الإثنين 15 يونيو 2026
المحرر العام
محمد الباز

دهب.. المخرج عمرو قابيل: سعيد بلقب «أنور وجدى المسرح المصرى».. والعرض فى القاهرة قريبًا

حرف

استقبل الشيخ سلطان بن محمد القاسمى، حاكم الشارقة، فريق العرض المصرى «دهب» خلال مشاركته فى الدورة التاسعة من مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائى، مثنيًا على جودة العمل ومستواه الفنى. 

ولقى العرض المصرى صدى واسعًا داخل الأوساط المسرحية والثقافية فى الشارقة، حيث أشاد الحضور بالقيمة الفنية للعمل الذى كتبه وأخرجه عمرو قابيل، وشارك فى بطولته إلى جانب الطفلة دانة مصطفى، فيما تولى حازم الكفراوى وضع الموسيقى والألحان، وأنجز محمد الكاشف التوزيع الموسيقى، وشاركت بالغناء كل من دانة مصطفى وياسمين نصر، بينما تولت نرمين عادل مهمة مساعد الإخراج.

يتحدث المخرج عمرو قابيل عن تفاصيل العرض، والتقنيات الإخراجية التى اعتمدها، والأفكار التى عمل على إبرازها..

■ كيف ولدت فكرة مسرحية «دهب»؟ 

- فكرة العرض المسرحى بدأت تتشكل لدى منذ عام ٢٠١٨، والدافع وراءها لم يكن مرتبطًا بسبب محدد بقدر ما كان نابعًا من هاجس فنى وإنسانى ظل يشغل تفكيرى لفترة طويلة، إضافة إلى تأثرى الكبير بالفنان الراحل أنور وجدى، الذى أراه حالة فنية مصرية فريدة، فبعض النقاد أطلقوا علىّ لقب «أنور وجدى المسرح المصرى»، وهو وصف أعتز به.

وأيضًا اهتمامى بالأطفال وما يمتلكونه من خيال واسع وبراءة كان أحد أهم مصادر الإلهام للعمل، فالتعامل الفنى مع الطفل يظل تجربة ثرية وملهمة، كما ظهر فى أعمال عدد من الفنانين الذين تميزوا فى مخاطبة الأطفال مثل أحمد حلمى وكريم عبدالعزيز.

أما الفكرة الأساسية للعرض فانطلقت من التساؤل حول نظرة الطفل إلى المستقبل، باعتباره رمزًا للأحلام والآمال المقبلة، فى مقابل الإنسان المتقدم فى العمر الذى تتركز هواجسه غالبًا حول الماضى وتجارب الحياة، ومن هنا تشكل المفهوم الرئيسى للمسرحية من خلال العلاقة بين الرجل المسن والطفلة، بوصفها حوارًا رمزيًا بين الماضى والمستقبل، ومحاولة لاستكشاف ما يمكن أن ينشأ من تواصل إنسانى بين جيلين يحمل كل منهما رؤيته المختلفة للزمن والحياة.

■ عنوان المسرحية «دهب» يحمل دلالات عديدة.. بماذا يرمز فى رؤيتك الدرامية؟

- اختيار اسم «دهب» جاء لكونه اسمًا ملهمًا وغنيًا بالدلالات، لكننى لم أضع له تفسيرًا أو معنى محددًا بشكل مسبق، بل تعمدت تركه مفتوحًا أمام تأويلات الجمهور المختلفة، والمتلقون استقبلوا الاسم وفق خلفياتهم الثقافية ورؤاهم الخاصة، وهو ما انعكس فى تعدد القراءات والتفسيرات التى طُرحت خلال الندوة التطبيقية عقب العرض، الأمر الذى أسعدنى باعتباره دليلًا على نجاح العمل فى تحفيز التأويل وإثارة التفكير.

وأيضًا اسم «وحيد» بطل المسرحية، يحمل بدوره العديد من الدلالات الرمزية، بجانب تفاعل الجمهور مع هذا الاسم وتقديم قراءات متنوعة له كان من أكثر الجوانب التى منحتنى شعورًا بالرضا، لما كشف عنه من ثراء فى التلقى وتعدد فى مستويات الفهم والتأويل.

■ ما الذى جذبك إلى تجربة المسرح الثنائى؟

- انجذابى إلى المسرح الثنائى يعود إلى إيمانى بأن المسرح شأنه شأن الحياة، يقوم على الحوار والتفاعل بين رؤى وتجارب مختلفة، وأن جوهر العمل المسرحى بالنسبة لى يتمثل فى طرح الأفكار والهموم والتجارب الإنسانية من خلال التقاء عالمين متباينين، وهو ما يجسده المسرح الثنائى بصورة واضحة ومكثفة، ولا أنطلق فى أعمالى من رغبة مسبقة فى تطبيق تقنيات أو مناهج فنية محددة، بل أفضل أن تنبع التجربة من شغفها الإبداعى أولًا، والتنظير يأتى بعد التجربة وليس قبلها. 

