، الصمت فى هذا العرض ليس فراغًا، بل لحظة امتلاء مكثف بالمعنى، وكان الوصول إلى صدقه يحتاج إلى تمرين طويل ودقيق.
■ ماذا تمثل لكم المشاركة فى الدورة التاسعة من مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائى؟
- فرصة ثمينة للقاء جمهور جديد، وللتحاور مع تجارب عربية متنوعة. هذا النوع من المهرجانات يمنح المسرح مساحة حقيقية للاختبار والتجدد، ويعيد تأكيد أن المسرح العربى لا يزال قادرًا على إنتاج أسئلته الخاصة، وفرصة قيمة للوجود فى الإمارات وفى هذا المهرجان تحديدًا.
■ إلى أى مدى تسهم مثل هذه المهرجانات فى تعزيز التواصل بين التجارب المسرحية العربية؟
- أراها ضرورة ثقافية وليست مجرد مناسبة احتفالية، ساحة لتبادل الخبرات، واكتشاف اختلاف المقاربات الجمالية، وخلق جسور بين المسرحيين العرب بعيدًا عن العزلة التى تفرضها الظروف المحلية لكل بلد.
■ هل أجريتم تعديلات على العرض ليتناسب مع جمهور المهرجان أو فضائه المسرحى؟
- أجرينا تعديلات تقنية وإيقاعية بسيطة تراعى خصوصية الفضاء المسرحى، لكن الجوهر الفنى بقى كما هو. نحن نؤمن بأن العرض الحقيقى يجب أن يمتلك مرونة التكيف دون أن يفقد هويته.
■ كيف يعكس العرض التحولات التى يعيشها الإنسان العربى المعاصر؟
- من خلال شخصيات تواجه تبدل القيم، وتآكل اليقين، وارتباك العلاقة مع الماضى والمستقبل، العرض لا يتحدث عن واقع سياسى مباشر، بل عن أثر هذه التحولات على الإنسان من الداخل.
■ ما الآفاق التى تطمح إلى استكشافها فى تجاربك المقبلة؟
- أطمح إلى مواصلة البحث فى مسرح أكثر اختزالًا وعمقًا، مسرح يشتبك مع الإنسان وأسئلته الوجودية بعيدًا عن المباشرة، ما يشغلنى دائمًا هو كيف يمكن للمسرح أن يبقى فعل كشف حىّ، لا مجرد حكاية تُروى على الخشبة.




