ماذا يكتب العالم؟
مكتشفة المواهب.. نيو دايركشنز.. أسرار ناشرة نوبل الأيقونية
- قدمت فى المتوسط فائزًا واحدًا بجائزة نوبل كل ست سنوات ونصف السنة
- حصل 15 مؤلفًا من دار النشر «نيو دايركشنز» على جائزة نوبل فى الأدب
- تأسست عام 1936 على يد جيمس لافلين وهو طالب فى السنة الثانية بجامعة هارفارد
فى عام 1995 أصدرت الكاتبة الكندية آن كارسون ديوانها الشعرى الأول عن دار «نيو دايركشنز» (New Directions)؛ وهى دار نشر صغيرة تميزت بقائمة أعمال طليعية ضمت عمالقة الأدب، بمن فيهم تينيسى ويليامز، وويليام كارلوس ويليامز، وبابلو نيرودا. لم تطل إقامتها هناك؛ ففى العام نفسه أصدرت كتابًا آخر مع دار «كنوبف»، وهى دار نشر تتمتع بموارد مالية أضخم بكثير، حيث استمر تعاونها معها لسنوات.
ورغم ذلك التجاهل، واصل محررها «ديكلان سبرينج»- الذى كانت هى أول مؤلفة يتولى تحرير أعمالها- السعى لكسب ودها، فكان يرافقها لحضور عروض موسيقى الجاز كلما زارت نيويورك، آملًا أن تنجح تلك الدار الصغيرة المتخصصة، التى تتوارى فى طابق ضيق ومكدس بالأغراض داخل مبنى مكتبى مصمم بطراز «آرت ديكو» فى حى تشيلسى، فى استعادة أعمال تلك الموهبة الأدبية الفذة.
سنحت له الفرصة بعد اثنى عشر عامًا، حين تبلورت لدى «كارسون»، التى كانت تعانى وطأة فقدان شقيقها، رؤية لكتاب أشبه بألبوم للذكريات منه إلى مجلد ضخم.
ومن خلال هذا المشروع، استطاع «سبرينج» أن يقدم لها ما عجزت عنه الشركات العملاقة: الصبر والحماس الإبداعى لتحويل الفكرة إلى عمل تكريمى اتخذ شكل «نوكس» (Nox)؛ وهو عبارة عن لفافة ورقية مطوية على هيئة الأكورديون ومحفوظة داخل صندوق.
نشرت دار «نيو دايركشنز» كتابها، وهو تأمل فى الموت والفقد، عام ٢٠١٠. وبينما تعاونت كارسون أحيانًا مع دور نشر أخرى، واستمرت فى النشر مع دار «كنوبف» حتى عام ٢٠١٦، فقد أنتجت سبعة أعمال أخرى مع «نيو دايركشنز»، حيث لا تزال تعمل حتى اليوم.
ستصدر الدار كتابها التالى «احذر الرجل الذى تتمايل كتابته كقصبة فى مهب الريح»، فى فبراير، يليه كتاب «أبرز ملامح الاستعمار»، وهو قصيدة مطوية على شكل أكورديون، فى خريف عام ٢٠٢٧.

فى يوم الأربعاء، مُنحت جائزة نوبل فى الأدب للكاتبة كارسون، البالغة من العمر ٧٦ عامًا. وكان كاتب آخر من دار «نيو دايركشنز»، وهو المجرى لازلو كراسناهوركاى، قد فاز بالجائزة فى العام الماضى؛ وقد أشرف على تحرير أعماله كل من سبرينج «٦٠ عامًا»، وباربرا إبلر، الناشرة فى «نيو دايركشنز».
ويأتى هذا الفوز المتتالى بعد فوز كاتب آخر بالجائزة من الدار نفسها، وهو الشاعر السويدى توماس ترانسترومر، عام ٢٠١١. وبذلك، تكون الشركة قد نشرت أعمال ١٥ كاتًبا حائزًا على جائزة نوبل خلال مسيرتها الممتدة لتسعين عامًا.
تشمل القائمة: آن كارسون، ٢٠٢٦، لازلو كراسناهوركاى، ٢٠٢٥، توماس ترانسترومر، ٢٠١١، أوكتافيو باز، ١٩٩٠، كاميلو خوسيه سيلا، ١٩٨٩، إلياس كانيتى، ١٩٨١، أوجينيو مونتالى، ١٩٧٥، بابلو نيرودا، ١٩٧١، ياسونارى كواباتا، ١٩٦٨، جان بول سارتر، ١٩٦٤، سانت جون بيرس، ١٩٦٠، بوريس باسترناك، ١٩٥٨، أندريه جيد، ١٩٤٧، هيرمان هيسه، ١٩٤٦، فريدريك ميسترال، ١٩٠٤.