كما أن الصراع الدرامى الناتج عن الحوار بين شخصيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين يمثل عنصرًا ثريًا وجذابًا على المستوى الفنى، والحياة نفسها قائمة على الثنائيات والتناقضات مثل الفرح والحزن، والنور والظلام، وهو ما يمنح هذا النوع من الحوارات مساحة واسعة للإبداع والتعبير الفنى.

■ ما الذى يميز مهرجان المسرح الثنائى عن غيره من المهرجانات المسرحية الأخرى؟

- مهرجان «دبا الحصن» للمسرح الثنائى يتمتع بخصوصية فنية واضحة تنبع من فلسفته القائمة على تقديم عروض تعتمد على الحوار بين شخصيتين رئيسيتين على خشبة المسرح، سواء كانا رجلًا وامرأة أو رجلين أو امرأتين، وهو ما يمنح هذا النوع المسرحى طابعًا مميزًا وفرصًا واسعة للتجريب والإبداع.

وعرض «دهب» قدم معالجة مختلفة داخل هذا الإطار، إذ قام على حوار بين رجل مسن وطفلة صغيرة، وهو طرح غير مألوف فى عروض المسرح الثنائى، الأمر الذى لفت انتباه إدارة المهرجان والجمهور على حد سواء، فالجمع بين هاتين الشخصيتين للمرة الأولى ضمن هذا السياق المسرحى شكل إضافة مميزة للتجربة، وأسهم فى تقديم طرح جديد داخل فضاء المسرح الثنائى.

والمهرجان يتميز بالتنوع والثراء الفنى اللذين تتيحهما طبيعة مسرح الديودراما، والمسرح الثنائى يمثل مساحة خصبة للابتكار والتجريب وصياغة رؤى درامية متنوعة، وهو ما انعكس بوضوح فى العروض المشاركة التى قدمت تجارب وأساليب فنية متعددة تثرى المشهد المسرحى العربى.

■ شاركت كمخرج وممثل فى العرض.. كيف وازنت بين المهمتين؟

- مشاركتى كممثل فى العرض ليست التجربة الأولى فى مسيرتى الفنية، حيث إننى أمتلك خبرة طويلة فى مجال التمثيل إلى جانب عملى فى الإخراج والتأليف، ولا أفضل دائمًا الظهور كممثل فى الأعمال التى أخرجها، لكنى شعرت بارتباط خاص بشخصية «وحيد» منذ مرحلة الكتابة، الأمر الذى دفعنى فى النهاية إلى تجسيد الدور بنفسى، وفكرت فى البداية فى إسناد الشخصية إلى ممثل آخر، إلا أن عملية الكتابة جعلتنى أكثر قربًا من الشخصية وأكثر إحساسًا بتفاصيلها وانفعالاتها، خاصة أننى مؤلف النص أيضًا.

ورأيت أن الدور يتطلب ممثلًا يمتلك قدرة كبيرة على التواصل والتفاعل مع الطفلة المشاركة فى العرض، نظرًا لأهمية بناء علاقة إنسانية مقنعة على خشبة المسرح تنعكس على أداء الشخصيتين وتفاعل الجمهور معهما، وبطبيعة علاقتى الجيدة بالأطفال أسهمت فى خلق حالة من الانسجام والتفاهم بينى وبين الطفلة «دانة» خلال البروفات والعرض، وهو ما انعكس إيجابًا على الأداء المشترك بيننا. 

كما أن الجمع بين الإخراج والتمثيل فى هذا النوع من الأعمال قد يكون أمرًا إيجابيًا إذا كان المخرج يمتلك الخبرة والقدرة التمثيلية اللازمة، لأنه يكون أكثر إدراكًا لتفاصيل الشخصية والرؤية الفنية للعمل، فضلًا عن أن الكيمياء التى تشكلت بينى وبين الطفلة نجحت فى الوصول إلى الجمهور وأسهمت بشكل واضح فى نجاح العرض وتحقيق التأثير المطلوب لدى المشاهدين.

■ ما الذى أضافته براءة الطفلة «دانة» إلى البناء الدرامى للمسرحية؟

- وجود طفلة داخل العرض المسرحى أضفى قدرًا كبيرًا من المصداقية والعفوية على الأحداث، فبراءة الطفل تمنح العمل طاقة إنسانية خاصة وتعزز تفاعل الجمهور معه بصورة مباشرة، وهذا التأثير لا يرتبط بالضرورة بالبناء الدرامى من الناحية الأكاديمية أو المنهجية، بل يتعلق أكثر بالإحساس الصادق الذى ينقله الطفل إلى المتلقى.

فالطفل مهما بلغت موهبته، يظل محدود الخبرة مقارنة بالممثل المحترف، وهو ما قد يؤثر أحيانًا على قدرته فى الحفاظ على الإيقاع الكامل للشخصية طوال العرض، خاصةً أن التحكم فى الإيقاع الدرامى يعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة المسرحية المتراكمة، وليس على الموهبة وحدها، وأى طفل بطبيعته يفتقد لسنوات الخبرة التى تمكنه من الإمساك الكامل بتفاصيل الأداء واستمراريته من بداية العرض حتى نهايته.

ورغم ذلك، حضور الطفل داخل العمل يمنحه عناصر أخرى بالغة الأهمية، من بينها الصدق والمصداقية والقدرة على خلق حالة من التفاعل والتواصل العاطفى مع الجمهور، فبراءة الطفل تسهم فى تعزيز ارتباط المشاهد بالعرض وتقوية حالة الاندماج معه، وهو ما ينعكس بشكل واضح على استقبال الجمهور للأحداث والشخصيات داخل المسرحية.

■ إلى أى مدى أسهمت العناصر التقنية فى تعزيز فكرة العمل؟

- أحداث المسرحية تدور بالكامل خلال فترة الليل، بدءًا من ما بعد غروب الشمس وحتى لحظة شروقها فى نهاية العرض، وهذا الإطار الزمنى شكّل عنصرًا أساسيًا فى بناء الفضاء السينوغرافى للعمل، فاعتمدنا على التأثيرات البصرية المرتبطة بالليل وتدرجاته وصولًا إلى لحظة الشروق، لما تحمله هذه التحولات الزمنية من أبعاد درامية وشعورية تخدم طبيعة الحدث المسرحى، إلى جانب عناصر الإضاءة التى لعبت دورًا محوريًا فى تكوين هذه الصورة البصرية، والعناية الدقيقة باختيار الأزياء وتوظيفها بما يتناسب مع طبيعة الحدث والحالة الشعورية للمشاهد.

وأيضًا توظيف ضوء القمر داخل السينوغرافيا كان من أكثر العناصر التى لاقت تفاعلًا من الجمهور، حيث إننى تلقيت العديد من الآراء الإيجابية حول تأثير القمر وحضوره البصرى فى العرض، لما أضافه من دعم للحالة الدرامية، وتعزيز للأجواء الشعورية التى أراد العمل إيصالها إلى المتلقى.

■ هل تنوى تقديم العرض فى مصر والمشاركة به فى مهرجانات أخرى؟

- العرض حظى بتفاعل جماهيرى واسع، والعديد من الحضور طالبوا باستمرار تقديمه لما يحمله من رسائل إنسانية وقضايا مجتمعية مهمة تمس واقع الأسرة والمجتمع، فالعمل رغم بساطة الحدث الظاهرى القائم على الحوار بين رجل وطفلة، تضمن فى داخله العديد من الدلالات والرسائل العميقة التى لامست الجمهور وأثارت تفاعله.

كما أن ردود الأفعال عقب العرض كانت إيجابية بصورة كبيرة، حيث عبّر كثير من المشاهدين عن رغبتهم فى مشاهدة العمل مجددًا، وهو ما اعتبره دليلًا على نجاح المسرحية فى الوصول إلى الجمهور وتحقيق تأثير إنسانى وفكرى واضح، لذلك أخطط للعمل على تقديم العرض أمام الجمهور المصرى، وأيضًا إلى المشاركة فى مهرجانات مسرحية أخرى خلال الفترة المقبلة، بما يمنح العمل فرصة للوصول إلى جمهور أوسع واستكمال رحلته الفنية على نطاق أكبر.

■ ماذا تمثل لك المشاركة فى مهرجان «دبا الحصن»؟

- محطة مهمة فى مسيرتى الفنية، بجانب أهمية المهرجان باعتباره حدثًا نوعيًا متخصصًا فى المسرح الثنائى، ويحظى بمكانة مرموقة فى الساحة المسرحية العربية، كما أشاد بالمستوى التنظيمى للمهرجان واحترافيته، وسعيد بالمشاركة فى هذه الدورة، واعتبر هذه التجربة إضافة مهمة ومصدر فخر فى مشوارى الفنى.

■ فى «دهب» تدعو الجمهور للتوقف عن الخوف من الماضى والمستقبل والالتفات للحاضر.. هل استطعت أن تطبق هذه الفكرة فى حياتك؟

- الرسالة التى يحملها العرض لا تزال مستمرة ولم تنتهِ داخل أحداث المسرحية، فالإنسان مطالب طوال حياته بأن يحاول التمسك بالحاضر والاستمتاع به، بدلًا من الاستسلام للخوف، ودعوت الجمهور إلى التركيز على اللحظة الراهنة، باعتبار أن الإنسان لا يملك سوى يومه وحاضره، بينما يبقى المستقبل أمرًا غير مضمون.

وعلى المستوى الشخصى أحاول دائمًا تطبيق هذه الفكرة فى حياتى اليومية، من خلال التركيز على ما أعيشه فى الحاضر وما أسعى إلى تحقيقه، رغم امتلاكى لأحلام وطموحات تخص المستقبل، ورسالتى للجمهور ليست التخلى عن الأحلام أو التطلعات، بل التخلى عن الخوف الذى يعطل الإنسان ويمنعه من الاستمتاع بالحياة.