وقد حاز مؤلفو الدار على العديد من الجوائز الوطنية والدولية، بما فى ذلك: جائزة بوليتزر، الجائزة الوطنية للكتاب، جائزة «بين/فولكنر» للرواية، جائزة جونكور، جائزة مان بوكر الدولية، جائزة لينور مارشال للشعر، جائزة بولينجن للشعر الأمريكى، جائزة ويندهام- كامبل للأدب، جائزة «فيلينيكا كريستال».
فى حقبة تهيمن فيها الشركات الناشرة الكبرى على قطاع يشهد عمليات اندماج متسارعة، حافظت دار «نيو دايركشنز» على استقلاليتها وواصلت تقاليدها العريقة فى استكشاف ورعاية نخبة من أبرز المؤلفين وأكثرهم تأثيرًا فى العالم؛ إذ قدمت، فى المتوسط، فائزًا واحدًا بجائزة نوبل كل ست سنوات ونصف السنة تقريبًا.
ولعل الأمر الأكثر إثارة للإعجاب هو احتفاظها بهؤلاء الكتاب، أو- كما حدث مع كارسون- استعادتهم وضمهم مجددًا إلى كنفها.
بالنسبة لكارسون، المعادلة بسيطة: «إنهم ألطف الناس»، على حد تعبيرها، وذلك وفقًا لوكيلتها الأدبية نيكول أراجى.
فى ظهيرة يوم الخميس اتصلت «كارسون» وزوجها روبرت كورى بمكتب «نيو دايركشنز» من آيسلندا، حيث يقضيان نصف العام، وجرى وضعهما فورًا على مكبر الصوت.

قالت كارسون: «اشربا كأسًا من الشمبانيا على حسابى»، فردت إبلر: «إنها زجاجة كاملة يا عزيزتى!».
تعوض دار «نيو دايركشنز» ما تعجز عن تقديمه من حيث الدفعات المالية المسبقة وميزانيات التسويق الضخمة من خلال الاهتمام الشخصى؛ فعلى سبيل المثال، عندما يزور مؤلفون، مثل كارسون، المكتب، يقول سبرينج: «نترك جميعًا ما بأيدينا ونقضى وقتا معًا».
قال الوكيل الأدبى جونا، الذى يمثل الكاتب جون كين، صاحب كتاب «Counternarratives» الصادر عام ٢٠١٥ عن دار «نيو دايركشنز» والحائز على عدة جوائز أدبية: «أنا واثق تمامًا من أن الكتب التى أصدرتها معهم لم تكن لتلقى القدر نفسه من الاهتمام والمبيعات والمراجعات والجوائز لو تولت نشرها دار أكبر، حتى وإن وافقت تلك الدور على نشرها؛ فقد أدركت (نيو دايركشنز) طبيعة ما تنشره فهمًا ربما لم تكن لتدركه دار نشر أضخم».
تأسست دار «نيو دايركشنز» عام ١٩٣٦ على يد جيمس لافلين، وهو طالب فى السنة الثانية بجامعة هارفارد، وذلك استجابة لنصيحة أسداها إليه عزرا باوند: «لن تكون شاعرًا بارعًا أبدًا؛ فلماذا لا تمتهن عملًا مفيدًا؟».
واصل لافلين، الذى كوّنت عائلته ثروتها فى صناعة الصلب، نشر أعمال عمالقة الأدب، بمن فيهم هنرى ميلر، وجونا بارنز، وديلان توماس، وباوند نفسه. كما كان أول ناشر أمريكى لأعمال فلاديمير نابوكوف، رغم أنه رفض نشر رواية «لوليتا»؛ نظرًا لأن موضوعها كان جريئًا للغاية.
لقد فتن «لافلين» بشعر كارسون، وسعى لاستقطابها إلى دار النشر التى يملكها عبر رسائل مطبوعة بالآلة الكاتبة، واصفًا إياها فى رسالة إلى أحد زملائه بأنها «عبقرية أصيلة تشق مسارًا جديدًا». وعن ذلك قالت إبلر (٦٥ عامًا»: «لقد كان معجبًا بها بشدة».
على الرغم من ثرائه، عرف «لافلين» بـ«نزعته إلى الاقتصاد والتدبير؛ إذ كان يدفع رواتب منخفضة ويؤخر سداد العوائد المالية حينما تشح السيولة»، وذلك وفقًا لما ورد فى نعيه الذى نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» عام ١٩٩٧.
وكما عبّرت عن ذلك إبلر، التى انضمت إلى الشركة عام ١٩٨٤ بصفة مساعدة تحرير: «كان بإمكانه فعل أى شىء يريده، لكنه كان يفضل دائمًا إنجاز الأمور بأسلوب سليم ومجدٍ اقتصاديًا».
شعر «لافلين» بـ«الحزن والأسى» إزاء احتمال انتقال «كارسون» إلى دار نشر «كنوبف»، وذلك حسب رسالة كتبها ولم يؤرخها.
ومع ذلك، فبدلًا من أن يقدم لكارسون- وهى أستاذة فى الدراسات الكلاسيكية- عرضًا مجزيًا، «كان يغازلها باللغتين اللاتينية واليونانية»، على حد تعبير إبلر، التى أضافت قائلة: «لم يكن يدرك مدى حاجتها إلى المال؛ ببساطة، لم يستوعب الأمر».
حتى بعد وفاته، ظل «لافلين» ملتزمًا بمبادئه المتمثلة فى التميز الأدبى والانضباط المالى الصارم؛ إذ باتت الشركة الآن خاضعة بالكامل لسيطرة ورثته.
وقد ترك وراءه صندوقين ائتمانيين بقيمة ٥٠ ألف دولار لكل منهما: خُصص أحدهما لتغطية النفقات التشغيلية، بينما أُعد الآخر لتمويل تصفية الشركة بطريقة منظمة فى حال تعرضها للانهيار.
فى صندوق الائتمان الذى أنشأه، والذى انقضى أجله عام ٢٠١٨، اشترط «لافلين» عدم بيع الشركة وعدم الاستحواذ على المجموعة الفنية؛ ورغم أن رغباته لم تعد ملزمة قانونًا، إلا أنها لا تزال تشكل جوهر هوية الشركة وقيمها.
استمرت «نيو دايركشنز» فى الازدهار، مدعومة بقائمة رائعة من المؤلفين الكلاسيكيين، مثل خورخى لويس بورخيس وتينيسى ويليامز، وظهور غير متوقع لكتّاب مثل أوسامو دازاى وكلاريس ليسبيكتور، بالإضافة إلى نجاحات أحدث مثل الكاتبة الدنماركية سولفى بال.
على عكس التكتلات العملاقة فى مجال النشر، تتمتع دور النشر المستقلة بسمعة طيبة فى الحفاظ على المؤلفين الذين لا يحققون نجاحًا تجاريًا فوريًا. وفى هذا الصدد، قالت إبلر: «إن بناء قاعدة جماهيرية يستغرق وقتًا، وهو أمر لا تجيده دور النشر الكبرى».
يتفق فريق العمل المقدام بالإجماع على الكتب التى يقررون ضمها إلى قائمتهم، ويتعاونون فى مناقشة أدق التفاصيل، وصولًا إلى تصميم أغلفة الكتب المميزة التى تعد علامة فارقة تميز دار «نيو دايركشنز».
فبعد الحرب العالمية الثانية أقامت الدار علاقة وثيقة مع الفنان ألفين لوستيج، الذى صمم أغلفة كتب تجريدية حديثة. ويعزى إلى «لوستيج» الفضل فى ابتكار أسلوب مميز لأغلفة الكتب، والذى أصبح علامة فارقة لدار «نيو دايركشنز» لسنوات عديدة.
لاحقًا، صمم راى جونسون، أحد طلاب «لوستيج» فى كلية بلاك ماونتن، أغلفة لعدة عناوين، من بينها كتاب «إضاءات» لرامبو عام ١٩٥٧. أما بيانات النشر الخاصة بالدار فهى عبارة عن رسم لقنطور مستوحى من منحوتة للفنان هاينز هينجيس، وتظهر عادة على غلاف كتب «نيو دايركشنز».
وتقول «إبلر»: «نظرًا لصغر حجمنا ومحدودية مواردنا المالية، يتحتم علينا تحديد المواهب المتميزة بسرعة قبل أن يلتفت إليها الآخرون؛ لذا فإننا نعتمد كثيرًا على ترشيحات الأصدقاء والكتّاب والمترجمين والناشرين من مختلف أنحاء العالم، ولا نتردد فى طلب المشورة منهم باستمرار».
تتكدس أكوام هائلة من المخطوطات وتترنح فى مكتب «إبلر»، وهى جزء من رحلة بحث لا تنتهى، وعالمية النطاق، عن أبرز المواهب الأدبية فى العالم؛ أولئك المؤلفين الذين لا يكتفون بتجاوز حدود الإبداع فحسب، بل ينجحون أيضًا فى استمالة القُراء الشباب فى الجامعات ولجان تحكيم الجوائز على حد سواء.
قال «ستراوس»: «لا أستطيع القول إنهم يسعون وراء جوائز نوبل بحد ذاتها، لكنهم يتبنون رؤية واسعة النطاق فى اختياراتهم للأعمال التى يضمونها إلى قائمتهم».
واستذكر كراشنا هوركا، الحائز على جائزة نوبل العام الماضى، موقفًا حدث حين كان يقف خارج إحدى الفعاليات فى بروكلين بصحبة إبلر وسبرينج وميكى تشيو «وهى محررة بارزة ومديرة العلاقات العامة فى دار (نيو دايركشنز)»، إذ شق شاب طريقه وسط الحشد ليحييهم؛ وحينها، تهيأ كراشنا هوركا لتوقيع تذكار له.
لكن كراشنا هوركا يتذكر قائلًا: «لم يكن قاصدًا إياى على الإطلاق؛ فقد توجه مباشرة نحو باربرا إبلر».
لقد أراد أن يخبرها بأنه من أشد المعجبين بها.







